الفصل 29 | من 31 فصل

رواية جبر السلسبيل الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
19
كلمة
2,267
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

كانت ليلة استثنائية زاخرة بالمشاعر، نسي "عبد الجبار" معاها كل شيء بصورة مؤقتة لينعما معًا بلحظاتٍ من العشق. عشق فاق كل الحدود حتى وصل حد الجنون. مرت عليهما ساعات الليل الطويلة كما لو كانت دقائق معدودة، حتى غلبه النعاس واستسلم لنومٍ مجهد، بينما "سلسبيل" استغلت الفرصة وطلبت من العاملين بالمنزل إحضار أدوات خاصة بالرسم فنصاعوا لها في التو واللحظة، لتتمكن هي من رسم لوحة فريدة لزوجها أثناء نومه.

رسمت ملامحه بدقة وإتقان مبهر حتى جسدت هيئته كما لو كانت صورة ملتقطة بأحدث الكاميرات الحديثة. وفور انتهائها أحضرت هاتفها الذي أهداه إليها، وظلت تلتقط برفقته الكثير والكثير من الصور بأوضاع مختلفة وهي داخل حضنه.

والعديد من الفيديوهات القصيرة لهما سويًا كانت تقبله فيها قبلاتٍ رطبة متعمقة على لحيته الكثيفة. سعادة بالغة تعيشها الآن برفقة الرجل الوحيد الذي كان بالنسبة لها مجرد أمنية لم يُخيل لها بيومٍ أنها تتحقق، وتصبح زوجة "عبد الجبار المنياوي".

نعمها بفيض من الغرام أهاله عليها بكرمٍ وشغف فلم يسعها سوى الاستسلام الكامل له حتى رضاها وعالج جروحات قلبها الغائرة. تحيا مشاعر جديدة كليًا عليها، أعادت قلبها ينبض بالحياة، جعلت روحها تنتعش، أعطتها ثقة بنفسها كانثى وامرأة مرغوبة.

فالمرأة تستطيع أن تفارق الرجل الغني، وتستطيع أن تفارق الرجل الوسيم، ولكنها لا تستطيع أبدًا أن تفارق الرجل الذي طيب خاطرها، الرجل الذي أشعرها بالأمان وأنه لا يستطيع أن يستغني عنها، الرجل الذي كان سندًا لها، ومسح دموعها في لحظات ضعفها، الرجل الذي حماها من تدخلات أهله وأهلها في حياته وحياتها.

فالقلوب لا تُشترى بالمال ولا بالقوة ولا بالوسامة، القلوب تُشترى بالمعاملة الطيبة وهو قد نجح بجدارة في شراء وامتلاك قلبها حتى أصبح هواه يجري بداخلها مجرى الدماء. وبرغم كل هذا إلا أنها تشعر بخوف يجعل قلبها ينقبض من آنٍ إلى آخر، شيئًا ما تجهله أو ربما تتجاهله يسبب لها ريبة وقلق من القادم.

وضعت الهاتف من يدها، أخفت رسمتها أسفل وسادتها، تكومت داخل أحضان زوجها الدافئة الذي احتواها بلهفة مهمهمًا باسمها أثناء نومه العميق. رفرف قلبها بشدة حين وصل لسمعها همسه الحار باسمها. "حبيبي يا عبد الجبار". ناحت بها من شدة تأثرها، ضمته إليها بكل ما أوتيت من قوة وحب، أغلقت عينيها واندست أكثر بين ضلوعه مستسلمة هي الأخرى لنومٍ آمن تشعر به وهي بين ذراعيه فقط. "جابر".

ظل برفقة والدته داخل المستشفى لم يتركهما حتى استعادة "صفا" وعيها بعد وقت ليس بقليل، فقلة غذائها وحالتها النفسية السيئة عرضاها لضعف شديد أدى إلى فقدانها للوعي بالأخير. فور تحسن حالتها سمح لهم الطبيب بالخروج. كانت تسير بصعوبة مستندة على زوجة والدها التي تعتبرها بمثابة أم لها، لم تنتبه لوجود "جابر" على الإطلاق، بينما هو اقترب منهما فور خرجهما من غرفة الكشف الخاصة بالنساء، وتحدث بهدوء موجهًا حديثه لوالدته.

"سيبها.. أنا هشيلها أوديها العربية". كان يتحدث دون النظر لتلك التي رفعت وجهها، ومن ثم عينيها ورأته لأول مرة. انقطعت أنفاسها لوهلة من هيئته ووسامته الجذابة، وشهقت بخفوت حين رأته مقبلًا عليها بعدما أعطى لوالدته أغراضه المكونة من هواتفه ومفاتيح سيارته. وهم بوضع يده حول خصرها والأخرى أسفل ركبتيها إلا أنها ابتعدت عنه سريعًا وهي تقول بخجل. "إيه ده يا أستاذ أنت هتعمل إيه!!!!

