تطاير الغبار عقب انطلاق سيارة "عبد الجبار" عاكسًا غضبه عليها، بعدما هاتفته ابنته الكبري لتخبره ببكاء أن والدتها فقدت وعيها ولم يستطع أحد إفاقتها. كان قد وصل للتو لمقر شركته، وقبل أن يخطو لمكتبه الزجاجي الفخم، أتاه هذا الاتصال الذي أسقط قلبه أرضًا، فهرول عائدًا لسيارته وقاد بها بأقصى سرعة.
نجا من حادث سير بأعجوبة بعدما تمكن من السيطرة على المقود، وأخيرًا صف السيارة أمام باب منزله وقفز منها حين لمح "سلسبيل" جاثية على ركبتيها بجوار "خضرا" الملقاة أرضًا تحاول إفاقتها. "خضراااا" قالها وهو يقطع المسافة الفاصلة بينهما راكضًا، ومال على زوجته يتفحصها بلهفة مرددًا بفزع: "أيه اللي حصل!!! زمجر بشراسة مكملاً وهو يتنقل بنظره بين "سلسبيل" و"بخيتة" التي هبطت الدرج وتقترب عليهم مستندة على عصاها الخشبية:
"مالها مرتي يا أمه" "مخبرش يا ولدي.. هي وقعت لحالها أكده" نطقت بها "بخيتة" ببراءة مصطنعة، ومن ثم تابعت بشهقة وهي تراه يستعد لحملها: "يا مُري أنت هتلفحها كيف بچيتها المفشولة دي.. تقطم ضهرك يا ولدي" "وبعدهلك عاد يا أمه" قالها بغضب، وهو يضع يد حول خصر زوجته، ويده الأخرى أسفل ركبتيها وحملها على ذراعيه بمنتهى الخفة، كأنها لم تزن شيئًا.
أمام نظرات "سلسبيل" المنذهلة، فتحت فمها ببلاهة عندما رأته يستقيم بها واقفًا، وسار بخطوات ثابتة لداخل المنزل. لم يضعها على أقرب أريكة كما ظنوا، بل اتجه لغرفتهما الخاصة بالطابق الثاني. "عيني عليك يا ولدي وعلى حمولتك التقيلة" أردفت بها "بخيتة" وهي تصعد خلفهما، وخلفها "سلسبيل" التي تعض على شفتيها بغيظ منها مرددة بصوت خفيض: "حرام عليكي يا وليه بقي.. بطلي كلامك اللي زي السم دا يا شيخة"
"شخشخت ركبك يا عفشة يا بت المركوب" قالتها وهي تلتفت لها، وترفع عكازها تنوي ضربها به كعادتها، إلا أن "سلسبيل" فرت راكضة حتى تخطتها واحتلت بـ "عبد الجبار" صارخة: "حوشها عني ونبي يا سي عبد الجبار" "كفياكِ يا ااااااامه" قالها وهو يضع زوجته على الفراش بتمهلٍ، وجلس بجوارها محتضن وجهها بين كفيه، يربت على وجنتيها برفق مغمغمًا: "خضرا.. فوقي يا غالية.. أني سيبك زينة.. أيه اللي چرالك"
كانت "سلسبيل" تطلع لهما بابتسامة حالمة، معاملته لزوجته راقتها كثيرًا. أطبقت جفنيها بعنف حين داهمتها إحدى ذكرياتها البشعة برفقة زوجها القاسي الذي كان إذا رآها متعبة زاد تعبها وآلامها بقسوته، ويده التي لم تر منها سوى الصفعات. "أمه مالها يا بوي!! " كان هذا صوت "فاطمة" ابنته التي تحتضن شقيقتها الصغرى، ويبكيان بنحيب. فقربت منهما "سلسبيل" وضمتهما لها، وبدأت تبكي هي الأخرى.
انتصب "عبد الجبار" واقفًا وأسرع نحو طاولة الزينة، أخذ زجاجة عطر من عليها، نثر منها على باطن يده بغزارة وعاد مرة أخرى بجوار زوجته وهو يقول: "متبكيش يا فاطمة.. بطلي بُكي يا حياة.. خدي خيتك يا فاطمة وروحوا على أوضتكم، وأمكم هتفوق وهتبقي زينة دلوجيت" انصاعت الفتاة لحديث والدها في الحال، وظلت "سلسبيل" واقفة مكانها تتابع هذا الرجل الذي لم تر في حياتها مثل رجولته من قبل. "عبد الچبار" همست بها "خضرا" وهي تجاهد لفتح عينيها.
