تحميل رواية جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك pdf
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"سلسبيل" كانت هادئة و هي تستمع لحديث "بخيتة" السام، و كلماتها المُهينه لها، تنعتها بالخادمة بل والأدهي أنها تريدها زوجة لابنها الأخر المُسمي ب "عبد الجبار"!!! يا الله لقد كان شقيقه يدعي "عبد الرحيم" يعاملها بمُنتهي القسوة، طريقته كانت تصفها بالعذاب مما دفعها تقدم على الأنتحار مرات عديدة خسرت خلالهم حملها مرتين قبل معرفتها حتي بوجوده ،كان لا يتحدث بلسانه مطلقًا معاها، الكثير من الصفعات تتلقاها منه على وجهها طيلة اليوم بسبب و بدون سبب فماذا سيفعل بها شقيقه؟؟.. تبطأت دقات قلبها و شعرت بالفزع، و الر...
رواية جبر السلسبيل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نسمة مالك
كن على يقين تام أن كل شيء قرار إلا الحب، يكن غصبًا عنا.
لن يطرق باب قلبك، بل يدفعه ويدلف لأعمق نقاطه بلا استئذان، يخطف أنفاسك، نبضاتك، همساتك، ضحكاتك، النوم من عيناك، لو لم يفعل بك كل هذا فأعلم أنه لم يكن حبًا حقيقيًا.
أو لنكن أكثر صراحة، العشق هو الذي يستطيع وحده فقط أن يفعل كل هذا وأكثر بكثير، يمكنه أن يجعلك كالمجذوب ينسيك اسمك وتظل تردد بهذيان دون توقف اسم من عشقت.
وهذا ما حدث مع "سلسبيل" حين أخبرتها "خضرا" بموافقتها على زواجها من "عبد الجبار".
تطلعت لها بملامح منذهلة رغم الفرحة التي غمرت قلبها حتى ظهرت بعينيها الحزينة، لكنها نجحت في إخفائها.
"إزاي بس موافقة أن جوزك يتجوزني عليكِ يا أبلة خضرا؟"
همست بها "سلسبيل" بضعف، وصوت يملؤه الأسى.
رسمت "خضرا" الجدية على ملامحها الحنونة، وتنهدت وهي تقول بتعقل:
"اسمعي حديتي اللي هقولهولك ده زين يا خيتي. بخيتة ما هيهدلهاش بال واصل إلا لما تشوف قدام عينيها ولد عبد الجبار اللي أني مش هقدر اچبهوله، فهتفضل تزن على ودنه يتچوز عليا علشان الواد، والزن على الودان يا خيتي أمر من السحر، ويا عالم اللي هيتچوزها عليا دي هتعاملني أني والبنتة كيف."
ابتسمت لها بحب صادق مكملة:
"لكن أنتي يا سلسبيل ربنا زرع حبك في جلبي كيف ما تكوني خيتي ولا بتي من لحمي ودمي."
هبطت دموع "سلسبيل" تأثرًا بحديثها الذي لمس قلبها، وهمست لها بتقطع قائلة:
"وأنا كمان بحبك أوي والله يا أبلة خضرا. حنيتك عليا وطيبة قلبك اللي عمري ما شوفت زيها بتخليني أوقات ببقى عايزة أناديلك أقولك يا أمه."
"خضرا" ببكاء:
"يا ضنايا يا بتي. يعلم ربنا وأني كمان عداكِ زي واحدة من بناتي عشان أكده اسمعي اللي بقولك عليه يا سلسبيل. أني ريدالك الصالح يا بتي بالذات أن أبوكي طبعه واعر قوي ومهيهملكيش قاعدة من غير چواز أكده هيچوزك لول راچل طلب يدك، زي ما قال لأبو فاطمة عشية في المحمول، وچاي ياخدك بكرة وياخد على الصعيد."
ظهر الذعر الشديد على وجه "سلسبيل" وهمست بأنفاس متهدجة:
"متخلهوش ياخدني يا أبلة خضرا أبوس رجلك."
"أهدي يا حبيبتي، ومتشليش هم واصل. بس اسمعي اللي جولتلك عليه ووافقي على چوازك من عبد الجبار وقتها قناوي مش هيبجي ليه سلطة عليكي، وهتبجي أنتي وياي نقف في وش بخيتة اللي رايدة خراب الدار."
كانت "سلسبيل" تلتقط أنفاسها على مهلٍ، أطبقت جفنيها بقوة وهمست بصوت اختنق بالبكاء:
"أنا مجربة الوجع لحد ما شق قلبي، ومستحيل أكون السبب في وجع قلبك أنتي بالذات عشان كده كنت عايزة أدور على أهل أمي يمكن يسمحولي أعيش معاهم."
صمتت لبرهةً تلتقط أنفاسها، نظرت لها بأعين مملوءة بالعبرات وتابعت بتعب:
"بس شكلي كده مش هلحق أشوفهم."
"خضرا" بغضب مصطنع:
"قولتلك متقوليش أكده مرة تانية. أنتي هطيبي وتبجي أحسن من لول يا خيتي بمشيئة الرحمن."
حركت "سلسبيل" يدها المعلقة بها الأسلاك الطبية، وتطلعت لها تحثها على إمساكها، فاسرعت "خضرا" بضم قبضتها بين كفيها تستمع لهمسها المجهد باهتمام:
"أبلة خضرا لو أنا مت وأنا على زمة عبد الجبار أبويا مش هيقدر ياخدني يدفني في الصعيد صح؟"
"خضرا" ببكاء:
"اباي عليكِ وعلى السيرة العفشة دهيه. كفاياكِ حديث ماسخ عاد."
