بسم الله الرحمن الرحيم. لا حول ولا قوة إلا بالله. في كثير من الأوقات نتعرض لضغوطات الحياة المختلفة التي تلعب دورًا هامًا في تكوين شخصياتنا على مراحل سنوات عمرنا، إلى أن يأتي وقت تنفذ فيه طاقتنا بسبب ضغط شديد يفوق تحملنا. حينها نكون أول من يُصدم من رد فعلنا، نتفاجأ بوجود شخصية أخرى بداخلنا لم يُخيل لنا وجودها.
شخصية شرسة بإمكانها ارتكاب أفظع الجرائم دون لحظة تردد، وهذا ما حدث لـ "خضرا" بعدما تمكنت منها الغيرة التي أشعلت النيران بقلبها حتى غلفته القسوة. تلك النيران سيكون للجميع نصيب منها، ستحرق كل من يعترض طريقها، لن ترحم أحدًا حتى نفسها.
صدح أذان العشاء، وصدح معه رنين جرس باب المنزل الخارجي يعلن عن وصول الهدايا التي أوصى بها "عبد الجبار" خصيصًا لزوجته بإحدى دور الأزياء الشهيرة حتى تُناسب مقاساتها. أتت قبل موعدها لينالوا رضا أهم عميل لديهم.
تقف "خضرا" بوجه عابس بشدة، ممسكة هاتفها بيدها تعاود الاتصال بهاتف زوجها مرارًا وتكرارًا دون توقف، لا تكترث للهدايا على الإطلاق، كل ما يشغل بالها هي غريمتها، فقد تأكدت من مصادرها داخل المستشفى أن "سلسبيل" لم تصل إلى هناك. إذن أين ذهب بها؟ وماذا يفعل معها الآن؟!
ستجن لا محالة كلما تتخيل أنهما بمفردهما ومن الممكن أن تتطور العلاقة بينهما. تدور حول نفسها ذهابًا وإيابًا وهي تلطم خديها بكل قوتها حتى أدمتها، تشعر بألم يمزق قلبها يفوق قدرتها على التحمل. كل هذا أمام نظرات "بخيتة" التي تتابعها بابتسامة واسعة تظهر جميع أسنانها بهيئة مخيفة، ومستفزة للغاية. "كل عمايلك دي مبقاش ليها عازة خلاص يا خضرا، سلسبيل بقت مِرات عبد الجبار المنياوي اللي هتجيبله الواد عن قريب قوي قوي."
غمغمت بها "بخيتة" وهي تستند على عكازها، وتنتصب واقفة سارت تجاهها بخطوات هادئة حتى توقفت أمامها مباشرة، ونظرت لها بملامحها القاسية، وتابعت بضحكة ساخرة: "كنتِ فاكرة حالك هتقدري تتحكمي في البنت الصغيرة وتبعديها عن راجلها إياك؟ القلوب ملهاش حاكم يا أم البنت، وسلسبيل عشقت عبد الجبار كيف ما هو عشقها، ومهتقدرش تمنع روحها عنِّه أكتر من أكده."
كانت "خضرا" تستمع لها بصمت، ملامحها جامدة، دموعها متحجرة بعينيها، تصطك على أسنانها بعنف كادت أن تهشمهم. هُيئ لها أن "سلسبيل" تقف أمامها وكم تتمنى هذا الآن حتى تنقض عليها وتمزقها إربًا دون لحظة تردد. تنهدت "بخيتة" براحة وقد وصلت لمبتغاها، وهي ترى الغل والحقد ظاهر بوضوح على وجه "خضرا" تجاه "سلسبيل"، فدمدمت لبرهة قبل أن تقول:
"اممم.. لو فكرتي زين هتلاقي إن اتفاقك عليا مع سلسبيل اللي قولتيلي عليه ده هتطلعي منه خسرانة. إنما لو اتفقتي معايا أني هتبقي أنتي لوحدك مِرات عبد الجبار يا خضرا وأم الواد اللي هتجيبه ضِرتك كمان." جحظت أعين "خضرا" على وسعهما، ونظرت لها بلهفة، كالغريق الذي كان على وشك الموت وأخيرًا وجد منقذه. "قوليلي كيف يا أمه أحب على يدك." نطقت بها بنبرة ملتاعة، وهي تميل على يدها تحاول إمساكها لتقبلها بتوسل. دفعتها "بخيتة" بعيدًا
عنها بعنف مردفة بغضب: "أمه.. دلوقت بتقوليلي يا أمه يا بت المركوب بعد ما كنتِ بتفقعي مرارتي بعمايلك العفشة وحديثك الماسخ." ضربت "خضرا" على صدرها بكف يدها بحركة استعطافية مرددة: "حقك علي راسي يا أمه. مهعملش أكده مرة تانية واصل. بس قوليلي كيف أكون مِرات عبد الجبار، وأم ابنه لحالي من غير ضِرة. إلا الضِرة مُرة ومرارها واعر قوي." انبلجت ابتسامة شريرة على ملامح "بخيتة" حتى ظهرت تجاعيد وجهها وهي تقول:
"تهمليها مع راجلها لحد ما يحصل المراد، وتبقى حبلى منه. وقتها تحطيها جوه حباب عينك وتشيلها من الأرض على كفوف الراحة لغاية ما تجيب لنا الواد اللي هيخلص عليها وهي بتولده كيف ما قال الحكيم إن قلبها مش قد الحبل والولادة، وأول ما تموت تاخدي أنتي الواد وتبقى أمه. الأم اللي بتربي يا خضرا مش اللي بتخلف."
