الفصل 27 | من 31 فصل

رواية جبر السلسبيل الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
20
كلمة
1,787
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

جابر ترك عنق حسان على مضض بعد عراك دام لوقت ليس بقليل، استطاع خلاله التغلب على رجال عبدالجبار بسبب مهاراته العالية في ألعاب القوة. كان كالثور الهائج لم يقدر عليه أي أحد منهم، يود الوصول لها سلسبيل مهما كلفه الأمر. هي هدفه ومقصده، وأمنية حياته أن تتقابل أعينهما ثانية، ويلقى حتفه حتى بعدها لا يمانع أبدًا وقتها. يا ولد العم أدخل فتش عنها جوه الدار بنفسك.

قالها حسان وهو يلهث بعنف كمحاولة منه لالتقاط أنفاسه التي كادت أن تنقطع على يد ذلك الغاضب الذي رمقه بنظرة متعجبة حين رآه يبتعد من أمامه ليفتح له طريق نحو باب المنزل الداخلي. حينها تيقن جابر أن سلسبيل تركت المنزل بأكمله، وغادرت الآن من باب آخر، ابتسم له ابتسامة زائفة وهو يحرك رأسه له إيجابًا، ويتحرك بخطى مسرعة تجاه سيارته مرددًا بوعيد: هرجعلك يا حسان، وبلغ اللي مشغلك إني مش هسيبه وهوصله.

أنهى جملته، وانفجر هدير محرك سيارته ليتطاير الغبار من حولها عاكسًا غضبه عليها. قاد بأقصى سرعة ممكنة حتى أصبح بالجهة الأخرى للمنزل، دار بعينيه بالطريق يبحث عنها وهو لم يرها منذ أن كانت طفلة بالسابعة من عمرها. كيف أصبح شكلها حاليًا وقد أوشكت على إتمام العشرين عامًا؟ أنتِ فين يا سلسبيل؟ كفاية فراق لحد كده يا حبيبتي.

همس بها محدثًا نفسه بقلب ملتاع أهلكه البعاد، لا يهم بالنسبة له الآن كيف سيتعرف عليها، يثق أن قلبه سيقوده إليها بالتأكيد. كانت سلسبيل تسير برفقة عفاف نحو السيارة التي تنتظرهما على جانب الطريق فور خروجهما من المنزل، هرول السائق بفتح الباب لها، كادت أن ترفع إحدى قدميها لتدلف داخل السيارة وإذا فجأة يوقفها صوت متلهف صرخ باسمها بصوته الحارق والرياح تصفر من حوله: سلسبيل...

تسمرت سلسبيل مكانها، وأطبقت عينيها، بينما اشتعلت عيناه خلفها حتى أصبحت جمرتين من اللهب. هل ما يعيشه حقيقي؟ هي أمامه بالفعل أم أنه يتوهم وجودها؟ فتحت عينيها ببطء دون أن تستدير، بينما نظراته النارية تلفح ظهرها، فهمست بصوت لا يسمع: جابر... لا تعلم كيف سمع همستها حينها انبعث صوته الخافت المزلزل من خلفها، صوت قد أصبح أجش عن ذي قبل إلا أنه ما زال يرفض النسيان، لا يقبله بتاتًا. أيوة جابر يا سلسبيل.

أردف بها، وهو يقترب منها حتى أصبح خلفها مباشرة. ابتلعت غصة مؤلمة بحلقها وهي تستدير ببطء بدا له وكأنه أعوام بل دهور فوق سنوات بعدها عنه، قبل أن تستقر أمامه مخفضة الوجه. تسارعت نبضات قلبه، وحبس أنفاسه وهو يتطلع لها بعينيه المتلهفة، وصدره ينتفض بعنف.

