الفصل 22 | من 31 فصل

رواية جبر السلسبيل الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
23
كلمة
3,038
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

بسم الله الرحمن الرحيم. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. "سلسبيل" تجلس داخل سيارة زوجها بشرود، تشعر أن هناك أمرًا ما يحدث حولها، لكنها على غير العادة تغمرها الراحة والسكينة، تشعر بطمأنينة تملأ قلبها فهي على ذمة رجل جعلها خلال فترة زواجهما القصيرة تثق فيه ثقة عمياء حتى أصبحت على يقين أنه لن يخذلها مهما حدث.

وجدت معه الأمان الذي حُرمت منه طيلة عمرها، انبلجت ابتسامة على محياها الحزينة حين داهمتها ذكرى تواجدها داخل جلبابه، كم شعرت بضآلتها بين ضلوعه وجسده العملاق الذي تحرك بها بمنتهى الخفة كأنها لم تزن شيئًا على الإطلاق، أخفاها عن ضرتها التي كانت وقتها لا تنوي على الخير أبدًا، شعرت بتلك اللحظة أنه سندها، ظهرها، حصنها المنيع الذي يحاوطها بحماية.

تلاشت ابتسامتها حتى اختفت، وحل مكانها الخوف، تسارعت دقات قلبها بذعر وهي تتخيل أن يأتي عليها اليوم وتجد نفسها بمفردها من دونه ثانية، دون حمايته، أمانه، نظرة عيناه العاشقة التي أدمنتها! رفعت كف يدها وضعته على قلبها تحاول تهدئة دقاته العنيفة وهي تدعو بإلحاح أن يدوم لها زوجها حتى لو ظلت له زوجة على الورق فقط إلى الأبد.

وجهت عينيها تجاه باب المنزل بملامح جامدة عكس ما بداخلها من صخب، تنتظر طلعته عليها بلهفة ونفاذ صبر حتى يهدأ ضجيج قلبها كعادته معها، هامسة باسمه بتنهيدة حارة: "عبد الجبار". .................... سبحان الله العظيم...... "عبد الجبار" متمكن في التحكم في زمام الأمور بجدارة يُحسد عليها، يستطيع السيطرة على مشاعره وتعابير وجهه، إنما قلبه!

لا يملك أي سلطة عليه، لذا قبض على يد زوجته وأبعدها عن موضع قلبه قبل أن تشعر بنبضاته التي تدق كالطبول على صدره حين ذكرت اسم من استحوذت بعشقها عليه. رسم الجدية على قسماته الصارمة، وتحدث بصوته الأجش: "إني عمري ما زعلتك مني في يوم من ساعة ما أتجوزنا". صمت لبرهة، وتابع بنبرة محذرة وهو يرفع كف يده الأخرى الذي لم يشف بعد أمام عينيها، ليظهر أثر جرح السكين التي حاولت "سلسبيل" قتل نفسها بها لولا وصوله بالوقت المناسب:

"حتى بعد اللي حصل منك.. واللي مش هسمح أنك تكرريه مرة تانية.. فبلاش يجي اليوم اللي أزعل منك فيه يا خضرا". توحشت نظرته بخطورة مكملًا: "أنتي خابرة زين ما فيش مخلوق يقدر يزعلك في حياة عيني.. وحقك بجيبهولك لحد عندك لإنك مراتي واللي يزعلك كأنه زعلني.. وسلسبيل كمان مراتي واللي يزعلها يزعلني كيفك بالتمام، وعشان أكده من هنا وجاي مهسمحش لمخلوق على وش الكون كله يغلط فيها حتى لو أمي".

قال الأخيرة بصوت عالٍ للغاية متعمد حتى يصل لوالدته الواقفة تتجسس عليهما كعادتها. وصل غضبه لذروته جعل عروقه تبرز بهيئة مخيفة وعلا صوته أكثر قائلًا وهو يشتعل غضبًا:

"ولا هسمحلك أنتي كمان تغلطي فيها تاني واصل يا خضرا.. لإنها مش قليلة الرباية ولا خسيسة كيف ما قولتي عليها.. بالعكس أنتي شايفة بعينك من يوم ما كتبت عليها وهي متنازلة ليكِ عن حقها فيا وعاملة خاطر لزعلك وساكتة على كل عمايلك معاها، وأنتي غيرتك عمت قلبك كمان بقيتي لا مقدرة سكوتها ولا حتى مرضها".

