صرخات متتالية لا تنقطع، توسلات حارة تابعها ندم شديد لا ولن يجدي نفعًا على الإطلاق مع هذا الثائر، الغاضب حد الجنون. كاد غضبه أن يحرق الأخضر واليابس، ممسكًا بيده السوط الغارق بدماء تلك "سلسبيل" يعاقب به معذبها على فعلته الحمقاء بحق ابنته.
رغم أنه لم يعد يصدق أن هذا المجرم يكن والدها بعد ما فعله بها، كلما تذكر هيئتها الدامية وهو يقوم بفك قيدها بنفسه ليتمكن من حملها بين يديه، كان جسدها ممزق حرفيًا من قوة وعنف ضربات الكرباج على جلدها الرقيق. آهاتها الخافتة التي تقطع نياط القلوب، وتبكي الحجر. والأدهى من هذا همسها الضعيف باسمه الذي وصل لقلبه قبل أذنه.
حالتها كانت ومازالت صعبة للغاية، لها أكثر من أسبوع فاقدة الوعي تمامًا، تفيق للحظات معدودة، وتغرق ثانيةً بإغماء أشبه بالغيبوبة. تحيا على المحاليل الطبية فقط، وبين الوعي واللاوعي تردد دائمًا حروف اسمه. أطبق عينيه التي تتأجج منها نيران الغضب حين شعر أنه مدان لخاطرها بألف اعتذار، لكن ماذا عساه أن يفعل لها؟ هو رجل مكتفٍ بزوجته الخلوقة، يكن لها مقدار كبير من الحب والاحترام ولن يكون سبب جرح قلبها مهما حدث.
بينما هناك في مكان ما بقاع قلبه جمرات صغيرة تزدهر سريعًا، ويزداد لهيبها، لهيب يسمى العشق. "أعطيني بتي يا عبد الجبار بيه وهملنا لحالنا." قالها "قناوي" بأنفاس متهدجة، وصوت مبحوح أثر صرخاته المتواصلة. "دلوقتي افتكرت أنها بتك يا عديم الرجولة." أردف بها وهو يقترب منه حتى توقف أمامه مباشرة ليظهر فرق الطول الشاسع بينهما. انكمش "قناوي" بخوف من هيبته، وضخامة جسده القوي، وذراعيه المعضلة.
"أنت هتغور لوحدك من هنا، ملكش بنات عندنا، ولو عُدت مرة تانية هطخك بالنار، وأنت خابر زين حديد عبد الجبار المنياوي." أردف بها بصوت جوهري حاد، وهو يقبض على عنقه بكف يده كاد أن يزهق روحه. جاهد "قناوي" وتحدث بصعوبة بصوت مرتجف متقطع: "يا بيه أهمل بتي ليك كيف وأنت قلت مريدش جوازك منها. أكده الناس تاكل وشي، وأبقى مسخرة وسط الخلق." دفعه "عبد الجبار" بعنف، وأخذ يفكر في حديثه للحظات. ثم أجابه بتعقل، ونبرة لا تحمل الجدال:
"بتك ليها حق في ورث جوزها اللي هو أخوي الله يرحمه، وهتقعد في حقها معززة مكرمة، محدش يقدر يمسها بكلمة واحدة طول ما هي في حمايتي." جحظت أعين "قناوي" بذهول مرددًا: "أفهم من أكده إن سعادتك هتعطي بتي حقها في أرض جوزها وماله، والدوار، وشغله اللي في مصر وياك كمان!!! "وه كنت فاكرني هاكل حق الولاية ولا إيه يا واكل ناسك أنت." غمغم بها وهو يجذبه من ياقة جلابيبه، وسحبه خلفه. دفعه لخارج أسطبل الخيل الذي كان يحتجزه داخله.
دفعة أطاحت به أرضًا مكملاً بأمر: "غور من قدامي.. ما يعزش أشوف خلقتك مرة تانية هنا." "الله يعمر بيتك يا عبد الجبار بيه.. يا أصيل يا ولد الأصول.. يلي هتقعد بتي في ورثها." ظل يرددها "قناوي" بصوت مرتفع، وفرحة غامرة ظاهرة على وجهه الملطخ بالدماء بسبب الضرب المبرح الذي تعرض له. يريد أن يستمع لحديثه كل أهل البلد ليكون هذا مبرره بترك ابنته بمنزل أهل زوجها المتوفي.