بللت "سلسبيل" شفتيها المرتعشة بلسانها وهمست بصعوبة من شهقاتها:
"أنا محتاجة لحضنك، ولحماية عبد الجبار عشان كده أنا موافقة يكتب عليا يا أبلة خضرا."
"ألف بركة يا خيتي."
أردفت بها "خضرا" ومن ثم أطلقت سيل من الزغاريط وصلت لسمع زوجها الواقف أمام غرفة العناية جعلت وتيرة قلقه تهدأ قليلاً وقد ظن أن فرحة زوجته هذه بسبب حالة "سلسبيل" التي تحسنت.
انبلجت شبه ابتسامة فوق قسماته الجادة مدمدمًا:
"جلبك كيف اللبن الحليب يا خضرا."
بينما "سلسبيل" ضغطت بضعف على كفها حتى تتوقف وتستمع لما تقوله لها:
"أوعدك أن لو ربنا كتبلي عمر وعشت مش هكون درة ليكي أبداً."
أغمضت عينيها وقد شعرت بألم يغزو قلبها وروحها حين قالت ببطء وعبراتها تنهمر على وجنتيها بغزارة:
"ولا حتى هكون زوجة لـ عبد الجبار."
"كفاية كده عليها أرجوكِ، وسبيها ترتاح."
نطق بها الطبيب وهو يهرول نحو "سلسبيل"، وبدأ يفحصها بعناية فائقة.
ربتت "خضرا" على يدها بحنان، ومالت عليها قبلت جبهتها بعمق، وسارت نحو الخارج بخطوات هادئة.
وقفت خلف الباب المغلق دقائق قبل أن تفتحه، تحاول السيطرة على دموعها بسبب تلك الغصة التي تعتصر قلبها، فما تشعر به ليس أبدًا هين.
أخذت نفس عميق، ومدت يدها فتحت الباب الفاصل بينها وبين زوجها لتجده يقف ينتظرها بطوله المهيب وملامحه الوسيمة رغم صارمتها.
أبتسم لها ابتسامته التي تأسرها مغمغمًا:
"اتوحشت لصوت فرحتك يا غالية."
تأملته بأعين هائمة، واقتربت منه حتى أصبحت أمامه مباشرةً، ونظرت لعينيه بفيض من الحب مرددة:
"فرحتي دي بفرحك أنت يا عبد الجبار."
تلاشت ابتسامته تدريجيًا، وعقد حاجبيه حتى بدت ملامحه عابسة بشدة.
رفعت هي يدها ووضعتها على صدره، فوق موضع قلبه تمامًا، وتابعت بابتسامة دافئة:
"مبروك يا خوي أني طلبت لك يد سلسبيل وهي وافجت."
شعرت بخفقان نبضات قلبه تزداد وتتدافع أسفل راحة يدها رغم صلابة ملامحه التي لم تبدي أي رد فعل عليها سوى الجمود.
ساد الصمت للحظات بينهما، كانت نظرتهما تتحدث بدلاً عنهما، ودون سابق إنذار، كان قبض على كف يدها برفق، وسحبها خلفه للغرفة الذي قام بحجزها لها.
كانت تبتعد عدة خطوات عن غرفة "سلسبيل"، دفع الباب ودلف بها للداخل غالقه خلفه بعنف.
استدار لها فجأة ومال برأسه على وجهها حتى تلامست أنفهما مردفًا بتساؤل وعينيه تشمل وجهها بنظرات منبهرة من قوتها التي يراها لأول مرة:
"ليه.. ليه عملتِ أكده يا خضرا."
"عملت الصح.. اللي لازم يتعمل."
قالتها وهي تحتضن وجهه بين كفيها مكملة:
"أنت من حقك يكون لك ولد من صلبك، وسلسبيل كمان محتاجة راچل يحميها."
ابتسمت باتساع لعلها تخفي عبراتها التي تجمعت بحدقيتها:
"أني وقلبي فداء نظرة الفرحة اللي شيفاها في عيونك دلوجيت يا نبض الجلب."
"أنتِ أكده بتجتليني يا خضرا."
أردف بها بأنفاس مهتاجة، وهو يستند بجبهته على جبهتها، ويحاوط خصرها بذراعيه مقربها منه حد الالتصاق.
"بعيد الشر عنِك يا خوي."
همست بها بخفوت، وتابعت بخجل قائلة:
"ربنا يچعلك شمسي اللي بتشرق تنور حياتي، ولا يحرمنيش منِك ولا من رضاك عليا واصل."
"مخبراش أنتِ بالنسبالي أيه يا أم فاطمة."
قالها وهو يسير بيده ببطء على طول ظهرها، تزلزل كيانها كله دفعة واحدة من فعلته هذه، خاصةً حين توقف بيده على وجنتها اليمنى، ونظر لعينيها مكملاً:
"مهما رحت ومهما چيت، ومهما فى براح أرض الله، وفى الكون لفيت... عمري ما راح ألاقي سعادتي إلا وياكِ. أنتِ المسند يا خضرا اللي عليه بتسند وبريح ضهري. واللي في وقت الحزن بيمحي قهري."
لثم شفتيها بقبلات صغيرة متتالية هامسًا من بينها:
"أنتِ مرتي، أرضي، وطني، عرضي، وأغلى الخلق كلياتهم على جلبي."
"خضرا" بإصرار أثار غضبه:
"يبقي لو غالية عندك كيف ما بتقول توافق على چوازك من سلسبيل."