فكرة راقت "خضرا". لن تنكر أن حديثها قد راق لها كثيرًا، وتهللت أساريرها بسعادة، ودون ذرة تفكير منها حسمت قرارها بتنفيذ تلك الفكرة على الفور، ولكن ستظل تلك النيران التي تتأجج بقلبها مشتعلة لن يخمدها سوى شيء واحد فقط موت سلسبيل. الموت الذي لم تكن تظن بيوم أن تفكر فيه أو تتمناه حتى لعدوها.
بينما "بخيتة" ترمقها بنظرات مستهزئة لغبائها الذي صور لها بأن زوجها سيعود لها كما كان حين يُحرم من المرأة الوحيدة التي عشقها من صميم قلبه. سبحان الله العظيم. عبد الجبار. كان يظن أن بإمكانه التحكم بفيض مشاعره التي أغرق بها معشوقة قلبه وروحه، وأن الأمر لن يكون إلا مجرد قبلة شغوفة ويبتعد عنها في الحال، ولكن قد حدث ما كان يتمناه قلبه الملتاع منذ أن أصبحت زوجته.
انجرف بقاع بحر غرامها دون أدنى إرادة منه، لأول مرة فشل في السيطرة على رغبته الجامحة بها. انفصل معها عن العالم أجمع مكتفيًا بوجودها بين ذراعيه، لا يعلم كيف ومتى وكم من الوقت بقي ينهال بجنون من شهدها لعله يشبع ظمأه منها. لم ينتبه على كل ما يدور حوله. رنين هاتفه المستمر حتى نفذت طاقته وانطفأ تمامًا. طرقات العاملين من حين لآخر. كان معها وبها ولها فقط. "عشقان.. أني عشقانك يا سلسبيل."
غرد بها داخل أذنها بصوت هامس من بين أنفاسه اللاهثة المهتاجة، وهو يسير بوجهه المتناثر عليه حُبيبات العرق، على وجهها المتوهج بحمرة الخجل. "عبد الجبار." همست بها بأنفاس متهدجة من بين شفتيه التي يغمرها بوابل من القبلات المتلهفة، يستعد بها لأخذها بجولة أخرى من جولاتهم شديدة الخصوصية. لكن!
همسها هذا أفاقه من نوبة جنون عشقه بها. تخشب جسده لوهلة وقد أدرك ما فعله للتو، ومن ثم انتفض من فوقها فجأة كمن لدغه عقرب سام، أو بالأصح كأنه تحول هو لهذا العقرب وقام بلدغ أغلى وأحب الخلق لقلبه. "سلسبيل! صاح بها صارخًا بقلب مرتعد، وهو يخطفها داخل صدره، أجلسها على قدميه، وبدأ يتفحص كل أنش بها، وهو يصيح بصوت جهوري دون أن يتركها من يده: "عفاااااف! شيّعي لحسان يجيب الدكتور! "عبد الجبار اهدأ.. أنا كويسة."
أردفت بها وهي تحتضن وجهه بين كفيها الصغيرين، لكنه أسرع بضم يدها بين قبضة يده الضخمة يتحسس برودة بشرتها، ويجذب الغطاء عليها بخوف يخفي به جسدها العاري، وعينيه تشملها بنظرة يملؤها العشق، والندم معًا مغمغمًا: "حاسة بإيه.. في حاجة بتوجعك.. قوليلي يا بت قلبي."
أنهى جملته، وأسرع بوضع راحة يده على موضع قلبها يستشعر نبضاته. دست نفسها هي بين ضلوعه، ولفت كلتا يديها حول خصره، وضمته لها بكل ما أُتيت من قوة، وأطلقت تنهيدة طويلة وهي تقول باستحياء بصوت بالكاد وصل لسمعه: "مبسوطة.. أول مرة أبقى مبسوطة كده." رفعت وجهها، ونظرت داخل عينيه بعمق مكملة: "مبسوطة عشان بقيت مراتك أنت.. أنت بالذات يا عبد الجبار."
