الفصل 3 | من 31 فصل

رواية جبر السلسبيل الفصل الثالث 3 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
23
كلمة
1,450
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

انقضى النهار سريعًا، وأسدل الليل ستائره السوداء. كانت سلسبيل عادت مجددًا لغرفتها التي تبغضها، وتشعر بالاختناق فور دخولها. عادت لها بعدما توسلت لعبد الجبار حتى لا تعود لوالدها، والآن هي في انتظار قراره الذي تأخر لساعات طويلة، وهي حبيسة دون طعام أو شراب. انتهزت بخيتة انشغال ابنها بالحديث مع الغفر، ودفعتها بعنف وأغلقت عليها الباب بالمفتاح مثل العادة.

تركتها وحيدة تدور حول نفسها كالمهرة الحبيسة، كم تتمنى لو تتاح لها الفرصة وتستطيع الهروب من هذا المنزل، بل من البلد بأكملها، حينها لن تعود مطلقًا مهما حدث. "يارب ساعدني أنا مليش غيرك." ترددها بقلب ملتاع بلا توقف، كان التعب ظاهرًا على ملامحها المجهدة، خاصة معصم يدها التي كانت بين قبضته، بدأ الألم يزداد ويتدافع بها، جعل العبرات تغزو عينيها، لكنها كعادتها تكبح دموعها، تعلمت تتأقلم مع آلامها.

بالرغم من كل ما تمر به، إلا أن الابتسامة وجدت طريقًا نحو شفتيها حين تذكرت أن ذلك العملاق أبى أن يمد يده عليها، بل أدهشها دفاعه عنها عندما أخفاها خلف ظهره، وقتها تمنت لو تظل هكذا طيلة عمرها، تحتمي برجل يكن لها بعد الأهل أهل. أطلقت زفرة نزقة من صدرها، حتمًا سيزول كل هذا الألم يومًا، تثق في قدرة الله، وتنتظر العوض الجميل بعد الصبر الطويل.

لم تجد أمامها سوى النوم، السبيل الوحيد الذي يفصلها عن واقعها المرير ولو قليلًا، جذبت إحدى الأغطية وقامت بوضعها على الأرض وارتمت عليه رغم وجود سرير، إلا أنه يذكرها بما عانته مع زوجها السابق، منذ رحيله وهي لا تقربه. احتضنت جسدها بيدها بوضع الجنين، وأغلقت عينيها غارقة في نوم متعب لا يخلو من كوابيسها المفزعة. عبد الجبار.

بعدما تناول الغداء الذي أعدته سلسبيل بيدها قبل حضوره، دلف برفقة زوجته داخل غرفتهما التي قامت سلسبيل أيضًا بتنظيفها لهما بنفسها بأمر من بخيتة. "البنت وجعت جلبي جوي يا أخوي. أقف جنبها يا عبد الجبار دي ولية وأحنا حدانا ولاية." أردفت بها خضرا بصوتها الحنون، وهي تساعده على ارتداء جلبابه. مد عبد الجبار يده وأخذ عباءته من على كتفها، وضعها حول كتفيه مغمغمًا:

"إني شيعت لأبوها مع الغفير يجيني أهنة، هتحدد معاه لول وأنهى موال الجواز، وبعد أكده ياخد بنته في يده." شهقت خضرا وضربت على صدرها بكف يدها وهي تقول: "يا مري يا عبد الجبار، هترجعها لأبوها اللي بيضربها بالكرباج؟! نفخ بضيق، ورمقها بنظرة غاضبة مردفًا: "خضرا وبعدهالك عاد، قعدتها أهنة مالهاش عازة. أني ما هتجوزش عليكي، تبقي ترجع بيت أهلها مع أبوها اللي عمره ما هيضر بنته."

لمح لمعة عينيها تدل على فرحتها التي غمرت قلبها، وإضاءة وجهها ذو الملامح الرقيقة، واللون الخمري. "بس أمه بخيتة هتزعل منك يا أخوي، هي ريداك تتجوزها." "مالكيش صالح بأم عبد الجبار، أني هتحدد معاها هي كمان." غمغم بها وهو يقترب منها ويتوق خصرها بذراعيه، ومال عليها قاصدًا وجنتيها لثمها بقبلة عميقة مكملًا: "مافيش حُرمة تملي عيني غيرك يا خضرا." "إلهي يخليك ليا ولا يحرمنيش منك واصل."