"متخافيش يا صفا.. خليه يشيلك ده مش غريب يا حبيبتي.. ده ابني جابر اللي حكيت لك عنه". نطقت بها "سعاد" وهي تدفعها برفق نحو "جابر" الواقف أمامها بطوله الفاره حتى اصطدمت بصدره. تراجعت "صفا" للخلف مبتعدة عنه على الفور مرددة بخجل. "أنا بقيت كويسة يا ماما سعاد الحمد لله وهقدر أمشي لوحدي". ختمت حديثها وسارت بخطوات بطيئة وجسد يترنح بوضوح. ربتت "سعاد" على ظهرها متمتمة بحنو. "يا بنتي خليه يساعدك أنتي مش قادرة تمشي".

نظرت لها "صفا" برجاء وحركت رأسها بالنفي أكثر من مرة. قدر "جابر" حياءها، وسار بجوارهما حتى وصلوا للسيارة. فتح لهما الباب فساعدتها والدته على الصعود، وصعدت بجوارهما. أما هو جلس خلف المقود وقاد بهما مرة أخرى للمنزل. كل هذا وهو لم يرى وجهها "صفا" إلى الآن، عقله وقلبه منشغل بصغيرته "سلسبيل" لا ولن يستطيع أن يشغل فكره أحدًا سواها.

بينما "صفا" كانت تسترق النظر له عبر المرآة. ها هو الشاب الذي كانت تحكي لها عنه والدته قصصًا عديدة توصف بها شهامته ورجولته التي ليس لها مثيل من وجهة نظرها وما زالت تتمنى حدوث هذا وتدعو به من صميم قلبها. أطلقت "سعاد" زفرة نزقة من صدرها وتحدثت بأسف قائلة. "أول مرة تشوفوا بعض فيها توديها المستشفى يا جابر.. كان نفسي تتقابلوا في ظروف أحسن من دي".

تفهم مخزى حديثها وما تقصده. لمحت "صفا" الغضب الذي اعتلى ملامح "جابر" وعينيه التي رمقت والدته بنظرة يتطاير منها الشرر، فتحدثت بابتسامة تخفي خلفها حزنها قائلة. "إن شاء الله تتعوض في فرح أستاذ جابر.. بس متنسوش تعزموني أنا وبابا عليه". كانت تريد أن تصل له رسالة مباشرة أنها لا تفكر فيه مطلقًا، يكفيها ما مرت به والتجربة الصعبة التي عدت عليها ولم تفق منها بعد.

هنا رفع "جابر" عينيه ونظر لها أخيرًا عبر المرآة لتتقابل أعينهما في نظرة خاطفة أخبروا بعضهما بها أن قلب كل منهما منشغل بشخص آخر. رمقتها "سعاد" بنظرة عابسة بشدة وهي تقول بعتاب. "بقي أنتي وأبوكي عايزين عزومة يا صفا وإنتي اللي هتكوني الع!!! "هكلمك على الضهر كده عشان لو هتقدري تيجي معايا عند سلسبيل أفوت عليكي في طريقي أنا وجدي".

هكذا قطع "جابر" حديثها جعلها تصطك على أسنانها بغيظ من أفعاله التي لا تروقها نهائيًا، وتحدثت بغضب قائلة. "أنا مش هعرف أجي معاك وأسيب بنتي وهي تعبانة كده". قالتها قبل أن تغادر السيارة برفقة "صفا" بعدما توقف "جابر" أمام منزلهما. ابتسم لها "جابر" ابتسامة مصطنعة وهو يقول بثقة. "وسلسبيل كمان زي بنتك وكمان قريب أوي هتبقي مرات ابنك يا أم جابر". رمقته "سعاد" بنظرة تحدي متمتمة. "امممم.. اللي بتقوله ده على جثتي لو حصل يا جابر".

كان الوقت فجرًا، لحظات ظلام الليل الأخيرة. ظلت "سلسبيل" تقاوم رغبتها في النوم كلما غلبها النعاس حتى تظل مستيقظة تملي عينيها برؤيا زوجها، وتتشبع من النظر إليه وحفر ملامحه بقلبها ووجدانها. أصابعها الصغيرة التي تسير على وجهه تداعب لحيته، وشعره الأسود الغزير قابضت على حفنة منه بين أصابعها وملء راحتها. أفاقته من أحلامه التي كانت هي وحدها بطلتها.