هدأت وتيرة أنفاسه قليلًا حين رأى ملامحها التي توردت وكأنها تفتحت كالوردة بعدما تشبعت من حبه واهتمامه بها. في هذه اللحظة ضمها له بيديه وحتى قدميه لعله يطمئن قلبه الذي أوشك أن يغادر صدره من عنف دقاته. مرت لحظات وهو محتويها بجسده كما لو كانت ضلعًا من أضلاعه، حتى استمع لطرقات على باب الغرفة يليه صوت "عفاف" تتحدث بقلق قائلة: "الدكتور وصل يا عبد الجبار بيه."
على مضض ابتعد "عبد الجبار" عن زوجته، وهرول بلملمة ثيابه المبعثرة على الفراش، والملقاة أرضًا وارتداها على عجل، وعينيه لم تتزحزح عن "سلسبيل" المختبئة بخجل أسفل الغطاء. شهقت بخفوت حين شعرت بيديه ترفعها بمنتهى الخفة، وقام بمساعدتها على ارتداء روب من الحرير الناعم أبيض اللون، أحضره لها بلمح البصر من الغرفة الخاصة بثيابها، وحجاب كبير قام بوضعه على رأسها أخفى به شعرها وروبها بأكمله.
أغلقه جيدًا حولها قبل أن يسير تجاه باب الغرفة بخطى واسعة، وقام بفتحه وهو يتحدث موجهًا حديثه للطبيب بنبرة لا تحمل الجدال: "أسرع بالكشف على زوجتي، وتحدث معي باللغة الإنجليزية عن حالتها الصحية." "تحت أمرك عبد الجبار بيه." نطق بها الطبيب الذي اندفع مسرعًا تجاه "سلسبيل" الجالسة على الفراش بأريحية، وابتسامة دافئة تزين ثغرها المزموم.
بمنتهى الدقة انتهى الطبيب من فحص شامل لها أمام "عبد الجبار" الجالس بجوار زوجته، محاوط كتفيها بلهفة. "اطمئن زوجتك بخير حال ولا يوجد أي خطر عليها." تتنقل "سلسبيل" بينهما بنظرات مندهشة، وهي ترى زوجها يتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة، ليتابع الطبيب بتعجب قائلًا: "هل نسيت اتفاقك معي حول ما أقوله عن حالتها؟ تنهد "عبد الجبار" بأسف، وقد ارتجف قلبه بخوف وهو يتخيل رد فعل زوجته إذا علمت باتفاقه هذا:
"لا لم أنسى اتفاقنا، ولكني لم أنسى أيضًا أن قلبها كان على وشك أن يُصاب بجلطة، ولا أريد أن يتكرر الأمر ثانيةً." "في إيه يا عبد الجبار.. فهمني." همست بها "سلسبيل" لزوجها بصوتها الذي يُذيب عظامه، فضمها له بقوة أكبر مقبلًا جبهتها، وهو يقول: "اطمني.. أنتي زينة يا ست الهوانم." نظر للطبيب وتابع بصرامة: "مش أكده يا دكتور؟ الطبيب بعملية وبعض الخوف من قسمات "عبد الجبار" الجادة: "احححم.. أيوه حضرتك كويسة جدًا يا مدام اطمني."
أردفت "سلسبيل" بلهفة وفرحة غامرة قائلة: "أيوه أنا الحمد لله حاسة إني أحسن بكتير." "يعني أقدر أحمل وأكون أم مش كده يا عبد الجبار؟ كان قد غادر الطبيب برفقة "عفاف" التي أغلقت الباب خلفها، وبقي بمفرده ثانية، مع زوجته. انبلجت ابتسامة لعوب على محياه قبل أن يميل عليها يحاصرها بجسده لاصقًا بها، ويده تتسلل ببطء نحو حجابها وروبها الحريري نزعهما عنها مغمغمًا: "رايدة تبقي حبلى مني يا سلسبيل؟!
لم تنطق بحرف واحد، اكتفت بالنظر له عينيها تتحدث لعينيه بكلمات نابعة من قلبها جعلته يغيب بها عن العالم حوله من جديد. الليلة استقبلني بكل جنوني، سأنزل بضيافة عينيك كحورية.
راقصني فخلخالي لن يوقف رنينه ثانية، وعانقني أعزف على أوتاري موسيقى اللهفة، فشعوري شعور طفلة عارية دثرتها بمعطفك الدافئ، قطة صغيرة تقف بمنتصف الطريق مذعورة من الحافلات الضخمة، وجدت ركنًا احتضنها بظلاله، وجدت بين ضلوعك يقطينة تدلل بؤسها، وتزرع بحدائقي يقينًا بعدما كاد أن يبتلعني حوت الشك، وعتمة الخذلان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!