تحميل رواية جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك pdf
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"سلسبيل" كانت هادئة و هي تستمع لحديث "بخيتة" السام، و كلماتها المُهينه لها، تنعتها بالخادمة بل والأدهي أنها تريدها زوجة لابنها الأخر المُسمي ب "عبد الجبار"!!! يا الله لقد كان شقيقه يدعي "عبد الرحيم" يعاملها بمُنتهي القسوة، طريقته كانت تصفها بالعذاب مما دفعها تقدم على الأنتحار مرات عديدة خسرت خلالهم حملها مرتين قبل معرفتها حتي بوجوده ،كان لا يتحدث بلسانه مطلقًا معاها، الكثير من الصفعات تتلقاها منه على وجهها طيلة اليوم بسبب و بدون سبب فماذا سيفعل بها شقيقه؟؟.. تبطأت دقات قلبها و شعرت بالفزع، و الر...
رواية جبر السلسبيل الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نسمة مالك
. بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم..
دقائق معدودة و كان وصل "عبد الجبار" بسيارته داخل حديقة منزله، تزامنًا مع خروج زوجاته معًا من باب المنزل الداخلي..
بهتت ملامح "خضرا" و شحب وجهها كشحوب الموتى حين رأته مقبلًا عليهما بخطوات أقرب إلى الهرولة، لا يرى أمامه من شدة انفعالاته المضاربة، يرمقها بنظرته المتأججة حتى أصبح الخوف واضحًا عليها لمرآي وجهه الغضوب..
توقف أمامهما مباشرةً، يتنقل بعينيه بينهما، كانت "سلسبيل" مبتعدة بعينيها عنه عن قصد لتتجنب نوبة غضب ضُرتها ، بينما "خضرا" مختبئة خلفها تنظر لزوجها نظرة متوسلة و هي تقول بصوتٍ جاهدت على جعله طبيعيًا لكنه خرج مرتجف..
"أيه اللي رچعك بدري أكده يا عبد الچبار!!.. إحنا كنا رايحين لدكتور سلسبيل و هنعاود طوالي قبل رچعتك يا خوي"..
نظر لها لدقيقة كاملة بصمتٍ، تعجبت "سلسبيل" من ما يحدث حولها، فرفعت عينيها بستحياء و تنقلت بينهما مرددة بقلق..
"هو في حاجة الدكتور قالها و أنتو مخبين عليا يا أبلة خضرا ؟! "..
أخيرًا وجدت" خضرا " جحة تفر بها من أعين زوجها، و نظرت ل" سلسبيل " بابتسامة زائفة و جاوبتها قائلة..
"لا يا خيتي أطمني مافيش حاچة.. متقلقيش واصل"..
نظرت لزوجها و تابعت بتوتر..
" زي ما قولتلك عبد الچبار حدتني و قالي نچهز عشان معاد الكشف بتاعك الليلة.. مش أكده يا خوي"..
ظل على صمته المريب دون أن يبتعد بعينيه عنها حتى نطق بهدوء رغم غضبه الظاهر على قسماته العابسة بشدة..
" چهزيلي الحمام قوام يا أم فاطمة"..
انصاعت "خضرا" لحديثه في الحال و هرولت عائدة نحو الداخل بخطي راكضة ،و إبتسامة تزين محياها المرتعدة، فزوجها رغم غاضبه منها لم يكسر خاطرها و قدر مشاعرها أمام ضُرتها..
بينما هو أنتظر حتى تأكد أنها أبتعدت عنهما، و مد يده و جذب "سلسبيل" من معصم يدها، جذبها خلفه وسار بها نحو سيارته،فتح الباب و دفعها برفق حتى جلست بالمقعد الخلفي مردفًا بصوته الأجش..
"استنيني أهنه يا سلسبيل.. هغير خلجاتي و أرچعلك"..
حركت رأسها له بالإيجاب ، ليهبط هو بكفه بحركة سريعة حتى قبض على كفها الصغير داخل راحة يده الضخمة، ضغط عليه بحنو، و سحب يده ببطء و هو يتحسس بشرتها الناعمة بشغف أسفل أصابعه الخشنة..
"مش هتأخر عليكِ"..
قالها بابتسامته الجذابه و هو يغلق باب السيارة عليها، و دلف بخطي واسعة لداخل منزله، حيث قصد من فوره الدرج المؤدي للغرفة المتواجدة بها "خضرا"..
دفع "عبد الجبار" باب الغرفة، و اندفع نحو لداخل غالقًا الباب خلفه بقوة، تسمرت محلها لبرهةً و هي تراه يقتحم عليها الغرفة هكذا و يرمقها بنظرات تطاير منها الشرر..
"أني چهزتلك الحمام "..
نطقت بها بصوتٍ خفيض بعدما ابتلعت لعابها بصعوبة بالغة، تسارعت نبضات قلبها حين لمحته يقترب منها بخطوات هادئه تشبه خطوات فهد يستعد للانقضاض على فريسته..
كتمت شهقة حادة حين شعرت بذراعه يحيط كتفيها ، و سار بها نحو أقرب مقعد اجلسها عليه، و جذب مقعد أخر وضعه مقابل لها تمامًا، و جلس عليه، مال بجزعه العلوي عليها مستند بمرفقيه على ركبتيه، نظر لها نظرة جامدة لأول مرة و تحدث بتساؤل قائلاً..
"من مِتي و أنتي بتخطي برة عتبة الدار بدون علمي يا خضرا ؟!"..
صاح فجأة بصوتٍ جوهري دب الذعر بأوصالها مكملاً..
"من مِتي و أنتي بتفتحي باب للشيطان بنتنا يا بت الناس"..
"من ساعة ما اللي اعتبرتها زي خيتي سرقتك مِني".. تمتمت بها بحشرجة مهددة بالبكاء..
رفع" عبد الجبار " حاجبيه معًا و هو يقول بستهجانٍ..
" سرقتني منك ! مش أنتي بنفسك اللي كنتِ هتحبي على يدي لاچل ما أكتب عليها، و لما أني رفضت و قولتلك معاوزش اتچوز عليكِ رغم أن ده حقي و سلونا في الصعيد إن الراچل مُلزم يتچوز أرملة أخوه، و إني رافضت لخاطر زعلك أنتِ.. روحتي من چهه تانيه و زنيتي على ودن البنته الصغيرة و طلبتِ يدها لاچل ما تحطيني قدام الأمر الواقع بعد ما سألتي الدكتور و ضمنتي أنها مش هتقدر لا على حمل و لا على خلفه، و لا حتى تقدر تعطيني حقوقي الشرعية"..
صمت لوهلة، و نظر داخل عينيها المتحجرة بها الدموع، و تابع بأسف..
" مجاش ببالك وقتها أنها بعد ما تبقي مَراتي هيبقي ليها حقوق عندي هتاخدها كاملة حتى لو هي متقدرش تعطيني حقي عنِدها.. اعقلي يا بت الناس و لجمي نار غيرتك بدل ما تتحرقي أنتي أول واحدة منِها.. ويكون في علمك فانز نسوووم اللي معترض على جوازي عليكي و مقويكي على عمايلك المهببة دي مش هينفعك لو حصل بنتنا حاچة عفشة".. (🌚🌝)
مسح على وجهه بعصبية و هو يطرد زفرة نزقة من صدره، و انتصب واقفًا و سار تجاه النافذة وقف خلفها يتابع تلك الجالسة داخل سيارته مكملاً بصوتٍ يحمل بين طياته حزنٍ دفين استطاع إخفاءه لسنوات طويلة..
"كتبت عليكِ و بقيتي على ذمتي يا خضرا من غير ما ألمح طيفك حتى.. كنت ولد 21 سنة و أبوي اختارك ليا لأنك بنت أعز أصحابه و مقدرتش أكسر كلمته.. و اتفاچأت وقتها برفض أمي و حتى رفض كل أهل البلد قريب و غريب"..
كانت قد وقفت هي الأخرى، و سارت نحوه حتى أصبحت خلف ظهره، تستمع له بصمت و أعين تفيض بالدموع، و بهمس متقطع قالت..
" كانوا مستعچبين كيف وافقت تتچوز حرمة تشبه الدكر مافيهاش ريحة الأنوثة، و قالولي أول ما يشوفك هيطلقك و ترچعلنا بالفطير سخن "..
استدار لها، و إحتوي جانب وجهها بكفه مغمغمًا بابتسامة ..
" بس خيبت ظنونهم كلهم و نصفتك عليهم، و من وقتها و طوال 12 سنه چواز و إني شايلك چوه عيني و عمري ما هان على زعلك.. لكن في المقابل هان عليكِ أنتِ زعلي يا خضرا"..
" لع.. كله إلا زعلك يا سيد الرچاله كلهم"..
غمغمت بها و هي تميل على كتفه و تلثمه بعمق مكملة..
"حقك عليا.. حقك عليا يا سيد الناس.. أني مقصدش أزعلك.. الغيرة وچعها واعر على جلب العاشق.. و إني بعشق تراب رچليك يا عبد الچبار"..
أبتلعت غصة مريرة بحلقها و تابعت بابتسامة متألمة.." وأنت بقيت خابر زين غيرة العاشق واعره قد أيه بعد ما جلبك عشق اللي بتقول عنِها متقدارش تعطيك حاچة"..
وضعت راحة يدها على موضع قلبه، و تابعت بقوة مصطنع..
" هي الوحيدة اللي قدرت تاخد جلبك"..
انتهي الفصل..
بعتذر على حجم الحلقة بس عندي ضيوف فنزلت اللي كتبته يا حبايبي عشان متأخرش عليكم..
هكملها وانزلها بأمرالله يا انهارده يا بكرة بالكتير..
هستني رأيكم يا بنات..
واستغفرو لعلها ساعة استجابة
رواية جبر السلسبيل الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نسمة مالك
بسم الله الرحمن الرحيم. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
"سلسبيل"
تجلس داخل سيارة زوجها بشرود، تشعر أن هناك أمرًا ما يحدث حولها، لكنها على غير العادة تغمرها الراحة والسكينة، تشعر بطمأنينة تملأ قلبها فهي على ذمة رجل جعلها خلال فترة زواجهما القصيرة تثق فيه ثقة عمياء حتى أصبحت على يقين أنه لن يخذلها مهما حدث.
وجدت معه الأمان الذي حُرمت منه طيلة عمرها، انبلجت ابتسامة على محياها الحزينة حين داهمتها ذكرى تواجدها داخل جلبابه، كم شعرت بضآلتها بين ضلوعه وجسده العملاق الذي تحرك بها بمنتهى الخفة كأنها لم تزن شيئًا على الإطلاق، أخفاها عن ضرتها التي كانت وقتها لا تنوي على الخير أبدًا، شعرت بتلك اللحظة أنه سندها، ظهرها، حصنها المنيع الذي يحاوطها بحماية.
تلاشت ابتسامتها حتى اختفت، وحل مكانها الخوف، تسارعت دقات قلبها بذعر وهي تتخيل أن يأتي عليها اليوم وتجد نفسها بمفردها من دونه ثانية، دون حمايته، أمانه، نظرة عيناه العاشقة التي أدمنتها! رفعت كف يدها وضعته على قلبها تحاول تهدئة دقاته العنيفة وهي تدعو بإلحاح أن يدوم لها زوجها حتى لو ظلت له زوجة على الورق فقط إلى الأبد.
وجهت عينيها تجاه باب المنزل بملامح جامدة عكس ما بداخلها من صخب، تنتظر طلعته عليها بلهفة ونفاذ صبر حتى يهدأ ضجيج قلبها كعادته معها، هامسة باسمه بتنهيدة حارة:
"عبد الجبار".
.................... سبحان الله العظيم......
"عبد الجبار"
متمكن في التحكم في زمام الأمور بجدارة يُحسد عليها، يستطيع السيطرة على مشاعره وتعابير وجهه، إنما قلبه! لا يملك أي سلطة عليه، لذا قبض على يد زوجته وأبعدها عن موضع قلبه قبل أن تشعر بنبضاته التي تدق كالطبول على صدره حين ذكرت اسم من استحوذت بعشقها عليه.
رسم الجدية على قسماته الصارمة، وتحدث بصوته الأجش:
"إني عمري ما زعلتك مني في يوم من ساعة ما أتجوزنا".
صمت لبرهة، وتابع بنبرة محذرة وهو يرفع كف يده الأخرى الذي لم يشف بعد أمام عينيها، ليظهر أثر جرح السكين التي حاولت "سلسبيل" قتل نفسها بها لولا وصوله بالوقت المناسب:
"حتى بعد اللي حصل منك.. واللي مش هسمح أنك تكرريه مرة تانية.. فبلاش يجي اليوم اللي أزعل منك فيه يا خضرا".
توحشت نظرته بخطورة مكملًا:
"أنتي خابرة زين ما فيش مخلوق يقدر يزعلك في حياة عيني.. وحقك بجيبهولك لحد عندك لإنك مراتي واللي يزعلك كأنه زعلني.. وسلسبيل كمان مراتي واللي يزعلها يزعلني كيفك بالتمام، وعشان أكده من هنا وجاي مهسمحش لمخلوق على وش الكون كله يغلط فيها حتى لو أمي".
قال الأخيرة بصوت عالٍ للغاية متعمد حتى يصل لوالدته الواقفة تتجسس عليهما كعادتها.
وصل غضبه لذروته جعل عروقه تبرز بهيئة مخيفة وعلا صوته أكثر قائلًا وهو يشتعل غضبًا:
"ولا هسمحلك أنتي كمان تغلطي فيها تاني واصل يا خضرا.. لإنها مش قليلة الرباية ولا خسيسة كيف ما قولتي عليها.. بالعكس أنتي شايفة بعينك من يوم ما كتبت عليها وهي متنازلة ليكِ عن حقها فيا وعاملة خاطر لزعلك وساكتة على كل عمايلك معاها، وأنتي غيرتك عمت قلبك كمان بقيتي لا مقدرة سكوتها ولا حتى مرضها".
هذه المرة وصل صوته لقلب "سلسبيل" قبل أذنها، اقتحمها إحساسه الصادق بالخوف عليها، وشعرت بمدى وجعه منها بسبب تنازلها عن حقها فيه وبعدها عنه، لا يعلم أنها تتمنى قربه ربما أكثر منه.
ترقرقت العبرات بعينيها وتقطعت نياط قلبها على حين غرة بسبب آخر كلمة تفوه بها مرضها! ربما أدركت "خضرا" الوضع حاليًا بعد حديث زوجها المنفعل معها، ومن الجائز أن ترضى بالأمر الواقع وتتقبلها ضرة لها، لكن سيظل مرضها الحائل بينها وبينه، إذن لن تكون قادرة على تحقيق حلمه في إنجاب ابن له، سيكون خطورة كبيرة على حياتها حينها.
حياتها! لا تهمها بالأساس، ما رأته خلالها جعل حالتها النفسية تسوء إلى أقصى حد، فأصبحت تتمنى لو تحصل على فرصة حتى تتخلص منها، لمعت عينيها ببريق أمل وتهللت أساريرها فجأة حين خطر على بالها فكرة حمقاء، ها قد وجدت تلك الفرصة أخيرًا:
"هحمل منك يا عبد الجبار".
غمغمت بها بوعيد وإصرار، وأعين تفيض بالدمع رغم سعادتها التي ظهرت على وجهها أشرقت نوره، وعادت الدماء تغزو وجنتيها من جديد.
بينما "خضرا" أجهشت ببكاء حاد حصلت به على عطف زوجها الذي كان يلهث من شدة انفعاله نافثًا الهواء من فتحتي أنفه بصعوبة.
أخذ نفسًا عميقًا يهدأ به نوبة غضبه، واحتضن وجهها بين كفيه، يزيل عبراتها بأصابعه مكملًا بنبرة هادئة:
"ميهونش عليا دمعك يا غالية.. كفايكِ بكى عاد.. أكده هزعل منك صح".
"لع.. كله إلا زعلك عندي يا عبد الجبار"
همست بها وهي تلثم كف يده المصابة بقبلة عميقة مكملة:
"هحقق لسلسبيل مراتك، وهبوس على رأسها كمان بس متزعلش مني ولا قلبك يكون شايل من جهتي أيتها حاجة يا خوي".
تنهد "عبد الجبار" براحة، وانحنى عليها مقبلًا جبهتها بعمق مغمغمًا:
"ربنا يكملك بعقلك يا أم فاطمة".
....................... لا حول ولا قوة إلا بالله.......
"سعاد"
تجلس على الأريكة بجوار "فؤاد" والدها تتحدث معه بصوت خفيض حتى لا يصل لسمع ابنها "جابر":
"يعني دي تاني جوازة كمان للبت وابني عايز يطلقها من جوزها ويبقى الراجل التالت في حياتها!"
قالتها بملامح مندهشة مصدومة وهي تضرب على صدرها بكف يدها.
زفر "فؤاد" بضيق، وتحدث بتعجب قائلًا:
"هو ده اللي همك يا سعاد ومش همك بنت أختك اللي أكيد أول ما تشوفنا هتسألنا سبناها ليه كل السنين دي؟!"
تحشرج صوت "سعاد" بالبكاء مردفة:
"وإحنا سبناها بمزاجنا يعني.. ما أنت عارف اللي حصل وقتها، وعارف كمان إن أبوها جبروت وابني كان لسه عضمه طري ميقدرش يقف قدامه.. لكن دلوقتي ربنا يحفظه بقي راجل يسد عين الشمس هيبقي سند ليها ويقف في ضهرها ولو ليها حق هيجبهولها بس من غير جواز.. هي آه بنت أختي وغالية عندي ونفسي أشوفها وآخدها في حضني.. بس مش أغلى من ضنايا يا بابا ومستحيل أرضى إن ابني ياخد واحدة خرج بيت واحد مش بيتين كمان حتى لو بنت أختي".
"بس نوصل للبت الأول يا سعاد"
قالها "فؤاد" بضحكة ساخرة مكملًا:
"جوزها طلع تقيل قوي وصاحب أملاك ياما وابنك داير يلف عليه زي الدبور ومش عارف يوصله لحد ما تعب من كتر اللف ومرمى نايم جوه زي القتيل".
"ويارب ما يوصله يا حج".
نطقت بها بتمني شديد، وتابعت بسرها:
"إلا أما أجوّزه الأول البت صفا بنت جوزي.. تربية أيدي".
......................... صلِ على الحبيب.........
"عبد الجبار"
فرغ للتو من غُسل كامل، هرول مسرعًا تجاه ثيابه المكونة من قميص أبيض اللون، وسروال من الجينز الغامق، حذاء كلاسيك أسود بلون الحزام الملتف حول خصره، وقف مقابل المرآة يمشط شعره بعناية، ارتدى ساعته الفخمة حول رسغه، وخاتمًا من الفضة بإحدى أصابعه، نثر عطره المميز بكثافة، هندم ذقنه وشاربه بدقة فأصبح مثالًا للغواية والفتنة.
كانت "خضرا" تتابعه بصمت، نيران قلبها أصبحت هادئة قليلًا الآن، بعد احتواءه لها خاصة حين قال:
"أني هفهم الدكتور يقول قدام سلسبيل إن هو اللي قدم معاد المتابعة.. لأنها المفروض الأسبوع الجاي.. بس عشان ميرضنيش يبقى شكلك مش ولا بد قصادها".