رواية جبر السلسبيل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نسمة مالك
سطعت شمس نهار يومًا جديد مليء بالأحداث، رغم ساعات الليل الطويلة التي مرت على أبطالنا، خاصةً "عبد الجبار" الذي لم ترَ عينيه النوم على الإطلاق. عقله لم يتوقف لو لحظة واحدة عن التفكير فيما فعلته زوجته الغالية "خضرا"، أحب الناس وأقربهم إلى قلبه. يسأل نفسه: كيف استطاعت أن تقبل زواجه من غيرها، بل وتطلب يد "سلسبيل" له بنفسها؟ كيف لها أن تضحي في حقها به، وتقبل بأن امرأة أخرى تشاركها فيه؟
أطلق زفرة نزقة من صدره عندما وجد إجابة جميع أسئلته تتلخص بكلمة واحدة: أنها تعشقه! عشق تخطى كل الحدود جعلها تضحي من أجله وتتقبل وضعًا من الصعب بل من المستحيل أن تتقبله امرأة غيرها. لا ينكر أن فعلتها هذه زادت حبها في قلبه أضعافًا مضاعفة، وأيضًا تضاعف شعوره بالذنب. لكنه ما زال هناك جانب ما بقلبه الملتاع الذي لا يملك أي سلطة عليه. أزهرت به براعم عشق قوي لتلك "سلسبيل". لا يعلم لماذا هي الذي خصها الله عن دون النساء أن تخطف قلبه بنظرتها الحزينة. لم يتخيل يومًا من الأيام أن يميل قلبه لأنثى أخرى غير زوجته. كان هذا الأمر بالنسبة له من المستحيلات حتى وقعت عيناه على تلك الصغيرة التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب. أصبح الآن أمام قلبين ينزفان من شدة ألمهما، وهو وحده ملزم بإيقاف هذا النزيف. فهل سيكون عادلًا بينهما ويعطي لكل منهما حقها في قلبه رغم هذا الشعور العجيب الذي يغمره؟ هو بكل ما يملك من قوة يشعر أنه مسؤول من زوجته "خضرا"، بينما "سلسبيل" يشعر أنه مسؤول عنها.
هبط الدرج بخطواته الواثقة، يدور بعينيه عن والدته "بخيتة". لقد عاد بوقت متأخر ليلة أمس، كانت هي نائمة حينها. وجدها تجلس كعادتها كل صباح بحديقة المنزل بملامحها العابسة التي لا تتخلى عنها أبدًا. سار نحوها ممسكًا بيده عصا خشبية جديدة أحضرها لها خصيصًا بدلاً عن تلك التي هشّمها وقت غضبه.
لمحته "بخيتة" بطرف عينيها، فرمقته بنظرة غاضبة، وأشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تقول:
"تَو ما افتكرت إن ليك أم زعلتها وكسرت عكازها يا عبد الچبار؟"
"مقدرش على زعلك يا أمه.. دا أني عايش برضاكِ عليا يا ست الناس." قالها وهو يميل على يدها ويقبلها مكملًا:
"حقك على راسي يا أم عبد الچبار، ولو على العكاز.. چبتلك واحد چديد أحسن منه."
"بخيتة" وهي تأخذ منه العصا، وتتأملها بانتصار، فهي تعلم جيدًا أنه بار بها، ويسعى جاهدًا لينال رضاها عنه رغم كل ما تفعله:
"أنت اللي عكازي، وسندي، ضهري يا ولدي، ومع أكده عمري ما هرضي عنِك إلا لما تسمع حديتي وتتچوز وتچيب الواد.. وقتها هبجي راضية عنِك صُح."
"هتچوز سلسبيل يا أمه." أردف بها وهو يجلس على المقعد المقابل لها بأريحية مكملًا بهدوء آثار غضبها:
"أني مستنظر قناوي هو على وصول، وشيعت حسان يچيب المأذون."
"بخيتة" بغضب:
"لع يا عبد الچبار.. بلاش مِنها البت دهيه.. كرهتها وكرهت شوفِتها.. ارميها لأبوها و غورها من اهنه، وأني هدلي على البلد أچيبلك بنتة صغيرة خمستاشر سنة أكده تكون لسَتها بت بنوت."
انتظر حتى أنهت حديثها، ونظر لها بعتاب مردفًا:
"طيب إسألي لول علي اللي مرمية في المستشفى حالتها خطرة محتاجة عملية واعرة في جلبها بسبب قسوتك وقسوة أبوها وأخوي الله يرحمه ويسامحه عليها.. دي مهما حُصل كان بناتكم عيش وملح."
شهقت "بخيتة" بعنف، وضربت على صدرها بكف يدها مدمدمة:
"بجت مريضة بجلبها.. على أكده لا هتبجي حمل چواز ولا خلفة يعني ملهاش عازه عنِدنا."
"عبد الجبار" بنفاذ صبر:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. الرحمة شوي يا أمه أحب على يدك."
"بخيتة" بنبرة متوسلة:
"اسمع حديتي يا ولدي.. أني ريدالك الصالح.. هچيبلك بدل العروسة عشرة ونقي منِهم اللي على كيفك."
"متتعبيش حالك على الفاضي يا أمه.. أني مهتچوزش غير اللي خضرا طلبت لي يدها." قالها وهو يهب واقفًا، وتابع بابتسامة انبلجت على قسمات وجهه وهو ينطق حروف اسمها:
"سلسبيل."