بينما ظل "عبد الجبار" يقف مكانه يتابعه بشرود، وقد أدرك خطورة الوضع الذي أصبح فيه. فوجودها هنا بمثابة سكب الزيت فوق الجمرات المشتعلة بقاع قلبه. "سلسبيل".. كلما استعادت وعيها تجد "خضرا" تجلس بجوارها، تربت على شعرها تارة، تبكي على حالها تارة، تقرأ لها بعض الآيات القرآنية تارة أخرى. ظلت ترعاها بنفسها بكل طيب خاطر تحت نظرات "بخيتة" المغتاظة، وكلماتها المسمومة التي تلقيها على سمعها. لكنها لم تتركها بمفردها بإذن من زوجها.
أظهرت معدنها الأصيل، ورونق قلبها الصافي، عاملتها كما لو كانت بنت من بناتها. وأخيرًا بدأت تستعيد عافيتها، ورمشت بأهدابها الكثيفة قبل أن تفتح عينيها الذابلة. تنظر حولها بنظرات مرتعدة، تسارعت نبضات قلبها، تلاحقت أنفاسها وقد ظنت لوهلة أنها مازالت بمنزل والدها. تنفست الصعداء حين لمحت "خضرا" تجلس بجوارها على الفراش مستندة برأسها على يدها، وقد غلبها النعاس. "أبلة خضرا.."
همست بها "سلسبيل" بصوتها الضعيف، لكنه وصل لسمع تلك الحنونة، فنتفضت مسرعة تتفحصها بلهفة وهي تقول بفرحة: "أنتي فوقتي يا خيتي." أرغمت "سلسبيل" نفسها على الابتسامة لها، ورسمت قوة زائفة على ملامحها الحزينة، وحاولت تعتدل جالسة. لتسرع "خضرا" وتساعدها برفق، وتضع لها الوسائد خلف ظهرها بوضع أكثر راحة مدمدمة: "أيوه أكده شدي حيلك وفوقي يا خيتي، وإني هجيبلك أحلى وكل من عمايل يدي يرم جتتك."
جاهدت "سلسبيل" حتى تتحكم بعبراتها التي تغزو عينيها وهي تقول بامتنان: "متتعبيش نفسك أكتر من كده يا أبلة خضرا.. كفاية كل ما أفتح عيني بلاقيكي جنبي." صمتت لبرهة تلتقط أنفاسها، وتابعت بتنهيدة متعبة: "أنتي أول واحدة تعاملني بحنية كده بعد أمي الله يرحمها مع إنك المفروض تكرهيني عشان كنت هبقى دورتك." هنا بكت "خضرا" وضمتها لصدرها بحنان بالغ، يدها ترتب خصلات شعرها الحريرية المشعثة:
"جلبي عليكي يا بتي.. لساتك أصغيرة على المرار والغلب ده كله." أستكانت "سلسبيل" بحضنها، عينيها تذرف العبرات دون بكاء، وابتسامة باهته تزين شفتيها المزمومة، وقد تذكرت حضن والدتها التي حرمت منه إلى الأبد منذ سنوات، ومن حينها لم يحنو عليها مخلوق بعدها. "أنا مش عايزة آخد منك جوزك يا أبلة خضرا والله.. وفي نفس الوقت مش عايزة أرجع لأبويا، ومش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين."
قالتها "سلسبيل" بصوتها المجهد، وابتلعت ريقها وتابعت بجملة جعلت شهقات "خضرا" تزداد: "أنا كنت بتمنى أموت في إيد أبويا المرة دي.. كنت هروح عند ربنا وأرتاح من عذابي ده." "بعيد الشر عليكي يا خيتي.. متقوليش أكده مرة تانية." قالتها "خضرا" وهي تربت على صدرها بكف يدها، وتابعت بنبرة مطمئنة: "متشليش هم واصل.. إني اتحدتت مع عبد الجبار وقال لي إنك هتقعدي حدانا في حقك." "حقي!!! غمغمت بها وهي تبتعد عن حضنها، وتنظر لها بعدم فهم.
فتابعت "خضرا" بابتسامة وهي تزيل عبراتها: "أنتي ليكي حق في ورث جوزك الله يرحمه.. وعبد الجبار قال لي أقولك لو ليكي غرض تنزلي معانا مصر تقعدي حدانا في ورث جوزك يا مرحب بيكي.. ولو رايدة تاخدي حقك مال هو هيقدره ويدفعلك حقك وزيادة كمان." تهللت أسارير "سلسبيل" عندما علمت أنهم سيأخذونها معهم إلى مصر، هذا كل ما تريده، لا تريد الورث، ولا المال.. تريد حريتها فقط حتى تستطيع البحث عن عائلة والدتها.
