"بسم الله الرحمن الرحيم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". قليلًا، أو ربما يكون نادرًا إن وجد رجل يقدر غيرة امرأته عليه، يتقبل تقلبات زوجته النفسية التي تصل في بعض الأحيان إلى حد الجنون من شدة حبها له. مما أجبر "عبد الجبار" لكظم غيظه من تصرفات "خضرا" زوجته، وصبر على نوبة غضبها العارمة التي جعلتها تفقد السيطرة على أقوالها وأفعالها وما تتفوه به أمامه.
فضل الصمت التام وتركها تتحدث صارخة بكل ما تحمله بقلبها من أوجاع وآلام تنهش روحها، وقف أمامها بقمة الثبات رغم أنه يغلي بداخله خاصة حين قالت باندفاع: "أني وافجت على جوازك من سلسبيل بالذات وطلبتها لك بيدي بعد ما الدكتور خبرني أنها لا تقدر على حبل ولا خلفة ولا تقدر تعطيك حقوقك!!! هجمت عليه فجأة وبدأت تلكمه على صدره بقبضة يدها لكمات عنيفة، وتابعت بصراخ قائلة:
"مكنتش خابرة إنك هتعشجها.. مكنتش خابرة إن عشجك ليها هيخليها تطيب.. مكنتش خابرة إنك هتبجي رايدها ورايد قربها لدرجة إنك تاخدها بعيد عن عيني لاجل ما تاخد حقوقك منّها.. مكنتش خابرة إن نار الغيرة وجعها واعر قوي قوي أكده".
كانت "بخيتة" تجلس على إحدى المقاعد خلفهما، مستندة على عكازها الخشبي، تتابع ما يحدث بأعين يتطاير منها الشرر حين رأت هدوء وصبر ابنها على زوجته، وكم تمنت لو أن يفقد السيطرة على أعصابه وينقض عليها يرد لها لكماتها هذه أضعافًا مضاعفة. أو يتركها لها وتقوم هي بهذه المهمة، يتيح لها الفرصة فقط حينها لن تتردد ولا تفكر مرتين وستنهال عليها بعكازها لن تتركها إلا وهي جثة هامدة.
لكنها عوضًا عن ذلك بقيت صامتة، لم تقدر على النطق بحرف واحد بعدما رأت ملامح "عبد الجبار" الهادئة هدوء ما قبل العاصفة والتي لا تبشر بالخير أبدًا. لتزيد "خضرا" بالاندفاع بحديثها المتهور الذي كان بمثابة سكب الزيت فوق النيران حين قالت بوعيد:
"مبقاش عندي طاقة أصبر أكتر من أكده.. كل اللي خططت ليه بجي سراب من وجت ما دخلت على حرمة غيري.. مهستناش تاني كيف ما اتفجت مع أمك إني أصبر على سلسبيل لحد ما تبجي حبلة منك وتموت وهي بتجبلك الواد وأبجي أنا أمه كيف ما قالتلي". "اه يا عفشة يا بت المركوب". تمتمت بها "بخيتة" التي جحظت عينيها بصدمة مما قالته زوجة ابنها.
ساد الصمت حين صدح صوت رنين هواتف "عبد الجبار" بآنٍ واحد، تبدلت ملامحه الهادئة لأخرى متلهفة وهو يرى اتصالًا من "عفاف" علم من خلاله باستيقاظ أميرته النائمة، وبنفس اللحظة اتصل "حسان" الذي تركه لحراسة "سلسبيل". "خير يا حسان". ليصيح "حسان" ما أن سمع صوته قائلًا باستغاثة: "انجدنا يا كبير.. الجدع اللي اسمه جابر وصل عندنا اهنه وطايح في الرجالة كلياتهم، ومحدش قادر عليه واصل، ومصمم يقابل الست سلسبيل هانم".