"أني أهنه يا غالية.. فوقي متخلعيش جلبي عليكي" قالها وهو يميل على جبهتها، ويلثمها بقبلة مطولة مكملاً: "فتحي عيونك يا خضرا خلي الروح ترد فيا عاد" انبلجت ابتسامة على ملامح "سلسبيل" الباكية، رغم شعور الحسرة الذي ينهش قلبها على حالها، وما مرت وما زالت تمر به. بينما "خضرا" استعادت وعيها بعدما شعرت بلهفة، ولمسات زوجها الحانية، وعبقه الذي يغمرها، وذراعيه التي تحوطها بحماية.
"عبد الچبار" قالتها هذه المرة بتقطع من بين شهقاتها بعدما انفجرت باكية ببكاء مرير وهي تتذكر كلمات "بخيتة" التي جرحت قلبها بسكين بارد. لم يفكر "عبد الجبار" مرتين وهو يخطفها داخل صدره بعناق محموم أمام الجميع، خاصة "بخيتة" التي جحظت عيناها، ولوت فمها للجانبين أكثر من مرة مرددة بغضب: "اتحشم في وچودي يا ولد" "وه.. اتحشم ليه يا أمه.. أني في أوضة نومي، ودي مراتي!!!! " أردف بها ببرود، وهو يربت على ظهر زوجته صعودًا وهبوطًا.
رمقته "بخيتة" بنظرة حارقة، وغادرت الغرفة بأكملها وهي تسب وتلعن بسرها. شعرت "سلسبيل" بالحرج، فتنحنحت وهي تسير بخطي مسرعة نحو باب الغرفة، أمسكته تسحبه خلفها وهي تقول: "احححم.. سلامتك يا أبلة خضرا" "تسلمي من كل رضي يا خيتي" قالتها "خضرا" وهي تبتعد بخجل عن أحضان زوجها الذي أبى تركها، بل أنه جذبها عليه، ورفعها قليلاً أجلسها على قدميه، وقام بلف ذراعيها حول عنقه مستندًا بجبهته على جبهتها وهو يقول: "قوليلي مين زعل ست الناس"
قبل أرنبة أنفها، ووجنتيها قبلات متفرقة جعلت أنفاسها تتلاحق، وتابع مستفسرًا: "أنتي متغميش أكده إلا لو حاجة واعرة زعلتك" كان هذا المشهد الحميمي تراه "سلسبيل" التي لم تغلق باب الغرفة بالكامل، تيبست محلها كمن فقدت الحركة تتابعهما بدهشة وعدم تصديق لما تراه، وكأنها أمام إحدى أجمل، وأروع الأفلام الرومانسية على الإطلاق.
"هزعل كيف وأنا مرتك يا عبد الچبار.. يكفيني شوفتك يا أخوي اللي بتشفي جلبي حتى لو فيه ميت شق" همست بها "خضرا" وهي تطلع لعينيه بنظرة يملؤها الحب، والعبرات معًا. أهداها "عبد الجبار" ابتسامته النادرة قبل أن يميل عليها بوجهه ويلتقط شفتيها بين شفتيه بقبلة شغوفة وهو يميل بها على الفراش ليعالج جروحات قلبها بطريقته الخاصة.
كتمت "سلسبيل" شهقة قوية، وأغلقت الباب بمنتهى الحرص وفرت راكضة من أمام الغرفة، دلفت لداخل حمام كان بابه مفتوح، أغلقته خلفها مستندة عليه بظهرها، ووضعت يدها على قلبها لعلها تهدأ من عنف دقاته محدثة نفسها بذهول: "معقول دا يبقي أخوك يا عبد الرحيم!!!! ***
بعد حوالي ساعتين، جلس الجميع حول مائدة الطعام بأمر من الذي يرأسها "عبد الجبار" بعدما كانت "بخيتة" تعترض على جلوس "سلسبيل" معهم. كانت ملامحه عابسة بشدة، نظره مصوب تجاه والدته التي تأكل بشراهة غير مبالية لنظراته. انتظر حتى فرغت من طعامها، وهمت بالقيام، إلا أنه أجلسها ثانيةً حين قال بصوت أجش: "أمه.. يفرقلك زعلي يا أمه؟ تطلعت له "بخيتة" بلهفة وهي تقول: "ولا زعل حد واصل يفرقلي غيرك يا ولدي"
"يبقي متزعليش مراتي" قالها بنبرة راجية، وصمت لبرهةٍ وتابع بهدوء: "اللي يزعل خضرا.. كأنه زعلني تمام، وأنتي خابرة زين أن زعلي واعر قوي يا أمه" كانت "سلسبيل" تتابع حديثهم بقلب يتمزق، دون إرادتها تقارن أفعال زوجها الحمقاء معها، كان لا يشغله زعلها وقهرة قلبها من أفعال والدته، بل كان يشجعها على إهانتها، ويضربها سويًا، لم يدافع عنها ولو لمرة واحدة طيلة فترة زواجهما.