نظرت له "بخيتة" بأعين مشتعلة بغضب عارم حتى اختفى عن عينيها داخل منزله، وحدثت نفسها بوعيد قائلة:
"يا ويلك مني يا خضرا يا بت المركوب يلي ساحرة لولدي."
"سلسبيل".. لاحظ الأطباء تطورًا ملحوظًا بحالتها منذ ليلة أمس، خاصةً بعد حوارها مع "خضرا" عن زواجها من "عبد الجبار". شيئًا ما جعل روحها تنتعش، ربما الأمان الذي غمرها وهي تتخيل نفسها زوجة رجل سيكون سندًا، ودرعًا حاميًا لها. هذا ما كانت تبحث عنه دائمًا حتى أوشكت على اليأس بعدما ظنت أنها لن تعثر عليه أبدًا. وأخيرًا وبعد طول انتظار وجدت من تستطيع الهروب إليه من قظ العالم وسرابته، من برودة يناير وارتعاداته. تزم عينيها حتى تمر قوافل الشك والارتياب المغبرة بذكريات مبعثرة، كالعجوز الصغيرة تتلهف رتق تجاعيد الرحلة لديه. جاءت إليه بالنزع الأخير فأما أن يكون منقذها أو قاتلها.
أما "خضرا"، أيقنت أنها اتخذت القرار الصحيح بزواج زوجها من "سلسبيل" بعدما درست الوضع جيدًا من جميع الجوانب. عادات وتقاليد الصعيد بلدها تعطي الحق للرجل بالزواج على زوجته حتى لو أنجبت له جيشًا من الرجال، ولا تسمح لأي امرأة أن تعترض أو حتى تطلب الطلاق. يفضلون عودة ابنتهم لهم جثة هامدة، ولا تعود حاملة لقب مطلقة. وإن حدث الطلاق في أصعب وأضيق الظروف لن يتركوها دون زواج إلا فترة عدتها فقط، ومن ثم ستتزوج من رجل آخر بكل تأكيد سيكون متزوجًا قبلها، وستصبح أيضًا زوجة ثانية، أو ربما ثالثة. حينها لن يترك "عبد الجبار" ابنتيه معها، سيأخذهما منها رغمًا عن أنفها هذا باعتبار لو تركها لها من الأساس. وضعت في موقف لا تُحسد عليه، لكنه جعلها تكتشف جانبًا جديدًا عليها كليًا في شخصيتها، لم تكن تعلم عنه شيئًا. أصبحت قوية عن ذي قبل، أقسمت على أن تحافظ على بيتها، وزوجها ولن تدع مخلوقًا يخرب عليها صفو حياتها. لم ولن تعود لتلك الضعيفة التي كانت تفقد وعيها، وتبكي بانهيار إذا ألقت "بخيتة" على سمعها إحدى كلماتها الجارحة. ستنتقم لكرامتها، وكبريائها، ولن تترك أو تتنازل ثانيةً عن حقها وحق "سلسبيل" التي اعتبرتها ابنتها رغم أنها لم تُكمل الثلاثين عامًا من عمرها بعد.
"الله أكبر.. عيني باردة عليكي يا ست العرايس." نطقت بها "خضرا" التي انتهت للتو من تمشيط شعر "سلسبيل" بعدما ساعدتها على أخذ حمام دافئ وهي بمكانها، طريحة الفراش.
"ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا أبلة خضرا." همست بها "سلسبيل" بامتنان، وابتسامة دافئة تزين ملامحها التي بدأت تشرق من جديد.
"ولا يحرمني منك يا خيتي، ويتم شفاكي على خير قادر يا كريم." قالتها وهي تقرب من فمها كوبًا من العصير مكملة:
"عايزاكي تروقي وتقومي على حيلك قوام لأجل ما نعاود على الدار، وتبجي عنينا على بخيتة العفريتة."
صدح صوت ضحكة "سلسبيل" منذ وقت طويل لم تضحك من قلبها حتى كادت أن تنسى صوت ضحكتها، وهمست مؤيدة حديثها:
"أيوه والله هي فعلاً عفريتة، ولايق عليها الاسم أكتر من بخيتة."
"بسم الله الحفيظ." أردفت بها "خضرا" وهي تسحب ياقة ثيابها وتبصق داخلها أكثر من مرة مرددة:
"متچبيش سيرتها العفشة دي مرة تانية لنلقيها فوق راسنا اهنه كمان."
"لا اطمني عمرها ما هتيجي تزورني هنا." قالتها "سلسبيل" بثقة، وابتسامة حزينة ظهرت على ملامحها الرقيقة.
مدت "خضرا" يدها وأمسكت ذقنها بين أصابعها جعلتها تنظر لها وتحدثت بتحذير قائلة:
"لع أوعاكِ تزعلي ولا تخافي من أي شيء واصل من اليوم و چاي."
رفعت رأسها بشموخ، وتابعت بفخر:
"عايزاكي ترفعي رأسك وتشدي عودك، وتصلي ضهرك.. أنتي الليلة هتبجي مرات عبد الچبار المنياوي، هتبجي في حمي راجل بمعني الكلمة.. ياكل جلب اللي يفكر أنه يدوسلك على طرف."
تراقص قلب "سلسبيل" الموجوع فرحًا من حديثها الذي أعطاها قوة جعلتها تتشبث بالحياة بعدما كانت تبغضها وتتمنى الموت لعلها تجد الراحة التي حُرمت منها.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخير." قالها المأذون عقب انتهائه من عقد قران "عبد الجبار" على "سلسبيل" أمام نظرات "بخيتة" التي تتوهج كالنيران من شدة غضبها.