رفعت وجهها المحمر أخيرًا ثم عينيها فالتقتا بعينيه حينها تزلزل كيانه كله دفعة واحدة. هي صغيرته سلسبيل بعينيها الواسعتين الآسرتين، وملامحها الفاتنة البريئة التي زادت جمالًا فوق جمالها بعدما أصبحت أنثى مكتملة الأنوثة.

أما هو فلم يعد ذلك المراهق ذات السابعة عشر عامًا كما تركته، لقد ازداد طولًا كثيرًا حتى أصبح ضعف قامتها القصيرة بمرتين أو ربما ثلاث، مفتول العضلات بهيئة مخيفة بعض الشيء خاصة بظهور عروقه البارزة من شدة انفعالاته المتضاربة وغضبه العارم.

طال بهما الصمت وكأنه يتذوق تلك النظرة بعد سنوات طويلة، الجمرتان المشتعلتان بعينيه اشتعلتا الآن كحمم بركانية ما أن التقتا عينيها. نظراته لها تغيرت كليًا، أصبحت نظرة عاشق تملك منه الاشتياق حد الجنون، يتلهف لعناقها كما كانت تفعل معه كلما لمحت طيفه من بعيد، تركض تجاهه مسرعة وترتمي داخل صدره وتعانقه بفرحة غامرة، ليبادلها هو العناق بكل ما أوتي من قوة، ولكن دوام الحال من المحال.

فنظرتها له الآن قطعت نياط قلبه على حين غرة، عينيها بها حزن دفين، ترمقه بنظرات عاتبة، تخبره بها أنه قتل شيئًا غاليًا بداخلها حين تركها لوالدها يعذبها كل هذه السنوات! قتل شغفها تجاهه، لهفتها في التحدث إليه، أمنيتها في اللقاء به، رجائها في وصله، قتل كل إحساس صادق كان له وحده، لا تنكر أنه ما زال يسكنها، ولكن حضوره أصبح بقلبها باهتًا ولم تعد تنتظره.

يله يا سلسبيل يا بنتي اركبي وقفتنا دي كده غلط، عبدالجبار بيه عمال يرن عليا عشان يتأكد أننا ركبنا. كان هذا صوت عفاف قطعت الصمت، وأفاقته على واقع مرير قد تنساه لثوانٍ معدودة. لقد حُرم عليه معانقتها الآن، لم تعد صغيرته، ولا يملك أي سلطة عليها، فهي على ذمة رجل غيره. تكلفت سلسبيل الابتسامة وتحدثت بجمود أدهش جابر قائلة: أعذرني أنا مش هقدر أقف مع حضرتك أكثر من كده، ولا حتى هقدر أقولك اتفضل لأن جوزي مش موجود.

تفهم حديثها جيدًا، وقد ظن أنها تخشى من بطش زوجها، فتحدث هو بتنهيدة حزينة قائلًا: سلسبيل أنا رجعت عشانك، ودورت عليكي في الصعيد لحد ما وصلت لوالدك وعرفت منه أنه جوزك بالغصب مرتين، ومش عايزك تخافي من أي حد ولا أي حاجة بعد كده. أنا معاكي وفي ضهرك، ومش أنا بس لأ، ده جدك والد مامتك، وخالتك كمان كلنا قلقانين عليكي وهيتجننوا ويشوفوكي. جدي وخالتي!

همست بها بداخلها بغصة يملؤها الأسى، والكثير من الأسئلة تدور بذهنها تمنت لو تحصل على إجابتها منه، لكنها فضلت الصمت في الوقت الحالي منعًا للمشاكل التي ممكن يفعلها زوجها فور علمه بحديثها معه دون علمه وإرادته، فأمسكت يد عفاف جذبتها تجاه المنزل مرة أخرى وهي تقول ببعض الحدة تخفي خلفها ضعفها ورغبتها في البكاء:

اللي عايز يشوفني هاته معاك المرة الجاية أنت عرفت البيت بس يكون عبدالجبار هنا، وقولهم ما يقلقوش عليا خالص أنا عايشة مع جوزي برضايا مش غصب عني زي ما أبويا فهمك. عن إذنك. تركته وعادت لداخل المنزل غالقة الباب خلفها، تركته يحملق في أثرها مذهولًا من معاملتها الجافة معه، ماذا كان ينتظر من امرأة متزوجة مثلها؟ صفعته الحقيقة وفاجئه واقعه المرير رغم علمه أن معاها كل الحق فما مرت به بعد فراقها عنه ليس أبدًا بهين.