جن جنون "عبد الجبار" وأسرع بالسير للخارج بخطوات أشبه بالركض وهو يقول بأمر: "امنعوه يا حسان.. فاهمني زين امنعوه بأي طريقة حتى لو بضرب النار.. وإني جايلكم في الطريق". ركضت "خضرا" خلفه بأقصى سرعة لديها، وقفت حائلًا بينه وبين باب المنزل تمنعه من الخروج. ونظرت لأعين زوجها التي ظهرت حولها الشعيرات الدموية بهيئة مخيفة نظرة يملؤها التحدي والقوة مكملة: "إني هخيرك لأول وآخر مرة يا عبد الجبار.. بين سلسبيل".
صمتت لبرهة، وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة حين رأت عينيه تتسعان بغضب وتبرز عروقه بخطورة، مع ذلك تحدثت بتأنٍ بالغ دون أن يخيفها الوضع أو نظراته المحذرة: "وبناتك.. فاطمة وحياة اللي هيكرهوك لما يكبروا ويفهموا إن أبوهم عشج واحدة غير أمهم لحد ما قهرها وخلّاها تطلب منه الطلاق وإلا... "وإلا إيه يا خضرا!!! أردف بها "عبد الجبار" بلهجة لا تخفي غضبه المشحون أبدًا. "هجتلك نفسي".
قالتها وهي تهرول تجاه سكين كان موضوعًا فوق طبق الفاكهة أخذته بلهفة، ووضعت نصله على معصم يدها. تفاقم شعوره بالحنق مع استمرار حديثها وأفعالها المثيرة للأعصاب، فامتدت يده نحوها وهمّ بالقبض على السكين الذي بيدها، لكنها تراجعت للخلف مبتعدة عنه على الفور، وضغطت بالنصل الحاد على يدها تسببت بجرح بدأ ينزف ببطء تثبت له به أنها جادة وحديثها هذا لم يكن مجرد تهديد.
تمالك أعصابه معبئًا نفسًا عميقًا إلى رئتيه، وهو يقول بصوت أكثر لينًا: "اعقلي يا بت الناس وارمي السلاح اللي في يدك ده". حركت رأسها له سلبًا، وانفجرت باكية بنوبة بكاء حادة، وقد بدأت تفقد سيطرتها على غضبها وحتى أعصابها، وتحدثت بتقطع من بين شهقاتها قائلة: "مش هتهملني وتروحلها يا عبد الجبار.. مش هفرط فيك مرة تانية يا خوي.. إني كنت غلطانة لما طلبتها لك بيدي اللي تستاهل قطعها دي".
أنهت جملتها وضغطت أكثر على السكين لينهمر الدماء من جرحها بغزارة أكبر أمام أعين زوجها المذعورة. "بكفايكِ يا خضرا.. أنتي مراتي وسلسبيل كمان مراتي وإني مهظلمش واحدة منّكم لو على رقبتي.. فاستهدي بالله يا غالية وارمي اللي في يدك ده وهمليني أروح أشوف الجدع المجنون اللي عايز يتهجم على الدار ويقابل مراتي في غيابي". قالها بصوت جوهري هز أركان المنزل لكن به نبرة متوسلة. "على جتتي المرادي أسيبك تروحلها يا أخوي".
نطقت بها بإصرار ونبرة جادة لا تسمح بالجدال، جعلته اصطك على أسنانه بقوة كاد أن يهشمها، ودار حول نفسه ممسكًا جبهته بكف يده وقد بدأت أعصابه تنهار هو الآخر حين تخيل وصول المدعو "جابر" لزوجته. "سلسبيل". بدى عليها الرعب، الفرحة، الصدمة، الدهشة، الذهول، والكثير من المشاعر المختلطة حين وصل لسمعها تلك الجملة: "أنا جابر يا سلسبيل". "جابر!!! نطقت بها بداخلها، دون أن تحرك لسانها أو حتى شفتيها.
هذا الاسم الذي أجبرها والدها على عدم ذكره نهائيًا، وإلا سينحر عنقها. دمعة حارقة هبطت من عينيها حين داهمتها ذكرى أبشع ليلة بعمرها. فلاش باااااااااااك. مثل كل صباح تسير بجواره ممسكة كف يدها الصغيرة داخل راحة يده، بطريقهما لمدرستها التي يوصلها لها بنفسه يوميًا دون كلل أو ملل. "ماما هتخف أمتي عشان أشوفها بقي.. واحشتني أوي يا جابر". أردفت بها الصغيرة "سلسبيل" صاحبة السبع سنوات.