"بجد يا أبلة خضرا هتاخدوني معاكم مصر؟! فرحت "خضرا" لفرحتها، واحتضنت وجهها بين كفيها مردفة: "إحنا كنا ناوين نقعد يومين أهنه ونعاود عشان مشاغل أبو فاطمة ياما.. وقعدنا كل الوقت ده لخاطرك يا ست البنات.. قولنا نستنى نطمن عليكي وتبقي زينة ونعاود طوالي." تحاملت "سلسبيل" على نفسها وغادرت الفراش بخطى مترنحة وهي تقول بفرحة غامرة:
"أنا بقيت زينة أهو يا أبلة خضرا.. خدوني معاكم وخلونا نمشي من هنا قبل ما أبويا يجي ياخدني تاني الله يخليكي." اقتربت منها "خضرا" بخطوات مهرولة، وساندتها قبل أن تسقط أرضًا بسبب عدم اتزان جسدها الهزيل: "على مهلك عاد يا بتي.. خليني أوكلك لقمة تقويكي لول، وبعد أكده هتحددي مع عبد الجبار وأقوله إنك بقيتي زينة." حديثهم هذا بأكمله استمعت له "بخيتة" الواقفة على باب الغرفة تتجسس كعادتها الحمقاء.
تصك على أسنانها بغيظ، وقد ازدادت غضبها منهما أضعاف مضاعفة. "فاكرة نفسها ست الدار خضرا بنت نفيسة وبتتحدد على هواها.. الله في سماه لطين عيشتك يا خضرا وما هيرتاح ليا بال إلا وإني مجوزة ولدي عليكي." انتفضت راكضة حين استمعت لصوت حمحمة "عبد الجبار" يعلن بها وصوله، وسارت متجهة نحوه بخطوات غاضبة وهي تقول: "معقول الحديث اللي جاني ده يا عبد الجبار.. أنت صح هتاخد اللي ما تتسمي سلسبيل معاك على مصر؟! أجابها "عبد الجبار"
بهدوء أغضبها أكثر: "أيوه يا أمه.. وأنتي كمان هتيجي معانا.. أنا مههملكش لحالك أهنه بعد أكده واصل." "بخيتة" بغضب، وصوت عال وصل لسمع "سلسبيل" جعل قلبها يسقط أرضًا من شدة خوفها: "تيجي معانا بصفتها إيه العقربة دي.. لا هي مراتك، ولا أنت رايد تعقد عليها.. تبقي تسافر معانا ليه يا ولدي.. ارميها لأبوها وغورها من هنا ملناش صالح بيها عاد."
نظر لها "عبد الجبار" قليلاً نظرة جامدة، بينما "سلسبيل" تنتظر رده عليها بنفاذ صبر، وأنفاس متهدجة، وقد بدأ جسدها يرتجف بقوة بعدما انسحبت الدماء من عروقها تاركة وجهها شاحب من شدة فزعها. "أنتي خابرة زين إني لو رجعتها لأبوها هيقتلها من قسوته عليها." "ما يقتلها وإحنا إيه خاصنا بيهم." قالتها "بخيتة" بجحود جعلت "عبد الجبار" يحرك رأسه بيأس من طباعها مردفًا بأسف: "طول عمري بقول عليكي قوية يا أمه.. بس قوتك المرة دي بقت جبروت."
سار من أمامها متجها نحو زوجته التي خرجت للتو من غرفة "سلسبيل"، تاركة بابها موارب قليلاً، وتابع بصرامة قائلاً: "نهاية القول أرملة أخوي في حمايتي من انهارده يا أمه من غير ما أتچوزها.. لأني متچوزش ست الحريم كلياتهم.. وسلسبيل هترجع معانا على مصر وقت ما تقوم على حيلها وتبقي زينة." أنهى جملته واقترب من "خضرا" الواقفة تنتظره بابتسامة هائمة تزين ملامحها الطيبة التي أضاءتها الفرحة بحديث زوجها.
لف يده حول كتفيها وسار بها تجاه غرفتهما المقابلة لغرفة ابنتيهما التي أصبحت تمكث بها "سلسبيل" مؤخرًا. فتح الباب ودلف بها للداخل، وهو يميل عليها يحاوط خصرها بكلتا يديه ضمها له بعناق محموم ظهرها مقابل صدره غالقًا الباب خلفهما بقدمه. كانت "سلسبيل" تتابعهما بأعين منذهلة، لم تر بعمرها الذي لم يتعد العشرون عام رجل يحتضن زوجته، رغم أنها كانت زوجة لخمسة أعوام لكنها لم تجرب هذا العناق خلالهم ولا مرة.
اعتلت ملامحها ابتسامة خجولة حين رن بأذنها اسمها بصوته الذي لمس شيء بداخلها شديد الحساسية، فاغمضت عينيها ببطء وهي تهمس باسمه هذه المرة وهي بكامل وعيها ببوادر إعجاب: "عبد الجبار."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!