هذه المرة وصل صوته لقلب "سلسبيل" قبل أذنها، اقتحمها إحساسه الصادق بالخوف عليها، وشعرت بمدى وجعه منها بسبب تنازلها عن حقها فيه وبعدها عنه، لا يعلم أنها تتمنى قربه ربما أكثر منه. ترقرقت العبرات بعينيها وتقطعت نياط قلبها على حين غرة بسبب آخر كلمة تفوه بها مرضها!

ربما أدركت "خضرا" الوضع حاليًا بعد حديث زوجها المنفعل معها، ومن الجائز أن ترضى بالأمر الواقع وتتقبلها ضرة لها، لكن سيظل مرضها الحائل بينها وبينه، إذن لن تكون قادرة على تحقيق حلمه في إنجاب ابن له، سيكون خطورة كبيرة على حياتها حينها. حياتها!

لا تهمها بالأساس، ما رأته خلالها جعل حالتها النفسية تسوء إلى أقصى حد، فأصبحت تتمنى لو تحصل على فرصة حتى تتخلص منها، لمعت عينيها ببريق أمل وتهللت أساريرها فجأة حين خطر على بالها فكرة حمقاء، ها قد وجدت تلك الفرصة أخيرًا: "هحمل منك يا عبد الجبار". غمغمت بها بوعيد وإصرار، وأعين تفيض بالدمع رغم سعادتها التي ظهرت على وجهها أشرقت نوره، وعادت الدماء تغزو وجنتيها من جديد.

بينما "خضرا" أجهشت ببكاء حاد حصلت به على عطف زوجها الذي كان يلهث من شدة انفعاله نافثًا الهواء من فتحتي أنفه بصعوبة. أخذ نفسًا عميقًا يهدأ به نوبة غضبه، واحتضن وجهها بين كفيه، يزيل عبراتها بأصابعه مكملًا بنبرة هادئة: "ميهونش عليا دمعك يا غالية.. كفايكِ بكى عاد.. أكده هزعل منك صح". "لع.. كله إلا زعلك عندي يا عبد الجبار" همست بها وهي تلثم كف يده المصابة بقبلة عميقة مكملة:

"هحقق لسلسبيل مراتك، وهبوس على رأسها كمان بس متزعلش مني ولا قلبك يكون شايل من جهتي أيتها حاجة يا خوي". تنهد "عبد الجبار" براحة، وانحنى عليها مقبلًا جبهتها بعمق مغمغمًا: "ربنا يكملك بعقلك يا أم فاطمة". ....................... لا حول ولا قوة إلا بالله....... "سعاد" تجلس على الأريكة بجوار "فؤاد" والدها تتحدث معه بصوت خفيض حتى لا يصل لسمع ابنها "جابر":

"يعني دي تاني جوازة كمان للبت وابني عايز يطلقها من جوزها ويبقى الراجل التالت في حياتها! قالتها بملامح مندهشة مصدومة وهي تضرب على صدرها بكف يدها. زفر "فؤاد" بضيق، وتحدث بتعجب قائلًا: "هو ده اللي همك يا سعاد ومش همك بنت أختك اللي أكيد أول ما تشوفنا هتسألنا سبناها ليه كل السنين دي؟! تحشرج صوت "سعاد" بالبكاء مردفة:

"وإحنا سبناها بمزاجنا يعني.. ما أنت عارف اللي حصل وقتها، وعارف كمان إن أبوها جبروت وابني كان لسه عضمه طري ميقدرش يقف قدامه.. لكن دلوقتي ربنا يحفظه بقي راجل يسد عين الشمس هيبقي سند ليها ويقف في ضهرها ولو ليها حق هيجبهولها بس من غير جواز.. هي آه بنت أختي وغالية عندي ونفسي أشوفها وآخدها في حضني.. بس مش أغلى من ضنايا يا بابا ومستحيل أرضى إن ابني ياخد واحدة خرج بيت واحد مش بيتين كمان حتى لو بنت أختي".