"اللي تشوفه يا خوي"
قالتها وهي تخفض رأسها وتبتعد عن عينيه التي تتابعها بنظرة متفحصة يقرأ بسهولة ما يدور بذهنها عبر المرآة.
جمع أغراضه المكونة من هواتفه ذات الماركات الشهيرة، وجزدانه الجلدي، نظارته الشمسية، مفاتيح سيارته، واقترب منها حاوط كتفيها بذراعه هامسًا بأذنها بنبرته المزلزلة:
"في هدية مني ليكي هتعجبك قوي هتوصلك الليلة بعد صلاة العشاء".
أشهرت يديها الاثنين الممتلئتين بالأساور الذهبية، وأشارت على القلادات المعلقة برقبتها مرددة بفخر وهي تسير بجواره لخارج الغرفة:
"يخليك ليا ولا يحرمنيش منك واصل.. خيرك مغرقني يا سيد الناس".
"واللي خلق الخلق الحُرمة دي عملالك عمل يا ولدي".
كان هذا صوت "بخيتة" التي جن جنونها حين رأت ابنها الذي كان يتشاجر مع زوجته كما لو كان جمرة نار من شدة غضبه منذ قليل، الآن يهبط الدرج وهو محتضن رأسها ويبتسم ببشاشة كأن لم يكن شيء.
"أمه....."
قالها "عبد الجبار" ضاغطًا على كل حرف بها، وهو يبتعد عن زوجته ويقترب منها مقبلًا رأسها ويدها هامسًا برجاء:
"بكفايا نكد لحد أكده انهارده عشان خاطري يا أم عبد الجبار".
رمقته "خضرا" بنظرة سامة مدمدمة:
"اممم.. لأجل خاطرك بس يا ولدي بس بشرط".
صمتت للحظة وتابعت بخبث:
"تجيبلي حفيد".
راجل يشيل اسمك واسم أبوك ويكون سندك كيف ما أنت سندي وضهري يا عبد الجبار.
كل شيء بأوان يا أم عبد الجبار.
قالها وهو يرتدي نظارته الشمسية التي زادت جاذبيته أضعاف مضاعفة قبل أن يغادر المنزل بخطوات واسعة.
وبعد طول انتظار لمحت طيفه يهل عليها، رفرف قلبها بشدة حين رأته مقبلًا عليها بلهفة أخفاها خلف نظارته السوداء، زينت شفتيه العريضة ابتسامة كان لها تأثير السحر عليها، أجبرتها على تأملها ببلاهة، نظرتها له متفحصة لا تخلو أبدًا من الإعجاب.
عنك يا عبد الجبار بيه.
أردف بها حسان وهو يركض نحوه مسرعًا، وفتح له باب السيارة الخلفي.
إيه الأخبار يا حسان؟
قالها عبد الجبار وهو يجلس بجوار زوجته، علقت أنفاسها بصدرها حين اقتحمتها رائحة عطره الذي أشعل جميع حواسها دفعة واحدة.
أجابه حسان قائلًا:
كله تمام زي ما أمرتنا يا كبير.
كانت سلسبيل هائمة بالنظر إليه بابتسامة حالمة، عينيها مثبتة على شعره الفاحم الرطب، تتمنى لو تغرس أصابعها بين خصلاته.
لم تنتبه على حركة السيارة التي صدر عنها ضجيج عالٍ أثناء مغادرتها عبر البوابة المفتوحة على مصراعيها، تحت نظرات خضرا التي تقف خلف النافذة تتابعهما بأعين يتطاير منها الشرر بعدما لمحت نظرة الافتتان بأعين غريمتها لزوجها جعلتها تستشيط غيظًا وحقدًا عليها.
بينما عبد الجبار يجلس بجوارها المسافة بينهما لا تذكر، لكنهما لا يتلامسان، ورغم هذا كانت تشعر بذبذبات حارة منبعثة من جسده تجاهها إلى أن أحست بكفه قبض على يدها فجأة، وأصابعه تتخلل بين أصابعها وتشتبك بهم بقوة دفعتها للانهيار داخليًا فأطلقت أنفاسها المحبوسة برئتيها دون أدنى إرادة منها.
خابر أني اتأخرت عليكي.. حقك عليا.
همس بها بنبرة بدت مدمرة، وهو يرفع يده المحتضنة كفها على شفتيه ولثمها بقبلة رقيقة أيقظت كل مشاعرها الخامدة تجاهه مرة واحدة، شهقت بصوت خفيض وقد فاجأتها فعلته هذه وراقت لها كثيرًا أيضًا.
جاهدت حتى تبتعد بعينيها عنه، ونظرت للجهة الأخرى لتجد أنهم على الطريق السريع المعاكس للطريق المؤدي إلى المستشفى.
إيه ده.. إحنا رايحين فين؟
نطقت بها وهي تتلفت حولها بصوت مرتجف يعبر عن خوفها الشديد.
ليه كل خوفك ده عاد؟
تساءل عبد الجبار بقلق جم، لترفع سلسبيل وجهها وتنظر لعينيه بعينيها الزائغة، وهمست بصوت اختنق بالبكاء:
أوعى تكون موديني عند أهل أمي؟
لتستطرد دون أن تمنحه فرصة للرد عليها:
أنا مش مستعدة أشوفهم دلوقتي خالص، خايفة من اللحظة اللي هشوفهم فيها يصدموني بحاجة توجع قلبي زيادة وأنا مش حمل أي صدمات تانية تزعلني زيادة وأنا في حالتي دي.
تنهد عبد الجبار متفهمًا مشاعرها وخوفها، ابتسم لها وهو يبعد نظارته عن وجهه لتظهر عينيه التي تجعلها تمتثل رغماً عنها للسحر الذي يبثه لها بنظراته، ازدردت لعابها بتوتر حين وجدته ينظر لها نظرته التي تخطف أنفاسها، جذبها عليه محاوطًا إياها بذراعيه، استكانت بين يديه على الفور.
تنهد عبد الجبار بقوة مغمغمًا بخفوت:
اطمني.. متخافيش من أي حاجة واصل.
أني معاكي وفي ضهرك ومهسمحش لمخلوق يمسك بسوء، وكمان مش ناوي أوديكي عندهم إلا لما تطيبي وتبقى زينة.
طيب أنت واخدني على فين؟
غمغمت بها بخجل، وهي تتحاشى النظر لعينيه المحاصرة لها، رفع يده واحتوى ذقنها بين أصابعه أجبرها على النظر له مرة أخرى، تعمق النظر بعينيها التي تنجح في هزم كل قوته وعنفوانه وتجعله أسيرًا لها ليمد إبهامه ويلمس شفتها السفلى بحسية شديدة خرجت من أعماق رجولته، وأردف مسبلًا عيناه نحو شفتاها الحمراوين ومقربًا وجهه من وجهها ببطء:
هخطفك إيه قولك؟
أسرعت بدفن وجهها داخل صدره تختبئ منه فيه بخجل حين لمحت نظرته المتلهفة لشفتيها.
موافقة.. تخطفني يا عبد الجبار.
دمدمت بها بهمس بالكاد وصل لسمعه، فضمها له بقوة أكبر، وهو يجذب يديها ويلفها حول خصره.
مر عليهما وقت ليس بقليل، ساعة أو أكثر لكنهما لم يشعرا به، كانا مكتفيين بقربهما لبعضهما، منفصلين عن جميع ما حولهما حتى توقفت السيارة وصدح صوت حسان قائلًا:
حمد الله على السلامة يا كبير.
تنحنح عبد الجبار كمحاولة منه لإيجاد صوته مردفًا:
اححم الله يسلمك يا حسان.
دارت سلسبيل بعينيها بالمكان حولها، شهقت بفرحة غامرة حين وقعت عينيها على أمواج البحر تنصدم بالأحجار الضخمة صادرًا عنهما صوت ينعش الروح.
احنا في إسكندرية صح؟
تفوهت بها وهي تغادر السيارة، واضعة يدها الصغيرة داخل راحة يده الممدودة لها.
حرك رأسه لها بالإيجاب، وسحبها خلفه لداخل منزل حديث الطراز، يطل مباشرة على مياه البحر بلونه الأزرق المتلألئ تحت أشعة الشمس الساطعة.
كان باستقبالهما العاملون بالمنزل يقفون بصف واحد، ترأسهم عفاف سيدة أنيقة بأواخر عقدها الرابع، تحدثت بابتسامة بشوشة قائلة:
نورتي بيتك يا ست سلسبيل هانم.
بيتي!!!
تمتمت بها مذهولة، وهي تتنقل بينها وبين زوجها الذي ينظر لها بابتسامة حانية مردفًا بتأكيد، وهو يحاوط خصرها ويضمها له ويسير بها بالأرجاء:
أيوه بيتك يا سلسبيل.
صعد بها على الدرج، وهو يقول:
جهزوا الوكل يا عفاف.. الهانم معاد علاجها كمان ساعة.
عفاف بعملية:
دقايق والأكل يكون عند سيادتك يا عبد الجبار بيه.
سارت معه داخل ممر طويل حتى توقف أمام إحدى الغرف، ووضع يده على المقبض، ونظر لها قبل أن يفتح الباب.
كادت أن تصرخ هذه المرة وهي ترى غرفة أقل ما يقال عنها أنها رائعة الجمال، مملوءة بأجمل الورود بمختلف أنواعها وألوانها.
دلفت معه للداخل بخطوات مرتعشة، لتجده يجذبها برفق نحو منضدة الزينة الموضوع عليها علب مخملية مفتوحة بداخلها أفخم المجوهرات التي صنعت لها خصيصًا.
أوقفها أمام المرآة، ووقف خلفها وبدأ يخلع حجابها عنها حتى تخلص منه، فك عقدة شعرها لينسدل على ظهرها بنعومة وانسيابية، أمسك عقدًا من الماس على شكل قلب منقوش عليه حروف اسمها، وقام بوضعه حول رقبتها، زاد العقد جمالًا بها، فانحنى عليها وعانقها بقوة هامسًا برومانسية:
شبكتك يا ست البنات.
قال جملته وهو يشير لها على باقي الذهب أمامها، وأمسك أوراق كانت بداخل مغلف مغلق فتحها أمام عينيها مكملًا:
وده عقد البيت باسمك يا سلسبيل، وفي كمان شيك بورثك في حق أخوي الله يرحمه.
تتطلع حولها بأعين دامعة، مبهورة.. ما تعيشه الآن لم يخطر على بالها بيوم من الأيام.
لمين كل ده يا عبد الجبار؟
تأملها بعينيه الآسرة ونظرته العاشقة لها التي تذيبها كليًا قائلًا بصوته القوي:
للست سلسبيل هانم مرات عبد الجبار المنياوي.
سالت عبراتها على وجنتيها ببطء، وابتسمت ابتسامة يملؤها الوجع مغمغمة:
مراتك؟
قرأ ما يدور بذهنها بشأن مرضها وعدم قدرتها على إعطائه حقوقه، احتوى خصرها بذراعيه، وانحنى عليها ضمها لصدره بقوة طابعًا على خدها قبلات عميقة متتالية وهو يهمس من بينهم بحرارة:
أيوه مراتي وعشق القلب والروح من أول مرة وقعت عيني عليكي فيها، ومكنتش خابر وقتها إنك أرملة أخوي يا سلسبيل.
حديثه هذا لم تنتبه له جيدًا، فقربه منها بحميمية هكذا يبعثر مشاعرها ويفقدها إدراك ما يحدث حولها، أسبلت أهدابها وتنهدت مطولًا، ثم همست دون وعي بصوت اختنق بالبكاء:
أخوك ده أنا وافقت أتجوزه بسببك أنت يا عبد الجبار!
يا رباه ماذا قالت!
وماذا قال هو!
نفس السؤال اقتحم عقلهما بآن واحد، انتزعها من بين أحضانه دون أن يبعدها عنه، لتتقابل أعينهم بنظرة تلهف، وتحدثا بنفس واحد:
وافقتي على جوازك من أخوي بسببي!
شوفتيني فين وأمتى؟!
انبلجت ابتسامة على محياه وهو يستعيد ذكرى أول مرة رآها بها.
فلاش باك.
بعد انتهاء مراسم دفن شقيقه، عاد للمنزل ووقف لاستقبال واجب العزاء، كان صراخ وعويل النساء بالداخل يصم آذان الرجال بالخارج مما أغضبه كثيرًا، فاندفع نحوهم بملامح تشتعل غضبًا، وصاح بصوته الأجش وهو يتنقل بنظره بينهم يبحث عن والدته:
اخرسي يا حرمة منك ليها.. بكفاياكي عاد يا أمه.
هنا لمحها، وقعت عينيه على فتاة تجلس بإحدى الجوانب بمفردها، وجهها يظهر عليه آثار عنف، وكدمات تاركة بقع حمراء وزرقاء ورغم هذا كانت الفرحة تشع من ملامحها الدامية، عكس جميع الحضور، سعادة عجيبة، وغريبة ظاهرة على قسماتها الفاتنة التي شغلت جم انتباهه، لكنها لم تنتبه له على الإطلاق.
مين دي يا حسان؟
أردف بها بصوت خفيض، وهو يشير تجاهها بنظرة من عينه.
أجابه حسان قائلًا:
دي سلسبيل أرملة أخوك الله يرحمه يا كبير.
عقد حاجبيه فأصبح عابسًا بشدة وهو يقول:
إيه اللي عمل فيها أكده؟!
أخوك الله يرحمه بقى ويسامحه كان شديد قوي قوي عليها.
غمغم بها حسان بأسف.
ومن تلك اللحظة، وهي سيطرت على تفكيره، وكأنها ألقت تعويذة سحرية على قلبه.
ختم حديثه واختطفتها ذراعه كالخطاف وهو يحاوط بها خصرها ليجذبها إليه، وانحنى بوجهه عليها هامسًا أمام شفتيها:
"كأن صورتك اتوشمت على جلبي."
ابتسمت له سلسبيل ورفعت يديها احتضنت وجهه بين كفيها مغمغمة باستحياء:
"من يوم ما أبويا خدني ورجع بيا على الصعيد، وأنا بسمع عن عبد الجبار المنياوي الراجل اللي كل أهل البلد بتحلف برجولته وأخلاقه، وأد إيه هو صاين مراته ومخليها زي الملكة. وقتها اتمنيت ودعيت ربنا يرزقني براجل زيك يحميني وينجدني من جبروت وظلم أبويا ومراته. لحد ما عبد الرحيم طلب أيدي، وعرفت إنه أخوك. فرحت ووافقت على طول وقولت أكيد هيبقي زيك في أخلاقه، وافتكرت إن ربنا رحمني أخيرًا."
صمتت قليلًا تلتقط أنفاسها، وتابعت بغصة يملؤها الأسى:
"بس للأسف مطلعش زيك يا عبد الجبار. ده طلع جبروت عن أبويا، وأنا من غبائي وسني الصغير وقتها قولتله إني كنت فكراه راجل زيك وهددته إني هشتكيه ليك أول ما أشوفك، ساعتها اتحول لوحش وكان هيقتلني، وبقي كل ما يعرف إنك جاي البلد يكتفني في أوضتي لحد ما أنت تمشي."
أنهت حديثها وانفجرت باكية ببكاء مزق قلبه لأشلاء، بينما هو أخذها في عناق محموم حتى لم تعد قدماها لامسة الأرض، ذراعه ملتف حول خصرها، وذراعه الآخر يربت به على شعرها بحنو.
كانت تهمس له بصعوبة بالغة من بين شهقاتها الحادة قائلة:
"مافيش ست في الدنيا مبتحلمش براجل يكون سندها، وضهرها.. يحميها ويحسسها بالأمان."
رفعت وجهها المتخضب بالحمرة القانية، ونظرت لعينيه المتلهفة بعينيها الغارقة بالعبرات، وتابعت بتأوه:
"وأنت كنت حلم حياتي اللي متخيلتش أبدًا إنه ممكن يتحقق في يوم من الأيام يا عبد الجبار."
تعالت وتيرة أنفاسه، وبدأ يلهث بوضوح وقد أشعلت بجسده حمم بركانية باعترافها الذي لم يخطر على باله أبدًا.
يلجم نفسه عنها بشق الأنفس، لصقها به بقوة، ويده تداعب جسدها بحميمية، واقترب بوجهه منها حتى أصبح يتنفس أنفاسها، تحدث بصوته الأجش وشفتاه تمس شفتيها:
"رايدك.. رايدك يا سلسبيل."
قالها قبل أن يطبق بشفتيه على فمها يتذوق ذلك الصخب من بين شفتيها وكم تاق لهذا.
رواية جبر السلسبيل الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نسمة مالك
بسم الله الرحمن الرحيم. لا حول ولا قوة إلا بالله.
في كثير من الأوقات نتعرض لضغوطات الحياة المختلفة التي تلعب دورًا هامًا في تكوين شخصياتنا على مراحل سنوات عمرنا، إلى أن يأتي وقت تنفذ فيه طاقتنا بسبب ضغط شديد يفوق تحملنا. حينها نكون أول من يُصدم من رد فعلنا، نتفاجأ بوجود شخصية أخرى بداخلنا لم يُخيل لنا وجودها.
شخصية شرسة بإمكانها ارتكاب أفظع الجرائم دون لحظة تردد، وهذا ما حدث لـ "خضرا" بعدما تمكنت منها الغيرة التي أشعلت النيران بقلبها حتى غلفته القسوة. تلك النيران سيكون للجميع نصيب منها، ستحرق كل من يعترض طريقها، لن ترحم أحدًا حتى نفسها.
صدح أذان العشاء، وصدح معه رنين جرس باب المنزل الخارجي يعلن عن وصول الهدايا التي أوصى بها "عبد الجبار" خصيصًا لزوجته بإحدى دور الأزياء الشهيرة حتى تُناسب مقاساتها. أتت قبل موعدها لينالوا رضا أهم عميل لديهم.
تقف "خضرا" بوجه عابس بشدة، ممسكة هاتفها بيدها تعاود الاتصال بهاتف زوجها مرارًا وتكرارًا دون توقف، لا تكترث للهدايا على الإطلاق، كل ما يشغل بالها هي غريمتها، فقد تأكدت من مصادرها داخل المستشفى أن "سلسبيل" لم تصل إلى هناك.
إذن أين ذهب بها؟ وماذا يفعل معها الآن؟!
ستجن لا محالة كلما تتخيل أنهما بمفردهما ومن الممكن أن تتطور العلاقة بينهما. تدور حول نفسها ذهابًا وإيابًا وهي تلطم خديها بكل قوتها حتى أدمتها، تشعر بألم يمزق قلبها يفوق قدرتها على التحمل. كل هذا أمام نظرات "بخيتة" التي تتابعها بابتسامة واسعة تظهر جميع أسنانها بهيئة مخيفة، ومستفزة للغاية.
"كل عمايلك دي مبقاش ليها عازة خلاص يا خضرا، سلسبيل بقت مِرات عبد الجبار المنياوي اللي هتجيبله الواد عن قريب قوي قوي."
غمغمت بها "بخيتة" وهي تستند على عكازها، وتنتصب واقفة سارت تجاهها بخطوات هادئة حتى توقفت أمامها مباشرة، ونظرت لها بملامحها القاسية، وتابعت بضحكة ساخرة:
"كنتِ فاكرة حالك هتقدري تتحكمي في البنت الصغيرة وتبعديها عن راجلها إياك؟ القلوب ملهاش حاكم يا أم البنت، وسلسبيل عشقت عبد الجبار كيف ما هو عشقها، ومهتقدرش تمنع روحها عنِّه أكتر من أكده."
