الفصل 30 | من 31 فصل

رواية جبر السلسبيل الفصل الثلاثون 30 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
20
كلمة
1,551
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

في الصباح الباكر، قبل أن تشرق الشمس بنورها، تركت سلسبيل منزلها الجديد التي لم تمكث فيه إلا يومين فقط برفقة زوجها، كانوا من أجمل أيام عمرها بأكمله. عادت مجبرة معه لمنزله بالقاهرة بعدما وعدها أنهما سيعودان مرة أخرى بأقرب وقت. كانت تتمنى أن تظل بمنزلها تنتظره لحين عودته وقت ما ينهي عمله، لكنه رفض رفضًا قاطعًا تركها بمفردها. كان القلق واضح على ملامح وجهها الباهتة، بل الخوف أيضًا ظاهر بنظرة عينيها الحزينة.

خوف من مواجهة خضرا، التي عاهدتها بأن عبد الجبار لن يصبح زوجًا لها مهما حدث. والآن قد خلفت عهدها معها ولم تستطع الصمود أمام فيض الغرام الذي أهاله عليها زوجها بكرم وشغف جعلها تستسلم له وتبادله غرامه هذا بدون أدنى إرادة منها، حتى استطاع التسلل لأعماق قلبها ونثر عشقه بداخله. عشق خالص تعيشه لأول مرة بحياتها. بينما عبد الجبار كان يجلس بجوارها بأريحية، مكتفي بضمها لصدره كمحاولة منه لبث الطمأنينة بقلبها.

فهو يشعر بها ويقرأ ما يدور برأسها. انتفض جسدها بين يديه بذعر حين توقفت السيارة بهما بحديقة منزل درتها. "وبعدهالك عاد يا سلسبيل.. ليه كل خوفك ده؟ كيف تخافي أكده وأنتي چوه حضني؟! "خايفة تضيع مني بعد ما لقيتك يا عبد الجبار." همست بها سلسبيل بصوت اختنق بالبكاء، وهي تتمسك بثيابه بكلتا يدها لعلها تمدها ببعض القوة. احتضن وجهها بين كفيه، جعلها تنظر لعينيه التي يزينها بريق جديد بفضل عشقه لها، وتحدث بابتسامته الجذابة قائلاً:

"معوزكيش تخافي من حاچة واصل.. أنتي مَراتي وهتفضلي مَراتي لحد أخر يوم في عمري.. مهيفرقنيش عنك إلا موتي يا سلسبيل." "بعد الشر عليك.. متقولش كده تاني." قالتها بلهفة وهي تسرع بوضع أناملها الصغيرة على فمه تمنعه من استكمال حديثه.

لثم أصابعها بعمق مرات متتالية قبل أن يقبض على يدها الصغيرة جدًا بين قبضته الضخمة ويسحبها عليه، واضعًا يد حول خصرها، والأخرى أسفل ركبتيها وحملها على ذراعيه بمنتهى الخفة وغادر السيارة بعدما فتح له السائق بابها. وسار بها تجاه باب المنزل الداخلي خلفهما دادة عفاف التي كانت تجلس بجوار السائق بعدما أصرت سلسبيل أن تأخذها معها.

شهقت سلسبيل بخفوت، وجحظت عينيها من فعلته هذه، حاولت إبعاده عنها والقفز من فوق يديه إلا إنه حاوطها بحماية وتمكن من السيطرة على حركاتها مغمغمًا بهدوء: "أهدي أمال أنتي صاحية من عشية ومدروخة من قلة النوم وممكن تغمي مني.. خليني أوصلك لسريرك لاچل ما ترتاحي هبابه على ما أخلص شغلي وأعاود." "طيب نزلني يا عبد الجبار بالله عليك لحد يشوفنا." غمغمت بها وهي تتلفت حولها تتأكد من عدم وجود أحد.

تنهدت براحة حين وجدت الهدوء يسود أرجاء المكان يدل على أن الجميع نيام. انكمشت على نفسها داخل حضنه، ألقت بثقل رأسها على كتفه وقد بدأ يغلبها النعاس. دلف بها داخل غرفتها غالقًا الباب خلفه ووضعها على الفراش بتمهل ويده تبعد عنها عباءتها وحجابها وحتى حذائها. تركها بمنامتها الوردية، وعدل وضعها بوضع أكثر راحة. دثرها جيدًا بالغطاء ومال على وجنتيها اقتطف منهما حفنة من القبلات الرطبة مرددًا بصوته الأجش:

"نوم العوافي يا جلب عبد الچبار." همهمت هي باسمه بين النوم واليقظة قائلة بنبرة متوسلة: "متتأخرش عليا." فتحت عينيها بتكاسل تبحث عن دادة عفاف فلم تجدها بانحاء الغرفة، فشحب لونها وهي تقول بتساؤل: "هي فين دادة عفاف؟! "أنا هنا أهو يا سلسبيل هانم." قالتها عفاف الواقفة على أمام باب الغرفة. "أدخلي يا دادة.. تعالي يا حبيبتي." نطقت بها سلسبيل وهي تشير لها بيدها على الفراش بجوارها.