"بس نوصل للبت الأول يا سعاد" قالها "فؤاد" بضحكة ساخرة مكملًا: "جوزها طلع تقيل قوي وصاحب أملاك ياما وابنك داير يلف عليه زي الدبور ومش عارف يوصله لحد ما تعب من كتر اللف ومرمى نايم جوه زي القتيل". "ويارب ما يوصله يا حج". نطقت بها بتمني شديد، وتابعت بسرها: "إلا أما أجوّزه الأول البت صفا بنت جوزي.. تربية أيدي". ......................... صلِ على الحبيب......... "عبد الجبار"

فرغ للتو من غُسل كامل، هرول مسرعًا تجاه ثيابه المكونة من قميص أبيض اللون، وسروال من الجينز الغامق، حذاء كلاسيك أسود بلون الحزام الملتف حول خصره، وقف مقابل المرآة يمشط شعره بعناية، ارتدى ساعته الفخمة حول رسغه، وخاتمًا من الفضة بإحدى أصابعه، نثر عطره المميز بكثافة، هندم ذقنه وشاربه بدقة فأصبح مثالًا للغواية والفتنة. كانت "خضرا" تتابعه بصمت، نيران قلبها أصبحت هادئة قليلًا الآن، بعد احتواءه لها خاصة حين قال:

"أني هفهم الدكتور يقول قدام سلسبيل إن هو اللي قدم معاد المتابعة.. لأنها المفروض الأسبوع الجاي.. بس عشان ميرضنيش يبقى شكلك مش ولا بد قصادها". "اللي تشوفه يا خوي" قالتها وهي تخفض رأسها وتبتعد عن عينيه التي تتابعها بنظرة متفحصة يقرأ بسهولة ما يدور بذهنها عبر المرآة. جمع أغراضه المكونة من هواتفه ذات الماركات الشهيرة، وجزدانه الجلدي، نظارته الشمسية، مفاتيح سيارته، واقترب منها حاوط كتفيها بذراعه هامسًا

بأذنها بنبرته المزلزلة: "في هدية مني ليكي هتعجبك قوي هتوصلك الليلة بعد صلاة العشاء". أشهرت يديها الاثنين الممتلئتين بالأساور الذهبية، وأشارت على القلادات المعلقة برقبتها مرددة بفخر وهي تسير بجواره لخارج الغرفة: "يخليك ليا ولا يحرمنيش منك واصل.. خيرك مغرقني يا سيد الناس". "واللي خلق الخلق الحُرمة دي عملالك عمل يا ولدي".

كان هذا صوت "بخيتة" التي جن جنونها حين رأت ابنها الذي كان يتشاجر مع زوجته كما لو كان جمرة نار من شدة غضبه منذ قليل، الآن يهبط الدرج وهو محتضن رأسها ويبتسم ببشاشة كأن لم يكن شيء. "أمه..... قالها "عبد الجبار" ضاغطًا على كل حرف بها، وهو يبتعد عن زوجته ويقترب منها مقبلًا رأسها ويدها هامسًا برجاء: "بكفايا نكد لحد أكده انهارده عشان خاطري يا أم عبد الجبار". رمقته "خضرا" بنظرة سامة مدمدمة:

"اممم.. لأجل خاطرك بس يا ولدي بس بشرط". صمتت للحظة وتابعت بخبث: "تجيبلي حفيد". راجل يشيل اسمك واسم أبوك ويكون سندك كيف ما أنت سندي وضهري يا عبد الجبار. كل شيء بأوان يا أم عبد الجبار. قالها وهو يرتدي نظارته الشمسية التي زادت جاذبيته أضعاف مضاعفة قبل أن يغادر المنزل بخطوات واسعة.

وبعد طول انتظار لمحت طيفه يهل عليها، رفرف قلبها بشدة حين رأته مقبلًا عليها بلهفة أخفاها خلف نظارته السوداء، زينت شفتيه العريضة ابتسامة كان لها تأثير السحر عليها، أجبرتها على تأملها ببلاهة، نظرتها له متفحصة لا تخلو أبدًا من الإعجاب. عنك يا عبد الجبار بيه. أردف بها حسان وهو يركض نحوه مسرعًا، وفتح له باب السيارة الخلفي. إيه الأخبار يا حسان؟

قالها عبد الجبار وهو يجلس بجوار زوجته، علقت أنفاسها بصدرها حين اقتحمتها رائحة عطره الذي أشعل جميع حواسها دفعة واحدة. أجابه حسان قائلًا: كله تمام زي ما أمرتنا يا كبير. كانت سلسبيل هائمة بالنظر إليه بابتسامة حالمة، عينيها مثبتة على شعره الفاحم الرطب، تتمنى لو تغرس أصابعها بين خصلاته.

لم تنتبه على حركة السيارة التي صدر عنها ضجيج عالٍ أثناء مغادرتها عبر البوابة المفتوحة على مصراعيها، تحت نظرات خضرا التي تقف خلف النافذة تتابعهما بأعين يتطاير منها الشرر بعدما لمحت نظرة الافتتان بأعين غريمتها لزوجها جعلتها تستشيط غيظًا وحقدًا عليها.