كانت "خضرا" تستمع لها بصمت، ملامحها جامدة، دموعها متحجرة بعينيها، تصطك على أسنانها بعنف كادت أن تهشمهم. هُيئ لها أن "سلسبيل" تقف أمامها وكم تتمنى هذا الآن حتى تنقض عليها وتمزقها إربًا دون لحظة تردد.
تنهدت "بخيتة" براحة وقد وصلت لمبتغاها، وهي ترى الغل والحقد ظاهر بوضوح على وجه "خضرا" تجاه "سلسبيل"، فدمدمت لبرهة قبل أن تقول:
"اممم.. لو فكرتي زين هتلاقي إن اتفاقك عليا مع سلسبيل اللي قولتيلي عليه ده هتطلعي منه خسرانة. إنما لو اتفقتي معايا أني هتبقي أنتي لوحدك مِرات عبد الجبار يا خضرا وأم الواد اللي هتجيبه ضِرتك كمان."
جحظت أعين "خضرا" على وسعهما، ونظرت لها بلهفة، كالغريق الذي كان على وشك الموت وأخيرًا وجد منقذه.
"قوليلي كيف يا أمه أحب على يدك."
نطقت بها بنبرة ملتاعة، وهي تميل على يدها تحاول إمساكها لتقبلها بتوسل.
دفعتها "بخيتة" بعيدًا عنها بعنف مردفة بغضب:
"أمه.. دلوقت بتقوليلي يا أمه يا بت المركوب بعد ما كنتِ بتفقعي مرارتي بعمايلك العفشة وحديثك الماسخ."
ضربت "خضرا" على صدرها بكف يدها بحركة استعطافية مرددة:
"حقك علي راسي يا أمه. مهعملش أكده مرة تانية واصل. بس قوليلي كيف أكون مِرات عبد الجبار، وأم ابنه لحالي من غير ضِرة. إلا الضِرة مُرة ومرارها واعر قوي."
انبلجت ابتسامة شريرة على ملامح "بخيتة" حتى ظهرت تجاعيد وجهها وهي تقول:
"تهمليها مع راجلها لحد ما يحصل المراد، وتبقى حبلى منه. وقتها تحطيها جوه حباب عينك وتشيلها من الأرض على كفوف الراحة لغاية ما تجيب لنا الواد اللي هيخلص عليها وهي بتولده كيف ما قال الحكيم إن قلبها مش قد الحبل والولادة، وأول ما تموت تاخدي أنتي الواد وتبقى أمه. الأم اللي بتربي يا خضرا مش اللي بتخلف."
فكرة راقت "خضرا". لن تنكر أن حديثها قد راق لها كثيرًا، وتهللت أساريرها بسعادة، ودون ذرة تفكير منها حسمت قرارها بتنفيذ تلك الفكرة على الفور، ولكن ستظل تلك النيران التي تتأجج بقلبها مشتعلة لن يخمدها سوى شيء واحد فقط موت سلسبيل. الموت الذي لم تكن تظن بيوم أن تفكر فيه أو تتمناه حتى لعدوها.
بينما "بخيتة" ترمقها بنظرات مستهزئة لغبائها الذي صور لها بأن زوجها سيعود لها كما كان حين يُحرم من المرأة الوحيدة التي عشقها من صميم قلبه.
سبحان الله العظيم.
عبد الجبار.
كان يظن أن بإمكانه التحكم بفيض مشاعره التي أغرق بها معشوقة قلبه وروحه، وأن الأمر لن يكون إلا مجرد قبلة شغوفة ويبتعد عنها في الحال، ولكن قد حدث ما كان يتمناه قلبه الملتاع منذ أن أصبحت زوجته.
انجرف بقاع بحر غرامها دون أدنى إرادة منه، لأول مرة فشل في السيطرة على رغبته الجامحة بها. انفصل معها عن العالم أجمع مكتفيًا بوجودها بين ذراعيه، لا يعلم كيف ومتى وكم من الوقت بقي ينهال بجنون من شهدها لعله يشبع ظمأه منها.
لم ينتبه على كل ما يدور حوله. رنين هاتفه المستمر حتى نفذت طاقته وانطفأ تمامًا. طرقات العاملين من حين لآخر. كان معها وبها ولها فقط.
"عشقان.. أني عشقانك يا سلسبيل."
غرد بها داخل أذنها بصوت هامس من بين أنفاسه اللاهثة المهتاجة، وهو يسير بوجهه المتناثر عليه حُبيبات العرق، على وجهها المتوهج بحمرة الخجل.
"عبد الجبار."
همست بها بأنفاس متهدجة من بين شفتيه التي يغمرها بوابل من القبلات المتلهفة، يستعد بها لأخذها بجولة أخرى من جولاتهم شديدة الخصوصية.
لكن! همسها هذا أفاقه من نوبة جنون عشقه بها. تخشب جسده لوهلة وقد أدرك ما فعله للتو، ومن ثم انتفض من فوقها فجأة كمن لدغه عقرب سام، أو بالأصح كأنه تحول هو لهذا العقرب وقام بلدغ أغلى وأحب الخلق لقلبه.
"سلسبيل!"
صاح بها صارخًا بقلب مرتعد، وهو يخطفها داخل صدره، أجلسها على قدميه، وبدأ يتفحص كل أنش بها، وهو يصيح بصوت جهوري دون أن يتركها من يده:
"عفاااااف! شيّعي لحسان يجيب الدكتور!"
"عبد الجبار اهدأ.. أنا كويسة."
أردفت بها وهي تحتضن وجهه بين كفيها الصغيرين، لكنه أسرع بضم يدها بين قبضة يده الضخمة يتحسس برودة بشرتها، ويجذب الغطاء عليها بخوف يخفي به جسدها العاري، وعينيه تشملها بنظرة يملؤها العشق، والندم معًا مغمغمًا:
"حاسة بإيه.. في حاجة بتوجعك.. قوليلي يا بت قلبي."
أنهى جملته، وأسرع بوضع راحة يده على موضع قلبها يستشعر نبضاته. دست نفسها هي بين ضلوعه، ولفت كلتا يديها حول خصره، وضمته لها بكل ما أُتيت من قوة، وأطلقت تنهيدة طويلة وهي تقول باستحياء بصوت بالكاد وصل لسمعه:
"مبسوطة.. أول مرة أبقى مبسوطة كده."
رفعت وجهها، ونظرت داخل عينيه بعمق مكملة:
"مبسوطة عشان بقيت مراتك أنت.. أنت بالذات يا عبد الجبار."
هدأت وتيرة أنفاسه قليلًا حين رأى ملامحها التي توردت وكأنها تفتحت كالوردة بعدما تشبعت من حبه واهتمامه بها.
في هذه اللحظة ضمها له بيديه وحتى قدميه لعله يطمئن قلبه الذي أوشك أن يغادر صدره من عنف دقاته.
مرت لحظات وهو محتويها بجسده كما لو كانت ضلعًا من أضلاعه، حتى استمع لطرقات على باب الغرفة يليه صوت "عفاف" تتحدث بقلق قائلة:
"الدكتور وصل يا عبد الجبار بيه."
على مضض ابتعد "عبد الجبار" عن زوجته، وهرول بلملمة ثيابه المبعثرة على الفراش، والملقاة أرضًا وارتداها على عجل، وعينيه لم تتزحزح عن "سلسبيل" المختبئة بخجل أسفل الغطاء. شهقت بخفوت حين شعرت بيديه ترفعها بمنتهى الخفة، وقام بمساعدتها على ارتداء روب من الحرير الناعم أبيض اللون، أحضره لها بلمح البصر من الغرفة الخاصة بثيابها، وحجاب كبير قام بوضعه على رأسها أخفى به شعرها وروبها بأكمله.
أغلقه جيدًا حولها قبل أن يسير تجاه باب الغرفة بخطى واسعة، وقام بفتحه وهو يتحدث موجهًا حديثه للطبيب بنبرة لا تحمل الجدال:
"أسرع بالكشف على زوجتي، وتحدث معي باللغة الإنجليزية عن حالتها الصحية."
"تحت أمرك عبد الجبار بيه."
نطق بها الطبيب الذي اندفع مسرعًا تجاه "سلسبيل" الجالسة على الفراش بأريحية، وابتسامة دافئة تزين ثغرها المزموم.
بمنتهى الدقة انتهى الطبيب من فحص شامل لها أمام "عبد الجبار" الجالس بجوار زوجته، محاوط كتفيها بلهفة.
"اطمئن زوجتك بخير حال ولا يوجد أي خطر عليها."
تتنقل "سلسبيل" بينهما بنظرات مندهشة، وهي ترى زوجها يتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة، ليتابع الطبيب بتعجب قائلًا:
"هل نسيت اتفاقك معي حول ما أقوله عن حالتها؟"
تنهد "عبد الجبار" بأسف، وقد ارتجف قلبه بخوف وهو يتخيل رد فعل زوجته إذا علمت باتفاقه هذا:
"لا لم أنسى اتفاقنا، ولكني لم أنسى أيضًا أن قلبها كان على وشك أن يُصاب بجلطة، ولا أريد أن يتكرر الأمر ثانيةً."
"في إيه يا عبد الجبار.. فهمني."
همست بها "سلسبيل" لزوجها بصوتها الذي يُذيب عظامه، فضمها له بقوة أكبر مقبلًا جبهتها، وهو يقول:
"اطمني.. أنتي زينة يا ست الهوانم."
نظر للطبيب وتابع بصرامة:
"مش أكده يا دكتور؟"
الطبيب بعملية وبعض الخوف من قسمات "عبد الجبار" الجادة:
"احححم.. أيوه حضرتك كويسة جدًا يا مدام اطمني."
أردفت "سلسبيل" بلهفة وفرحة غامرة قائلة:
"أيوه أنا الحمد لله حاسة إني أحسن بكتير."
"يعني أقدر أحمل وأكون أم مش كده يا عبد الجبار؟"
كان قد غادر الطبيب برفقة "عفاف" التي أغلقت الباب خلفها، وبقي بمفرده ثانية، مع زوجته. انبلجت ابتسامة لعوب على محياه قبل أن يميل عليها يحاصرها بجسده لاصقًا بها، ويده تتسلل ببطء نحو حجابها وروبها الحريري نزعهما عنها مغمغمًا:
"رايدة تبقي حبلى مني يا سلسبيل؟!"
لم تنطق بحرف واحد، اكتفت بالنظر له عينيها تتحدث لعينيه بكلمات نابعة من قلبها جعلته يغيب بها عن العالم حوله من جديد.
الليلة استقبلني بكل جنوني، سأنزل بضيافة عينيك كحورية.
راقصني فخلخالي لن يوقف رنينه ثانية، وعانقني أعزف على أوتاري موسيقى اللهفة، فشعوري شعور طفلة عارية دثرتها بمعطفك الدافئ، قطة صغيرة تقف بمنتصف الطريق مذعورة من الحافلات الضخمة، وجدت ركنًا احتضنها بظلاله، وجدت بين ضلوعك يقطينة تدلل بؤسها، وتزرع بحدائقي يقينًا بعدما كاد أن يبتلعني حوت الشك، وعتمة الخذلان.
رواية جبر السلسبيل الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نسمة مالك
"جابر"..
بعد وصلة بحث مكثفة يحاول خلالها الوصول ل "سلسبيل" أو لزوجها بشتى الطرق، غلبه إجهاده و تمكن منه التعب جعله يستسلم للنوم رغمًا عنه، قضى ساعات قليله غارقًا بأحلامه التي دومًا تكن هي بطلتها..
بينما أصدقاءه المقربين له لم يتوقفوا عن مواصلة البحث عن أي شئ يُساعد صديقهم في العثور على محبوبته،
حتى صدح صوت رنين هاتفه أعاده لواقعه الخالي من وجودها مجددًا،فأسرع بالرد عليه قائلاً بلهفة..
"ها وصلتوا لحاجة!! "..
أتاه صوت صديقه "أيمن" مردفًا.. "حاجاااات مش حاجة واحدة يا فخامة"..
غادر "جابر" الفراش بهرولة نحو ثيابه قفز داخلهم، و قد غمرته الفرحة و هو يستمع لحديث صديقه يُتابع بجملة تسارعت بسببها دقات قلبه..
"أخيرًا عرفنا مكان بنت خالتك"..
"أنا جيلكم حالاً"..
قالها، و هو يجمع أغراضه على عجل، ليوقفه صوت"أيمن " قائلاً..
" لا خليك و أنزل بعد ساعة كده لأننا لسه داخلين على المنصورة، و هنروح على الچيم.. تعالي لنا هناك عشان معانا ضيف عايزين نكرمه على الأخر "..
عقد "جابر" و هو يقول بتعجب..
"أنتو خرجتوا برة المنصورة رحتوا فين!!!"..
استمع لصوت أنين مكتوم عبر الهاتف، فزمجر بعصبية مفرطة مغمغمًا..
"و مين الضيف اللي معاكم ده يا أيمن!!! "..
"أنا و الرجالة فضلنا ورا عبد الجبار المنياوي لحد ما لقينا نفسنا في إسكندرية و أدينا راجعين في الطريق أهو يا جابر".. نطق بها" أيمن"، و صمت لبرهةً و أكمل بأسف ..
" وبالنسبة للضيف فهو مش ضيف خالص الصراحة.. إحنا خطفناه ، و هو بيقول أنه الدكتور المسؤول عن حالة بنت خالتك"..
" جابر" بنبرة لا تحمل الجدال و هو يغادر غرفته بل المنزل بأكمله بخطوات راكضة..
" أنا هتحرك بالعربية و أطلع على إسكندرية .. ابعتلي عنوان سلسبيل ده أهم حاجة عندي دلوقتي، و اللى معاك ده خدوا يا أيمن أنت على الچيم، و أتصرف معاه بمعرفتك و أبقى بلغني بالجديد أول بأول "..
............ لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم....
" عبد الجبار "..
أبتعد عن زوجته بشق الأنفس، معشوقته التي أحيت بقلبه مشاعر لم يتخيل بيومٍ أنه يكنها بداخله،تأكد الآن أن كل تلك السنوات التي مرت عليه كان فيها زوج يقوم بأداء واجباته الزوجيه كما لو كان آله مجردة من المشاعر ..
أستطاعت "سلسبيل" التسلل لأعمق نقطة داخل قلبه لم يتمكن أحدًا قبلها من الوصول إليها، أما هو قد نجح في نزع خوفها و رهبتها من قربه منها، لم يتركها إلا بعدما عالج جروحات قلبها الغائرة، نعمها بفيض غرامه الذي أهاله عليها بكرمٍ و شغف فلم يسعها سوي الاستسلام الكامل له..
بقت متكومة بأحضان زوجها دون حراك،بينما هو يمسد على شعرها المشعث بفوضوية مثيرة، و يلثم كل مكان تقع عليه شفتيه بقبلات عميقة تدل على مدى لهفته، و عشقه لها..
"أنت عندك كام سنة يا عبد الجبار؟!"..
همست بها "سلسبيل" و هي تعتدل بتكاسل مستنده على صدره العاري، و تطلعت له بابتسامتها التي تزيد من جنونه بها..
استغرق بعض الوقت ليعاود إتصاله بالعالم مرةً أخرى، رمقها بنظراته المُتيمة يراقب قسماتها المحمرة التي جعلتها مثالاً للإغواء و الفتنة،
شعرت بأنامله تجد طريقها إلى خطوط عنقها الملساء..
كانت الدهشة واضحة على ملامحه الجذابة التي تخطف أنفاسها، لتجده حملها فجأة بمنتهي الخفه حتى أصبح جسدها الصغير بأكمله فوق جسده العريض ، و كم شعرت بتلك اللحظة بضئلتها بين يديه، داعب أرنبة انفها بأنفه كأنها طفلته المدلله مردفًا بتعجب..
"بجي في ست في الدنيا معرفاش راچلها عمره قد أيه!!!"..
"راجلي!!!.. الله حلوة أوي الكلمة دي"..تفوهت بها بسعادة واضحة على تعابير وجهها الخجول، و بتنهيدة تابعت..
"أنا عارفه إنك كبير يا عبد الجبار"..
رفعت كف يدها ببطء، و وضعته على ذقنه مكملة بفخر..
"كبير في المقام و الهيبة رغم إن شكلك مكملش ال33 سنة.. صح؟! "..
كان يستمع لحديثها الذي يشبه رذاذ بارد يتساقط على لهيب قلبه الخافق بعشقها، صوتها وحده يدغدغه، عينيه تتفرس ملامحها التي أزدهرت و تفتحت كالوردة بفضل أهتمامه بها..
حرك رأسه لها بالايجاب قبل أن يقبل جانب شفتيها قبلة رقيقة بعثرت كيانها،احتضن وجهها بين كفيه، و همس لها بنبرته المدوخة قائلاً..
"كانك مولودة في جلبي.. قولتها لك قبل سابق و هقولهالك تاني و تالت و مليون ، و عمري ما هبطل اقولهالك يا سلسبيل"..
امتلئت عينيها بالدموع، و اعتلت ملامحها الذعر و هي تقول بصوتٍ مرتجف..
"خايفة يا عبد الجبار.. خايفة أوي"..
"وه.. كيف تخافي و أنتي مراتي.. مرات عبد الچبار المنياوي!!!"..
ابتلعت غصة مريرة بحلقها، و ببوادر بكاء قالت..
" قلبي عمره ما كدب عليا، و لا احساسي عمره خاني،و أنا حاسة أني مش هفضل مراتك يا عبد الجبار "..
شهقت صارخة بخفوت حين نهض بها فجأة دون سابق إنظار، و عكس وضعهما فأصبح هو فوقها، و تحدث بغضب عارم و قد توحشت نظرته حتى سارت عدوانية لأقصى حد..
"أنتي الليلة برضاكي بجيتي مراتي، و هتفضلي مراتي مهيفرقنيش عنك غير موتى يا سلسبيل "..
مدت يديها و حاوطت عنقه بذراعيها جذبته عليها، تضمه بكل قوتها لعل قربه يمحي من قلبها هذا الخوف المبهم الذي يجتاحه بين حين و أخر متمتمة بتمني شديد...
"ربنا ميكتبش علينا الفراق أبدًا يارب"..
طبعت قبلة ناعمة على كتفه مكملة..
" و لا يحرمني من حضنك أبدًا يا عبد الجبار "..
ضمها له بتملك مجنون، دافنًا رأسه بعنقها يغمره بقبلاته الحاره، و من ثم احتواها بين ضلوعه بحماية حين شعر بثقل رأسها على كتفه، فعلم أنها ذهبت في ثباتٍ عميق..
ظل بجوارها لبعض الوقت قبل أن يدثرها جيدًا بالغطاء و يغادر الفراش، أختفي لدقائق داخل حمام الغرفة، و خرج منه بكامل أناقته، جمع أغراضه و اقترب منها طبع وابل من القبلات المتفرقة على وجهها و شفتيها، تراقص قلبه بفرحة غامرة حين وصل لسمعه همسهما المتأوه بأسمه أثناء نومها..