تنهد "جابر" بحزن يحاول إخفاءه عنها، وأجابها بابتسامة دافئة قائلًا: "قريب.. هتخف قريب يا حبيبتي". مال عليها وحملها على يده، غمر وجنتها الممتلئة بقبلة عميقة مدمدمًا: "اممم.. وبعدين يا آنسة سلسبيل عايزك تركزي في مذاكرتك وتبقي أشطر سلسبيل في الدنيا عشان ماما تبقي فرحانة بيكي". "وأنت كمان يا جابر هتفرح بيا وتجبلي عروسة ولعب وحاجات حلوة". قالتها بفرحة طفولية وهي تصفق بحماس بكلتا يدها. ضمها لصدره مقبلًا جبهتها بحب مغمغمًا:
"طبعًا فرحان بيكي يا عيون جابر.. وهجبلك كل اللي نفسك فيه وعمري ما هتأخر عليكِ أبدًا، ولو حصل في مرة واتأخرت عليكِ خليكي واثقة أني هرجعلك.. هرجعلك ومش هسيبك أبدًا". ختم حديثه بقبلة أخرى على خدها الناعم، وأنزلها أمام باب مدرستها، ركضت هي للداخل مسرعة ووقفت ثانية واستدارت تبحث عنه، كان مازال واقفًا يتابعها بلهفة وابتسامته تزين محياه الحزينة.
لوحت له بكفها، وابتسامتها البريئة التي رآها للمرة الأخيرة، وظل مكانه حتى تأكد من وصولها لفصلها، وانصرف على أمل العودة لها في موعد خروجها. كان "قناوي" يقف على مسافة كافية يتابعهما بأعين كأعين الصقر مشتعلة بالغضب، انتظر حتى تأكد من ذهاب "جابر" واندفع تجاه المدرسة بسيارة مملوءة بالرجال جميعهم مسلحون. أخذ جولة ليست كبيرة داخل المدرسة وخرج منها ساحبًا خلفه ابنته التي تبكي وتصرخ مرددة بذعر: "أنا عايزة جابر".
حملها من حقيبتها الصغيرة الموضوعة على ظهرها، ودفعها لداخل السيارة قبل أن يجذب الحقيبة منها بعنف، وألقاها بمنتصف الطريق أمام أعين ابنته التي تنظر لحقيبتها بحسرة وتبكي بحرقة: "شنطتي فيها كتبي.. يا جابر تعال وديني لماما". قبض والدها على عنقها بعدما صعد بجوارها، وانطلقت السيارة بهما نحو الصعيد، جذبها عليه حتى أصبح وجهه ذو الملامح المخفية مقابل وجهها الملائكي وتحدث بصوت كفحيح الأفاعي قائلًا:
"من انهارده مافيش لا مدرسة، ولا جابر ولا حتى أمك". اجهشت الصغيرة ببكاء مرير، وبتوسل همست بصوت مرتجف من شدة فزعها: "ونبي يا عمو وديني عند جابر عشان ياخدني عند ماما". "عمو!!! صفعها بكف يده على وجهها بقسوة مكملًا: "بتقولي لأبوكي عمو!!! .. وجابر إيه اللي رايداه ياخدك لأمك.. أمك خدها ربنا.. عقبال ما ياخدك أنتي كمان ويبقى جبر واحد لم العفش كله". زادت صرخات الصغيرة تنادي على والدتها وجابر دون توقف:
"اكتمي يا بت.. اكتمي لأخلص عليكِ بيدي". قالها وهو يهبط بكفه على وجنتيها بصفعات متتالية، وجذب شعرها بقبضة يده كاد أن يقتلعه من جذوره مكملًا بوعيد: "لو سمعتك بتنطقي اسم جابر ده مرة تانية هقطع لسانك وبعد أكده هدبحك وأفصل رأسك عن جتتك.. فاهمني زين ولا أقطعلك لسانك دلوقت". قال الأخيرة وهو يخرج سلاحًا أبيض من جيب جلبابه وفتحه أمام عينيها المذعورة التي تنهمر منها العبرات، بهمس مرتعد قالت: "فـ فاهمة".