بينما عبد الجبار يجلس بجوارها المسافة بينهما لا تذكر، لكنهما لا يتلامسان، ورغم هذا كانت تشعر بذبذبات حارة منبعثة من جسده تجاهها إلى أن أحست بكفه قبض على يدها فجأة، وأصابعه تتخلل بين أصابعها وتشتبك بهم بقوة دفعتها للانهيار داخليًا فأطلقت أنفاسها المحبوسة برئتيها دون أدنى إرادة منها. خابر أني اتأخرت عليكي.. حقك عليا.

همس بها بنبرة بدت مدمرة، وهو يرفع يده المحتضنة كفها على شفتيه ولثمها بقبلة رقيقة أيقظت كل مشاعرها الخامدة تجاهه مرة واحدة، شهقت بصوت خفيض وقد فاجأتها فعلته هذه وراقت لها كثيرًا أيضًا. جاهدت حتى تبتعد بعينيها عنه، ونظرت للجهة الأخرى لتجد أنهم على الطريق السريع المعاكس للطريق المؤدي إلى المستشفى. إيه ده.. إحنا رايحين فين؟ نطقت بها وهي تتلفت حولها بصوت مرتجف يعبر عن خوفها الشديد. ليه كل خوفك ده عاد؟

تساءل عبد الجبار بقلق جم، لترفع سلسبيل وجهها وتنظر لعينيه بعينيها الزائغة، وهمست بصوت اختنق بالبكاء: أوعى تكون موديني عند أهل أمي؟ لتستطرد دون أن تمنحه فرصة للرد عليها: أنا مش مستعدة أشوفهم دلوقتي خالص، خايفة من اللحظة اللي هشوفهم فيها يصدموني بحاجة توجع قلبي زيادة وأنا مش حمل أي صدمات تانية تزعلني زيادة وأنا في حالتي دي.

تنهد عبد الجبار متفهمًا مشاعرها وخوفها، ابتسم لها وهو يبعد نظارته عن وجهه لتظهر عينيه التي تجعلها تمتثل رغماً عنها للسحر الذي يبثه لها بنظراته، ازدردت لعابها بتوتر حين وجدته ينظر لها نظرته التي تخطف أنفاسها، جذبها عليه محاوطًا إياها بذراعيه، استكانت بين يديه على الفور. تنهد عبد الجبار بقوة مغمغمًا بخفوت: اطمني.. متخافيش من أي حاجة واصل.

أني معاكي وفي ضهرك ومهسمحش لمخلوق يمسك بسوء، وكمان مش ناوي أوديكي عندهم إلا لما تطيبي وتبقى زينة. طيب أنت واخدني على فين؟

غمغمت بها بخجل، وهي تتحاشى النظر لعينيه المحاصرة لها، رفع يده واحتوى ذقنها بين أصابعه أجبرها على النظر له مرة أخرى، تعمق النظر بعينيها التي تنجح في هزم كل قوته وعنفوانه وتجعله أسيرًا لها ليمد إبهامه ويلمس شفتها السفلى بحسية شديدة خرجت من أعماق رجولته، وأردف مسبلًا عيناه نحو شفتاها الحمراوين ومقربًا وجهه من وجهها ببطء: هخطفك إيه قولك؟ أسرعت بدفن وجهها داخل صدره تختبئ منه فيه بخجل حين لمحت نظرته المتلهفة لشفتيها.

موافقة.. تخطفني يا عبد الجبار. دمدمت بها بهمس بالكاد وصل لسمعه، فضمها له بقوة أكبر، وهو يجذب يديها ويلفها حول خصره. مر عليهما وقت ليس بقليل، ساعة أو أكثر لكنهما لم يشعرا به، كانا مكتفيين بقربهما لبعضهما، منفصلين عن جميع ما حولهما حتى توقفت السيارة وصدح صوت حسان قائلًا: حمد الله على السلامة يا كبير. تنحنح عبد الجبار كمحاولة منه لإيجاد صوته مردفًا: اححم الله يسلمك يا حسان.