بقي مكانه بعض الوقت إلى أن صدح صوت هاتفه برقم أصدقائه الذين تمكنوا من خطف الطبيب المعالج لمعذبته. ضغط زر الفتح على الفور مغمغمًا: إيه الأخبار! أنت فين يا جابر إحنا وصلنا الجيم من بدري والواد الدكتور ده مش عايز ينطق بحرف واحد مع إننا عملنا معاه الصح. عاد جابر لسيارته، وأدار المحرك ثانية، وعينيه ما زالت على الباب الذي دلفت منه سلسبيل، وبنبرة هادئة لا تخفي غضبه المشحون تحدث: سيبوه، أنا جي له.

انطلق بسيارته تاركًا قلبه بحوزاتها كعادته، وقد علم أن طريقه إليها أصبح أكثر تعقيدًا بوجود هذا المدعو بـ "عبدالجبار"، ومع كل ما مر به إلا أن هناك ابتسامة انبلجت على محياه الجذابة لأنه أخيرًا رآها وتأملها ولو حتى دقائق معدودة هدأت ضجيج قلبه قليلًا. ........................... صلِّ على محمد......... عبدالجبار

أطلق أنفاسه المحبوسة في رئتيه عندما أخبره الطبيب أنهم استطاعوا إنقاذ زوجته خضرا بعدما تبرع لها بدمائه لإنقاذ حياتها التي كادت أن تخسرها بسبب غضبها، وغيرتها المتهورة التي أفقدتها كل ذرة تعقل بها ودفعتها للانتحار. مش عايزك تقلق يا عبدالجبار بيه، وأطمن سيادتك المدام كويسة. قالها الطبيب وهو يعطي لخضرا علاجها عبر الإبرة الطبية المعلقة بيدها. ولما هي زينة ما فقتش لحد دلوقت ليه؟

أردف بها عبدالجبار الجالس على مقعد بجوار سريرها، وممسك يدها الأخرى بين كفيه، يتحسس نبضاتها بقلق بائن بوضوح على ملامحه المجهدة. أجابه الطبيب بعملية قائلًا: العلاج فيه مهدئات ومسكنات هتنيّمها لحد الصبح. طبع عبدالجبار قبلة عميقة على رأس زوجته الغارقة في النوم قبل أن ينتصب واقفًا، ويغادر الغرفة برفقة الطبيب غالقًا الباب خلفه، وتحدث بأمر قائلًا وهو يهرول مسرعًا بخطوات شبه راكضة نحو الخارج:

عاوز اثنين حريم يفضلوا معاها لحد ما أعاود، ولو في أي حاجة جدت اتصل بيا هاجيك طوالي. كان يتحدث والهاتف على أذنه يعاود الاتصال بعفاف للمرة التي لا يعلم عددها. قفز داخل سيارته، أشعل المحرك وهم بقيادتها إلا أنه أطفأ المحرك ثانية حين وصل لسمعه صوت زوجته سلسبيل تتحدث باستحياء، وبصوت اختنق بالبكاء قائلة: عبدالجبار، أنا رجعت البيت تاني ما ركبتش العربية، وأطمن ابن خالتي مشي خلاص. أنتِ زينة؟ تأوهت بخفوت وهي ترد بهمس متألم:

