الفصل 18 | من 31 فصل

رواية جبر السلسبيل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
22
كلمة
1,829
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

"بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". مر اليوم بسلام وعاد "عبد الجبار" يباشر عمله، وللعجب لم يتحدث مع "خضرا" على ما قالته له والدته عن فعلتها بحقه وحق من تعتبرها في مقام والدتها التي حُرمت منها، لم يلمح لها عن الموضوع على الإطلاق، متفهم لأقصى حد مشاعرها وغيرتها العمياء عليه التي دفعتها إلى تلك الحيلة حتى تتأكد أنه لن يكن في يوم لامرأة غيرها.

ولكن إذا زاد الشيء عن الحد ينقلب للنقيض على الفور، غيرتها عليه تتصاعد وتجبرها على التفكير في فعل أشياء لم تخطر على بالها بيوم، خاصة بعدما قرأت ما يدور بذهن زوجها الذي ينوي تقسيم الأيام بينهما بالعدل. هذا يعني أنه يريد قضاء الليل بأكمله مع غريمتها داخل غرفة مغلقة عليهما!!!

يا الله لقد جن جنونها من مجرد التخيل فقط، هي لم تنعم بنومٍ أمن إلا داخل ذراعيه، منذ زواجهما ولم تبتعد عنه ولو ليلة واحدة، وإذا تأخر بعمله ذات مرة تظل مستيقظة حتى عودته. الآن أدركت أن قرار موافقتها على زواج زوجها نبض قلبها هو أسوأ بل أبشع قرار اتخذته بحياتها، حتى بعد حديثها مع الطبيب المسؤول عن حالة "سلسبيل" وثقتها أنها ستظل زوجة على الورق إلا أنها تشعر بلهفة زوجها عليها رغم براعته في إخفاء مشاعره حفاظًا على شعورها.

فهل سيظل محتويها هكذا ومتفهم لغيرتها الزائدة عليه أم سينفذ صبره عليها وينتصر شوقه لمعشوقته الصغيرة؟! ........................ لا إله إلا الله...... "سلسبيل" كانت تجلس داخل شرفة غرفتها، تتابع بنات زوجها الجالستان أمامها مشغولين بكتابة دروسهما، انبلجت شبه ابتسامة حزينة على ملامحها الجميلة الذابلة عندما لمحت أدوات الرسم بحقيبة إحداهما. "ممكن أشوف كراسة الرسم والألوان بتاعتك يا فاطمة؟

نطقت بها "سلسبيل" بصوتٍ متحشرج بالبكاء، فأسرعت الصغيرة بالرد عليها وهي تخرج الكراس من حقيبتها برفقة علبة الألوان، ومدت يدها لها بهما مرددة: "ممكن طبعًا يا خالة.. اتفضلي". مدت "سلسبيل" يدها المرتجفة، وأمسكتهما منها وهي تقول: "ينفع أرسم لك حاجة في الكراسة، ولا المدرسة بتاعتك ممكن تزعل منك؟

"لا اطمني ما فيش حد يقدر يزعلني واصل.. المدرسة كلها خابرة زين إني أبوي عبد الجبار المنياوي اللي بيخاف علينا ياما وزعله واعر قوي قوي". أردفت بها الفتاة بفخر واعتزاز بوالدها، جعلت ابتسامة "سلسبيل" تتسع حين ذكرت اسم زوجها الذي يحاوط الجميع باهتمامه وخوفه عليهم، وكم تمنت لو كان والدها يكن لها السند والأمان لكنه كان هو من يتسبب دومًا في خذلها وطعن قلبها بسكينٍ بارد.

أطلقت زفرة نزقة من صدرها، وأمسكت الكراس والألوان بلهفة طفلة صغيرة حصلت على لعبتها المفضلة، وبدأت تستعيد موهبتها المدفونة التي فصلتها عن العالم بأكمله وعن كل ما مرت به طيلة عمرها. ظلت ترسم ببراعة رسامة محترفة رغم أنها توقفت عن الرسم تمامًا منذ سنوات طويلة. "الله أنتي رسمك حلو قوي!! قالتها "فاطمة" بانبهار وهي تطلع لرسمة "سلسبيل". "يله يا خيتي الوكل جاهز".