يا الله! تعالت نبضات قلبه، وتلاحقت أنفاسه بسعادة بالغة نجح في إخفائها ببراعة، فأخيرًا أصبحت تلك الصغيرة زوجته، تحمل اسمه. فقد وافق "قناوي" على الفور دون لحظة تردد عندما جدد "عبد الجبار" طلبه للزواج من ابنته، حتى أنه زوّجها له دون أن يسأل عنها أو عن رأيها مطلقًا معتمدًا على أنه وكيلها، ف"سلسبيل" لم تصل لسن الرشد بعد. لا يعلم أنها محتجزة بالعناية المركزة في قسم جراحة القلب بسبب ما فعله هو بها في المركز الأول.
"مبروك يا عبد الچبار ب!" توقف عن إكمال حديثه، وتأوه بصوت عالٍ حين فاجئه "عبد الجبار" بلكمة قوية أفقدته توازنه، وسقط أرضًا بعنف.
"مهانش عليك من ساعة ما رچلك خطت اهنه تطمن على بتك، وتسأل عنِها مش باين لها بالدار لا حس ولا نفس ليه عاد." أنهى جملته، ومال عليه سحبه من تلابيبه، أوقفه أمامه مكملًا وهو يلكمه لكمة أقوى، لكنه لم يتركه يسقط هذه المرة:
"مالها بت الفرطو ااااه!"
"اوعاك تغلط فيها بعد أكده." هدر بها بصوت أجش وهو يكيل له اللكمات مكملًا بغصة تعتصر قلبه:
"كفاياك اللي عملته في جلبها.. من اليوم وطالع مبجتش بتك.. ولا ليك علاقة بيها.. بقت سلسبيل عبد الچبار المنياوي.. مَراتي، واللي يبص نوحيها بعين اقلع له التنين."
"اللي تؤمرني بيه يا چناب البيه.. مبقاش ليا صالح بيها من انهارده." أردف بها "قناوي" بصوت مرتجف متقطع حين رأى عينيه تتسعان بغضب وتبرز عروقه بخطورة. مشاعره المشحونة تعصف بداخله وتغير بصدره، تطلع له بنظرة لا ريب أصابته بالذعر والخوف من قسماته العابسة بشدة، ليصيح بحدة وهو يقبض فجأة على عنقه بقبضته الفولاذية:
"ولو چرالها حاچة هقتلك بيدي، وأرمي چيتتك للكلاب."
عشقتك دون أن أدري، وهل لنا عن العشق سلطان
إداري مشاعري في قلبي، وأطلب النجاة من الرحمن
وخضرا رفيقة دربي. حب الصبا وبر الأمان
هي أقرب إلي من نفسي. لا يوجد لمثلها وجود
وسلسبيل نبع الحياة حبي لها تخطي الحدود
يارب للصح أهديني، ولسعادتهما قوني
فهما قرة قلبي وعيني.. أرزقنا السعادة والاطمئنان.
رواية جبر السلسبيل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نسمة مالك
وافقت "خضرا" على زواج زوجها من "سلسبيل" و أظهرت ترحابها بهذه الزيجة.
لكن هل ستظل مصطنعة الهدوء هكذا بعدما ترى بعينيها امرأة أخرى تشاركها في زوجها الذي تهيم به عشقًا؟
هذا ما يدور بخاطر "عبد الجبار" الواقف أمام غرفة العناية المتواجد بداخلها زوجاته، يحاول تمالك نفسه حتى يتمكن من إخفاء لهفة قلبه على تلك الصغيرة قدر المستطاع.
لا يريد أن يمسّ شعور "خضرا" بالسوء أو إثارة غيرتها عليه.
رسم قناع جليدي على ملامحه الصارمة فهو بارع في التحكم بجميع انفعالاته.
أخرج هاتفه من جيب معطفه طلب رقمها، و وضع الهاتف على أذنه ينتظر سماع صوتها الحنون.
داخل الغرفة كانت "خضرا" تجلس على مقعد بجوار "سلسبيل" النائمة تتأمل جمالها الرقيق، والبريء بأنٍ واحد.
جسدها الممشوق بمنحنيات فتاكة رغم نحافتها، نعومة بشرتها الحلبية، خصلات شعرها البنية الملساء المنسدلة على وجهها المستدير بهيئة تخطف الأنفاس.
عينيها الواسعة التي تشبه غابات الزيتون، أنفها الصغير المنمق، شفتيها المكتنزة المزمومة.
تُقر وتعترف أنها تمتلك جمال مبهر سيكون سبب قوي لنجاحها في الوصل إلى قلب زوجها بكل سهولة، وربما التربع على عرش قلبه، فالعين تميل لكل ما هو جميل، فإن المولي عز وجل جميل يحب الجمال، فماذا عنا نحن البشر ضعاف النفوس.
لاحظت أيضًا إشراق ملامحها، وتحسن حالتها الصحية منذ حديثهما عن زواجها من "عبد الجبار".
أطبقت جفنيها بقوة كمحاولة منها لكبح عبراتها حين شعرت بنيران تتأجج بقلبها وهي تتخيل نظرة زوجها لها.
أسرعت برفع كف يدها وضعتْه على فمها تكتم به آهة متألمة كادت أن تصرخ بها من تخيل نظراتهما فقط، فماذا ستفعل أن تطور الأمر بينهما وأصبحت "سلسبيل" زوجته قولاً وفعلاً.