دارت سلسبيل بعينيها بالمكان حولها، شهقت بفرحة غامرة حين وقعت عينيها على أمواج البحر تنصدم بالأحجار الضخمة صادرًا عنهما صوت ينعش الروح. احنا في إسكندرية صح؟ تفوهت بها وهي تغادر السيارة، واضعة يدها الصغيرة داخل راحة يده الممدودة لها. حرك رأسه لها بالإيجاب، وسحبها خلفه لداخل منزل حديث الطراز، يطل مباشرة على مياه البحر بلونه الأزرق المتلألئ تحت أشعة الشمس الساطعة.

كان باستقبالهما العاملون بالمنزل يقفون بصف واحد، ترأسهم عفاف سيدة أنيقة بأواخر عقدها الرابع، تحدثت بابتسامة بشوشة قائلة: نورتي بيتك يا ست سلسبيل هانم. بيتي!!! تمتمت بها مذهولة، وهي تتنقل بينها وبين زوجها الذي ينظر لها بابتسامة حانية مردفًا بتأكيد، وهو يحاوط خصرها ويضمها له ويسير بها بالأرجاء: أيوه بيتك يا سلسبيل. صعد بها على الدرج، وهو يقول: جهزوا الوكل يا عفاف.. الهانم معاد علاجها كمان ساعة. عفاف بعملية:

دقايق والأكل يكون عند سيادتك يا عبد الجبار بيه. سارت معه داخل ممر طويل حتى توقف أمام إحدى الغرف، ووضع يده على المقبض، ونظر لها قبل أن يفتح الباب. كادت أن تصرخ هذه المرة وهي ترى غرفة أقل ما يقال عنها أنها رائعة الجمال، مملوءة بأجمل الورود بمختلف أنواعها وألوانها. دلفت معه للداخل بخطوات مرتعشة، لتجده يجذبها برفق نحو منضدة الزينة الموضوع عليها علب مخملية مفتوحة بداخلها أفخم المجوهرات التي صنعت لها خصيصًا.

أوقفها أمام المرآة، ووقف خلفها وبدأ يخلع حجابها عنها حتى تخلص منه، فك عقدة شعرها لينسدل على ظهرها بنعومة وانسيابية، أمسك عقدًا من الماس على شكل قلب منقوش عليه حروف اسمها، وقام بوضعه حول رقبتها، زاد العقد جمالًا بها، فانحنى عليها وعانقها بقوة هامسًا برومانسية: شبكتك يا ست البنات. قال جملته وهو يشير لها على باقي الذهب أمامها، وأمسك أوراق كانت بداخل مغلف مغلق فتحها أمام عينيها مكملًا:

وده عقد البيت باسمك يا سلسبيل، وفي كمان شيك بورثك في حق أخوي الله يرحمه. تتطلع حولها بأعين دامعة، مبهورة.. ما تعيشه الآن لم يخطر على بالها بيوم من الأيام. لمين كل ده يا عبد الجبار؟ تأملها بعينيه الآسرة ونظرته العاشقة لها التي تذيبها كليًا قائلًا بصوته القوي: للست سلسبيل هانم مرات عبد الجبار المنياوي. سالت عبراتها على وجنتيها ببطء، وابتسمت ابتسامة يملؤها الوجع مغمغمة: مراتك؟

قرأ ما يدور بذهنها بشأن مرضها وعدم قدرتها على إعطائه حقوقه، احتوى خصرها بذراعيه، وانحنى عليها ضمها لصدره بقوة طابعًا على خدها قبلات عميقة متتالية وهو يهمس من بينهم بحرارة: أيوه مراتي وعشق القلب والروح من أول مرة وقعت عيني عليكي فيها، ومكنتش خابر وقتها إنك أرملة أخوي يا سلسبيل. حديثه هذا لم تنتبه له جيدًا، فقربه منها بحميمية هكذا يبعثر مشاعرها ويفقدها إدراك ما يحدث حولها، أسبلت أهدابها وتنهدت مطولًا، ثم همست دون

وعي بصوت اختنق بالبكاء: أخوك ده أنا وافقت أتجوزه بسببك أنت يا عبد الجبار! يا رباه ماذا قالت! وماذا قال هو! نفس السؤال اقتحم عقلهما بآن واحد، انتزعها من بين أحضانه دون أن يبعدها عنه، لتتقابل أعينهم بنظرة تلهف، وتحدثا بنفس واحد: وافقتي على جوازك من أخوي بسببي! شوفتيني فين وأمتى؟! انبلجت ابتسامة على محياه وهو يستعيد ذكرى أول مرة رآها بها. فلاش باك.