همست بها باستحياء وهي تندس بين حنايا صدره غالقة عينيها تنعم بالراحة لبرهة، ولكن قلبها يملؤه الخوف، والقلق من رد فعل حماتها بعد معرفتها بقرار زوجها. كل هذا الحديث استمعت له بخيتة الواقفة أمام غرفتهم، واضعة أذنها على الباب تستمع بتركيز لكل حرف يقال. "سحراله، ساحرة لوالدي يا خضرا يا بنت نفيسة، وإني هجوزه عليكي وأفك سحرك يا وش الشوم." "يارب يا ساتر، يا أهل الله يلي أهنة."

كان هذا صوت محمد القناوي والد سلسبيل الذي وصل للتو ودلف لداخل المنزل برفقة أحد الغفر عبر الباب الذي يكن دومًا مفتوحًا. هرولت بخيتة بخطوات مسرعة تجاه مصدر الصوت، وقد التمعت برأسها إحدى أفكارها الخبيثة، وعزمت على تنفيذها. "يا مرحب يا قناوي." قالتها بخيتة بصوتها الصارم، بعدما دلفت بهيبتها مستندة على عصاها الخشبية، فهي تمتلك قامة طويلة وجسد ممتلئ بعض الشيء، لتستطرد دون أن تمنحه فرصة للرد:

"والدي جابك انهارده علشان تاخد بنتك في يدك من أهنة، خلاص جوازة بنتك من ابني الكبير مبقاش ليها عازة عندنا." نظر لها بصدمة وهو يقول مستفسرًا: "إيه اللي حصل بس يا حاجة، عملت إيه بنت المركوب زعلك مننا أكده، قوليلي وأنا أقطعلك من لحمها، وأخليها تحب على يدك ويد عبد الجبار بيه كمان." شعرت بخيتة بانتصار وقد نالت مرادها، فازدادت من إشعال نيران غضبه تجاه ابنته حين قالت:

"بنتك ناقصة رباية، وغلطت في حقي غلط كبير تستاهل عليه قطع رقبتها يا قناوي." برزت عروق قناوي بخطورة، وقد وصل غضبه لذروته، وتحدث بهدوء ما قبل العاصفة: "هعيد تربيتها من أول وجديد وأرجعلك بيها تحب على رجلك قبل إيديكي يا ست الناس." "لو أكده ممكن أرضى عنها، ورضا والدي من رضايا. وقتها أني هقنعه يتم جوازه من بنتك." أردفت بها وهي تشير له تجاه غرفة ابنته، وتابعت بأمر:

"هم جوام خدها ومشي قبل ما والدي ينزل. لو اتحدد معاك دلوجيت يبقى مافيش رجعة في حديثه، حقي يرجع لول بعدها تتحدد وياه." "اللي تؤمري بيه يا حاجة." قالها قناوي وهو يسير نحو غرفة ابنته وقام بفتح الباب عبر المفتاح الموضوع به، دلف للداخل بخطوات غاضبة، ودون سابق إنذار كان مال على تلك النائمة تصارع إحدى كوابيسها التي لم تخلو من تعذيبه لها، وقبض على عنقها، وبدأ يكيل لها لكمات متتالية دون رحمة.

هكذا أيقظها جاحظة العينين وقد تحقق أبشع كوابيسها برؤيتها له الآن. "الرحمة يا أبوي، هموت في يدك." همست بها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بسبب ضغط يده على عنقها. "اكتمي يا واكلة ناسك." نطق بها وهو ينتصب واقفًا ساحبًا إياها معه، وسار بها للخارج وهي تبكي بحرقة وتدور بعينيها تبحث عن هذا الظهر الذي أخفاها خلفه من قبل، حتى استمعت لصوت حمحمته تقترب، كادت أن تصرخ باسمه إلا أن كف والدها كمم فمها بعنف، وهمس بأذنها بتهديد جاد:

