سطعت شمس نهار يومًا جديد مليء بالأحداث، رغم ساعات الليل الطويلة التي مرت على أبطالنا، خاصةً "عبد الجبار" الذي لم ترَ عينيه النوم على الإطلاق. عقله لم يتوقف لو لحظة واحدة عن التفكير فيما فعلته زوجته الغالية "خضرا"، أحب الناس وأقربهم إلى قلبه. يسأل نفسه: كيف استطاعت أن تقبل زواجه من غيرها، بل وتطلب يد "سلسبيل" له بنفسها؟ كيف لها أن تضحي في حقها به، وتقبل بأن امرأة أخرى تشاركها فيه؟
أطلق زفرة نزقة من صدره عندما وجد إجابة جميع أسئلته تتلخص بكلمة واحدة: أنها تعشقه!
عشق تخطى كل الحدود جعلها تضحي من أجله وتتقبل وضعًا من الصعب بل من المستحيل أن تتقبله امرأة غيرها. لا ينكر أن فعلتها هذه زادت حبها في قلبه أضعافًا مضاعفة، وأيضًا تضاعف شعوره بالذنب. لكنه ما زال هناك جانب ما بقلبه الملتاع الذي لا يملك أي سلطة عليه. أزهرت به براعم عشق قوي لتلك "سلسبيل". لا يعلم لماذا هي الذي خصها الله عن دون النساء أن تخطف قلبه بنظرتها الحزينة. لم يتخيل يومًا من الأيام أن يميل قلبه لأنثى أخرى غير زوجته.
كان هذا الأمر بالنسبة له من المستحيلات حتى وقعت عيناه على تلك الصغيرة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب. أصبح الآن أمام قلبين ينزفان من شدة ألمهما، وهو وحده ملزم بإيقاف هذا النزيف. فهل سيكون عادلًا بينهما ويعطي لكل منهما حقها في قلبه رغم هذا الشعور العجيب الذي يغمره؟
هو بكل ما يملك من قوة يشعر أنه مسؤول من زوجته "خضرا"، بينما "سلسبيل" يشعر أنه مسؤول عنها. هبط الدرج بخطواته الواثقة، يدور بعينيه عن والدته "بخيتة". لقد عاد بوقت متأخر ليلة أمس، كانت هي نائمة حينها. وجدها تجلس كعادتها كل صباح بحديقة المنزل بملامحها العابسة التي لا تتخلى عنها أبدًا. سار نحوها ممسكًا بيده عصا خشبية جديدة أحضرها لها خصيصًا بدلاً عن تلك التي هشّمها وقت غضبه.
لمحته "بخيتة" بطرف عينيها، فرمقته بنظرة غاضبة، وأشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تقول: "تَو ما افتكرت إن ليك أم زعلتها وكسرت عكازها يا عبد الچبار؟ "مقدرش على زعلك يا أمه.. دا أني عايش برضاكِ عليا يا ست الناس." قالها وهو يميل على يدها ويقبلها مكملًا: "حقك على راسي يا أم عبد الچبار، ولو على العكاز.. چبتلك واحد چديد أحسن منه." "بخيتة" وهي تأخذ منه العصا، وتتأملها بانتصار، فهي تعلم جيدًا أنه بار بها، ويسعى جاهدًا لينال
رضاها عنه رغم كل ما تفعله: "أنت اللي عكازي، وسندي، ضهري يا ولدي، ومع أكده عمري ما هرضي عنِك إلا لما تسمع حديتي وتتچوز وتچيب الواد.. وقتها هبجي راضية عنِك صُح." "هتچوز سلسبيل يا أمه." أردف بها وهو يجلس على المقعد المقابل لها بأريحية مكملًا بهدوء آثار غضبها: "أني مستنظر قناوي هو على وصول، وشيعت حسان يچيب المأذون." "بخيتة" بغضب:
"لع يا عبد الچبار.. بلاش مِنها البت دهيه.. كرهتها وكرهت شوفِتها.. ارميها لأبوها و غورها من اهنه، وأني هدلي على البلد أچيبلك بنتة صغيرة خمستاشر سنة أكده تكون لسَتها بت بنوت." انتظر حتى أنهت حديثها، ونظر لها بعتاب مردفًا: "طيب إسألي لول علي اللي مرمية في المستشفى حالتها خطرة محتاجة عملية واعرة في جلبها بسبب قسوتك وقسوة أبوها وأخوي الله يرحمه ويسامحه عليها.. دي مهما حُصل كان بناتكم عيش وملح." شهقت "بخيتة" بعنف، وضربت
على صدرها بكف يدها مدمدمة: "بجت مريضة بجلبها.. على أكده لا هتبجي حمل چواز ولا خلفة يعني ملهاش عازه عنِدنا." "عبد الجبار" بنفاذ صبر: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. الرحمة شوي يا أمه أحب على يدك." "بخيتة" بنبرة متوسلة: "اسمع حديتي يا ولدي.. أني ريدالك الصالح.. هچيبلك بدل العروسة عشرة ونقي منِهم اللي على كيفك."