انتشالها من دوامة أفكارها صوت رنين هاتفها الذي أيقظ تلك النائمة.
رسمت "خضرا" ابتسامة على ملامحها تخفي بها حزنها، وضغطت زر الفتح.
"أيوه يا أبو فاطمة.. طمني عليك يا خوي."
"عبد الجبار" بصوته الرزين.
"أني برة.. واقف قدام العناية."
"هخرچلك طوالي."
قالتها وأغلقت الهاتف، وانتصبت واقفة، وسارت بخطوات مهرولة نحو الخارج وهي تقول.
"هعاود للدار أجهز الوكل، وارجعلك، متخفيش مش هعوق عليكِ يا خيتي."
ليوقفها صوت "سلسبيل" الهامس تقول بلهفة.
"هو عبد الجبار هيرجع معاكي البيت يا أبلة خضرا."
تسمرت "خضرا" محلها لبرهةً قبل أن تستدير لها، وقد تملكت الغيرة منها حين شعرت بلهفتها عليه.
ابتسمت لها ابتسامة مصطنعة لأول مرة مدمدمة.
"كأنك ملهوفة لشوفته ونسيتي وعدك ليا إياك!!"
عقدت ذراعيها أمام صدرها مكملة.
"وبجي عبد الجبار حاف أكده!!!"
حديثها كان بمثابة دلو من الماء البارد سقط فوق رأس "سلسبيل" التي تنحنحت بحرج وتحدثت بابتسامة باهتة قائلة.
"أنا مش ناسية وقفتك جنبي ووعدي ليكي ولا عمري هنسي يا أبلة خضرا اطمني.. أنا كنت عايزة أشكر أستاذ عبد الجبار على وقفته معايا مش أكتر."
عقدت حاجبيها، وتابعت بمزاح.
"هتغيري عليه من أولها كده!!!"
تنهدت بحزن حين داهمتها معاملة "عبد الجبار" معها، كان لا يكترث لوجودها، لا ينظر لها لو نظرة عابرة، وتابعت بغصة يملؤها الآسي.
"ليكي حق تغيري عليه.. بس مش مني.. أنا بقيت بواقي ست زي ما بيقولوا ومافيش رجل يرضى يبصلي حتى."
رمقتها "خضرا" بتهكم على وصفها لنفسها الذي ليس له أي أساس من الصحة.
ساد الصمت بينهما قليلاً هدأت خلاله نوبة غضبها، ولكن لم تهدأ غيرتها التي استحوذت على قلبها أبدًا، جعلتها تتحدث بحدة دون إرادتها.
"أني رايحة، ويمكن مقدرش أجيكِ الليلة.. هاجيكِ في الصبحية ويه عبد الجبار وأبقى أشكريه وقتها، عشان النهارده عنده شغل ياما، قالي أخرجله قوام لأجل ما يروحني ويعاود على أكل عيشه."
تطلعت لها "سلسبيل" بنظرات منذهلة من طريقتها الحادة معها التي جعلت العبرات تغزو عينيها، بينما أنهت "خضرا" حديثها وغادرت الغرفة في الحال وهي تنهر نفسها على طريقتها معها، وكذبها عليها فيما تفوهت به.
قالت حديثًا على لسان زوجها لم يقله من شدة غيرتها عليه التي تفاجأت بها هي شخصيًا.
خرجت من الغرفة بملامح عابسة بشدة.
أول ما وقعت أعين "عبد الجبار" عليها أيقن أن غيرتها عليه التي يخشاها تمكنت منها لا محالة.
اقتربت منه بخطوات غاضبة، وعيناها تشمله بنظرة مترقبة، تحاول قراءة تعابير وجهه الصلبة.
"سلسبيل بقت مراتك؟!"
لاحظ شحوب بشرتها تدريجيًا، عيناها غامت بغضب معصف يُهدد بالانهيار.
دفعه لإحتوائها بطريقته الخبيرة بمعاملة النساء.
"اتوحشتك يا خضرا."
قالها بنبرته التي تثلج قلبها، وهو يقترب منها ويقبض على كف يدها فجأة وأصابعه تتخلل أصابعها وتشتبك بهم بقوة.
في أقل من لحظة تبخر كل غضبها، وعادت الدماء تورّد بشرتها من جديد، وحتى نظرتها الغاضبة له تحولت لأخرى مُتيمة.
"اتوحشتني صح يا عبد الجبار."
رفع ذراعه وحاوطها به وضم رأسها لصدره، مال عليها قاصدًا جبينها وطبع عليه قبلة مطولة مغمغمًا.
"نعاود دارنا وأني أوريك اتوحشك قد إيه يا غالية."
شهقت بخفوت، وقد اشتعلت وجنتيها بحمرة الخجل بعدما تفهمت مخزي حديثه.
رفرف قلبها بشدة حين سحبها معه وسار بخطوات واسعة نحو الخارج دون أن يرى "سلسبيل" بعينه ولو نظرة خاطفة تخفف من ارتعاد قلبه عليها، غادر المكان جسدًا بلا روح تاركًا قلبه بحوزتها.
"سلسبيل".
كم كانت تأمل أن تراه قبل أن يغادر برفقة "خضرا".
أصبح هو الشخص الوحيد الذي تشعر في وجوده بالأمان.
تريد أن تخبره كم هي ممتنة لوقوفه معها، لقبوله الزواج منها، وأنه أول رجل تدعو له من صميم قلبها بعدما كانت تدعو على جميع الرجال بسبب ما حدث لها على يد زوجها السابق، ووالدها الذي لم يكلف نفسه ليسأل حتى عن حالها.