أثلجت قلبه المُتيم بها عشقًا بفعلتها هذه، لجم نفسه و ابتعد عنها بصعوبة بالغة، سار لخارج الغرفة غالقًا الباب خلفه..
"عفاف".. نطق بها و هو يدلف داخل المطبخ، تأهب جميع العاملين لوجوده المفاجئ، وقف بينهم بطوله المهيب، و تحدث بصرامته و هو ينظر بساعة يده..
"الهانم نايمة محدش يقلقها واصل لغاية ما أروح مشوار و أعاود طوالي.. مفهوم"..
"مفهوم يا عبد الجبار بيه"..
قالتها "عفاف " و هي تسير خلفه نحو الخارج، ليكمل "عبد الجبار" حديثه قائلاً بحزم..
"لو فاقت هي لحالها اتصلي عليا على طول.. لكن ممنوع حد يصحيها، و إن شاء الله أني هعاود قبل ما تصحي"..
ذهب و ترك قلبه بحوزتها، على أمل أن يعود قبل أن تستيقظ،لكنه قاد سيارته بالطريق المعاكس لطريق "جابر".......
"قبل أن ألتقيكِ كانت مشاعرى ينفث الموت فيها، فقير العشق بقلب مشقوق، لملمتِ بقايا الروح، جزلتِ لي المشاعر و سهرتِ معي لأتنعم بترف الحُب،
أغفو على سكر من عناقيد العنب المفرطة على شفتيكِ، و أصحو على فنجان عشق، أرتحلتي بمدائني وحدك مشعلة بها حريقي مبتسمة، فاض نهرك لي أنا فقط حتى أرتوي قلبي الأجعف، عشت معك مساءات من الجنون أتمنى لو تدوم، ويدوم لي نبض قلبك"..
رواية جبر السلسبيل الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نسمة مالك
"بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم "..
ليست كُلّ القلوب بالقلوب تليقُ فاختر لنفسك شخصًا إذا قَست عليك الأيام يكن لكَ فيه عشمٌ لا يخيب، أختر خليلَ قلبك بحكمةٍ و أعلم أن كل شيءٍ يتغير ويذهب ، الأصدقاء والأحباب والبلاد والأماكن ، الشيء الوحيد الذي يبقى هو الوفاء و الذكريات ..
" خضرا "..
تنتظر عودة زوجها بنفاذ الصبر، لم يغمض لها جفن طيلة الليل، تدور حول نفسها في المنزل بأكمله دون هوادة، حتى توقفت أمام المرآة تطلع لانعكاس صورتها، عينيها تذرف العبرات ببطء، نادمة على قرارها الخاطئ كليًا بموافقتها على زواج زوجها من سلسبيل ، تقر و تعترف بأنها صُدمت من كم الألم و الوجع الذي اقتحم قلبها و روحها كلما رأتهما معًا،
رفعت كلتا يديها وضعتهما على أذنها حين صدح في ذهنها حديث والداتها و نصحيتها لها التي لن ولم تنساها يومًا..
..... فلاش باااااااااااك...
كانت الابنه المدلله، الوحيدة على أربعة رجال، قرة عين أبيها كل طلباتها مُجابة، لا يرفض لها طلب أبدًا،خاصةً أنها تشبهه في الشكل إلى حدٍ كبير أكثر حتي من أشقائها الذكور، ملامحها الرجولية كانت عائق في زواجها، و إقبال العرسان عليها..
حتى أتمت عامها السابعة عشر، بدأت والدتها تفقد صوابها من شدة خوفها على ابنتها، فجميع الفتيات بعمر ابنتها قد تزوجوا و انجبوا طفل و اثنان، و ربما ثلاثة، وابنتها لم يأتي أي مخلوق لخطبتها حتى الآن..
"كل البنتة اتچوزت ، و بتي اللي قاعدة قعدة الحزانة يا راضي.. يا خوفي لتعنس و يفوتها قطر الچواز يا خوي"..
تنهد "راضي" بحزن و هو يقول..
"كل شيء بأونه.. ادعيلها يا عديلة ربنا يرزقها بالزوج الصالح"..
"الزوج الصالح موچود".. نطقت بها "خضرا" بفرحة غامرة فشلت في اخفائها، تأهبت جميع حواس والديها، و تطلعوا لها بلهفة يحسوها على استكمال حديثها، فتابعت بخجل قائلة..
"المثل بيقول اخطب لبتك و لا تخطبش لابنك، و أني رايدك تخطب لي يا أبوي "..
رمقها والدها بنظرات منذهلة حين وجدها تُكمل بنبرة متوسلة..
"ولد صاحب عمرك عبد الچبار المنياوي"..
أبتسم والدها ببلاهة، و قد راقته فكرتها و عقد عزمه على تنفيذها في الحال لثقته العمياء بحب صديقه له، وأنه لن يمانع هذه الزيجة حتى لو رفض العريس ذات نفسه..
"براوة عليكي يا بت يا خضرا.. كيف كانت تايهه من عقلي الفكرة دي".. أردف بها و هو يهب واقفًا و سار تجاه باب المنزله بخطي مهرولة و هو يقول..
"أني هروحله دلوجيت و اتحدتت وياه، و هو هيرحب بچوازة ابنه منك يا خضرا و هيأمر ابنه يكتب عليكِ الليلة كمان"..
"بلاش يا راضي".. نطقت بها "عديلة" بتحذير و تابعت بتعقل قائلة..
" الچواز معينفعش نچامل فيه.. لو ولد صاحبك
اتچوز بتي غصب لاچل ما يرضى أبوه يبجي جلبه عمره ما هيميل لها، هيبجي عايش واياها چته من غير جلب و لا روح، و أول ما جلبه يلاقي اللي يعشجها بتك هتتحرق بنار الغيرة الواعرة اللي مهتقدرتش تتحملها"..
"وه يا أمه لساتك كنتِ بتبكي و تقولي أني هعنس"..
غمغمت بها" خضرا " وهي تضرب الأرض بقدميها،نظرت لها" عديلة" بأعين دامعه و قالت بصوتٍ اختنق بالبكاء..
" أني خايفة عليكي يا بتي.. أيوه رايده اطمن عليكي في دارك مع راچل يعقد عليكِ برضاه لاچل ما يشيلك چوه حباب عنيه و يقفل عليكي برموشه"..
ربتت على كتفها برفق مكملة..
"اسمعي حديت أمك يا خضرا.. و بلاش يا بتي منها الچوارة اللي هيبجي العريس مچبور عليكي فيها.. هيچي عليه اليوم اللي جلبه هيعشج غيرك وقتها هتتمني الموت.. هيبجي ارحملك من الوچع اللي هيشج جلبك شج"..
...... نهاية الفلاش باااااك........
" يا ريتني سمعت حديتك يا أمه "..
همست بها محدثة نفسها بصعوبة بالغة من بين شهقاتها الحادة، ظلت تبكي لوقت ليس بقليل إلى أن وصل لسمعها صوت بوق سيارة زوجها تعلن عن وصوله..
مسحت عبراتها المنهمرة على وجنتيها سريعًا، و رسمت ابتسامة باهته على ملامحها الباكية، و سارت نحو باب المنزل بخطي شبه راكضة..
مرت دقائق معدودة كالدهر عليها و هي تقف تنتظر طالته عليها، جسدها ينتفض، و قلبها تسارعت دقاته بجنون من شدة ذعرها من أن يكون حدث بينه و بين ضُرتها ما تخشاه..
"أيه اللي موقفك أهنه!!"..
كان هذا صوت "عبد الجبار" الذي تفاجئ بوجودها تقف خلف باب المنزل، لم تنطق بحرف واحد، فقط تنظر له بملامح بدت جامدة، لكنها في الحقيقة تلقت صفعة ادمت قلبها على حين غرة حين لمحت ذلك البريق المتلألئ بعينيه رغم إتقانه الشديد في إخفاء مشاعره..
" دخلت على سلسبيل يا عبد الچبار؟؟!"..
قالتها بهدوء آثار الريبة بقلبه، هيئتها و الألم الظاهر على محياها جعل الخوف يزحف لقلبه حين وضع نفسه بمكانها، و تخيل ما الذي تشعر به في هذه اللحظة الأكثر ألمًا في حياتها علي الإطلاق..
اقترب منها و هم بضمها لصدره، و هو يقول بهدوء كمحاوله منه لإحتوائها..
"خضرا و بعدهالك عاد"..
"داخلت عليهااااا؟!!!!".. صرخت بها بصوت يملؤه القهر، و الحسرة و هي تتراجع للخلف مبتعده عنه..
مسح "عبد الجبار" بيده على شعره بقوة كاد أن يقتلعه من جذورة، و ببوادر غضب قال..
"سلسبيل تبجي مراتي ولا ناسية!!!!"..
"دخلت عليهاااا يا عبد الچبااار"..
انفجرت بها بصراخ صم أذنيه، و أخرجه عن شعوره فأجابها على الفور بلهجة حادة..
"أيوه دخلت عليها يا خضرا"..
"يا ألف بركة يا والدي"..
كان هذا صوت "بخيتة" قالتها و هي تهبط الدرج و تطلق سيل من الزغاريد بسعادة و خبث في آنٍ واحد..
" مبروك يا أبو فاطمة"..
أردفت بها "خضرا" و هي تسير من أمامه بخطوات ثابته كما لو كانت تحولت لآله تحت نظراته المشتعلة بالغضب، و الشفقة على حالها..
لتجحظ عينيه على آخرها حين وجدها تنظر له بقوة ذائفه، و ألقت على سمعه كلمة لم تخطر على باله أن تنطق بها بيومٍ من الأيام..
"طلقني... "...
............... صلِ على محمد.............
"جابر"..
صف سيارته أمام منزل "سلسبيل" حب طفولته، و شبابه، كان قلبه متلهف للقاءها، و فرحته وصلت عنان السماء و هو يري أنه على بُعد بضعة خطوات صغيرة منها، و يصل لها..
لكن كل أحلامه تبخرت، ذهبت مع الرياح حين وجد نفسه مُحاوط بمجموعة راجل جميعهم موجهين سلاحهم عليه،و على رأسهم يقف حسان، ذراع" عبد الجبار" اليمين، و الذي يعرفه "جابر" جيدًا، فهو دومًا يقف عائق في طريقه..
رمقه "حسان" بنظرة متعجبة و هو يقول..
"جاي أهنه عاوز مين يا بيه!!"..
"أنت بالذات أبعد عن طريقي الساعة دي يا حسان.. أنا الليلادي يا قاتل يا مقتول"..
قالها "جابر" بصوتٍ جوهري يدل على شدة غضبه، و هم بفتح باب سيارته إلا أن "حسان" اغلقها ثانيةً، و تحدث بأسف مصطنع قائلاً..
"هتبجي مقتول يا بيه"..
................. سبحان الله العظيم.........
" سلسبيل "..
لأول مرة تنعم بالراحة، و السكينة جعلتها تغرق بنومٍ عميق، تملمت على الفراش بتكاسل، لفحتها بعض البرودة جراء الهواء المتسلل عبر الأغطية ففتحت عينيها على وسعها حين أدركت نهوض زوجها من جوارها و مفارقته إياها..
تلاحقت أنفاسها و لوهله ظنت أنها كانت تتوهم وجوده، و أنه كان بطل إحدي أحلامها كعادته، و أن ما عشته معه مجرد حلم و ستفيق منه تجد نفسها بمفردها..
أخذ منها الأمر لحظات حتى استوعبت أن ما تعيشه ليس حلم بل حقيقة، و أنها أصبحت زوجة "عبدالجبار" و تحققت أهم أمانيها، تلفتت حولها تبحث عنه بلهفة..
مدت يدها،و تناولت روبها الحريري و ارتدته قبل أن تغادر الفراش، و سارت نحو باب الغرفة فتحته لتتفاجئ بجلوس "عفاف" على مقعد أمامه مباشرةً،
"صباح الخير يا مدام عفاف"..
أردفت بها "سلسبيل" و هي تدور بعينيها في الارجاء بحثًا عن من يمثل الأمان بالنسبة لها..
أما "عفاف" فور رؤيتها قامت بأظهار هاتفها و طلبت رقم رب عملها على الفور و هي تقول..
"صباح الخير يا هانم.. عبد الجبار بيه جاي في الطريق حالاً "..
اتقبض قلب" سلسبيل " حين وصل لسمعها صوت شجار بالخارج، ابتلعت لعابها بصعوبة، و تحدثت بصوتٍ مرتجف قائلة..
"أيه الصوت اللي بره ده"..
قالتها و هي تسير بخطوات واسعة تجاه نافذة الغرفة، و قفت خلف الواجهة الزجاجة ذات الميزة اللامرئية التي تتيح للرائي من الداخل فقط تبيّن ما بالخارج، تتابع ما يحدث بأعين مرتعدة، و قلب مذعور حين لمحت شاب ييتعارك بمفرده مع أكثر من رجل بجراءة و مهارة شديدة ، غير عابئ للأسلحة الموجهه له، و يصيح بجملة واحدة فقط دون توقف..
"سلسبيل أنا جابر.....
رواية جبر السلسبيل الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نسمة مالك
"بسم الله الرحمن الرحيم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
قليلًا، أو ربما يكون نادرًا إن وجد رجل يقدر غيرة امرأته عليه، يتقبل تقلبات زوجته النفسية التي تصل في بعض الأحيان إلى حد الجنون من شدة حبها له.
مما أجبر "عبد الجبار" لكظم غيظه من تصرفات "خضرا" زوجته، وصبر على نوبة غضبها العارمة التي جعلتها تفقد السيطرة على أقوالها وأفعالها وما تتفوه به أمامه.
فضل الصمت التام وتركها تتحدث صارخة بكل ما تحمله بقلبها من أوجاع وآلام تنهش روحها، وقف أمامها بقمة الثبات رغم أنه يغلي بداخله خاصة حين قالت باندفاع:
"أني وافجت على جوازك من سلسبيل بالذات وطلبتها لك بيدي بعد ما الدكتور خبرني أنها لا تقدر على حبل ولا خلفة ولا تقدر تعطيك حقوقك!!!".
هجمت عليه فجأة وبدأت تلكمه على صدره بقبضة يدها لكمات عنيفة، وتابعت بصراخ قائلة:
"مكنتش خابرة إنك هتعشجها.. مكنتش خابرة إن عشجك ليها هيخليها تطيب.. مكنتش خابرة إنك هتبجي رايدها ورايد قربها لدرجة إنك تاخدها بعيد عن عيني لاجل ما تاخد حقوقك منّها.. مكنتش خابرة إن نار الغيرة وجعها واعر قوي قوي أكده".
كانت "بخيتة" تجلس على إحدى المقاعد خلفهما، مستندة على عكازها الخشبي، تتابع ما يحدث بأعين يتطاير منها الشرر حين رأت هدوء وصبر ابنها على زوجته، وكم تمنت لو أن يفقد السيطرة على أعصابه وينقض عليها يرد لها لكماتها هذه أضعافًا مضاعفة.
أو يتركها لها وتقوم هي بهذه المهمة، يتيح لها الفرصة فقط حينها لن تتردد ولا تفكر مرتين وستنهال عليها بعكازها لن تتركها إلا وهي جثة هامدة.
لكنها عوضًا عن ذلك بقيت صامتة، لم تقدر على النطق بحرف واحد بعدما رأت ملامح "عبد الجبار" الهادئة هدوء ما قبل العاصفة والتي لا تبشر بالخير أبدًا.
لتزيد "خضرا" بالاندفاع بحديثها المتهور الذي كان بمثابة سكب الزيت فوق النيران حين قالت بوعيد:
"مبقاش عندي طاقة أصبر أكتر من أكده.. كل اللي خططت ليه بجي سراب من وجت ما دخلت على حرمة غيري.. مهستناش تاني كيف ما اتفجت مع أمك إني أصبر على سلسبيل لحد ما تبجي حبلة منك وتموت وهي بتجبلك الواد وأبجي أنا أمه كيف ما قالتلي".
"اه يا عفشة يا بت المركوب".
تمتمت بها "بخيتة" التي جحظت عينيها بصدمة مما قالته زوجة ابنها.
ساد الصمت حين صدح صوت رنين هواتف "عبد الجبار" بآنٍ واحد، تبدلت ملامحه الهادئة لأخرى متلهفة وهو يرى اتصالًا من "عفاف" علم من خلاله باستيقاظ أميرته النائمة، وبنفس اللحظة اتصل "حسان" الذي تركه لحراسة "سلسبيل".
"خير يا حسان".
ليصيح "حسان" ما أن سمع صوته قائلًا باستغاثة:
"انجدنا يا كبير.. الجدع اللي اسمه جابر وصل عندنا اهنه وطايح في الرجالة كلياتهم، ومحدش قادر عليه واصل، ومصمم يقابل الست سلسبيل هانم".
جن جنون "عبد الجبار" وأسرع بالسير للخارج بخطوات أشبه بالركض وهو يقول بأمر:
"امنعوه يا حسان.. فاهمني زين امنعوه بأي طريقة حتى لو بضرب النار.. وإني جايلكم في الطريق".
ركضت "خضرا" خلفه بأقصى سرعة لديها، وقفت حائلًا بينه وبين باب المنزل تمنعه من الخروج.
ونظرت لأعين زوجها التي ظهرت حولها الشعيرات الدموية بهيئة مخيفة نظرة يملؤها التحدي والقوة مكملة:
"إني هخيرك لأول وآخر مرة يا عبد الجبار.. بين سلسبيل".
صمتت لبرهة، وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة حين رأت عينيه تتسعان بغضب وتبرز عروقه بخطورة، مع ذلك تحدثت بتأنٍ بالغ دون أن يخيفها الوضع أو نظراته المحذرة:
"وبناتك.. فاطمة وحياة اللي هيكرهوك لما يكبروا ويفهموا إن أبوهم عشج واحدة غير أمهم لحد ما قهرها وخلّاها تطلب منه الطلاق وإلا..."
"وإلا إيه يا خضرا!!!"
أردف بها "عبد الجبار" بلهجة لا تخفي غضبه المشحون أبدًا.
"هجتلك نفسي".
قالتها وهي تهرول تجاه سكين كان موضوعًا فوق طبق الفاكهة أخذته بلهفة، ووضعت نصله على معصم يدها.
تفاقم شعوره بالحنق مع استمرار حديثها وأفعالها المثيرة للأعصاب، فامتدت يده نحوها وهمّ بالقبض على السكين الذي بيدها، لكنها تراجعت للخلف مبتعدة عنه على الفور، وضغطت بالنصل الحاد على يدها تسببت بجرح بدأ ينزف ببطء تثبت له به أنها جادة وحديثها هذا لم يكن مجرد تهديد.
تمالك أعصابه معبئًا نفسًا عميقًا إلى رئتيه، وهو يقول بصوت أكثر لينًا:
"اعقلي يا بت الناس وارمي السلاح اللي في يدك ده".
حركت رأسها له سلبًا، وانفجرت باكية بنوبة بكاء حادة، وقد بدأت تفقد سيطرتها على غضبها وحتى أعصابها، وتحدثت بتقطع من بين شهقاتها قائلة:
"مش هتهملني وتروحلها يا عبد الجبار.. مش هفرط فيك مرة تانية يا خوي.. إني كنت غلطانة لما طلبتها لك بيدي اللي تستاهل قطعها دي".
