وافقت "خضرا" على زواج زوجها من "سلسبيل" و أظهرت ترحابها بهذه الزيجة. لكن هل ستظل مصطنعة الهدوء هكذا بعدما ترى بعينيها امرأة أخرى تشاركها في زوجها الذي تهيم به عشقًا؟ هذا ما يدور بخاطر "عبد الجبار" الواقف أمام غرفة العناية المتواجد بداخلها زوجاته، يحاول تمالك نفسه حتى يتمكن من إخفاء لهفة قلبه على تلك الصغيرة قدر المستطاع. لا يريد أن يمسّ شعور "خضرا" بالسوء أو إثارة غيرتها عليه.
رسم قناع جليدي على ملامحه الصارمة فهو بارع في التحكم بجميع انفعالاته. أخرج هاتفه من جيب معطفه طلب رقمها، و وضع الهاتف على أذنه ينتظر سماع صوتها الحنون. داخل الغرفة كانت "خضرا" تجلس على مقعد بجوار "سلسبيل" النائمة تتأمل جمالها الرقيق، والبريء بأنٍ واحد. جسدها الممشوق بمنحنيات فتاكة رغم نحافتها، نعومة بشرتها الحلبية، خصلات شعرها البنية الملساء المنسدلة على وجهها المستدير بهيئة تخطف الأنفاس.
عينيها الواسعة التي تشبه غابات الزيتون، أنفها الصغير المنمق، شفتيها المكتنزة المزمومة. تُقر وتعترف أنها تمتلك جمال مبهر سيكون سبب قوي لنجاحها في الوصل إلى قلب زوجها بكل سهولة، وربما التربع على عرش قلبه، فالعين تميل لكل ما هو جميل، فإن المولي عز وجل جميل يحب الجمال، فماذا عنا نحن البشر ضعاف النفوس. لاحظت أيضًا إشراق ملامحها، وتحسن حالتها الصحية منذ حديثهما عن زواجها من "عبد الجبار".
أطبقت جفنيها بقوة كمحاولة منها لكبح عبراتها حين شعرت بنيران تتأجج بقلبها وهي تتخيل نظرة زوجها لها. أسرعت برفع كف يدها وضعتْه على فمها تكتم به آهة متألمة كادت أن تصرخ بها من تخيل نظراتهما فقط، فماذا ستفعل أن تطور الأمر بينهما وأصبحت "سلسبيل" زوجته قولاً وفعلاً. انتشالها من دوامة أفكارها صوت رنين هاتفها الذي أيقظ تلك النائمة. رسمت "خضرا" ابتسامة على ملامحها تخفي بها حزنها، وضغطت زر الفتح.
"أيوه يا أبو فاطمة.. طمني عليك يا خوي." "عبد الجبار" بصوته الرزين. "أني برة.. واقف قدام العناية." "هخرچلك طوالي." قالتها وأغلقت الهاتف، وانتصبت واقفة، وسارت بخطوات مهرولة نحو الخارج وهي تقول. "هعاود للدار أجهز الوكل، وارجعلك، متخفيش مش هعوق عليكِ يا خيتي." ليوقفها صوت "سلسبيل" الهامس تقول بلهفة. "هو عبد الجبار هيرجع معاكي البيت يا أبلة خضرا."
تسمرت "خضرا" محلها لبرهةً قبل أن تستدير لها، وقد تملكت الغيرة منها حين شعرت بلهفتها عليه. ابتسمت لها ابتسامة مصطنعة لأول مرة مدمدمة. "كأنك ملهوفة لشوفته ونسيتي وعدك ليا إياك!! عقدت ذراعيها أمام صدرها مكملة. "وبجي عبد الجبار حاف أكده!!! حديثها كان بمثابة دلو من الماء البارد سقط فوق رأس "سلسبيل" التي تنحنحت بحرج وتحدثت بابتسامة باهتة قائلة.
"أنا مش ناسية وقفتك جنبي ووعدي ليكي ولا عمري هنسي يا أبلة خضرا اطمني.. أنا كنت عايزة أشكر أستاذ عبد الجبار على وقفته معايا مش أكتر." عقدت حاجبيها، وتابعت بمزاح. "هتغيري عليه من أولها كده!!! تنهدت بحزن حين داهمتها معاملة "عبد الجبار" معها، كان لا يكترث لوجودها، لا ينظر لها لو نظرة عابرة، وتابعت بغصة يملؤها الآسي. "ليكي حق تغيري عليه.. بس مش مني.. أنا بقيت بواقي ست زي ما بيقولوا ومافيش رجل يرضى يبصلي حتى."