بعد انتهاء مراسم دفن شقيقه، عاد للمنزل ووقف لاستقبال واجب العزاء، كان صراخ وعويل النساء بالداخل يصم آذان الرجال بالخارج مما أغضبه كثيرًا، فاندفع نحوهم بملامح تشتعل غضبًا، وصاح بصوته الأجش وهو يتنقل بنظره بينهم يبحث عن والدته: اخرسي يا حرمة منك ليها.. بكفاياكي عاد يا أمه.

هنا لمحها، وقعت عينيه على فتاة تجلس بإحدى الجوانب بمفردها، وجهها يظهر عليه آثار عنف، وكدمات تاركة بقع حمراء وزرقاء ورغم هذا كانت الفرحة تشع من ملامحها الدامية، عكس جميع الحضور، سعادة عجيبة، وغريبة ظاهرة على قسماتها الفاتنة التي شغلت جم انتباهه، لكنها لم تنتبه له على الإطلاق. مين دي يا حسان؟ أردف بها بصوت خفيض، وهو يشير تجاهها بنظرة من عينه. أجابه حسان قائلًا: دي سلسبيل أرملة أخوك الله يرحمه يا كبير.

عقد حاجبيه فأصبح عابسًا بشدة وهو يقول: إيه اللي عمل فيها أكده؟! أخوك الله يرحمه بقى ويسامحه كان شديد قوي قوي عليها. غمغم بها حسان بأسف. ومن تلك اللحظة، وهي سيطرت على تفكيره، وكأنها ألقت تعويذة سحرية على قلبه. ختم حديثه واختطفتها ذراعه كالخطاف وهو يحاوط بها خصرها ليجذبها إليه، وانحنى بوجهه عليها هامسًا أمام شفتيها: "كأن صورتك اتوشمت على جلبي." ابتسمت له سلسبيل ورفعت يديها احتضنت وجهه بين كفيها مغمغمة باستحياء:

"من يوم ما أبويا خدني ورجع بيا على الصعيد، وأنا بسمع عن عبد الجبار المنياوي الراجل اللي كل أهل البلد بتحلف برجولته وأخلاقه، وأد إيه هو صاين مراته ومخليها زي الملكة. وقتها اتمنيت ودعيت ربنا يرزقني براجل زيك يحميني وينجدني من جبروت وظلم أبويا ومراته. لحد ما عبد الرحيم طلب أيدي، وعرفت إنه أخوك. فرحت ووافقت على طول وقولت أكيد هيبقي زيك في أخلاقه، وافتكرت إن ربنا رحمني أخيرًا." صمتت قليلًا تلتقط أنفاسها،

وتابعت بغصة يملؤها الأسى: "بس للأسف مطلعش زيك يا عبد الجبار. ده طلع جبروت عن أبويا، وأنا من غبائي وسني الصغير وقتها قولتله إني كنت فكراه راجل زيك وهددته إني هشتكيه ليك أول ما أشوفك، ساعتها اتحول لوحش وكان هيقتلني، وبقي كل ما يعرف إنك جاي البلد يكتفني في أوضتي لحد ما أنت تمشي."

أنهت حديثها وانفجرت باكية ببكاء مزق قلبه لأشلاء، بينما هو أخذها في عناق محموم حتى لم تعد قدماها لامسة الأرض، ذراعه ملتف حول خصرها، وذراعه الآخر يربت به على شعرها بحنو. كانت تهمس له بصعوبة بالغة من بين شهقاتها الحادة قائلة: "مافيش ست في الدنيا مبتحلمش براجل يكون سندها، وضهرها.. يحميها ويحسسها بالأمان." رفعت وجهها المتخضب بالحمرة القانية، ونظرت لعينيه المتلهفة بعينيها الغارقة بالعبرات، وتابعت بتأوه:

"وأنت كنت حلم حياتي اللي متخيلتش أبدًا إنه ممكن يتحقق في يوم من الأيام يا عبد الجبار." تعالت وتيرة أنفاسه، وبدأ يلهث بوضوح وقد أشعلت بجسده حمم بركانية باعترافها الذي لم يخطر على باله أبدًا. يلجم نفسه عنها بشق الأنفس، لصقها به بقوة، ويده تداعب جسدها بحميمية، واقترب بوجهه منها حتى أصبح يتنفس أنفاسها، تحدث بصوته الأجش وشفتاه تمس شفتيها: "رايدك.. رايدك يا سلسبيل."

قالها قبل أن يطبق بشفتيه على فمها يتذوق ذلك الصخب من بين شفتيها وكم تاق لهذا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...