أنهت جملتها وضغطت أكثر على السكين لينهمر الدماء من جرحها بغزارة أكبر أمام أعين زوجها المذعورة.
"بكفايكِ يا خضرا.. أنتي مراتي وسلسبيل كمان مراتي وإني مهظلمش واحدة منّكم لو على رقبتي.. فاستهدي بالله يا غالية وارمي اللي في يدك ده وهمليني أروح أشوف الجدع المجنون اللي عايز يتهجم على الدار ويقابل مراتي في غيابي".
قالها بصوت جوهري هز أركان المنزل لكن به نبرة متوسلة.
"على جتتي المرادي أسيبك تروحلها يا أخوي".
نطقت بها بإصرار ونبرة جادة لا تسمح بالجدال، جعلته اصطك على أسنانه بقوة كاد أن يهشمها، ودار حول نفسه ممسكًا جبهته بكف يده وقد بدأت أعصابه تنهار هو الآخر حين تخيل وصول المدعو "جابر" لزوجته.
"سلسبيل".
بدى عليها الرعب، الفرحة، الصدمة، الدهشة، الذهول، والكثير من المشاعر المختلطة حين وصل لسمعها تلك الجملة:
"أنا جابر يا سلسبيل".
"جابر!!!"
نطقت بها بداخلها، دون أن تحرك لسانها أو حتى شفتيها.
هذا الاسم الذي أجبرها والدها على عدم ذكره نهائيًا، وإلا سينحر عنقها.
دمعة حارقة هبطت من عينيها حين داهمتها ذكرى أبشع ليلة بعمرها.
فلاش باااااااااااك.
مثل كل صباح تسير بجواره ممسكة كف يدها الصغيرة داخل راحة يده، بطريقهما لمدرستها التي يوصلها لها بنفسه يوميًا دون كلل أو ملل.
"ماما هتخف أمتي عشان أشوفها بقي.. واحشتني أوي يا جابر".
أردفت بها الصغيرة "سلسبيل" صاحبة السبع سنوات.
تنهد "جابر" بحزن يحاول إخفاءه عنها، وأجابها بابتسامة دافئة قائلًا:
"قريب.. هتخف قريب يا حبيبتي".
مال عليها وحملها على يده، غمر وجنتها الممتلئة بقبلة عميقة مدمدمًا:
"اممم.. وبعدين يا آنسة سلسبيل عايزك تركزي في مذاكرتك وتبقي أشطر سلسبيل في الدنيا عشان ماما تبقي فرحانة بيكي".
"وأنت كمان يا جابر هتفرح بيا وتجبلي عروسة ولعب وحاجات حلوة".
قالتها بفرحة طفولية وهي تصفق بحماس بكلتا يدها.
ضمها لصدره مقبلًا جبهتها بحب مغمغمًا:
"طبعًا فرحان بيكي يا عيون جابر.. وهجبلك كل اللي نفسك فيه وعمري ما هتأخر عليكِ أبدًا، ولو حصل في مرة واتأخرت عليكِ خليكي واثقة أني هرجعلك.. هرجعلك ومش هسيبك أبدًا".
ختم حديثه بقبلة أخرى على خدها الناعم، وأنزلها أمام باب مدرستها، ركضت هي للداخل مسرعة ووقفت ثانية واستدارت تبحث عنه، كان مازال واقفًا يتابعها بلهفة وابتسامته تزين محياه الحزينة.
لوحت له بكفها، وابتسامتها البريئة التي رآها للمرة الأخيرة، وظل مكانه حتى تأكد من وصولها لفصلها، وانصرف على أمل العودة لها في موعد خروجها.
كان "قناوي" يقف على مسافة كافية يتابعهما بأعين كأعين الصقر مشتعلة بالغضب، انتظر حتى تأكد من ذهاب "جابر" واندفع تجاه المدرسة بسيارة مملوءة بالرجال جميعهم مسلحون.
أخذ جولة ليست كبيرة داخل المدرسة وخرج منها ساحبًا خلفه ابنته التي تبكي وتصرخ مرددة بذعر:
"أنا عايزة جابر".
حملها من حقيبتها الصغيرة الموضوعة على ظهرها، ودفعها لداخل السيارة قبل أن يجذب الحقيبة منها بعنف، وألقاها بمنتصف الطريق أمام أعين ابنته التي تنظر لحقيبتها بحسرة وتبكي بحرقة:
"شنطتي فيها كتبي.. يا جابر تعال وديني لماما".
قبض والدها على عنقها بعدما صعد بجوارها، وانطلقت السيارة بهما نحو الصعيد، جذبها عليه حتى أصبح وجهه ذو الملامح المخفية مقابل وجهها الملائكي وتحدث بصوت كفحيح الأفاعي قائلًا:
"من انهارده مافيش لا مدرسة، ولا جابر ولا حتى أمك".
اجهشت الصغيرة ببكاء مرير، وبتوسل همست بصوت مرتجف من شدة فزعها:
"ونبي يا عمو وديني عند جابر عشان ياخدني عند ماما".
"عمو!!!"
صفعها بكف يده على وجهها بقسوة مكملًا:
"بتقولي لأبوكي عمو!!!.. وجابر إيه اللي رايداه ياخدك لأمك.. أمك خدها ربنا.. عقبال ما ياخدك أنتي كمان ويبقى جبر واحد لم العفش كله".
زادت صرخات الصغيرة تنادي على والدتها وجابر دون توقف:
"اكتمي يا بت.. اكتمي لأخلص عليكِ بيدي".
قالها وهو يهبط بكفه على وجنتيها بصفعات متتالية، وجذب شعرها بقبضة يده كاد أن يقتلعه من جذوره مكملًا بوعيد:
"لو سمعتك بتنطقي اسم جابر ده مرة تانية هقطع لسانك وبعد أكده هدبحك وأفصل رأسك عن جتتك.. فاهمني زين ولا أقطعلك لسانك دلوقت".
قال الأخيرة وهو يخرج سلاحًا أبيض من جيب جلبابه وفتحه أمام عينيها المذعورة التي تنهمر منها العبرات، بهمس مرتعد قالت:
"فـ فاهمة".
"مش هنطق اسمه ثاني أبدًا."
بينما جابر قد أتاه اتصال من المدرسة أخبروه بما حدث لملاكه الصغير، أخذ الطريق بأكمله راكضًا، ولكنه قد وصل بعد فوات الأوان. فور وصوله لمح حقيبتها التي ابتاعها لها خصيصًا ملقاة على الطريق أمام مدرستها.
وكأن روحه غادرت جسده، سقط على ركبتيه أرضًا بجوار حقيبتها، ومد يده المرتعشة أمسكها وانتصب واقفًا، وبدأ يبحث عنها ويركض هنا وهناك وهو يصرخ باسمها بقلب ملتاع كُتب عليه الفراق.
نهاية الفلاش باك.
فاقت من شرودها على صوت جابر الذي ينادي عليها بصوت متلهف، يملؤه الوجع. مسحت عبراتها التي أغرقت وجهها ودارت بعينيها بأرجاء الغرفة تبحث عن شيء ترتديه فوق روبها الحرير.
"أوعى تقولي إنك هتخرجي تقابليه يا بنتي!"
قالتها عفاف وهي تلحق بها نحو غرفة الثياب.
"أيوه هخرجله، ده يبقى ابن خالتي."
أردفت بها سلسبيل وهي تبحث بتوتر بين أغراضها الكثيرة جدًا.
"لا يا بنتي، اسمحيلي أعتبرك زي بنتي وخليني أنصحك لوجه الله. اللي هتعمليه ده غلط وما يصحش."
نطقت بها عفاف بتعقل، وصمتت لثوانٍ وتابعت بهدوء:
"ما يصحش تقابلي راجل في بيتك وجوزك مش موجود حتى لو الراجل ده ابن خالتك."
تنهدت سلسبيل بصوت اختنق بالبكاء قائلة:
"أمال أسيبه يضرب في رجالة عبد الجبار وهما يضربوا فيه لحد ما واحد منهم يتعور؟"
"يا بنتي افهمي جوزك أكيد عنده علم بوجود ابن خالتك ده، وهو اللي أمرهم يمنعوه يدخل البيت، وبصراحة حقه من لهفة الشاب ده عليكي."
أطبقت سلسبيل جفنيها تكبح عبراتها من الهبوط ثانية، وبقلة حيلة قالت:
"طيب قوليلي أعمل إيه أنا دلوقتي! وفين عبد الجبار."
أثناء حديثها، صدح صوت رنين هاتف عفاف.
"ده عبد الجبار بيه."
قالتها وهي تضغط زر الفتح ليأتيها صوته في الحال قائلًا بصوت يظهر عليه الخوف والقلق:
"عفاف، خدي سلسبيل واخرجي بيها من الباب السري دلوقت. في عربية مستنياكم قدام البوابة اركبوا فيها. سمعتي زين اللي قلته!"
"سمعته وهنفذه دلوقتي حالًا يا عبد الجبار بيه."
عبد الجبار بلهفة:
"اعطي التليفون لسلسبيل."
مدت يدها لها بالهاتف، فأخذته منها بأصابع مرتجفة، وهمست بصوتها الباكي قائلة:
"عبد الجبار، أنت فين، سبتني لوحدي ليه."
"هش، اهدي يا بت جلبي. أني جارك
ما أسيبكيش واصل. بس اسمعي كلام عفاف، واعملي اللي هتقولك عليه، وأني أقل من ساعة هكون وياكي."
أنهى جملته، وألقى الهاتف من يده بعدما سمع صوت عفاف التي أعطتها سلسبيل الهاتف، تقول بعملية:
"أنا هخرجها من البيت وهفضل معاها أطمن سيادتك."
"دكتور بسرعه!"
صاح بها عبد الجبار الذي وصل للتو إلى استقبال المستشفى بسيارته، وهو يحمل خضرا الفاقدة للوعي على يده، ودلف بها لداخل غرفة الكشف تاركًا بكل خطوة يخطوها آثار لدمائها النازفة من معصم يدها المقطوع.
رواية جبر السلسبيل الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نسمة مالك
جابر ترك عنق حسان على مضض بعد عراك دام لوقت ليس بقليل، استطاع خلاله التغلب على رجال عبدالجبار بسبب مهاراته العالية في ألعاب القوة. كان كالثور الهائج لم يقدر عليه أي أحد منهم، يود الوصول لها سلسبيل مهما كلفه الأمر. هي هدفه ومقصده، وأمنية حياته أن تتقابل أعينهما ثانية، ويلقى حتفه حتى بعدها لا يمانع أبدًا وقتها.
يا ولد العم أدخل فتش عنها جوه الدار بنفسك.
قالها حسان وهو يلهث بعنف كمحاولة منه لالتقاط أنفاسه التي كادت أن تنقطع على يد ذلك الغاضب الذي رمقه بنظرة متعجبة حين رآه يبتعد من أمامه ليفتح له طريق نحو باب المنزل الداخلي.
حينها تيقن جابر أن سلسبيل تركت المنزل بأكمله، وغادرت الآن من باب آخر، ابتسم له ابتسامة زائفة وهو يحرك رأسه له إيجابًا، ويتحرك بخطى مسرعة تجاه سيارته مرددًا بوعيد:
هرجعلك يا حسان، وبلغ اللي مشغلك إني مش هسيبه وهوصله.
أنهى جملته، وانفجر هدير محرك سيارته ليتطاير الغبار من حولها عاكسًا غضبه عليها. قاد بأقصى سرعة ممكنة حتى أصبح بالجهة الأخرى للمنزل، دار بعينيه بالطريق يبحث عنها وهو لم يرها منذ أن كانت طفلة بالسابعة من عمرها. كيف أصبح شكلها حاليًا وقد أوشكت على إتمام العشرين عامًا؟
أنتِ فين يا سلسبيل؟ كفاية فراق لحد كده يا حبيبتي.
همس بها محدثًا نفسه بقلب ملتاع أهلكه البعاد، لا يهم بالنسبة له الآن كيف سيتعرف عليها، يثق أن قلبه سيقوده إليها بالتأكيد.
كانت سلسبيل تسير برفقة عفاف نحو السيارة التي تنتظرهما على جانب الطريق فور خروجهما من المنزل، هرول السائق بفتح الباب لها، كادت أن ترفع إحدى قدميها لتدلف داخل السيارة وإذا فجأة يوقفها صوت متلهف صرخ باسمها بصوته الحارق والرياح تصفر من حوله:
سلسبيل...
تسمرت سلسبيل مكانها، وأطبقت عينيها، بينما اشتعلت عيناه خلفها حتى أصبحت جمرتين من اللهب. هل ما يعيشه حقيقي؟ هي أمامه بالفعل أم أنه يتوهم وجودها؟
فتحت عينيها ببطء دون أن تستدير، بينما نظراته النارية تلفح ظهرها، فهمست بصوت لا يسمع:
جابر...
لا تعلم كيف سمع همستها حينها انبعث صوته الخافت المزلزل من خلفها، صوت قد أصبح أجش عن ذي قبل إلا أنه ما زال يرفض النسيان، لا يقبله بتاتًا.
أيوة جابر يا سلسبيل.
أردف بها، وهو يقترب منها حتى أصبح خلفها مباشرة.
ابتلعت غصة مؤلمة بحلقها وهي تستدير ببطء بدا له وكأنه أعوام بل دهور فوق سنوات بعدها عنه، قبل أن تستقر أمامه مخفضة الوجه. تسارعت نبضات قلبه، وحبس أنفاسه وهو يتطلع لها بعينيه المتلهفة، وصدره ينتفض بعنف.
رفعت وجهها المحمر أخيرًا ثم عينيها فالتقتا بعينيه حينها تزلزل كيانه كله دفعة واحدة. هي صغيرته سلسبيل بعينيها الواسعتين الآسرتين، وملامحها الفاتنة البريئة التي زادت جمالًا فوق جمالها بعدما أصبحت أنثى مكتملة الأنوثة.
أما هو فلم يعد ذلك المراهق ذات السابعة عشر عامًا كما تركته، لقد ازداد طولًا كثيرًا حتى أصبح ضعف قامتها القصيرة بمرتين أو ربما ثلاث، مفتول العضلات بهيئة مخيفة بعض الشيء خاصة بظهور عروقه البارزة من شدة انفعالاته المتضاربة وغضبه العارم.
طال بهما الصمت وكأنه يتذوق تلك النظرة بعد سنوات طويلة، الجمرتان المشتعلتان بعينيه اشتعلتا الآن كحمم بركانية ما أن التقتا عينيها. نظراته لها تغيرت كليًا، أصبحت نظرة عاشق تملك منه الاشتياق حد الجنون، يتلهف لعناقها كما كانت تفعل معه كلما لمحت طيفه من بعيد، تركض تجاهه مسرعة وترتمي داخل صدره وتعانقه بفرحة غامرة، ليبادلها هو العناق بكل ما أوتي من قوة، ولكن دوام الحال من المحال.
فنظرتها له الآن قطعت نياط قلبه على حين غرة، عينيها بها حزن دفين، ترمقه بنظرات عاتبة، تخبره بها أنه قتل شيئًا غاليًا بداخلها حين تركها لوالدها يعذبها كل هذه السنوات!
قتل شغفها تجاهه، لهفتها في التحدث إليه، أمنيتها في اللقاء به، رجائها في وصله، قتل كل إحساس صادق كان له وحده، لا تنكر أنه ما زال يسكنها، ولكن حضوره أصبح بقلبها باهتًا ولم تعد تنتظره.
يله يا سلسبيل يا بنتي اركبي وقفتنا دي كده غلط، عبدالجبار بيه عمال يرن عليا عشان يتأكد أننا ركبنا.
كان هذا صوت عفاف قطعت الصمت، وأفاقته على واقع مرير قد تنساه لثوانٍ معدودة. لقد حُرم عليه معانقتها الآن، لم تعد صغيرته، ولا يملك أي سلطة عليها، فهي على ذمة رجل غيره.
تكلفت سلسبيل الابتسامة وتحدثت بجمود أدهش جابر قائلة:
أعذرني أنا مش هقدر أقف مع حضرتك أكثر من كده، ولا حتى هقدر أقولك اتفضل لأن جوزي مش موجود.
تفهم حديثها جيدًا، وقد ظن أنها تخشى من بطش زوجها، فتحدث هو بتنهيدة حزينة قائلًا:
سلسبيل أنا رجعت عشانك، ودورت عليكي في الصعيد لحد ما وصلت لوالدك وعرفت منه أنه جوزك بالغصب مرتين، ومش عايزك تخافي من أي حد ولا أي حاجة بعد كده. أنا معاكي وفي ضهرك، ومش أنا بس لأ، ده جدك والد مامتك، وخالتك كمان كلنا قلقانين عليكي وهيتجننوا ويشوفوكي.
جدي وخالتي!
همست بها بداخلها بغصة يملؤها الأسى، والكثير من الأسئلة تدور بذهنها تمنت لو تحصل على إجابتها منه، لكنها فضلت الصمت في الوقت الحالي منعًا للمشاكل التي ممكن يفعلها زوجها فور علمه بحديثها معه دون علمه وإرادته، فأمسكت يد عفاف جذبتها تجاه المنزل مرة أخرى وهي تقول ببعض الحدة تخفي خلفها ضعفها ورغبتها في البكاء:
اللي عايز يشوفني هاته معاك المرة الجاية أنت عرفت البيت بس يكون عبدالجبار هنا، وقولهم ما يقلقوش عليا خالص أنا عايشة مع جوزي برضايا مش غصب عني زي ما أبويا فهمك. عن إذنك.
تركته وعادت لداخل المنزل غالقة الباب خلفها، تركته يحملق في أثرها مذهولًا من معاملتها الجافة معه، ماذا كان ينتظر من امرأة متزوجة مثلها؟ صفعته الحقيقة وفاجئه واقعه المرير رغم علمه أن معاها كل الحق فما مرت به بعد فراقها عنه ليس أبدًا بهين.
بقي مكانه بعض الوقت إلى أن صدح صوت هاتفه برقم أصدقائه الذين تمكنوا من خطف الطبيب المعالج لمعذبته. ضغط زر الفتح على الفور مغمغمًا:
إيه الأخبار!
أنت فين يا جابر إحنا وصلنا الجيم من بدري والواد الدكتور ده مش عايز ينطق بحرف واحد مع إننا عملنا معاه الصح.
عاد جابر لسيارته، وأدار المحرك ثانية، وعينيه ما زالت على الباب الذي دلفت منه سلسبيل، وبنبرة هادئة لا تخفي غضبه المشحون تحدث:
سيبوه، أنا جي له.
انطلق بسيارته تاركًا قلبه بحوزاتها كعادته، وقد علم أن طريقه إليها أصبح أكثر تعقيدًا بوجود هذا المدعو بـ "عبدالجبار"، ومع كل ما مر به إلا أن هناك ابتسامة انبلجت على محياه الجذابة لأنه أخيرًا رآها وتأملها ولو حتى دقائق معدودة هدأت ضجيج قلبه قليلًا.
........................... صلِّ على محمد.........
عبدالجبار
أطلق أنفاسه المحبوسة في رئتيه عندما أخبره الطبيب أنهم استطاعوا إنقاذ زوجته خضرا بعدما تبرع لها بدمائه لإنقاذ حياتها التي كادت أن تخسرها بسبب غضبها، وغيرتها المتهورة التي أفقدتها كل ذرة تعقل بها ودفعتها للانتحار.