انتصب عبد الجبار واقفًا، وتحدث وهو يسير لخارج الغرفة قائلاً بأمر: "متهمليش الهانم لوحدها واصل يا عفاف." "أمرك يا عبد الجبار بيه." قالتها عفاف التي اقتربت من سلسبيل وفكت عقدة شعرها، ورتبت الوسائد خلف ظهرها. كانت سلسبيل عينيها معلقة بزوجها الواقف على الباب ممسك مقبضه بيده. ألقى لها قبلة بالهواء وابتسم لها ابتسامة يملؤها الحب مغمغمًا قبل أن يغلق الباب خلفه: "هرچعلك طوالي." نظرت سلسبيل لـ عفاف وتحدثت بنبرة راجية قائلة:

"دادة عفاف متسبنيش لوحدي خالص.. خليكي جنبي هنا حتى وأنا نايمة." صمتت لبرهةً وتابعت بأسف: "أنا خايفة أوي من أبلة خضرا ومش عارفة رد فعلها هيكون أيه لما تشوفني." تجمعت العبرات بعينيها وبتقطع تابعت: "أنا حاسة أني خاينة وخطفت منها جوزها أبو بناتها يا دادة." ربتت عفاف على شعرها بحنو وتحدثت بتعقل قائلة: "يا بنتي متشيليش نفسك فوق طاقتها أنتي معملتيش حاجة غلط ولا حرام جوزها ده بقي جوزك أنتي كمان." صمتت قليلاً، ومدت

يدها مسحت دموعها مكملة: "نامي وارتاحي دلوقتي وسبيها على الله وأنا هفضل جنبك هنا لحد ما تصحى." بينما عبد الجبار فور إغلاقه الباب اختفت ابتسامته، وهرول راكضًا نحو سيارته استقلها وقاد بسرعه عالية قاصدًا المستشفى التي تمكث بها خضرا زوجته الأولى. خضرا.. استعادت وعيها بعدما نجت من الموت بأعجوبة لتجد نفسها بمفردها داخل المستشفى. ابتلعت غصة مريرة بحلقها حين أيقنت أن زوجها بكل تأكيد برفقة زوجته الثانية.

ضحكت ضحكة مستهزئة على غبائها الذي جعلها تقدم على الانتحار والتخلص من حياتها لأجل رجل لم يكترث لما فعلته من أجله وتركها بين الحيا والموت وقضى ليلة ملحمية مع امرأة غيرها. ندمت على كافة قراراتها الخاطئة بداية من إصرارها على زواجها منه، وزواجه هو عليها، واختيارها لـ سلسبيل لتكون زوجة له بعدما رأت نظرته ولهفته عليها.

حاولت البكاء ولكن عينيها أبت أن تذرف العبرات، كانت نظرتها جامدة، اكتسبت جحودًا بفضل ما تشعر به من وجع فاق حدود الوصف، لن تستطيع التعبير عنه بمجرد دموع حتى لو بكت دمًا. "خضرا.. حمد لله على سلامتك يا غالية." قالها عبد الجبار الذي دلف للتو، واقترب منها جلس على المقعد المجاور لسريرها، ومد يده ليمسك يدها لكنها دفعت يده بضعف، ورمقته بنظرة حارقة متمتمة بغضب: "توك ما افتكرت خضرا يا عبد الچبار!!!

هملتني لحالي وروحت لعروستك الچديدة مش أكده؟! "مش وقت حديتك ده عاد.. المهم دلوجيت نطمن عليكي وتبجي زينة... صرخت بغيظ شديد قطعت حديثه بصرخاتها قائلة: "رد لأول.. وإياك تكذب عليا.. صُح كنت وهيها." حاول السيطرة على أعصابه تقديرًا لحالها، وتحدث بهدوء قائلاً: "وبعدهلك يا خضرا.. جولتلك رايد أطمن عليكِ....

"كنت وهيها يا عبد الچبار.. انطق.. قولي أيوه كنت وهيها ومهملك أهنه يا أم البنته من غير أنيس ولا جليس وروحت أخونك مع حُرمة تانية." "خضرا اااا." قالها بصوت جوهري زلزل جدران المستشفى. ابتلعت خضرا باقي حديثها بعدما رمقها بنظرة محذرة وتحدث بلهجة حادة قائلاً:

"متختبريش صبري عليكِ.. أني مش خاين يا خضرا والحُرمة التانية دي تبجي مَراتي كيفك بالتمام و اللي كانت قبل منك أهنه بنفس المستشفى مرمية بين الحيا والموت و إني كنت وياكِ في حضنك في بيتنا على سريرنا ولا نسيتي!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...