يؤلمها شعور الوحدة كالسكين البارد يمزق قلبها دون رحمة، خائفة من أن تلقى حتفها وهي بمفردها دون جليس ولا أنيس.
ظلت عيناها على باب الغرفة تنتظر قدومه على أحر من الجمر.
"هو عبد الجبار بيه لسه بره ولا مشي لو سمحتي."
همست بها للممرضة التي تقوم بأعطائها الدواء.
"لا مش برة.. دا مشي هو ومدام خضرا من ساعة ما خرجت من عند حضرتك."
هكذا أجابتها بمنتهى البساطة.
جملتها هذه حطمت كل آمالها، جعلت دموعها تنهمر على وجنتيها بغزارة دون بكاء.
انتفضت الممرضة بفزع حين رأتها تبكي، وتحدثت بلهفة مستفسرة.
"بتعيطي ليه.. حاسة بحاجة بتوجعك؟!"
لم تجد سوى الصمت حليفها، بينما "سلسبيل" تنظر للفراغ بشرود، وأعين لم تتوقف عن ذرف العبرات، وقد بدأ الجهاز الموصل بقلبها بإصدار بعض الأصوات.
أسرعت الفتاة نحو زرار الطوارئ ضغطت عليه، ليهرول نحوهما عدد لا بأس به من الأطباء.
دَلفت "خضرا" داخل منزلها بخطى ثابتة، مصطنعة القوة أمام "بخيتة" الجالسة بردهة المنزل.
كان "عبد الجبار" مازال بالخارج يصف سيارته.
فور رؤيتها ضحكت بشماتة بادية، وهرولت تجاهها حتى توقفت أمامها مباشرةً وتحدثت بفرحة غامرة.
"والله وعملها وبرد جلبي واتجوز عليكي يا بت نفيسة."
"برضايا."
أردفت بها "خضرا" بابتسامة تخفي بها قهرتها الظاهرة على ملامحها.
صدح صوت ضحكة "بخيتة" مرددة بسخرية.
"أيوه أيوه برضاكي.. ما أنا خابرة زين.. حتى باين على خلقتك."
توقفت عن الضحك، وتوحشت ملامحها فجأة مكملة بقسوتها المعتادة.
"إياكِ تكوني فاكرة إن حديثك اللي قولتهولي هز شعرة واحدة من راسي."
حركت رأسها بالنفي، وتابعت بجحود.
"أنتي عملتي اللي أنا ريداكِ تعمليه.. مكنش حد غيرك هيقنع ولدي يتجوز سلسبيل اللي كسرت بيدي شوكتها ولا هيقوم ليها قومة مرة تانية، وأنتي كمان يا خضرا النهارده مش بس كسرت شوكتك.. لع أنا كسرت جلبك اللي نار الغيرة بتنهش فيه نهش، ودخانها طالع من عنيكِ."
تطلعت لها "خضرا" بصمت، لم تبدي أي رد فعل على ملامحها الجامدة.
لتكمل "بخيتة" بصرامة.
"لازم تبجي عارفة إن لسه متخلقتش المرة اللي تمشي كلمتها على بخيتة."
"واقفين أكده ليه عاد!!!"
قالها "عبد الجبار" الذي دلف للتو.
فتحت "بخيتة" فمها لتجيبه، لكنها قفزت بخضة حين صدح سيل من زغاريد "خضرا" عاليًا مرارًا وتكرارًا دون توقف حتى كادت أنفاسها أن تنقطع، فألم قلبها قد فاق تحملها لكنها لم تتمكن من الصراخ.
"مبروك يا خوي.. ألف بركة جوازك يا عبد الجبار."
نطقت بها بأنفاس متهدجة وهي تربت على كتفيه بكلتا يديها، مكملة.
"ندر عليا اليوم اللي ترجع فيه سلسبيل على الدار ونطمن عليها لعملك ليلة كبيرة كلها مغني وأكل من عمايل يدي."
نظرت تجاه "بخيتة" التي تصطك على أسنانها بغيظ وهي تراها لم تبالي لحديثها معها.
"وهرقصلك كمان انت وعروستنا يا سيد الناس."
"الله يباركلي فيكِ يا غالية."
قالها "عبد الجبار" وهو يضمها لصدره بقوة غير عابئ لنظرات "بخيتة" الحارقة، فهو يشعر بألم زوجته رغم أنها نجحت في إخفائه.
انبلجت ابتسامة خبيثة على ملامح "بخيتة" ونظرت لـ "خضرا" مدمدمة.
"اممم.. ولما ترجع عروستنا تسيبي بجي الدار ليها، وتعودي أنتِ والبنات الصغار وأنا كمان معاكم على الصعيد ونسيبهم بجي لحالهم يقضوا شهر العسل عشان يجيبولي الواد."
شعرت "خضرا" أنها تلقت ضربة قاتلة على رأسها جعلت الدنيا تومض من حولها، انسحبت الدماء من عروقها، ووقفت كالصنم تحملق في "بخيتة" التي تضحك بسعادة بالغة بعدما وصلت لغايتها.
لم تدوم ضحكتها طويلاً، تلاشت سريعًا حتى اختفت نهائيًا وحل مكانها الضيق حين قال "عبد الجبار" بصوته الأجش.
"خضرا مهتسيبش دارها ولا تهملني لحالي واصل."
حديثه هذا رد الروح إليها ثانيةً، تطلعت له بأعين تلتمع بالدموع، فأهداها ابتسامته الجذابة مكملاً.