كان هذا صوت "خضرا" التي دلفت للتو حاملة طعام العشاء على يدها، وضعته على أقرب طاولة، وسارت تجاه الشرفة وهي تقول: "لازم تتغذي زين لأجل ما أعطيكِ دواكي". كانت تتحدث بتوتر بادٍ عليها تشعر بالإحراج منها بعد ما قالته لها حماتهما، متعمدة عدم النظر بعينيها، تمثل انشغالها بجمع أغراض بناتها. بينما "سلسبيل" أنهت رسمتها، وضمت الكراس لصدرها، ورفعت وجهها نظرت لـ "خضرا" بابتسامتها الهادئة.

"يا أمه خالة سلسبيل رسمها كيف الحقيقة بالتمام". تبادلت ملامح "خضرا" الحنون لأخرى غاضبة، ونظرت تجاه "سلسبيل" بابتسامة مصطنعة مدمدمة: "امممم.. ويا ترى بترسمي على إيه يا خيتي؟ قالت جملتها هذه وصوبت نظرها تجاه الكراس المستقر داخل حضن "سلسبيل"، وقد ظنت أنها رسمت زوجها، وبدأت تستعد لعراك شديد معها لو تأكدت من ظنها بها.

بينما "سلسبيل" تتابع تعابير وجهها التي لا تبشر بالخير أبدًا، ولا تنكر أنها ولأول مرة تشعر بالخوف منها بعدما كانت الإنسانة الوحيدة التي تشعرها بأن ما زال بشر بقلوبهم رحمة على ضعفها. رمقتها "سلسبيل" بنظرة عاتبة، ومن ثم أعطت لها الكراس، لتجذبها "خضرا" منها بعنف وتطلعت عليها مسرعة لتجحظ أعينها على آخرها حين رأت صورة مطابقة بالمثل، كأنها تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة، لوهلة شعرت بأن دلو من الماء البارد سقط فوق رأسها.

"دي إني!!! أردفت بها بخفوت وهي تتنقل بنظرها بينها وبين "سلسبيل" التي ابتسمت لها قائلة: "قلت أعملك حاجة بسيطة أفرحك بيها يا أبلة خضرا". ترقرقت أعين "خضرا" بالعبرات، وسارت نحوها حتى توقفت أمامها مباشرة، نظرت لها بصمت قليلًا ومن ثم تحدثت بأسف قائلة بصوتٍ خفيض: "مش بيدي.. مش بيدي يا سلسبيل.. ما كنتش خابرة إن وجع الغيرة واعر قوي قوي أكده". صمتت لبرهة تحاول السيطرة على دموعها التي تخونها وتنهمر على وجنتيها،

وتابعت بنبرة راجية: "أوعِك تزعلي مني يا خيتي.. أنتي غالية عندي يا سلسبيل". رفعت قبضة يدها وضربت على موضع قلبها بعنف مكملة: "بس مش أغلى من رجلي.. نبض قلبي". أسرعت "سلسبيل" بإمساك يدها تمنعها من لكم نفسها مرددة بتأكيد: "أنا عارفة يا أبلة خضرا.. وعذراكي والله.. وعايزاكي تطمني أنا لو فضلت عايشة وربنا كتب لي عمر مش هفضل هنا معاكوا ولا هفضل على ذمة عبد الجبار أول ما أعرف مكان أهل أمي همشي من هنا". "عبد الجبار عرف مكانهم".