"مش هنطق اسمه ثاني أبدًا." بينما جابر قد أتاه اتصال من المدرسة أخبروه بما حدث لملاكه الصغير، أخذ الطريق بأكمله راكضًا، ولكنه قد وصل بعد فوات الأوان. فور وصوله لمح حقيبتها التي ابتاعها لها خصيصًا ملقاة على الطريق أمام مدرستها. وكأن روحه غادرت جسده، سقط على ركبتيه أرضًا بجوار حقيبتها، ومد يده المرتعشة أمسكها وانتصب واقفًا، وبدأ يبحث عنها ويركض هنا وهناك وهو يصرخ باسمها بقلب ملتاع كُتب عليه الفراق. نهاية الفلاش باك.
فاقت من شرودها على صوت جابر الذي ينادي عليها بصوت متلهف، يملؤه الوجع. مسحت عبراتها التي أغرقت وجهها ودارت بعينيها بأرجاء الغرفة تبحث عن شيء ترتديه فوق روبها الحرير. "أوعى تقولي إنك هتخرجي تقابليه يا بنتي! قالتها عفاف وهي تلحق بها نحو غرفة الثياب. "أيوه هخرجله، ده يبقى ابن خالتي." أردفت بها سلسبيل وهي تبحث بتوتر بين أغراضها الكثيرة جدًا.
"لا يا بنتي، اسمحيلي أعتبرك زي بنتي وخليني أنصحك لوجه الله. اللي هتعمليه ده غلط وما يصحش." نطقت بها عفاف بتعقل، وصمتت لثوانٍ وتابعت بهدوء: "ما يصحش تقابلي راجل في بيتك وجوزك مش موجود حتى لو الراجل ده ابن خالتك." تنهدت سلسبيل بصوت اختنق بالبكاء قائلة: "أمال أسيبه يضرب في رجالة عبد الجبار وهما يضربوا فيه لحد ما واحد منهم يتعور؟
"يا بنتي افهمي جوزك أكيد عنده علم بوجود ابن خالتك ده، وهو اللي أمرهم يمنعوه يدخل البيت، وبصراحة حقه من لهفة الشاب ده عليكي." أطبقت سلسبيل جفنيها تكبح عبراتها من الهبوط ثانية، وبقلة حيلة قالت: "طيب قوليلي أعمل إيه أنا دلوقتي! وفين عبد الجبار." أثناء حديثها، صدح صوت رنين هاتف عفاف. "ده عبد الجبار بيه." قالتها وهي تضغط زر الفتح ليأتيها صوته في الحال قائلًا بصوت يظهر عليه الخوف والقلق:
"عفاف، خدي سلسبيل واخرجي بيها من الباب السري دلوقت. في عربية مستنياكم قدام البوابة اركبوا فيها. سمعتي زين اللي قلته! "سمعته وهنفذه دلوقتي حالًا يا عبد الجبار بيه." عبد الجبار بلهفة: "اعطي التليفون لسلسبيل." مدت يدها لها بالهاتف، فأخذته منها بأصابع مرتجفة، وهمست بصوتها الباكي قائلة: "عبد الجبار، أنت فين، سبتني لوحدي ليه." "هش، اهدي يا بت جلبي. أني جارك
ما أسيبكيش واصل. بس اسمعي كلام عفاف، واعملي اللي هتقولك عليه، وأني أقل من ساعة هكون وياكي." أنهى جملته، وألقى الهاتف من يده بعدما سمع صوت عفاف التي أعطتها سلسبيل الهاتف، تقول بعملية: "أنا هخرجها من البيت وهفضل معاها أطمن سيادتك." "دكتور بسرعه!
صاح بها عبد الجبار الذي وصل للتو إلى استقبال المستشفى بسيارته، وهو يحمل خضرا الفاقدة للوعي على يده، ودلف بها لداخل غرفة الكشف تاركًا بكل خطوة يخطوها آثار لدمائها النازفة من معصم يدها المقطوع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!