رمقتها "خضرا" بتهكم على وصفها لنفسها الذي ليس له أي أساس من الصحة. ساد الصمت بينهما قليلاً هدأت خلاله نوبة غضبها، ولكن لم تهدأ غيرتها التي استحوذت على قلبها أبدًا، جعلتها تتحدث بحدة دون إرادتها. "أني رايحة، ويمكن مقدرش أجيكِ الليلة.. هاجيكِ في الصبحية ويه عبد الجبار وأبقى أشكريه وقتها، عشان النهارده عنده شغل ياما، قالي أخرجله قوام لأجل ما يروحني ويعاود على أكل عيشه."
تطلعت لها "سلسبيل" بنظرات منذهلة من طريقتها الحادة معها التي جعلت العبرات تغزو عينيها، بينما أنهت "خضرا" حديثها وغادرت الغرفة في الحال وهي تنهر نفسها على طريقتها معها، وكذبها عليها فيما تفوهت به. قالت حديثًا على لسان زوجها لم يقله من شدة غيرتها عليه التي تفاجأت بها هي شخصيًا. خرجت من الغرفة بملامح عابسة بشدة. أول ما وقعت أعين "عبد الجبار" عليها أيقن أن غيرتها عليه التي يخشاها تمكنت منها لا محالة.
اقتربت منه بخطوات غاضبة، وعيناها تشمله بنظرة مترقبة، تحاول قراءة تعابير وجهه الصلبة. "سلسبيل بقت مراتك؟! لاحظ شحوب بشرتها تدريجيًا، عيناها غامت بغضب معصف يُهدد بالانهيار. دفعه لإحتوائها بطريقته الخبيرة بمعاملة النساء. "اتوحشتك يا خضرا." قالها بنبرته التي تثلج قلبها، وهو يقترب منها ويقبض على كف يدها فجأة وأصابعه تتخلل أصابعها وتشتبك بهم بقوة.
في أقل من لحظة تبخر كل غضبها، وعادت الدماء تورّد بشرتها من جديد، وحتى نظرتها الغاضبة له تحولت لأخرى مُتيمة. "اتوحشتني صح يا عبد الجبار." رفع ذراعه وحاوطها به وضم رأسها لصدره، مال عليها قاصدًا جبينها وطبع عليه قبلة مطولة مغمغمًا. "نعاود دارنا وأني أوريك اتوحشك قد إيه يا غالية." شهقت بخفوت، وقد اشتعلت وجنتيها بحمرة الخجل بعدما تفهمت مخزي حديثه.
رفرف قلبها بشدة حين سحبها معه وسار بخطوات واسعة نحو الخارج دون أن يرى "سلسبيل" بعينه ولو نظرة خاطفة تخفف من ارتعاد قلبه عليها، غادر المكان جسدًا بلا روح تاركًا قلبه بحوزتها. "سلسبيل". كم كانت تأمل أن تراه قبل أن يغادر برفقة "خضرا". أصبح هو الشخص الوحيد الذي تشعر في وجوده بالأمان.
تريد أن تخبره كم هي ممتنة لوقوفه معها، لقبوله الزواج منها، وأنه أول رجل تدعو له من صميم قلبها بعدما كانت تدعو على جميع الرجال بسبب ما حدث لها على يد زوجها السابق، ووالدها الذي لم يكلف نفسه ليسأل حتى عن حالها. يؤلمها شعور الوحدة كالسكين البارد يمزق قلبها دون رحمة، خائفة من أن تلقى حتفها وهي بمفردها دون جليس ولا أنيس. ظلت عيناها على باب الغرفة تنتظر قدومه على أحر من الجمر. "هو عبد الجبار بيه لسه بره ولا مشي لو سمحتي."
همست بها للممرضة التي تقوم بأعطائها الدواء. "لا مش برة.. دا مشي هو ومدام خضرا من ساعة ما خرجت من عند حضرتك." هكذا أجابتها بمنتهى البساطة. جملتها هذه حطمت كل آمالها، جعلت دموعها تنهمر على وجنتيها بغزارة دون بكاء. انتفضت الممرضة بفزع حين رأتها تبكي، وتحدثت بلهفة مستفسرة. "بتعيطي ليه.. حاسة بحاجة بتوجعك؟!