نطقت بها "خضرا" باندفاع بعدما فشلت في إخفاء فرحتها بعد ما قالته لها "سلسبيل" التي كانت تتوقع رد آخر كما تعودت منها، إلا أن نيران الغيرة قد ألغت تفكير "خضرا" بأي أحد آخر سوى نفسها. "عبد الجبار وصل لأهل أمي!!!! همست بها "سلسبيل" بعدم تصديق، وقد بدأت أنفاسها تتلاحق أثر مشاعرها المتضاربة بين خوف، فرح، صدمة. انتصبت واقفة بوهن، وجسد يرتجف بوضوح وهرولت تجاه خزانتها تبحث عن شيء ترتديه فوق منامتها مرددة بلهفة:

"عايزة أروحلهم يا أبلة خضرا.. ودوني ليهم". كانت تتحدث ببكاء يتزايد بشكل أثار الريبة بقلب "خضرا" التي استوعبت أنها أخطأت خطأ فادح حين أبلغتها بمكان عائلتها دون علم زوجها. لتتدهور حالة "سلسبيل" التي دخلت بنوبة بكاء حادة وصلت لحد الصراخ مرددة من بين شهقاتها المتقطعة: "عايزة أروحلهم.. عايزة أسألهم لييييييه ما سألوش عني كل السنين دي.. لييييييه وافقوا إن بنتهم تتجوز راجل قلبه قاسي بالشكل ده؟

صرخت بانهيار أكبر وهي تلقي جميع الثياب أرضًا، وتحطم كل ما يقع تحت يدها: "لاااا ده ما عندوش قلب أصلًا.. وأكيد موت أمي في عز شبابها بقسوته عليها زي ما قتلني ألف مرة ومرة". ضربت "خضرا" على صدرها بكلتا يدها، ودب الرعب والفزع بأوصالها وهي تراها بتلك الحالة، حتى أنها أصبحت غير قادرة على السيطرة عليها نهائيًا.

"عايزة أسألهم عملوا في أمي وفيا كده لييييييه.. الأهل لازم يختاروا لبنتهم راجل يحميها ويبقى أمانها وسندها من بعدهم.. مش راجل يبهدلها هي وعيالها.. عايزة أعرف سابوا بنتهم على ذمة واحد لحد ما جاب أجلها لييييييه.. وبعد ما بنتهم ماتت سابوني أنا حفيدتهم معاه إزاي وهما أكيد عارفين إن مصيري على إيده هيكون زي بنتهم!!!

"يا مري يا مري أهدي يا خيتي لأجل خاطر اللي خلقك.. أبوس يدك يا خيتي عبد الجبار زمانه على وصول لو شافك أكده هيبجي مرار طافح عليا وعلى اللي خلفوني.. كفاكِ عاد لا يجرالك حاجة". غمغمت بها "خضرا" وهي تحاول ضمها بشتى الطرق، لكن "سلسبيل" كانت وصلت لمرحلة تهدد بالخطر، وبدأت تصرخ صرخات متتالية بلا توقف مرددة جملة واحدة: "رموني أنا وأمي لييييييه". ..................... سبحان الله وبحمده..... "جابر"

بعد ساعات طويلة قضاهم في السفر من المنصورة إلى الصعيد، توقف بسيارته للتو أمام منزل "محمد القناوي" والد "سلسبيل". ترجل منها خلفه اثنان من أصدقائه رفضوا تركه يذهب بمفرده. "متأكدين إن هو ده البيت يا رجالة؟ "أيوه متأكدين.. هو يا جابر البيت". هرول "جابر" بخطى راكضة نحو باب المنزل، وقام بالطرق عليه بقبضة يده عدة مرات. "ككخابط يلي بترزع على الباب". نطق بها "قناوي" وهو يسرع ليفتح الباب، وصل صوته لسمع "جابر" الذي ابتسم

ابتسامة شريرة وهو يقول: "ده صوت قناوي.. عمري ما نسيته." فتح الباب وهمّ بتوبيخ الطارق، إلا أنه تلقى لكمة قوية دون سابق إنذار أسقطته بعنف على الأرض الصلبة، وقبل أن يستوعب ما يحدث معه كان انقض عليه "جابر" وجلس فوقه، وبدأ يكيل له اللكمات مرددًا بغضب عارم: "سنين وأنا بحلم باللحظة اللي تقع فيها تحت أيدي يا قناوي الكلب."