مش عايزك تقلق يا عبدالجبار بيه، وأطمن سيادتك المدام كويسة.
قالها الطبيب وهو يعطي لخضرا علاجها عبر الإبرة الطبية المعلقة بيدها.
ولما هي زينة ما فقتش لحد دلوقت ليه؟
أردف بها عبدالجبار الجالس على مقعد بجوار سريرها، وممسك يدها الأخرى بين كفيه، يتحسس نبضاتها بقلق بائن بوضوح على ملامحه المجهدة.
أجابه الطبيب بعملية قائلًا:
العلاج فيه مهدئات ومسكنات هتنيّمها لحد الصبح.
طبع عبدالجبار قبلة عميقة على رأس زوجته الغارقة في النوم قبل أن ينتصب واقفًا، ويغادر الغرفة برفقة الطبيب غالقًا الباب خلفه، وتحدث بأمر قائلًا وهو يهرول مسرعًا بخطوات شبه راكضة نحو الخارج:
عاوز اثنين حريم يفضلوا معاها لحد ما أعاود، ولو في أي حاجة جدت اتصل بيا هاجيك طوالي.
كان يتحدث والهاتف على أذنه يعاود الاتصال بعفاف للمرة التي لا يعلم عددها. قفز داخل سيارته، أشعل المحرك وهم بقيادتها إلا أنه أطفأ المحرك ثانية حين وصل لسمعه صوت زوجته سلسبيل تتحدث باستحياء، وبصوت اختنق بالبكاء قائلة:
عبدالجبار، أنا رجعت البيت تاني ما ركبتش العربية، وأطمن ابن خالتي مشي خلاص.
أنتِ زينة؟
تأوهت بخفوت وهي ترد بهمس متألم:
لا، مش كويسة، محتاجلك، تعالي أنا مستنياك يا عبدالجبار، تعالي عشان خاطري.
اصطك على أسنانه بعنف كاد أن يهشمها، وأطلق زفرة نزقة من صدره وهو يقول بلهفة:
أنتِ خابرة زين إن خاطرك غالي عندي يا بت قلبي، بس عندي شغل مهم لازم يخلص، عشان أكده بعتلك السواق بالعربية لأجل ما يجيبك عندي رايدك تبقي جاري يا سلسبيل.
دمدمت سلسبيل بخجل قائلة:
اممم، يعني الشغل ده مش ممكن يتأجل يوم واحد كمان، أنا ما لحقتش أشبع منك ولا من هوى إسكندرية ولا قعدت قدام البحر معاك، ولا حتى اتفرجت على البيت اللي قلت عليه أنه بيتي!
صمتت لبرهة وتابعت بحسرة:
وبعدين مش أنا طلع عندي خالة وجدي كمان لسه عايش وشكل ابن خالتي راح يجيبهم من المنصورة ويجي علشان يشوفوني زي ما قالي.
أنتِ اتحدتّي وياه؟
صاح بها بحدة، لتجيبه هي بضحكة خافتة حين استشعرت غيرته عليها وكم راقتها كثيرًا.
"تعالي وأنا أحكيلك اللي حصل، وبصراحة أنا عايزة أقابلهم يا عبد الجبار بالذات جدي، عندي أسئلة كتير ما فيش حد يقدر يجاوب عليها غيره هو، بس عايزاك تكون جنبي ومعايا.. مش عايزة أقابلهم لوحدي."
قالت الأخيرة بصوت تحشرج بالبكاء، بكاءها كان بمثابة قبضة اعتصرت قلبه، واشتعلت نيران غيرته حين تخيل عودة ابن خالتها هذا برفقة عائلتها، لا، لن يتركها بمفردها معاهم.
"جايلك.. جايلك يا سلسبيل."
"جابر."
صب جم غضبه، وغيظه، ويأسه على الطبيب المعالج لـ "سلسبيل"، الذي يتطلع له بأعين زائغة تدل على شدة فزعه، وارتعاد قلبه من هيئته المتوحشة، تأكد أنه سيلقي مصرعه الآن على يد ذلك الغاضب لا محالة.
تقطعت أنفاسه، وشهق بقوة حين سكب على رأسه زجاجة كاملة من البنزين وهو يصيح بوعيد.
"هولع فيك لو منطقتش!"
"هنطق.. هقول.. هتكلم.. بس أبوس رجلك أطفي الولاعة دي."
صرخ بها برعب دب في جميع أوصاله، وصمت لبرهة وتابع قائلًا بصوت مرتجف:
"أول ما مدام سلسبيل دخلت المستشفى كانت حالتها خطيرة جدًا، نفسيًا وعضويًا، وواضح أنها اتعرضت لعنف وضرب مبرح وحروق في كل جسمها تقريبًا."
كان يستمع له بقلب يعتصر ألمًا، يبكي دمًا على حال صغيرته وما حدث لها.
ابتلع الآخر لعابه بصعوبة بالغة مكملًا:
"جت لي مدام خضرا مرات عبد الجبار بيه وقالت لي: أنا عايزاك تعرف لي البنت دي هتقدر تحمل وتخلف ولا لأ. أنا استغربت من سؤالها ده وقولت لها هرد عليكي لما أعمل لها كل الفحوصات اللازمة. وبعد ما مشيت بلغت عبد الجبار بيه بكلامها ده بنفسي بدل ما يعرف من بره ويعمل لي مشكلة خصوصًا أنه عنده عيون كتير في كل حتة. أول ما قولت له كده لقيته بيقول لي بلغها أنها ولا تقدر على العلاقة الزوجية كمان."
عقد حاجبيه بتعجب، وتحدث بتساؤل قائلًا:
"بمعنى؟"
صمت الآخر للحظة، ومن ثم قال بأسف:
"طلب مني أبلغ مراته إن سلسبيل هانم ما تقدرش على الحمل والولادة ولا حتى العلاقة الزوجية!"
رواية جبر السلسبيل الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نسمة مالك
بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..
"عبد الجبار"..
قضى النهار بأكمله داخل المستشفى برفقة "خضرا"، لم يذهب إلا بعدما اطمئن أن حالتها الصحية أصبحت مستقرة، وأخبره الطبيب أنها تحت تأثير العلاج والمسكنات ولن تفيق قبل الصباح.
تركها وذهب على أمل العودة لها ثانية بأسرع وقت ممكن، قاد سيارته باتجاه منزله ليطمئن على ابنتيه ووالدته قبل أن يسافر الإسكندرية لزوجته، كان التعب والإجهاد ظاهرًا على محياه بوضوح خاصةً أنه لم يرَ النوم منذ ليلة أمس.
صف سيارته داخل حديقة منزله، وهبط منها مهرولًا حين وصل لأذنه صوت بكاء الصغيرتين..
"فاطمة.. حياة"..
نطق باسمهما بلهفة فور دلوفه من باب المنزل.
"أبوي"..
صرختا بها وهما يركضان نحوه، ليستقبلهما هو داخل حضنه بعناق قوي غمرهما بالحماية والأمان.
"أمه فين.. ما جتش وياك ليه.. أمه جرالها إيه يا أبوي؟"
"بكفاياكم بكى عاد.. أمكم زينة يا بتي".
قالها وهو يزيل عبراتهما المنهمرة بأنامله، ولثم وجنتيهما بقبلاته الحانية مكملًا:
"وإني هجيبها لكم الصبح".
"اممم يعني لحقوها يا عبد الجبار؟!"
دمدمت بها "بخيتة" التي أقبلت عليه هي الأخرى ووقفت بجواره تطلع له بنظرة متفحصة، وقلب يتمنى أن تكون "خضرا" فارقت الحياة وحلت عن سماء وحيدها.
تنهد "عبد الجبار" براحة وهو يجيب على سؤالها:
"الحمد لله يا أمه".
"طيب ما جتش وياك ليه.. هاتها دلوقت يا أبوي وإني وحياة هنبقى حواليها وهناخد بالنا منها".
غمغمت بها "فاطمة" بتقطع من بين شهقاتها، كان الخوف ظاهرًا على ملامح الصغيرتين، فما فعلته والدتهما خطأ فادح بحق ربها، ونفسها، وبحق ابنتيها.
تنقل "عبد الجبار" بعينيه بين ابنتيه، يتأملهما بنظراته التي تبث الطمأنينة بقلوبهما الصغيرة المرتعدة، وتحدث بهدوء قائلًا:
"حاضر.. من عنيا هجيب لكم أمكم بس أطمن عليكم الأول، وأعشيكم وهروح لها لو لقيتها خلصت علاجها هجيبها وأجي لكم طوالي".
سارت "بخيتة" مستندة على عكازها تجاه غرفة المكتب، ومدت يدها وفتحت الباب مردفة قبل أن تخطو للداخل:
"الأكل جاهز على السفرة إني عملته لكم بيدي يا ولدي.. كل وكل البنات وتعالى رايدة أتحدت وياك هبابة".
حرك رأسه لها بالإيجاب، وسار برفقة ابنتيه تجاه مائدة الطعام، أجلسهما وجلس بجوارهما، وبدأ يطعمهما بيده لم يتركهما حتى أنهيا طعامهما، وصعد معهما لغرفتهما وظل برفقتهما حتى غلبهما النعاس داخل حضنه. دثرهما جيدًا بالغطاء، وقبلهما بحب شديد قبل أن ينتصب واقفًا ويغادر الغرفة غالقًا الباب خلفه بحرص.
توجه لغرفته، واختفى داخل الحمام لدقائق، وخرج مهرولًا نحو ثيابه، ارتدى جلبابه الصعيدي الذي يزيده هيبة ووقار، ويظهر طول قامته المهيب، وضخامة بنيته الرياضية بهيئة تخطف الأنفاس. أخذ متعلقاته الشخصية بعدما انتهى من تمشيط خصلات شعره الكثيفة، ونثر عطره الخاص بغزارة، وغادر الغرفة بخطى واسعة.
"عبد الجبار!!! قلت لك رايدة أتحدت وياك".
نطقت بها "بخيتة" أوقفته قبل أن يعبر باب المنزل الداخلي.
"هجيب سلسبيل، ولما أعود نتحدت يا أمه".
قالها وهو يتابع سيره للخارج، لتسرع "بخيتة" خلفه صائحة بغضب:
"خليك مع عروستك وبكفاياك أكده يا ولدي.. أنت غلطت لما أهملتها وجيت بعد ما دخلت عليها.. الأصول تبقى وياها أقل واجب أسبوع.. ما فيش واحد يهمل مراته ليلة دخلتهم ويروح لمراته الثانية.. أنت قويت شوكة خضرا بعملتك دي.. عطتها حق فوق حقها خلتها اتفرعنت وعملت عملتها المهببة دي لأجل ما تلوي ذراعك وتربطك جارها من غير ولد ولا سند ليك وللبنات الصغار".
"بناتي يا أمه ما يهمنيش في الكون كله دلوقت إلا هما.. بكفايا الخوف والرعب اللي عاشوا فيه النهاردة.. ولخاطرهم هجيب سلسبيل وأعود لأجل ما أكون جارهم".
صمت لبرهة، وتابع وهو يفتح باب سيارته، وجلس خلف المقود:
"وجار أمهم.. ده حقها عليا في تعبها يا أم عبد الجبار".
قالت "بخيتة" بغضب عارم:
"أنت عطيها فوق حقها الطاق عشرة لحد ما طمعت والطمع عمى عينيها ورايدة تاكل حقك وحق سلسبيل مراتك كمان.. احذر منها يا ولدي".
أنهت حديثها، وتركته وعادت للداخل، بينما هو هم بقيادة السيارة لكن صوت هاتفه الذي صدح مرات متتالية معلنًا عن وصول أكثر من رسالة بوقت واحد، جعله يسرع بفتحه وقد زحف القلق لقلبه حين رأى اسم الطبيب المعالج لزوجته "سلسبيل".
ظهر الغضب على قسمات وجهه حين استمع لمحتوى الرسالة الصوتية المرسلة له برفقة مجموعة من الصور للطبيب يظهر بها الضرب المبرح الذي تعرض له على يد جابر.
"عبد الجبار بيه في واحد اسمه جابر خطفني وبهدلني ضرب هو وأصحابه لدرجة أنه كان هيولع فيا وما سابنيش إلا لما قلت له على الاتفاق اللي بيني وبين سيادتك.. أرجوك تعذرني وتسامحني ما كنتش أقصد أخون ثقة سيادتك فيا بس هو مجنون وكان هيقتلني يا باشا".
صك "عبد الجبار" على أسنانه، وتمنى لو كان "جابر" أمامه في هذه اللحظة، أقسم بداخله أنه لن يتركه إلا بعدما يلقنه درسًا لن ينساه طيلة عمره.
أيقن الآن أن خصيمه لا يُستهان به، خاصةً بعد علمه باتفاقه اللعين هذا، بالتأكيد سيكون أول شيء سيخبر به "سلسبيل" فور رؤيتها حتى يؤثر على علاقتها به.
أخذ نفسًا عميقًا، وزفره على مهل، وقاد سيارته بأقصى سرعة ممكنة عاكسًا غضبه عليها، محدثًا نفسه بتعقل وهدوء عكس تعابير وجهه الغضوب:
"هصارحك بالحقيقة بنفسي يا سلسبيل".
ارتجف قلبه بقوة بين ضلوعه وهو يتخيل رد فعلها بعد معرفتها بأنها ليست مريضة، وكل ما حدث لها كان مجرد اتفاق أحمق حتى يجعل زوجته الأولى تطلب يدها له بنفسها، ويتم زواجه منها غرضه ومقصده الذي سعى لتحقيقه دون التفكير في عواقبه.
سبحان الله وبحمده.
"سلسبيل"..
جهزت أصنافًا متعددة من أشهى المأكولات والطواجن الصعيدية الشهيرة بكميات كبيرة، والكثير من الحلويات الشرقية بمختلف أنواعها، حتى أنها خبزت الخبز بيدها بمهارة طاهية محترفة أمام أعين جميع العاملين بالمنزل الذين يتطلعون لها بذهول وانبهار في آن واحد لسرعتها الشديدة وخفة يدها، وقد سال لعابهم من رائحة الطعام الذكية.
"ما شاء الله عليكي يا بنتي.. مين علمك الطبيخ الحلو ده يا سلسبيل هانم؟!"
أردفت بها "عفاف" الواقفة بجوارها تتابع ما تفعله بأعين مندهشة.
ابتسمت لها "سلسبيل" وهي تقول بود:
"سلسبيل بس يا دادة عفاف.. أنتي لسه كنت بتقولي لي إني زي بنتك".
بادلتها "عفاف" الابتسامة، وربتت على ظهرها بحنو مرددة:
"ربنا يحميكي لشبابك يا سلسبيل".
تنهدت "سلسبيل" وقد ظهرت بعينيها لمحة حزن وهي تقول:
"مرات أبويا وحماتي هما اللي علموني الطبيخ.. أصلي كنت شايلة بيت أبويا من كل شيء قبل ما أتجوز، ولما أتجوزت شلت البيت عند حماتي".
رأت "عفاف" العبرات التي ترقرقت بعينيها، وملامحها المتألمة التي تعكس مدى الوجع الموجود بأعماق قلبها حين داهمتها ذكرى ما مرت به من ذل وإهانة تذوقتهما على يد كل من والدها وزوجته، ومن بعدهما زوجها السابق ووالدته، حاوطت كتفيها وضمتها لها بحنان أم فقدته "سلسبيل" منذ نعومة أظافرها.
"طيب يلا يا بنتي سيبي اللي في يدك وكفايا عليكي كده والبنات في المطبخ هيطلعوا الأكل اللي في الفرن لما يستوي واطلعي أنتي على أوضتك أنا حضرت لك الحمام عشان تجهزي قبل ما جوزك يجي".
نظرت لها "سلسبيل" بعدم فهم، تسألها بعينيها كيف تتجهز لزوجها؟! رغم أنها ظلت على ذمة رجل خمسة سنوات كاملة إلا أنه لم يُتح لها فرصة لتتجمل له ولا مرة واحدة طول فترة زواجها فوجهها كان دومًا به صفعات ولكمات دامية تاركة بقع زرقاء وحمراء وشفتاها لم تشفَ جرحهما إلا بعد موت زوجها وبعدها عن والدها.
تفهمت "عفاف" نظرتها جيدًا، فسارت معها تجاه الدرج المؤدي لغرفتها وهي تقول بحنو:
"لو تحبي أساعدك وأجهزك بنفسي أنا تحت أمرك".
"يا ريت يا دادة عفاف أنا مش عارفة المفروض ألبس إيه ولا أعمل شعري وأتزوق إزاي".
همست بها "سلسبيل" باستحياء لا يخلو من اللهفة، تريد أن تظهر جمالها لزوجها الذي هو بالأساس يراها أجمل نساء العالم بنظره، حتى في أسوأ حالاتها كان يتطلع لها بافتنان يخبرها بنظراته المتيمة أنها امرأته الفاتنة التي غزت مشاعره بعشقها وانتصرت في امتلاك قلبه.
قضت "عفاف" وقتًا ليس بقليل في تجهيزها، كانت تعاملها بحنان مفرط وقد اعتصر قلبها عليها بعدما رأت آثار الضرب والحروق على جسدها الهزيل، لم تستطع كبح عبراتها التي انهمرت من عينيها رغمًا عنها.
ضمتها لصدرها بعناق دافئ، ويدها تربت على ظهرها برفق وهي تقول:
"يا حبيبتي يا بنتي.. مين عديم الرحمة اللي قدر يعمل فيكي كده".
"اللي في جسمي ده من أقرب الناس ليا اللي المفروض يكونوا حمايتي وأماني هما اللي بهدلوني وعذبوني لحد ما كنت هموت في أيديهم أكثر من مرة وربنا نجاني وكتب لي عمر جديد".
رفعت يدها وأزالت دموع "عفاف" وتابعت بابتسامة تخفي خلفها ألمها ووجعها:
"ما تعيطيش يا دادة عفاف كل اللي حصل لي ده بقى ماضي بحاول أنساه.. مش عايزة أفتكر أي حاجة غير إني دلوقتي بقيت مرات عبد الجبار المنياوي اللي بيحاول يعوضني عن كل اللي شوفته في حياتي قبله، وقال لي إن ما حدش يقدر يلمس مني شعرة واحدة بعد كده".
"ربنا يهدي سرك ويفرح قلبك يا سلسبيل يا بنتي".
غمغمت بها "عفاف" وهي تجفف لها شعرها بعدما انتهت من تجهيزها بداية منبت شعرها حتى أصابع قدميها، كما لو كانت عروس بليلة زفافها.
ساعدتها على ارتداء فستان رقيق من اللون الأزرق به نقوش هادئة من اللون الكافيه يظهر قوامها الممشوق، حذاء رقيق ذو كعب عالٍ من نفس لون الفستان، مشطت لها شعرها وتركته منسدلًا على ظهرها بنعومة، ووضعت لها مكياجًا جريئًا إلى حدٍ ما ظهر جمال عينيها الواسعتين، وشفتاها المزمومة بهيئة مثيرة.
تطلعت "سلسبيل" لانعكاس صورتها بالمرآة بأعين منبهرة وفرحة غامرة تعيشها لأول مرة وهي ترى نفسها قد أصبحت أنثى كاملة الأنوثة كما ينبغي أن تكون.