لم تجد سوى الصمت حليفها، بينما "سلسبيل" تنظر للفراغ بشرود، وأعين لم تتوقف عن ذرف العبرات، وقد بدأ الجهاز الموصل بقلبها بإصدار بعض الأصوات. أسرعت الفتاة نحو زرار الطوارئ ضغطت عليه، ليهرول نحوهما عدد لا بأس به من الأطباء. دَلفت "خضرا" داخل منزلها بخطى ثابتة، مصطنعة القوة أمام "بخيتة" الجالسة بردهة المنزل. كان "عبد الجبار" مازال بالخارج يصف سيارته.
فور رؤيتها ضحكت بشماتة بادية، وهرولت تجاهها حتى توقفت أمامها مباشرةً وتحدثت بفرحة غامرة. "والله وعملها وبرد جلبي واتجوز عليكي يا بت نفيسة." "برضايا." أردفت بها "خضرا" بابتسامة تخفي بها قهرتها الظاهرة على ملامحها. صدح صوت ضحكة "بخيتة" مرددة بسخرية. "أيوه أيوه برضاكي.. ما أنا خابرة زين.. حتى باين على خلقتك." توقفت عن الضحك، وتوحشت ملامحها فجأة مكملة بقسوتها المعتادة.
"إياكِ تكوني فاكرة إن حديثك اللي قولتهولي هز شعرة واحدة من راسي." حركت رأسها بالنفي، وتابعت بجحود. "أنتي عملتي اللي أنا ريداكِ تعمليه.. مكنش حد غيرك هيقنع ولدي يتجوز سلسبيل اللي كسرت بيدي شوكتها ولا هيقوم ليها قومة مرة تانية، وأنتي كمان يا خضرا النهارده مش بس كسرت شوكتك.. لع أنا كسرت جلبك اللي نار الغيرة بتنهش فيه نهش، ودخانها طالع من عنيكِ." تطلعت لها "خضرا" بصمت، لم تبدي أي رد فعل على ملامحها الجامدة.
لتكمل "بخيتة" بصرامة. "لازم تبجي عارفة إن لسه متخلقتش المرة اللي تمشي كلمتها على بخيتة." "واقفين أكده ليه عاد!!! قالها "عبد الجبار" الذي دلف للتو. فتحت "بخيتة" فمها لتجيبه، لكنها قفزت بخضة حين صدح سيل من زغاريد "خضرا" عاليًا مرارًا وتكرارًا دون توقف حتى كادت أنفاسها أن تنقطع، فألم قلبها قد فاق تحملها لكنها لم تتمكن من الصراخ. "مبروك يا خوي.. ألف بركة جوازك يا عبد الجبار."
نطقت بها بأنفاس متهدجة وهي تربت على كتفيه بكلتا يديها، مكملة. "ندر عليا اليوم اللي ترجع فيه سلسبيل على الدار ونطمن عليها لعملك ليلة كبيرة كلها مغني وأكل من عمايل يدي." نظرت تجاه "بخيتة" التي تصطك على أسنانها بغيظ وهي تراها لم تبالي لحديثها معها. "وهرقصلك كمان انت وعروستنا يا سيد الناس." "الله يباركلي فيكِ يا غالية."
قالها "عبد الجبار" وهو يضمها لصدره بقوة غير عابئ لنظرات "بخيتة" الحارقة، فهو يشعر بألم زوجته رغم أنها نجحت في إخفائه. انبلجت ابتسامة خبيثة على ملامح "بخيتة" ونظرت لـ "خضرا" مدمدمة. "اممم.. ولما ترجع عروستنا تسيبي بجي الدار ليها، وتعودي أنتِ والبنات الصغار وأنا كمان معاكم على الصعيد ونسيبهم بجي لحالهم يقضوا شهر العسل عشان يجيبولي الواد."
شعرت "خضرا" أنها تلقت ضربة قاتلة على رأسها جعلت الدنيا تومض من حولها، انسحبت الدماء من عروقها، ووقفت كالصنم تحملق في "بخيتة" التي تضحك بسعادة بالغة بعدما وصلت لغايتها. لم تدوم ضحكتها طويلاً، تلاشت سريعًا حتى اختفت نهائيًا وحل مكانها الضيق حين قال "عبد الجبار" بصوته الأجش. "خضرا مهتسيبش دارها ولا تهملني لحالي واصل." حديثه هذا رد الروح إليها ثانيةً، تطلعت له بأعين تلتمع بالدموع، فأهداها ابتسامته الجذابة مكملاً.