حاول أصدقاؤه إبعاده عنه لكنه كان كالوحش الثائر، صبّ جم غضبه الذي حمله بقلبه لسنوات عليه حتى انفجرت الدماء من وجه "قناوي" بأكمله. "هتموتني يا ولد الفرطوس." قالها "قناوي" بصعوبة بالغة بعدما قبض "جابر" على عنقه بقبضته الفولاذية ورفعه قليلًا حتى تقابلت أعينهما. "أنت مين وعايز مني إيه يا جدع أنت؟ "أنا عملك الأسود اللي جالك عشان يخلص حق سندس، وسلسبيل بنتها من اللي عملته فيهم."

قالها "جابر" بفحيح مخيف جعل الخوف يزحف لقلب "قناوي" الذي تمعن النظر لملامحه المألوفة له، ليتذكره على الفور، ابن شقيق زوجته المتوفاة الذي كان دائم التصدي له كلما تعارك مع خالته، لكن حينها كان مجرد شاب مراهق لا يملك كل تلك القوة والعضلات. جف حلقه وهو يحملق فيه مذهولًا مرددًا اسمه بصوت مرتجف: "جابر!!! بملامح مرعبة حرك "جابر" رأسه له بالإيجاب قبل أن يضربه بكل قوته بجبهته كسر له أنفه في الحال صارخًا بوجهه: "سلسبيل فيييين؟

"عبد الجبار." يجلس على مكتبه الفخم ممسكًا بيده علبة مخملية بداخلها طقم من الماس قمة في الروعة والجمال صُنع خصيصًا لمعشوقة قلبه. "الطقم ألماس حر زي ما طلبت يا عبد الجبار بيه." قالها الجواهرجي وهو يقدم له علبة أخرى مكملًا: "وده الكردان والحلق بتاعه وكفة بخمس خواتم، و12 غويشة دهب عيار 24 وكلهم عليهم اسم مدام سلسبيل زي ما سيادتك أمرت." أخذها منه "عبد الجبار" وتأمل ما بداخلها يتأكد من وجود اسمها عليهم.

"شغلك عال العال تسلم يدك." قالها "عبد الجبار" وهو يغلق العلب، ونظر له مكملًا: "اتفضل أنت وفوت على الحسابات في طريقك خد حسابك منهم." انصرف الرجل على الفور، فنظر "عبد الجبار" لمساعده الخاص "حسان" الذي لا يفارقه أبدًا. "إيه الأخبار يا حسان؟ "الواد وصل لقناوي والرجالة بلغوني أنه كلو علقة معتبرة كان هيخلص عليه لولا الناس حشوه من يده، ومعاود في الطريق بعد ما قناوي قاله إن بنته بقت مرات جنابَك وأكيد هيجي على أهنه."

يستمع له "عبد الجبار" بهدوء مريب، وتحدث برزانته المعهودة قائلًا: "حلق عليه بمعرفتك يا حسان.. مش رايده يوصل عندي دلوجيت واصل.. فاهمني زين." "فاهمك يا كبير." قالها "حسان" وهو يتقدم منه ويعطيه ملف محكم الغلق. "اتفضل يا كبير.. ده عقد وورق البيت الجديد اللي طلبت مني أجهزه باسم الست سلسبيل.. بقي جاهز من مجميعه ومفتاحه أهو! صدح رنين هاتف "عبد الجبار" قطع حديثهم، فأسرع بالرد حين رأى رقم والدته وقد انقبض قلبه فجأة.

"خير يا أمه؟ "ألحق مراتك سلسبيل يا عبد الجبار من يد خضرا هتموتها يا ولدي." قالتها "بخيتة" تزامنًا مع صرخات "سلسبيل" التي وصلت لسمعه كادت أن تجعل قلبه يتوقف من شدة فزعه عليها، انتصب واقفًا في الحال وغادر المكان راكضًا وهو يصرخ باسم معذبة قلبه: "سلسبيل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...