"حاضر يا ولدي.. اللي رايده هو اللي هيُحصل" نطقت بها "بخيتة" من أسفل أسنانها، وهي ترمق "خضرا" بنظرات كالسهام القاتلة. تنهد "عبد الجبار" براحة مغمغمًا: "و سلسبيل يا أمه؟! هنا تهللت أسارير تلك الحزينة بفرحة غامرة، ورفعت رأسها تنظر له بابتسامة ممتنة، لكنها تلاشت سريعًا حين ثارت "بخيتة" بصوت غاضب قائلة: "ملكش صالح بهبابة.. لما تبجي مرتك تبجي تتحدد، وتدافع عنِها.. غير أكده ملكش صالح بيناتنا"
هب "عبد الجبار" واقفًا، وتحدث بنفاذ صبر قبل أن يسير من أمامهم: "أني مشاغلي ياما يعني معوزش وچع دماغ، ولا فاضي لحديت الحريم الماسخ ده يا أمه" "خليك بمشاغلك يا ولدي.. ومتشيلش هم من چهتنا واصل" أردفت بها "بخيتة" بابتسامة مصطنعة، وهي تتنقل بنظرها بين "خضرا، سلسبيل".. كانت نظرتها الخبيثة كفيلة بسحب الدماء من عروقهما. ***
مر أسبوع على وجود "سلسبيل" بمنزل "عبد الجبار" شعرت خلاله بالأمان الذي غاب عنها له سنوات، عرفت معنى الراحة والسكينة التي حرمت منها، أصبحت مقبلة على الحياة بعدما كانت تبغضها، وتتمنى الموت لعله يكون رحيم بها عن ما تعيشه من عذاب على يد والدها، وحماتها شديدة الطباع.
كانت "بخيتة" هادئة تلك الفترة حتى لا تغضب ابنها منها بعد ما فعلته بزوجته، هدوءها هذا تحفظه "سلسبيل" عن ظهر قلب، تعلم جيدًا أنها الآن كالنيران أسفل الرماد، ولن يدوم صمتها هذا طويلاً، وستعود كما كانت وأكثر.
لم يشغلها ما تنوي عليه "بخيتة" معها، كل ما يشغلها حاليًا هذا العملاق، صاحب الملامح الغاضبة دومًا، صوته الأجش، هيبته التي ترتجف منها الأبدان، عينيه الثاقبة، نبرته الحادة، ومع كل هذا يمتلك قلب طفل حنون يغمر زوجته حب صادق لم تر مثله بحياتها من قبل.
كل ثانية تلمح طيفه بها يزداد عشقها بقلبها المتيم به أضعاف مضاعفة فوق عمرها، تلجم نفسها بصعوبة بالغة عنه، عينيها التي ترمقه بنظرات هائمة بين حين وآخر، وهو حتى لم يرمقها بنظرة خاطفة، يتجاهلها عن قصد، وإن أراد أن يصل لها أي شيء يكون عن طريق زوجته "خضرا". "قومي قامت قيامتك" هكذا استيقظت "سلسبيل" على صوت "بخيتة" التي تنغزها بعكازها بعدما سحبت من عليها الغطاء وألقته أرضًا، وتابعت بأمر:
"قومي نضفي الدوار، وجهزي الوكل قبل ما سيد الدار يقوم" تأوهت "سلسبيل" بألم وهي تنظر تجاه النافذة فوجدت الليل مازال يخيم، ولم تشرق الشمس بعد. "بتصحيني والشمس لسه مطلعتش حتى!!!! لكمتها "بخيتة" لكمة قوية مدمدمة: "ليكي سبوع واكله.. شاربة.. نايمة.. أيه نسيتي أصلك ولا فاكرها وكل ومرعي وقلة صانعة.. قومي همي وراكِ شغل ياما"
تحاملت "سلسبيل" على نفسها، وغادرت الفراش بتكاسل، لتدفعها "بخيتة" خارج الغرفة بعكازها. شهقت "سلسبيل" حين وقعت عينيها على المنزل الذي انقلب أثاثه رأسًا على عقب، والمياه تغرق السجاد الموضوع فوق بعضه. قامت "بخيتة" بمسك زجاجة من سائل التنظيف، وسكبتها فوق السجاد، وألقت لها فرشاة وتمتمت بجحود: "همي اشتغلي بالقمتك"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!