"ده دارك وإحنا كلنا ضيوف عندك." نظر لوالدته التي كادت أن تنفجر من شدة غيظها، وتابع بجملة جعلت قلب "خضرا" يتراقص بين ضلوعها من فرحته حين قال. "ولو في حد هيعاود الصعيد يا أمي هتبقى سلسبيل مش خضرا." قالها ليثبت لها مدى تمسكه بها، لا ولن يغامر بخسارتها مهما كلف منه الأمر، يرى أنها تستحق منه هذا وأكثر، حتى لو ضحى بقلبه الذي عشق تلك الصغيرة رغمًا عنه. "ربنا ميحرمنيش منك واصل ويديمك فوق راسي العمر كله."
قالتها وهي تقف على أطراف أصابعها وتقبل كتفه مرات متتالية. ضربت "بخيتة" بعصاها في الأرض، وسارت من أمامهما بخطوات غاضبة، وهي تسب وتلعن، وتدعو على "خضرا" بغل وحقد دفين يغلف قلبها القاسي. انتظر حتى تأكد من ذهاب والدته، وأصبح بمفرده معها. "تعالي أشبع منك شوي قبل ما بناتك يرجعوا من المدرسة." همس بها وهو يسحبها خلفه نحو الدرج. ضحكت بغنج حين مال عليها وحملها بين يديه، وصعد بها الدرج بخطوات شبه راكضة.
مر اليوم من أجمل الأيام بحياة "خضرا" التي لم تترك زوجها لحظة واحدة يدلف لخارج غرفتهما حتى وصل بها الأمر أن تحضر له طعام الغداء والعشاء وهو بمكانه على الفراش. تطعمه بيدها وقد ظهرت له تجاوب وترحاب في علاقتهما الحميمة أذهله شخصيًا بعدما كانت تخجل من مداعبته لها. ما تفعله معه الآن لم تفعله حتى أول زواجهما، وكأنها أصبحت عروسًا من جديد لأجل إرضاءه، أو ربما حتى لا تترك له الفرصة للتفكير في غريمتها.
بعد قضاء ليلة ملحمية، انفصلت عن العالم أجمع وغرقت في نوم عميق بين ذراعيه التي تحتويها بحماية. لم تستمع حتى لصوت رنين هاتفه المستمر. كان "عبد الجبار" شارد الذهن بزوجته التي تمكث بالمستشفى بمفردها، يمنع نفسه بشق الأنفس حتى لا يذهب إليها الآن. سقط قلبه أرضًا حين لمح رقم الطبيب المشرف على حالتها. "خير يا دكتور.. سلسبيل حصل لها حاجة؟ أتاه صوت الطبيب يتحدث بإحراج قائلاً.
"أنا آسف إني بكلم حضرتك في وقت متأخر.. بس مدام سلسبيل مش مبطلة عياط نهائي.. وإحنا أديناها مهدئ، ومنوم كذا مرة وكل ما بتفوق بترجع تعيط أكتر، ومش هينفع نديها أي مهدئات تاني النهارده.. فقولت أبلغ حضرتك لو تحب نخلي دكتور نفسي يكشف عليها يمكن يقدر يخليها تحكيله عن اللي مزعلها و... "لأ.. متخليهاش تحكي مع حد واصل لحد ما أجيك فاهم كويس يا دكتور.. أنا دقايق وهبقى عندك."
هكذا قطع "عبد الجبار" حديثه، وغادر الفراش مسرعًا من جوار زوجته. "أمرك يا عبد الجبار بيه.. أنا في انتظارك." أغلق "عبد الجبار" هاتفه، وألقاه على أقرب طاولة بإهمال، وفتح الخزانة أخذ منها بعض الثياب، وقميص بلون الرمادي وسروال باللون الأسود. هرول نحو حمام الغرفة اختفى بداخله بضع دقائق معدودة، ومن ثم خرج وهو يغلق أزرار قميصه.
لف الحزام الجلدي حول خصره، وارتدى حذاء أسود اللون، مشط شعره الكثيف بعناية فائقة، ونثر عطره المميز بسخاء. وخطف أغراضه المكونة من جزدانه الجلدي، هواتفه، مفاتيح سيارته، وسار لخارج الغرفة بخطوات واسعة. "غيرت عليكي منها يا عبد الجبار." أردفت بها "خضرا" بصوت متحشرج بالبكاء. استيقظت حين وصل لأنفها رائحة عطره، جعلته يتوقف عن السير، ونظر نحوها وجدها تسحب الغطاء على جسدها العاري، وتعتدل بتكاسل جالسة تنظر له بخجل مكملة.