شهقت بسعادة بالغة حين استمعت صوت بوق سيارة زوجها معلنة عن وصوله، ركضت نحو النافذة تطل منها بلهفة، رفرف قلبها بين ضلوعها حين رأته يهبط من السيارة بعدما قام "حسان" بفتح بابها له.
"أنا هروح أقول للبنات في المطبخ يجهزوا العشا.. عايزة مني حاجة تانية يا سلسبيل يا بنتي".
أردفت بها "عفاف" وهي تسير لخارج الغرفة، لتلحق بها "سلسبيل" راكضة وتعانقها بقوة مغمغمة بامتنان:
"مش عارفة أشكرك إزاي يا دادة.. أنا تعبتك معايا أوي النهاردة".
بادلتها "عفاف" العناق قبل أن تغادر الغرفة غالية الباب خلفها، وقفت "سلسبيل" بمنتصف الغرفة عيناها مثبتة على بابها تنتظر طلته عليها بنفاذ صبر، علقت أنفاسها بصدرها حين اخترقت حواسها رائحة عطره النفاذة.
تسارعت نبضات قلبها بجنون وأصبح صدرها يعلو ويهبط بصورة واضحة حين فُتِح الباب، ورأته مقبلًا عليها بلهفة وعيناه تشملها بنظرات متفحصة لا تخلو من الإعجاب حتى توقف أمامها مباشرة، المسافة بينهما لا تُذكر لكنهما لا يتلامسان.
كلا منهما يتأمل الآخر بصمت، نظراتهما المشتاقة تحكي الكثير والكثير من المشاعر المختلطة التي يصعب وصفها بمجرد كلمات، ألقى ما يحمله بيده، ودون النطق بحرف واحد مد يده حاوط خصرها، وخطفها داخل صدره بعناق محموم ودَّ به أن يخفيها داخل أعمق نقطة بقلبه.
حاوطها بذراعيه وحملها بمنتهى الخفة حتى أصبحت قدماها مبتعدة عن الأرض بمسافة ليست بقليلة رغم أنها ترتدي حذاء ذو كعب عالٍ.
سار بها تجاه أقرب مقعد، جلس وأجلسها على قدميه دون أن يبعدها عن صدره، رفعت "سلسبيل" رأسها ونظرت له بلهفة حين شعرت بتشنج جسده من حولها.
"مالك يا عبد الجبار.. في حاجة حصلت؟!"
همست بها بخوف ظاهر بنبرة صوتها، وقد بدأ جسدها يرتجف قليلًا بين يديه.
مسد بكف يده على طول ظهرها يهدئها بحركاته هذه، ورفع يده الأخرى يزيح شعرها عن وجهها حتى يتمكن من تأمل ملامحها جيدًا، وتحدث بتوتر فشل في إخفائه قائلًا:
"سلسبيل رايد اتحدتت وياكي في حاجة مهمة".
ابتلع لعابه بصعوبة جعل الدماء تنسحب من وجهها، وشحب لونها حين رأت مدى قلقه الذي تحول لشبه ذعر وهو يقول بنبرة راجية:
"بس رايدك توعديني لو إنك تفهميني زين".
"أوعدك.. أوعدك يا عبد الجبار.. قولي في إيه قبل ما قلبي يقف من الخوف".
همست بها بأنفاس متلاحقة وهي تتشبث بجلبابه بأصابع يدها وكأنها تستمد منها القوة على الثبات.
وضع كفه على موضع قلبها يستشعر خفقاته المتسارعة أسفل راحة يده مغمغمًا بهدوء عكس ضجيج قلبه:
"معوزكيش تخافي من حاجة واصل.. ولو على قلبك فهو عال العال ومش محتاج حتى للمقويات اللي كاتبها لك الدكتور".
عقدت حاجبيها وتطلعت له بنظرات متعجبة، لم تفهم مغزى حديثه وقد ظنت أنه يقول حديثه هذا ليخفف عنها عبء مرضها، أو ربما تفهمت لكنها تستبعد هذا الظن وبداخلها تتمنى أن يكون قلبها بخير حال لعلها تتمكن من الإنجاب، حلمها وما تسعى لأجله، تريد أن تنجب منه طفل وتموت بعدها لا تُمانع أبدًا.
"مقويات؟!"
حرك رأسه لها بالإيجاب وبقوة زائفة قال:
"أنا كان عندي استعداد أعمل أي حاجة في الدنيا لأجل ما تبقي مراتي يا سلسبيل".
"حتى لو هتقول إني مريضة ومش هقدر أكون لكِ زوجة عشان تخلي أبلة خضرة تجوزني ليك بنفسها مش كده يا عبد الجبار؟!"
أردفت بها وهي تبكي وتضحك في آنٍ واحد، بهتت ملامحه، وتطلع لها بأعين جاحظة مرددًا بتقطع:
"عرفتي كيف.. مين اللي قالك؟!"
"قلبي". هكذا جاوبته بمنتهى البساطة، ومن ثم أجهشت في البكاء مكملة بنحيب:
"قلبي كان حاسس بسبب لهفتك عليّا، واستغلالك لكل فرصة نبقى فيها لوحدنا عشان تقرب مني فيها".
تخضبت وجنتاها بحُمرة قانية وتابعت بخجل:
"لحد ما حصل وبقيت مراتك بجد مش على ورق بس وقتها اتأكدت إني كويسة ومش تعبانة زي ما فهمتوني بالذات لما أنت كلمت الدكتور بالأجنبي عشان ما أفهمش كلامكم".
صمتت لبرهة، ونظرت لعينيه التي تستجديها أن تغفر له فعلته هذه، رفعت يدها ووضعت أصابعها الباردة على ذقنه الكثيفة، وتابعت بثقة:
"لو كنت تعبانة فعلًا كنت هتخاف عليّا وما كنتش هتلمسني أبدًا".
مال بوجهه ولثم باطن يدها بعمق مغمغمًا:
"حقك على قلبي وعيني.. أني خابر زين إن اللي عملته ده عملة عفشة وأنانية مني ويمكن طمع كمان لأني ما كنتش رايد أخسر خضرة أم بناتي ولا أتسبب في وجعك ووجعها".
استند بجبهته على جبهتها، وتابع بلهجة أكثر خشونة وكأنه يثبت لها مشاعره وملكيتها إياها وحدها:
"عشقان أني عشقتك والعاشق ما عليهوش لوم يا بت قلبي أوعاكي تزعلي مني يا زينة البنات لو رجع بيا الزمن تاني هعمل المستحيل لأجل ما تبقي مراتي وتحت حمايتي يا سلسبيل".
ختم حديثه ومس شفتيها بشفتيه بقبلة متلهفة ويده تضمها له بقوة لصقها به.
تشنجت بين يديه وارتفع صوت نشيجها أكثر جعلت قلبه يسقط أرضًا من شدة فزعه وخوفه عليها، وتحدثت بتقطع من بين شهقاتها الحادة قائلة:
"مش زعلانة منك يا عبد الجبار.. أنا ما كنتش عايزة حاجة من الدنيا غير إني أكون في حمايتك أنت وبس".
أثلجت قلبه بجملتها هذه، تنهد بارتياح وضمها لصدره بكل قوته، قربها يطمئن صخب قلبه النابض بعشقها.
"العشا جاهز يا عبد الجبار بيه".
كان هذا صوت "عفاف" صدح عبر باب الغرفة المغلق، ابتعدت "سلسبيل" عن زوجها الذي أبى أن يتركها إلا بعدما مسح عبراتها بأنامله، وقبل عينيها بعمق.
"أنا عملتلك الأكل النهاردة بإيدي".
همست بها قبل أن تنتصب واقفة وتسير تجاه الباب فتحته وتحدثت ببشاشة وهي تجذب العربة الموضوع عليها الطعام للداخل أمام نظرات زوجها المفتون بعشقها:
"تسلمي لي يا دادة عفاف.. ومن فضلك خلي كل اللي في البيت يسيبوا اللي في إيديهم ويقعدوا يتعشوا.. أنا عاملة الأكل بزيادة عشان خاطركم".
بمنزل متوسط الحال، تجلس "سعاد" برفقة "صفا" ابنة زوجها صاحبة العشرين عامًا، شابة جمالها رقيق، ولكن ملامحها يبدو عليها الحزن الشديد، شاردة بعيدًا بذهنها فيما حدث لها، تعرضت لصفعة خذلان دامية على يد خطيبها السابق الذي تركها قبل زفافها بأسبوع واحد بسبب اعتراضه على إحدى أهم البنود في قائمة منقولاتها، لا يريد كتابة مؤخر صداق لها مما دفع والدها للتمسك بحق وحيدته، ليقرر الآخر فض الزيجة بأكملها.
موقف لا تُحسد عليه إطلاقًا، أصابها نوبة اكتئاب يحاول والدها وزوجته التي تعتبرها بمثابة ابنة لها إخراجها من تلك الحالة بشتى الطرق.
"يابنتي عشان خاطر ربنا كلي لقمة صغيرة واشربي حبة عصير لتقعي من طولك".
صدح رنين هاتفها فشهقت بخفوت وهي تقول:
"يابنتي أبوكي هيتجنن عليكي وكل شوية يتصل بيّا وهو سايق وماشي على طريق عشان يطمن عليكي ويشوفك كلتي ولا لأ".
"ردي عليه وقولي له إني كلت يا ماما سعاد".
همست بها "صفا" ببوادر بكاء، وتعب واضح على ملامحها الشاحبة.
"بقى عايزاني أكذب على فايز يا صفا؟! على أساس إنكِ مش عارفة أبوكي اللي بيشم ريحة الكذب من على بعد؟!"
ربتت على كتفها وتابعت بحنو:
"يا ضنايا والله اللي حصل ده خير ليكي.. وبكرة ربنا يعوضك براجل يشيلك جوه قلبه وعينه".
بدأت "صفا" تبكي وتئن بصمت كعادتها، لتسرع "عفاف" بضمها بلهفة مرددة برجاء:
"كفاية يا قلب أمك والله ما يستاهل دمعة واحدة من عينك".
قطعت حديثها حين شعرت بثقل رأسها على صدرها، انقبض قلبها هي تعدل وضعها داخل حضنها لتتفاجأ ببرودة بشرتها وازداد شحوب وجهها.
"مالك يا صفا".
صرخت بها حين رأتها تنظر لها بأعين زائغة وقد تطورت حالتها للإعياء الشديد وازرقت شفتاها بلحظة قبل أن تغلق عينيها وتستسلم لدوارها الذي داهمها بعنف.
"صفاااااا!!!!"
صرخت بها "سعاد" صرخة مدوية شقت بها سكون الليل.
كان "جابر" يصف سيارته على جانب الطريق، وهبط منها واضعًا هاتفه على أذنه مغمغمًا:
"أنا وصلت يا جدي هجيب أمي وأجيلك عشان نسافر لسلسبيل على طول".
"يا ابني خلينا نروح لها بكرة يكون أبو صفا رجع من شغله أنت عارف إنه سواق نقل ثقيل وما بيرجعش قبل الصبح وأمك مش هترضى تسيب بنته لوحدها وتيجي معانا".
فتح "جابر" فمه ليرد عليه إلا أن صوت صرخات والدته وصل لسمعه جعله يهرول مسرعًا تجاه الصوت.
"افتحي يا أمه أنا جابر".
قالها وهو يطرق على الباب بقبضة يده كاد أن يحطمه.
"جابر الحقني يا ابني". صرخت بها "سعاد" وهي تركض نحو الباب وفتحته على عجل مكملة ببكاء وهي تسحبه معها للداخل:
"صفا وقعت مني قاطعة النفس ومش راضية تفوق خالص".
اقترب "جابر" من تلك الممددة على الأريكة غائبة عن الوعي، وحملها على ذراعيه واضعًا يد أسفل ركبتيها والأخرى خلف ظهرها، وسار بها لخارج الشقة دون أن ينظر لوجهها حتى وهو يقول:
"حصليني يا أم جابر خلينا نوديها المستشفى".
لا إله إلا الله.
"عجبك أكلي؟"
قالتها سلسبيل باستحياء وهي تُطعمه بيدها، كان يتذوق أصابعها بتلذذ وليس الطعام.
"أنتِ كلك على بعضك، وكل حاجة وأي حاجة منك بتعجبني يا سلسبيل."
عبست بملامحها وبعتاب قالت:
"طيب ليه مش عايز تكمل أكلك؟!"
تنهد عبد الجبار وتحدث بأسف قائلًا:
"مش عايز أتقل في الوكل لَأجل ما أفوق وأنا سايق. جهزي حالك هنعاود على مصر دلوقتِ، عندي شغل ما ينفعش يستني للصبح، واطمني أني هسيب حسان اهنه عشان لو أهل والدتك وصلوا في أي وقت يجيبهم لحد عندك."
حركت رأسها له بالإيجاب، وهبت واقفة بصمت وسارت نحو غرفة الملابس لتبدل فستانها بعباءة سوداء وأخفت شعرها داخل حجابها الرقيق، ووقفت أمام المرآة تزيل زينة وجهها.
كان عبد الجبار يتحاشى النظر تجاهها، يجاهد لتلجيم رغبته بها بكافة السبل، فعقله منشغل بابنتيه وزوجته المتواجدة بالمستشفى بمفردها، أما قلبه يحترق من شدة اشتياقه لها، كل ذرة به تريدها الآن أكثر من أي وقت مضى، وهي أيضًا تشتاقه حد الجنون لكنها لن ولم تتفوه بها له أبدًا، حياؤها يمنعها بالاعتراف له أنها تريده وتريد قربه.
"أنا جاهزة."
نطقت بها وهي تقترب منه ببطء وعيناها تغتلس النظر إليه، لا تريد مقابلة عينيه حتى لا يرى لهفتها عليه.
سار هو نحو باب الغرفة، تابعته هي بخطى هادئة، وما أن رفع يده وأمسك مقبض الباب وهم بفتحه، وجد يدها وضعت على يده تمنعه، شعرت بشيء أثار الريبة بقلبها، خوف مبهم سيطر عليها لا تعلم سببه جعل جسدها يرتجف بقوة، رفعت وجهها ومن ثم عينيها حتى تقابلت أعينهما بنظرة تملؤها الحب والشوق دفعتها للانهيار داخليًا وأطلقت أنفاسها المحبوسة برئتيها.
وتحدثت بهمس بصوت بالكاد يُسمع من فرط خجلها:
"ينفع تاخدني في حضنك شوية قبل ما نمشي؟!"
حطمت كل حصونه بجملتها هذه التي تخبره بها أنها تريده وتتلهف لقربه مثله تمامًا، شهقت بخفوت حين وجدته يميل بوجهه على وجهها، تطلع لعينيها بعينيه التي ظهرت بهما نيران رغبته بها المتأججة قائلًا بأنفاس متهدجة:
"تعالي!"
قالها قبل أن يخطفها من خصرها داخل صدره، أطبق بشفتيه على شفتيها بقبلة جائعة، ويده تخلع عنها حجابها، وتمزق جلبابه وعباءتها معًا.
الليلة ستعيش حياة زوجية كاملة يملؤها الحب والسكينة لأول مرة بحياتها، ليلة غرام ملحمية لن تنمحي أبدًا من ذاكرتها.
رواية جبر السلسبيل الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نسمة مالك
كانت ليلة استثنائية زاخرة بالمشاعر، نسي "عبد الجبار" معاها كل شيء بصورة مؤقتة لينعما معًا بلحظاتٍ من العشق. عشق فاق كل الحدود حتى وصل حد الجنون.
مرت عليهما ساعات الليل الطويلة كما لو كانت دقائق معدودة، حتى غلبه النعاس واستسلم لنومٍ مجهد، بينما "سلسبيل" استغلت الفرصة وطلبت من العاملين بالمنزل إحضار أدوات خاصة بالرسم فنصاعوا لها في التو واللحظة، لتتمكن هي من رسم لوحة فريدة لزوجها أثناء نومه.
رسمت ملامحه بدقة وإتقان مبهر حتى جسدت هيئته كما لو كانت صورة ملتقطة بأحدث الكاميرات الحديثة. وفور انتهائها أحضرت هاتفها الذي أهداه إليها، وظلت تلتقط برفقته الكثير والكثير من الصور بأوضاع مختلفة وهي داخل حضنه.
والعديد من الفيديوهات القصيرة لهما سويًا كانت تقبله فيها قبلاتٍ رطبة متعمقة على لحيته الكثيفة. سعادة بالغة تعيشها الآن برفقة الرجل الوحيد الذي كان بالنسبة لها مجرد أمنية لم يُخيل لها بيومٍ أنها تتحقق، وتصبح زوجة "عبد الجبار المنياوي".
نعمها بفيض من الغرام أهاله عليها بكرمٍ وشغف فلم يسعها سوى الاستسلام الكامل له حتى رضاها وعالج جروحات قلبها الغائرة. تحيا مشاعر جديدة كليًا عليها، أعادت قلبها ينبض بالحياة، جعلت روحها تنتعش، أعطتها ثقة بنفسها كانثى وامرأة مرغوبة.
فالمرأة تستطيع أن تفارق الرجل الغني، وتستطيع أن تفارق الرجل الوسيم، ولكنها لا تستطيع أبدًا أن تفارق الرجل الذي طيب خاطرها، الرجل الذي أشعرها بالأمان وأنه لا يستطيع أن يستغني عنها، الرجل الذي كان سندًا لها، ومسح دموعها في لحظات ضعفها، الرجل الذي حماها من تدخلات أهله وأهلها في حياته وحياتها.
فالقلوب لا تُشترى بالمال ولا بالقوة ولا بالوسامة، القلوب تُشترى بالمعاملة الطيبة وهو قد نجح بجدارة في شراء وامتلاك قلبها حتى أصبح هواه يجري بداخلها مجرى الدماء.
وبرغم كل هذا إلا أنها تشعر بخوف يجعل قلبها ينقبض من آنٍ إلى آخر، شيئًا ما تجهله أو ربما تتجاهله يسبب لها ريبة وقلق من القادم.
وضعت الهاتف من يدها، أخفت رسمتها أسفل وسادتها، تكومت داخل أحضان زوجها الدافئة الذي احتواها بلهفة مهمهمًا باسمها أثناء نومه العميق. رفرف قلبها بشدة حين وصل لسمعها همسه الحار باسمها.
"حبيبي يا عبد الجبار".
ناحت بها من شدة تأثرها، ضمته إليها بكل ما أوتيت من قوة وحب، أغلقت عينيها واندست أكثر بين ضلوعه مستسلمة هي الأخرى لنومٍ آمن تشعر به وهي بين ذراعيه فقط.
"جابر".
ظل برفقة والدته داخل المستشفى لم يتركهما حتى استعادة "صفا" وعيها بعد وقت ليس بقليل، فقلة غذائها وحالتها النفسية السيئة عرضاها لضعف شديد أدى إلى فقدانها للوعي بالأخير. فور تحسن حالتها سمح لهم الطبيب بالخروج.
كانت تسير بصعوبة مستندة على زوجة والدها التي تعتبرها بمثابة أم لها، لم تنتبه لوجود "جابر" على الإطلاق، بينما هو اقترب منهما فور خرجهما من غرفة الكشف الخاصة بالنساء، وتحدث بهدوء موجهًا حديثه لوالدته.
"سيبها.. أنا هشيلها أوديها العربية".