لا، مش كويسة، محتاجلك، تعالي أنا مستنياك يا عبدالجبار، تعالي عشان خاطري. اصطك على أسنانه بعنف كاد أن يهشمها، وأطلق زفرة نزقة من صدره وهو يقول بلهفة: أنتِ خابرة زين إن خاطرك غالي عندي يا بت قلبي، بس عندي شغل مهم لازم يخلص، عشان أكده بعتلك السواق بالعربية لأجل ما يجيبك عندي رايدك تبقي جاري يا سلسبيل. دمدمت سلسبيل بخجل قائلة:

اممم، يعني الشغل ده مش ممكن يتأجل يوم واحد كمان، أنا ما لحقتش أشبع منك ولا من هوى إسكندرية ولا قعدت قدام البحر معاك، ولا حتى اتفرجت على البيت اللي قلت عليه أنه بيتي! صمتت لبرهة وتابعت بحسرة: وبعدين مش أنا طلع عندي خالة وجدي كمان لسه عايش وشكل ابن خالتي راح يجيبهم من المنصورة ويجي علشان يشوفوني زي ما قالي. أنتِ اتحدتّي وياه؟ صاح بها بحدة، لتجيبه هي بضحكة خافتة حين استشعرت غيرته عليها وكم راقتها كثيرًا.

"تعالي وأنا أحكيلك اللي حصل، وبصراحة أنا عايزة أقابلهم يا عبد الجبار بالذات جدي، عندي أسئلة كتير ما فيش حد يقدر يجاوب عليها غيره هو، بس عايزاك تكون جنبي ومعايا.. مش عايزة أقابلهم لوحدي." قالت الأخيرة بصوت تحشرج بالبكاء، بكاءها كان بمثابة قبضة اعتصرت قلبه، واشتعلت نيران غيرته حين تخيل عودة ابن خالتها هذا برفقة عائلتها، لا، لن يتركها بمفردها معاهم. "جايلك.. جايلك يا سلسبيل." "جابر."

صب جم غضبه، وغيظه، ويأسه على الطبيب المعالج لـ "سلسبيل"، الذي يتطلع له بأعين زائغة تدل على شدة فزعه، وارتعاد قلبه من هيئته المتوحشة، تأكد أنه سيلقي مصرعه الآن على يد ذلك الغاضب لا محالة. تقطعت أنفاسه، وشهق بقوة حين سكب على رأسه زجاجة كاملة من البنزين وهو يصيح بوعيد. "هولع فيك لو منطقتش! "هنطق.. هقول.. هتكلم.. بس أبوس رجلك أطفي الولاعة دي." صرخ بها برعب دب في جميع أوصاله، وصمت لبرهة وتابع قائلًا بصوت مرتجف:

"أول ما مدام سلسبيل دخلت المستشفى كانت حالتها خطيرة جدًا، نفسيًا وعضويًا، وواضح أنها اتعرضت لعنف وضرب مبرح وحروق في كل جسمها تقريبًا." كان يستمع له بقلب يعتصر ألمًا، يبكي دمًا على حال صغيرته وما حدث لها. ابتلع الآخر لعابه بصعوبة بالغة مكملًا: "جت لي مدام خضرا مرات

عبد الجبار بيه وقالت لي: أنا عايزاك تعرف لي البنت دي هتقدر تحمل وتخلف ولا لأ. أنا استغربت من سؤالها ده وقولت لها هرد عليكي لما أعمل لها كل الفحوصات اللازمة. وبعد ما مشيت بلغت عبد الجبار بيه بكلامها ده بنفسي بدل ما يعرف من بره ويعمل لي مشكلة خصوصًا أنه عنده عيون كتير في كل حتة. أول ما قولت له كده لقيته بيقول لي بلغها أنها ولا تقدر على العلاقة الزوجية كمان." عقد حاجبيه بتعجب، وتحدث بتساؤل قائلًا: "بمعنى؟

صمت الآخر للحظة، ومن ثم قال بأسف: "طلب مني أبلغ مراته إن سلسبيل هانم ما تقدرش على الحمل والولادة ولا حتى العلاقة الزوجية!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...