"متتعبيش حالك على الفاضي يا أمه.. أني مهتچوزش غير اللي خضرا طلبت لي يدها." قالها وهو يهب واقفًا، وتابع بابتسامة انبلجت على قسمات وجهه وهو ينطق حروف اسمها: "سلسبيل." نظرت له "بخيتة" بأعين مشتعلة بغضب عارم حتى اختفى عن عينيها داخل منزله، وحدثت نفسها بوعيد قائلة: "يا ويلك مني يا خضرا يا بت المركوب يلي ساحرة لولدي."
"سلسبيل".. لاحظ الأطباء تطورًا ملحوظًا بحالتها منذ ليلة أمس، خاصةً بعد حوارها مع "خضرا" عن زواجها من "عبد الجبار". شيئًا ما جعل روحها تنتعش، ربما الأمان الذي غمرها وهي تتخيل نفسها زوجة رجل سيكون سندًا، ودرعًا حاميًا لها. هذا ما كانت تبحث عنه دائمًا حتى أوشكت على اليأس بعدما ظنت أنها لن تعثر عليه أبدًا. وأخيرًا وبعد طول انتظار وجدت من تستطيع الهروب إليه من قظ العالم وسرابته، من برودة يناير وارتعاداته. تزم عينيها حتى تمر قوافل الشك والارتياب المغبرة بذكريات مبعثرة، كالعجوز الصغيرة تتلهف رتق تجاعيد الرحلة لديه. جاءت إليه بالنزع الأخير فأما أن يكون منقذها أو قاتلها.
أما "خضرا"، أيقنت أنها اتخذت القرار الصحيح بزواج زوجها من "سلسبيل" بعدما درست الوضع جيدًا من جميع الجوانب. عادات وتقاليد الصعيد بلدها تعطي الحق للرجل بالزواج على زوجته حتى لو أنجبت له جيشًا من الرجال، ولا تسمح لأي امرأة أن تعترض أو حتى تطلب الطلاق. يفضلون عودة ابنتهم لهم جثة هامدة، ولا تعود حاملة لقب مطلقة. وإن حدث الطلاق في أصعب وأضيق الظروف لن يتركوها دون زواج إلا فترة عدتها فقط، ومن ثم ستتزوج من رجل آخر بكل تأكيد
سيكون متزوجًا قبلها، وستصبح أيضًا زوجة ثانية، أو ربما ثالثة. حينها لن يترك "عبد الجبار" ابنتيه معها، سيأخذهما منها رغمًا عن أنفها هذا باعتبار لو تركها لها من الأساس. وضعت في موقف لا تُحسد عليه، لكنه جعلها تكتشف جانبًا جديدًا عليها كليًا في شخصيتها، لم تكن تعلم عنه شيئًا. أصبحت قوية عن ذي قبل، أقسمت على أن تحافظ على بيتها، وزوجها ولن تدع مخلوقًا يخرب عليها صفو حياتها. لم ولن تعود لتلك الضعيفة التي كانت تفقد وعيها،
وتبكي بانهيار إذا ألقت "بخيتة" على سمعها إحدى كلماتها الجارحة. ستنتقم لكرامتها، وكبريائها، ولن تترك أو تتنازل ثانيةً عن حقها وحق "سلسبيل" التي اعتبرتها ابنتها رغم أنها لم تُكمل الثلاثين عامًا من عمرها بعد.
"الله أكبر.. عيني باردة عليكي يا ست العرايس." نطقت بها "خضرا" التي انتهت للتو من تمشيط شعر "سلسبيل" بعدما ساعدتها على أخذ حمام دافئ وهي بمكانها، طريحة الفراش. "ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا أبلة خضرا." همست بها "سلسبيل" بامتنان، وابتسامة دافئة تزين ملامحها التي بدأت تشرق من جديد. "ولا يحرمني منك يا خيتي، ويتم شفاكي على خير قادر يا كريم." قالتها وهي تقرب من فمها كوبًا من العصير مكملة:
"عايزاكي تروقي وتقومي على حيلك قوام لأجل ما نعاود على الدار، وتبجي عنينا على بخيتة العفريتة." صدح صوت ضحكة "سلسبيل" منذ وقت طويل لم تضحك من قلبها حتى كادت أن تنسى صوت ضحكتها، وهمست مؤيدة حديثها: "أيوه والله هي فعلاً عفريتة، ولايق عليها الاسم أكتر من بخيتة." "بسم الله الحفيظ." أردفت بها "خضرا" وهي تسحب ياقة ثيابها وتبصق داخلها أكثر من مرة مرددة: "متچبيش سيرتها العفشة دي مرة تانية لنلقيها فوق راسنا اهنه كمان."