فتح عينيه بتكاسل ورمقها بنظراته المتيمة، وأنامله تجد طريقها إلى خطوط عنقها المساء. حانت منه التفاتة نحوها وغمر وجنتها بقبلاته التي خدرتها وأذابتها كليًا. كانت هي هائمة به تنظر لعينيه الآسرين وشعره المشعث بفوضوية مثيرة جعلته مثالًا للغواية والفتنة. سحبها عليه محاوطها بجسده العريض وعضلاته القوية ليكرر من جديد لحظاتٍ من الحميمية معها وصلة تحكمها المودة العميقة المتبادلة بينهما. "عبد الجبار!!!

في بادئ الأمر يظن أنه مازال يحلم بها، لكن همسها باسمه أعاده لواقعه. تذكر زوجته "خضرا" المتواجدة بالمستشفى بمفردها. ابتعد عنها على مضض وسحبها معه ونهض بجزعه معتدلًا بالفراش. مد يده وجذب هاتفه ينظر به ليعرف منه الوقت. تنهد براحة حين وجد الوقت مازال باكرًا على موعد إفاقتها، لكنه مع ذلك تحدث بإصرار. "لازم نعاود مصر دلوجيت". "ليه عايزنا نرجع بالسرعة دي يا عبد الجبار".

همست بها بنبرة يملؤها الخوف. ابتلعت لعابها بصعوبة، وتابعت بخجل. "أنت خطفتني يومين بس مينفعش يبقوا أسبوع!! أو سيبني هنا مع دادة عفاف لو أنت عندك شغل مهم ولما تخلص شغلك أبقى تعالي". لثم جبهتها بحب، وتنهد مطولًا، ثم قال بأسف. "مينفعش أهملك هنا لحالك.. مش هبقى مطمئن عليكِ، وإنتي راداني أكون وياكِ وجت ما أهلك يجوا صح؟؟ حركت رأسها له بالإيجاب. ليكمل هو بلهفة. "وعشان كده إني جيت لأجل ما آخدك ونعاود يا سلسبيل".

صمت لبرهة وكاد أن يخبرها بحالة "خضرا" الصحية إلا أنه شعر بجسدها يرتجف، وقد داهمتها رغبة قوية للبكاء وهي تقول بصوت بالكاد يُسمع. "أنا خايفة وقلبي مقبوض يا عبد الجبار". فضل الصمت وعدم إخبارها الآن بما فعلته "خضرا"، وضمها لصدره بقوة، مسد على ظهرها بكفه بأقصى ما لديه من لطف وهو يتمتم برفق. "مش عايزك تخافي من حاجة واصل.. إني أفديكِ بروحي وعمري كله يا حبة الجلب".

رفعت عينيها التي ترقرق بها العبرات ونظرت له بعينيها نظرتها التي تذيب قلبه المتيم بها عشقًا وهمست بصوت مرتعش. "وأبلة خضرا.. أنا كنت وعدتها". أطبقت جفنيها بعنف لتهبط من عينيها دمعة حارقة وتابعت بحشرجة. "وعدتها إني مش هبقى ليك زوجة أبدًا ومقدرتش أحافظ على وعدي معاها وبقيت مراتك". صاح فجأة بعصبية مفرطة.

"وعد إيه ده اللي بتقولي عليه.. انتي مراتي.. مراتي يا سلسبيل على سنة الله ورسوله قلتيها بفمك.. يعني لا عملتي حاجة حرام ولا عيب تخجلي منها، وخضرا عارفة أكده زين حتى لو مش قادرة تقبله دلوقتي، هيجي عليها الوقت اللي هتقبله وترضى وتعرف أنك مراتي كيف ما هي مراتي وإني عمري ما هقصر في حق واحدة منكم". هدأته ماسحة على وجهه برفق وهي تقول بابتسامة دافئة.

"أشهد لك أني من ساعة ما بقيت على اسمك وأنت مش مقصر معايا وشايلني جوه قلبك وعينيك". تعمقت عينيها في عينيه أكثر وهي تقول بتسامح أراحهما معًا. "وده كفاية عندي والله يا حبيبي.. مش عايزة حاجة من الدنيا تاني غير اني أفضل في حضنك وتحت حمايتك كده عمري كله يا عبد الجبار".

انبلجت ابتسامة واسعة على قسماته وتراقص قلبه فرحًا، وقد غمره شعور أكثر من رائع حين رأى عشقها له ظاهرًا بعينيها، واعترافها له أنه مصدر قوتها وحمايتها ولن تستطيع الابتعاد عنه. وكذلك "خضرا" التي كادت أن تقتل نفسها من شدة حبها له. ازدادت ابتسامته اتساعًا وهو يطمئن نفسه أنها وبكل تأكيد سترضخ وترضى بوضعهم الحالي لأنها أيضًا لن تستطيع الابتعاد عنه هي الأخرى. تملك منه الغرور قليلاً جعله يظن أنه سلطان على عرش قلب امرأتين ضمن وجودهما في حياته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...