"غيرت غصب عني يا خوي.. مكنتش خابرة إن جوازك عليا هيبجي واقعه واعر أوي أكده ويخليني أكدب على البنت المريضة اللي كانت عايزة تشوفك وأقولها إنك عندك شغل ياما وأنا خابرة إن النهارده يوم إجازتك." شعر بخنجر حاد يقطع نياط قلبه على حين غرة عندما أدرك سبب بكاء صغيرته. سيطر على انفعالاته المتضاربة بمهارة، وسار نحوها ومال على رأسها قبلها بعمق مرددًا. "أنتِ تغيري عليا بكيفك يا غالية."
رق قلبها لـ "سلسبيل" بعدما غمرها هو بفيض من كرمه وشغفه، وتفهمه لمشاعرها، فابتسمت له بحب مرددة ببكاء. "روح لها.. روح لها اجبر خاطرها المكسور زي ما جبرتني يا خوي." "سلسبيل". كانت بحالة يرثى لها، تبكي وتئن بضعف من تلك الوخزات المؤلمة التي تغزو صدرها وقلبها معًا. فما أصعب الشعور بالوحدة في وجود الزوج، واليتم في وجود الأب.
تسارعت دقات قلبها، وعُلقت أنفاسها بصدرها حين تسللت إلى أنفها عبق رائحته، لوهلة ظنت أنها تتوهم وجوده لشدة احتياجها له. لينفتح باب الغرفة، ودلف هو منه بهيئته التي تفقدها صوابها. تطلعت له بأعين تشتعل تتلهف لقربه، رائحته، لمسته، لكنها تظهر عكس ما بداخلها، تصطنع الجمود، رغم الضجيج الصارخ بأعماقها الذي يستجديه أن يشد رحاله ما بين جبينها وشفتيها، لا يترك منزلًا مشتاقًا إلا ونزل فيه.
يعتصر ترددها ويخطفها من نفسها فيه، يوشم على خصرها بأنامله، يذيب خجلها بدفئ أحضانه، فهي كالطفلة الباكية طامعة بضمة تخفيها، تطالب نبضه لجنون نبضها يجاريه، يغرقها عشقًا لا هدوء ينهيه. أشاحت وجهها للجهة الأخرى لتخفي فرحتها حين رأت لهفة عينيه الحادتين عليها لأول مرة. قطع المسافة بينه وبينها بخطوتين، شهقت بخفوت حين استند على الفراش حولها بكلتا يديه، ومال بجزعه عليها اختلطت أنفاسهما. تأمل ملامحها بافتتان مغمغمًا.
"بجيتي مراتي.. مراتي يا سلسبيل." أجهشت بالبكاء وكأنها تشكو له بدموعها ما عانته طيلة عمرها. رفع إحدى يديه ووضع إبهامه على شفتيها وهو يقول. "هش.. كفاياكِ بكي.. خابر إني عوقت عليكِ.. حقك عليا." "اتأخرت عليا أوي يا عبد الجبار.. أوي." همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، وهي تمتثل رغمًا عنها للسحر الذي يبثه لها بنظراته. "إيه قولك أحكيلك حدوتة الجبر؟ قالها وهو يزيل عبراتها المنهمرة على وجنتيها بأنامله بمنتهى الرفق.
نظرت له بعينيها نظرتها التي تذيب قلبه المتيم بها عشقًا، فتابع همسه الهادئ بجوار أذنها بأنفاسه الساخنة التي تلفح نعومة بشرتها تجعل نبضات قلبها تخفق بين ضلوعها بجنون. "جبر جلب السلسبيل." قالها وهو يميل عليها أكثر مطوقًا خصرها بذراعيه، وضمها لصدره بعناق محموم حتى أخفاها تمامًا بين ضلوعه.
تعلقت هي بعنقه كالغريق الذي تعلق بآخر أمل يجعله يتشبث في الحياة، تجذبه عليها بضعف متنهدة باسمه بهمسها الذي أطار اللب من عقله، فضمها له وهو يعتدل بها جالسًا، وبمنتهى الحرص أجلسها على قدميه. "يا بوي كأنك مولودة في قلبي." همس بها وهو يغمرها بقبلات متفرقة تخطف أنفاسها على كتفها، صعودًا بعنقها. ماذا أريد؟
أريد الراحة والأمان، وأن أعيش في اطمئنان، وأن يكون لدي حصانة من غدر الزمان، فهل يتحقق ما أريد، أم يذهب طي النسيان، أريد عوض قريب من رب العالمين، لعله يستجيب فهو جابر المنكسرين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!