"لا اطمني عمرها ما هتيجي تزورني هنا." قالتها "سلسبيل" بثقة، وابتسامة حزينة ظهرت على ملامحها الرقيقة. مدت "خضرا" يدها وأمسكت ذقنها بين أصابعها جعلتها تنظر لها وتحدثت بتحذير قائلة: "لع أوعاكِ تزعلي ولا تخافي من أي شيء واصل من اليوم و چاي." رفعت رأسها بشموخ، وتابعت بفخر:
"عايزاكي ترفعي رأسك وتشدي عودك، وتصلي ضهرك.. أنتي الليلة هتبجي مرات عبد الچبار المنياوي، هتبجي في حمي راجل بمعني الكلمة.. ياكل جلب اللي يفكر أنه يدوسلك على طرف." تراقص قلب "سلسبيل" الموجوع فرحًا من حديثها الذي أعطاها قوة جعلتها تتشبث بالحياة بعدما كانت تبغضها وتتمنى الموت لعلها تجد الراحة التي حُرمت منها.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخير." قالها المأذون عقب انتهائه من عقد قران "عبد الجبار" على "سلسبيل" أمام نظرات "بخيتة" التي تتوهج كالنيران من شدة غضبها. يا الله!
تعالت نبضات قلبه، وتلاحقت أنفاسه بسعادة بالغة نجح في إخفائها ببراعة، فأخيرًا أصبحت تلك الصغيرة زوجته، تحمل اسمه. فقد وافق "قناوي" على الفور دون لحظة تردد عندما جدد "عبد الجبار" طلبه للزواج من ابنته، حتى أنه زوّجها له دون أن يسأل عنها أو عن رأيها مطلقًا معتمدًا على أنه وكيلها، ف"سلسبيل" لم تصل لسن الرشد بعد. لا يعلم أنها محتجزة بالعناية المركزة في قسم جراحة القلب بسبب ما فعله هو بها في المركز الأول.
"مبروك يا عبد الچبار ب! " توقف عن إكمال حديثه، وتأوه بصوت عالٍ حين فاجئه "عبد الجبار" بلكمة قوية أفقدته توازنه، وسقط أرضًا بعنف. "مهانش عليك من ساعة ما رچلك خطت اهنه تطمن على بتك، وتسأل عنِها مش باين لها بالدار لا حس ولا نفس ليه عاد." أنهى جملته، ومال عليه سحبه من تلابيبه، أوقفه أمامه مكملًا وهو يلكمه لكمة أقوى، لكنه لم يتركه يسقط هذه المرة: "مالها بت الفرطو ااااه!
"اوعاك تغلط فيها بعد أكده." هدر بها بصوت أجش وهو يكيل له اللكمات مكملًا بغصة تعتصر قلبه: "كفاياك اللي عملته في جلبها.. من اليوم وطالع مبجتش بتك.. ولا ليك علاقة بيها.. بقت سلسبيل عبد الچبار المنياوي.. مَراتي، واللي يبص نوحيها بعين اقلع له التنين."
"اللي تؤمرني بيه يا چناب البيه.. مبقاش ليا صالح بيها من انهارده." أردف بها "قناوي" بصوت مرتجف متقطع حين رأى عينيه تتسعان بغضب وتبرز عروقه بخطورة. مشاعره المشحونة تعصف بداخله وتغير بصدره، تطلع له بنظرة لا ريب أصابته بالذعر والخوف من قسماته العابسة بشدة، ليصيح بحدة وهو يقبض فجأة على عنقه بقبضته الفولاذية: "ولو چرالها حاچة هقتلك بيدي، وأرمي چيتتك للكلاب." عشقتك دون أن أدري، وهل لنا عن العشق سلطان
إداري مشاعري في قلبي، وأطلب النجاة من الرحمن وخضرا رفيقة دربي. حب الصبا وبر الأمان هي أقرب إلي من نفسي. لا يوجد لمثلها وجود وسلسبيل نبع الحياة حبي لها تخطي الحدود يارب للصح أهديني، ولسعادتهما قوني فهما قرة قلبي وعيني.. أرزقنا السعادة والاطمئنان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!