كان يتحدث دون النظر لتلك التي رفعت وجهها، ومن ثم عينيها ورأته لأول مرة. انقطعت أنفاسها لوهلة من هيئته ووسامته الجذابة، وشهقت بخفوت حين رأته مقبلًا عليها بعدما أعطى لوالدته أغراضه المكونة من هواتفه ومفاتيح سيارته.
وهم بوضع يده حول خصرها والأخرى أسفل ركبتيها إلا أنها ابتعدت عنه سريعًا وهي تقول بخجل.
"إيه ده يا أستاذ أنت هتعمل إيه!!!!"
"متخافيش يا صفا.. خليه يشيلك ده مش غريب يا حبيبتي.. ده ابني جابر اللي حكيت لك عنه".
نطقت بها "سعاد" وهي تدفعها برفق نحو "جابر" الواقف أمامها بطوله الفاره حتى اصطدمت بصدره. تراجعت "صفا" للخلف مبتعدة عنه على الفور مرددة بخجل.
"أنا بقيت كويسة يا ماما سعاد الحمد لله وهقدر أمشي لوحدي".
ختمت حديثها وسارت بخطوات بطيئة وجسد يترنح بوضوح. ربتت "سعاد" على ظهرها متمتمة بحنو.
"يا بنتي خليه يساعدك أنتي مش قادرة تمشي".
نظرت لها "صفا" برجاء وحركت رأسها بالنفي أكثر من مرة.
قدر "جابر" حياءها، وسار بجوارهما حتى وصلوا للسيارة. فتح لهما الباب فساعدتها والدته على الصعود، وصعدت بجوارهما. أما هو جلس خلف المقود وقاد بهما مرة أخرى للمنزل.
كل هذا وهو لم يرى وجهها "صفا" إلى الآن، عقله وقلبه منشغل بصغيرته "سلسبيل" لا ولن يستطيع أن يشغل فكره أحدًا سواها.
بينما "صفا" كانت تسترق النظر له عبر المرآة. ها هو الشاب الذي كانت تحكي لها عنه والدته قصصًا عديدة توصف بها شهامته ورجولته التي ليس لها مثيل من وجهة نظرها وما زالت تتمنى حدوث هذا وتدعو به من صميم قلبها.
أطلقت "سعاد" زفرة نزقة من صدرها وتحدثت بأسف قائلة.
"أول مرة تشوفوا بعض فيها توديها المستشفى يا جابر.. كان نفسي تتقابلوا في ظروف أحسن من دي".
تفهم مخزى حديثها وما تقصده. لمحت "صفا" الغضب الذي اعتلى ملامح "جابر" وعينيه التي رمقت والدته بنظرة يتطاير منها الشرر، فتحدثت بابتسامة تخفي خلفها حزنها قائلة.
"إن شاء الله تتعوض في فرح أستاذ جابر.. بس متنسوش تعزموني أنا وبابا عليه".
كانت تريد أن تصل له رسالة مباشرة أنها لا تفكر فيه مطلقًا، يكفيها ما مرت به والتجربة الصعبة التي عدت عليها ولم تفق منها بعد.
هنا رفع "جابر" عينيه ونظر لها أخيرًا عبر المرآة لتتقابل أعينهما في نظرة خاطفة أخبروا بعضهما بها أن قلب كل منهما منشغل بشخص آخر.
رمقتها "سعاد" بنظرة عابسة بشدة وهي تقول بعتاب.
"بقي أنتي وأبوكي عايزين عزومة يا صفا وإنتي اللي هتكوني الع!!!"
"هكلمك على الضهر كده عشان لو هتقدري تيجي معايا عند سلسبيل أفوت عليكي في طريقي أنا وجدي".
هكذا قطع "جابر" حديثها جعلها تصطك على أسنانها بغيظ من أفعاله التي لا تروقها نهائيًا، وتحدثت بغضب قائلة.
"أنا مش هعرف أجي معاك وأسيب بنتي وهي تعبانة كده".
قالتها قبل أن تغادر السيارة برفقة "صفا" بعدما توقف "جابر" أمام منزلهما. ابتسم لها "جابر" ابتسامة مصطنعة وهو يقول بثقة.
"وسلسبيل كمان زي بنتك وكمان قريب أوي هتبقي مرات ابنك يا أم جابر".
رمقته "سعاد" بنظرة تحدي متمتمة.
"امممم.. اللي بتقوله ده على جثتي لو حصل يا جابر".
كان الوقت فجرًا، لحظات ظلام الليل الأخيرة. ظلت "سلسبيل" تقاوم رغبتها في النوم كلما غلبها النعاس حتى تظل مستيقظة تملي عينيها برؤيا زوجها، وتتشبع من النظر إليه وحفر ملامحه بقلبها ووجدانها.
أصابعها الصغيرة التي تسير على وجهه تداعب لحيته، وشعره الأسود الغزير قابضت على حفنة منه بين أصابعها وملء راحتها. أفاقته من أحلامه التي كانت هي وحدها بطلتها.
فتح عينيه بتكاسل ورمقها بنظراته المتيمة، وأنامله تجد طريقها إلى خطوط عنقها المساء. حانت منه التفاتة نحوها وغمر وجنتها بقبلاته التي خدرتها وأذابتها كليًا.
كانت هي هائمة به تنظر لعينيه الآسرين وشعره المشعث بفوضوية مثيرة جعلته مثالًا للغواية والفتنة. سحبها عليه محاوطها بجسده العريض وعضلاته القوية ليكرر من جديد لحظاتٍ من الحميمية معها وصلة تحكمها المودة العميقة المتبادلة بينهما.
"عبد الجبار!!!"
في بادئ الأمر يظن أنه مازال يحلم بها، لكن همسها باسمه أعاده لواقعه. تذكر زوجته "خضرا" المتواجدة بالمستشفى بمفردها. ابتعد عنها على مضض وسحبها معه ونهض بجزعه معتدلًا بالفراش. مد يده وجذب هاتفه ينظر به ليعرف منه الوقت. تنهد براحة حين وجد الوقت مازال باكرًا على موعد إفاقتها، لكنه مع ذلك تحدث بإصرار.
"لازم نعاود مصر دلوجيت".
"ليه عايزنا نرجع بالسرعة دي يا عبد الجبار".
همست بها بنبرة يملؤها الخوف. ابتلعت لعابها بصعوبة، وتابعت بخجل.
"أنت خطفتني يومين بس مينفعش يبقوا أسبوع!! أو سيبني هنا مع دادة عفاف لو أنت عندك شغل مهم ولما تخلص شغلك أبقى تعالي".
لثم جبهتها بحب، وتنهد مطولًا، ثم قال بأسف.
"مينفعش أهملك هنا لحالك.. مش هبقى مطمئن عليكِ، وإنتي راداني أكون وياكِ وجت ما أهلك يجوا صح؟؟".
حركت رأسها له بالإيجاب. ليكمل هو بلهفة.
"وعشان كده إني جيت لأجل ما آخدك ونعاود يا سلسبيل".
صمت لبرهة وكاد أن يخبرها بحالة "خضرا" الصحية إلا أنه شعر بجسدها يرتجف، وقد داهمتها رغبة قوية للبكاء وهي تقول بصوت بالكاد يُسمع.
"أنا خايفة وقلبي مقبوض يا عبد الجبار".
فضل الصمت وعدم إخبارها الآن بما فعلته "خضرا"، وضمها لصدره بقوة، مسد على ظهرها بكفه بأقصى ما لديه من لطف وهو يتمتم برفق.
"مش عايزك تخافي من حاجة واصل.. إني أفديكِ بروحي وعمري كله يا حبة الجلب".
رفعت عينيها التي ترقرق بها العبرات ونظرت له بعينيها نظرتها التي تذيب قلبه المتيم بها عشقًا وهمست بصوت مرتعش.
"وأبلة خضرا.. أنا كنت وعدتها".
أطبقت جفنيها بعنف لتهبط من عينيها دمعة حارقة وتابعت بحشرجة.
"وعدتها إني مش هبقى ليك زوجة أبدًا ومقدرتش أحافظ على وعدي معاها وبقيت مراتك".
صاح فجأة بعصبية مفرطة.
"وعد إيه ده اللي بتقولي عليه.. انتي مراتي.. مراتي يا سلسبيل على سنة الله ورسوله قلتيها بفمك.. يعني لا عملتي حاجة حرام ولا عيب تخجلي منها، وخضرا عارفة أكده زين حتى لو مش قادرة تقبله دلوقتي، هيجي عليها الوقت اللي هتقبله وترضى وتعرف أنك مراتي كيف ما هي مراتي وإني عمري ما هقصر في حق واحدة منكم".
هدأته ماسحة على وجهه برفق وهي تقول بابتسامة دافئة.
"أشهد لك أني من ساعة ما بقيت على اسمك وأنت مش مقصر معايا وشايلني جوه قلبك وعينيك".
تعمقت عينيها في عينيه أكثر وهي تقول بتسامح أراحهما معًا.
"وده كفاية عندي والله يا حبيبي.. مش عايزة حاجة من الدنيا تاني غير اني أفضل في حضنك وتحت حمايتك كده عمري كله يا عبد الجبار".
انبلجت ابتسامة واسعة على قسماته وتراقص قلبه فرحًا، وقد غمره شعور أكثر من رائع حين رأى عشقها له ظاهرًا بعينيها، واعترافها له أنه مصدر قوتها وحمايتها ولن تستطيع الابتعاد عنه. وكذلك "خضرا" التي كادت أن تقتل نفسها من شدة حبها له. ازدادت ابتسامته اتساعًا وهو يطمئن نفسه أنها وبكل تأكيد سترضخ وترضى بوضعهم الحالي لأنها أيضًا لن تستطيع الابتعاد عنه هي الأخرى. تملك منه الغرور قليلاً جعله يظن أنه سلطان على عرش قلب امرأتين ضمن وجودهما في حياته.
رواية جبر السلسبيل الفصل الثلاثون 30 - بقلم نسمة مالك
في الصباح الباكر، قبل أن تشرق الشمس بنورها، تركت سلسبيل منزلها الجديد التي لم تمكث فيه إلا يومين فقط برفقة زوجها، كانوا من أجمل أيام عمرها بأكمله.
عادت مجبرة معه لمنزله بالقاهرة بعدما وعدها أنهما سيعودان مرة أخرى بأقرب وقت.
كانت تتمنى أن تظل بمنزلها تنتظره لحين عودته وقت ما ينهي عمله، لكنه رفض رفضًا قاطعًا تركها بمفردها.
كان القلق واضح على ملامح وجهها الباهتة، بل الخوف أيضًا ظاهر بنظرة عينيها الحزينة.
خوف من مواجهة خضرا، التي عاهدتها بأن عبد الجبار لن يصبح زوجًا لها مهما حدث.
والآن قد خلفت عهدها معها ولم تستطع الصمود أمام فيض الغرام الذي أهاله عليها زوجها بكرم وشغف جعلها تستسلم له وتبادله غرامه هذا بدون أدنى إرادة منها، حتى استطاع التسلل لأعماق قلبها ونثر عشقه بداخله.
عشق خالص تعيشه لأول مرة بحياتها.
بينما عبد الجبار كان يجلس بجوارها بأريحية، مكتفي بضمها لصدره كمحاولة منه لبث الطمأنينة بقلبها.
فهو يشعر بها ويقرأ ما يدور برأسها.
انتفض جسدها بين يديه بذعر حين توقفت السيارة بهما بحديقة منزل درتها.
"وبعدهالك عاد يا سلسبيل.. ليه كل خوفك ده؟ كيف تخافي أكده وأنتي چوه حضني؟!"
"خايفة تضيع مني بعد ما لقيتك يا عبد الجبار."
همست بها سلسبيل بصوت اختنق بالبكاء، وهي تتمسك بثيابه بكلتا يدها لعلها تمدها ببعض القوة.
احتضن وجهها بين كفيه، جعلها تنظر لعينيه التي يزينها بريق جديد بفضل عشقه لها، وتحدث بابتسامته الجذابة قائلاً:
"معوزكيش تخافي من حاچة واصل.. أنتي مَراتي وهتفضلي مَراتي لحد أخر يوم في عمري.. مهيفرقنيش عنك إلا موتي يا سلسبيل."
"بعد الشر عليك.. متقولش كده تاني."
قالتها بلهفة وهي تسرع بوضع أناملها الصغيرة على فمه تمنعه من استكمال حديثه.
لثم أصابعها بعمق مرات متتالية قبل أن يقبض على يدها الصغيرة جدًا بين قبضته الضخمة ويسحبها عليه، واضعًا يد حول خصرها، والأخرى أسفل ركبتيها وحملها على ذراعيه بمنتهى الخفة وغادر السيارة بعدما فتح له السائق بابها.
وسار بها تجاه باب المنزل الداخلي خلفهما دادة عفاف التي كانت تجلس بجوار السائق بعدما أصرت سلسبيل أن تأخذها معها.
شهقت سلسبيل بخفوت، وجحظت عينيها من فعلته هذه، حاولت إبعاده عنها والقفز من فوق يديه إلا إنه حاوطها بحماية وتمكن من السيطرة على حركاتها مغمغمًا بهدوء:
"أهدي أمال أنتي صاحية من عشية ومدروخة من قلة النوم وممكن تغمي مني.. خليني أوصلك لسريرك لاچل ما ترتاحي هبابه على ما أخلص شغلي وأعاود."
"طيب نزلني يا عبد الجبار بالله عليك لحد يشوفنا."
غمغمت بها وهي تتلفت حولها تتأكد من عدم وجود أحد.
تنهدت براحة حين وجدت الهدوء يسود أرجاء المكان يدل على أن الجميع نيام.
انكمشت على نفسها داخل حضنه، ألقت بثقل رأسها على كتفه وقد بدأ يغلبها النعاس.
دلف بها داخل غرفتها غالقًا الباب خلفه ووضعها على الفراش بتمهل ويده تبعد عنها عباءتها وحجابها وحتى حذائها.
تركها بمنامتها الوردية، وعدل وضعها بوضع أكثر راحة.
دثرها جيدًا بالغطاء ومال على وجنتيها اقتطف منهما حفنة من القبلات الرطبة مرددًا بصوته الأجش:
"نوم العوافي يا جلب عبد الچبار."
همهمت هي باسمه بين النوم واليقظة قائلة بنبرة متوسلة:
"متتأخرش عليا."
فتحت عينيها بتكاسل تبحث عن دادة عفاف فلم تجدها بانحاء الغرفة، فشحب لونها وهي تقول بتساؤل:
"هي فين دادة عفاف؟!"
"أنا هنا أهو يا سلسبيل هانم."
قالتها عفاف الواقفة على أمام باب الغرفة.
"أدخلي يا دادة.. تعالي يا حبيبتي."
نطقت بها سلسبيل وهي تشير لها بيدها على الفراش بجوارها.
انتصب عبد الجبار واقفًا، وتحدث وهو يسير لخارج الغرفة قائلاً بأمر:
"متهمليش الهانم لوحدها واصل يا عفاف."
"أمرك يا عبد الجبار بيه."
قالتها عفاف التي اقتربت من سلسبيل وفكت عقدة شعرها، ورتبت الوسائد خلف ظهرها.
كانت سلسبيل عينيها معلقة بزوجها الواقف على الباب ممسك مقبضه بيده.
ألقى لها قبلة بالهواء وابتسم لها ابتسامة يملؤها الحب مغمغمًا قبل أن يغلق الباب خلفه:
"هرچعلك طوالي."
نظرت سلسبيل لـ عفاف وتحدثت بنبرة راجية قائلة:
"دادة عفاف متسبنيش لوحدي خالص.. خليكي جنبي هنا حتى وأنا نايمة."
صمتت لبرهةً وتابعت بأسف:
"أنا خايفة أوي من أبلة خضرا ومش عارفة رد فعلها هيكون أيه لما تشوفني."
تجمعت العبرات بعينيها وبتقطع تابعت:
"أنا حاسة أني خاينة وخطفت منها جوزها أبو بناتها يا دادة."
ربتت عفاف على شعرها بحنو وتحدثت بتعقل قائلة:
"يا بنتي متشيليش نفسك فوق طاقتها أنتي معملتيش حاجة غلط ولا حرام جوزها ده بقي جوزك أنتي كمان."
صمتت قليلاً، ومدت يدها مسحت دموعها مكملة:
"نامي وارتاحي دلوقتي وسبيها على الله وأنا هفضل جنبك هنا لحد ما تصحى."
بينما عبد الجبار فور إغلاقه الباب اختفت ابتسامته، وهرول راكضًا نحو سيارته استقلها وقاد بسرعه عالية قاصدًا المستشفى التي تمكث بها خضرا زوجته الأولى.
خضرا.. استعادت وعيها بعدما نجت من الموت بأعجوبة لتجد نفسها بمفردها داخل المستشفى.
ابتلعت غصة مريرة بحلقها حين أيقنت أن زوجها بكل تأكيد برفقة زوجته الثانية.
ضحكت ضحكة مستهزئة على غبائها الذي جعلها تقدم على الانتحار والتخلص من حياتها لأجل رجل لم يكترث لما فعلته من أجله وتركها بين الحيا والموت وقضى ليلة ملحمية مع امرأة غيرها.
ندمت على كافة قراراتها الخاطئة بداية من إصرارها على زواجها منه، وزواجه هو عليها، واختيارها لـ سلسبيل لتكون زوجة له بعدما رأت نظرته ولهفته عليها.
حاولت البكاء ولكن عينيها أبت أن تذرف العبرات، كانت نظرتها جامدة، اكتسبت جحودًا بفضل ما تشعر به من وجع فاق حدود الوصف، لن تستطيع التعبير عنه بمجرد دموع حتى لو بكت دمًا.
"خضرا.. حمد لله على سلامتك يا غالية."
قالها عبد الجبار الذي دلف للتو، واقترب منها جلس على المقعد المجاور لسريرها، ومد يده ليمسك يدها لكنها دفعت يده بضعف، ورمقته بنظرة حارقة متمتمة بغضب:
"توك ما افتكرت خضرا يا عبد الچبار!!! هملتني لحالي وروحت لعروستك الچديدة مش أكده؟!"
"مش وقت حديتك ده عاد.. المهم دلوجيت نطمن عليكي وتبجي زينة..."
صرخت بغيظ شديد قطعت حديثه بصرخاتها قائلة:
"رد لأول.. وإياك تكذب عليا.. صُح كنت وهيها."
حاول السيطرة على أعصابه تقديرًا لحالها، وتحدث بهدوء قائلاً:
"وبعدهلك يا خضرا.. جولتلك رايد أطمن عليكِ...."
"كنت وهيها يا عبد الچبار.. انطق.. قولي أيوه كنت وهيها ومهملك أهنه يا أم البنته من غير أنيس ولا جليس وروحت أخونك مع حُرمة تانية."
"خضرا اااا."
قالها بصوت جوهري زلزل جدران المستشفى.
ابتلعت خضرا باقي حديثها بعدما رمقها بنظرة محذرة وتحدث بلهجة حادة قائلاً:
"متختبريش صبري عليكِ.. أني مش خاين يا خضرا والحُرمة التانية دي تبجي مَراتي كيفك بالتمام و اللي كانت قبل منك أهنه بنفس المستشفى مرمية بين الحيا والموت و إني كنت وياكِ في حضنك في بيتنا على سريرنا ولا نسيتي!!!"