"أكتمي لشق قلبك دلوجيت يا هاملة." رمقته بنظرة تخبره بها أن قلبها مملوء بطعناته القاتلة، توقفت عن مقاومته وقد استسلمت لقدرها، وسارت معه بخطوات مهرولة حافية القدمين وكم تمنت أن تلقى حتفها على يده هذه المرة. "هو قناوي كان أهنة يا أمه؟ قالها عبد الجبار بتساؤل، لتجيبه بخيتة بإيماءة من رأسها وهي تقول: "خد بنته وتو ماشي." اعتلت الدهشة ملامحه وتحدث بغضب قائلًا: "وه كيف ياخدها، ويمشي لحاله أكده؟!

بخيتة: "أباي عليك يا عبد الجبار مش أبوها يا والدي، هو راجل غريب، وأنت قولت ما ريدهاش يبقى تغور من أهنة." رسمت الحزن على ملامحها الماكرة مكملة: "فرقاها صعبان عليا ولا أكنها بهيمة من بهايمي بعد كل عمايلها المقندلة معايا." ارتفع حاجبان عبد الجبار بتعجب مرددًا: "بهيمة إيه بس يا أمه؟! بخيتة بعبوس:

"أيوه قولت هتبقى مننا وأني عرفتها وهي كمان عرفت طبعي وعوايد الدوار حدانا بدل ما تتجوز واحدة ما نعرفهاش وتبقى غريبة عليا. قصروا ما نعلمش النصيب مخبي إيه يا والدي، ولو على العرايس في ياما تنقي اللي تعجبك." "أني مش هتجوز على خضرا يا أمه وده آخر القول." قالها عبد الجبار بنفاذ صبر جعلها تصطك على أسنانها بغيظ شديد، وكادت أن تصاب بشلل حين تابع بصوته الصارم:

"وأرملة أخوي ليها حق عندنا في ورث جوزها أني هقدره وأشيعه لحد عندها." أنهى جملته وسار من أمامها مغادرًا المنزل بأكمله، لا يعلم لما يشعر أنه خذل تلك السلسبيل، يتساءل بداخله لو كان حديثها صحيح عن عذاب والدها لها فلما سارت معه دون أن تستغيث به؟ كان الوقت فجرًا، لحظات ظلام الليل الأخيرة، الجميع نيام، والهدوء سيد الموقف. استيقظت خضرا على صوت أنين زوجها، مدت يدها لمفتاح الإضاءة الخافتة بجوارها ضغطت عليه، واعتدلت جالسة

تنظر تجاهه مردفة بلهفة: "عبد الجبار اصحى يا أخوي." "لااااااااا ابعد عنها! صرخ بها فجأة وهو يهب من مرقده مذعورًا. "بسم الله الحفيظ، ده باينه كابوس واعر جوي." أردفت بها خضرا وهي تسكب له كأسة مياه، وتساعده على تناولها، ويدها تربت على ظهره مرددة بسرها بعض الآيات القرآنية. كان عبد الجبار ملامحه جامدة، ينظر للفراغ بشرود، فاق من شروده حين همست خضرا قائلة بابتسامة باهتة: "شوفت سلسبيل مش أكده."

تطلع لها مدهوشًا وهم بالرد عليها إلا أنه استمع لصوت طرقات عنيفة متتالية على باب المنزل جعلته يغادر الفراش مهرولًا. "مين هيجينا دلوجيت؟ قالتها بخيتة التي قابلته فور خروجه من غرفته، رغم معرفتها الإجابة: "مخبيرش يا أمه." قالها عبد الجبار وهو يتخطاها ويندفع تجاه الباب، وفتحه مسرعًا ليصعق من هول ما رأى. كان يقف قناوي أمامه بفخر، وكأنه حقق أكبر إنجازاته.

"أني مرضيتش أستنى لشروق الشمس، وقولت أجيب بتي تحب على رجل الحاجة الكبيرة." بينما سلسبيل ملقاة أرضًا بحالة يرثى لها، تنزف الدماء من جميع جسدها، مكبلة يديها بقدميها بسوط غليظ، هيئتها كانت كما رآها في حلمه تمامًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...