"ده دارك وإحنا كلنا ضيوف عندك."
نظر لوالدته التي كادت أن تنفجر من شدة غيظها، وتابع بجملة جعلت قلب "خضرا" يتراقص بين ضلوعها من فرحته حين قال.
"ولو في حد هيعاود الصعيد يا أمي هتبقى سلسبيل مش خضرا."
قالها ليثبت لها مدى تمسكه بها، لا ولن يغامر بخسارتها مهما كلف منه الأمر، يرى أنها تستحق منه هذا وأكثر، حتى لو ضحى بقلبه الذي عشق تلك الصغيرة رغمًا عنه.
"ربنا ميحرمنيش منك واصل ويديمك فوق راسي العمر كله."
قالتها وهي تقف على أطراف أصابعها وتقبل كتفه مرات متتالية.
ضربت "بخيتة" بعصاها في الأرض، وسارت من أمامهما بخطوات غاضبة، وهي تسب وتلعن، وتدعو على "خضرا" بغل وحقد دفين يغلف قلبها القاسي.
انتظر حتى تأكد من ذهاب والدته، وأصبح بمفرده معها.
"تعالي أشبع منك شوي قبل ما بناتك يرجعوا من المدرسة."
همس بها وهو يسحبها خلفه نحو الدرج.
ضحكت بغنج حين مال عليها وحملها بين يديه، وصعد بها الدرج بخطوات شبه راكضة.
مر اليوم من أجمل الأيام بحياة "خضرا" التي لم تترك زوجها لحظة واحدة يدلف لخارج غرفتهما حتى وصل بها الأمر أن تحضر له طعام الغداء والعشاء وهو بمكانه على الفراش.
تطعمه بيدها وقد ظهرت له تجاوب وترحاب في علاقتهما الحميمة أذهله شخصيًا بعدما كانت تخجل من مداعبته لها.
ما تفعله معه الآن لم تفعله حتى أول زواجهما، وكأنها أصبحت عروسًا من جديد لأجل إرضاءه، أو ربما حتى لا تترك له الفرصة للتفكير في غريمتها.
بعد قضاء ليلة ملحمية، انفصلت عن العالم أجمع وغرقت في نوم عميق بين ذراعيه التي تحتويها بحماية.
لم تستمع حتى لصوت رنين هاتفه المستمر.
كان "عبد الجبار" شارد الذهن بزوجته التي تمكث بالمستشفى بمفردها، يمنع نفسه بشق الأنفس حتى لا يذهب إليها الآن.
سقط قلبه أرضًا حين لمح رقم الطبيب المشرف على حالتها.
"خير يا دكتور.. سلسبيل حصل لها حاجة؟"
أتاه صوت الطبيب يتحدث بإحراج قائلاً.
"أنا آسف إني بكلم حضرتك في وقت متأخر.. بس مدام سلسبيل مش مبطلة عياط نهائي.. وإحنا أديناها مهدئ، ومنوم كذا مرة وكل ما بتفوق بترجع تعيط أكتر، ومش هينفع نديها أي مهدئات تاني النهارده.. فقولت أبلغ حضرتك لو تحب نخلي دكتور نفسي يكشف عليها يمكن يقدر يخليها تحكيله عن اللي مزعلها و..."
"لأ.. متخليهاش تحكي مع حد واصل لحد ما أجيك فاهم كويس يا دكتور.. أنا دقايق وهبقى عندك."
هكذا قطع "عبد الجبار" حديثه، وغادر الفراش مسرعًا من جوار زوجته.
"أمرك يا عبد الجبار بيه.. أنا في انتظارك."
أغلق "عبد الجبار" هاتفه، وألقاه على أقرب طاولة بإهمال، وفتح الخزانة أخذ منها بعض الثياب، وقميص بلون الرمادي وسروال باللون الأسود.
هرول نحو حمام الغرفة اختفى بداخله بضع دقائق معدودة، ومن ثم خرج وهو يغلق أزرار قميصه.
لف الحزام الجلدي حول خصره، وارتدى حذاء أسود اللون، مشط شعره الكثيف بعناية فائقة، ونثر عطره المميز بسخاء.
وخطف أغراضه المكونة من جزدانه الجلدي، هواتفه، مفاتيح سيارته، وسار لخارج الغرفة بخطوات واسعة.
"غيرت عليكي منها يا عبد الجبار."
أردفت بها "خضرا" بصوت متحشرج بالبكاء.
استيقظت حين وصل لأنفها رائحة عطره، جعلته يتوقف عن السير، ونظر نحوها وجدها تسحب الغطاء على جسدها العاري، وتعتدل بتكاسل جالسة تنظر له بخجل مكملة.
"غيرت غصب عني يا خوي.. مكنتش خابرة إن جوازك عليا هيبجي واقعه واعر أوي أكده ويخليني أكدب على البنت المريضة اللي كانت عايزة تشوفك وأقولها إنك عندك شغل ياما وأنا خابرة إن النهارده يوم إجازتك."
شعر بخنجر حاد يقطع نياط قلبه على حين غرة عندما أدرك سبب بكاء صغيرته.
سيطر على انفعالاته المتضاربة بمهارة، وسار نحوها ومال على رأسها قبلها بعمق مرددًا.
"أنتِ تغيري عليا بكيفك يا غالية."
رق قلبها لـ "سلسبيل" بعدما غمرها هو بفيض من كرمه وشغفه، وتفهمه لمشاعرها، فابتسمت له بحب مرددة ببكاء.
"روح لها.. روح لها اجبر خاطرها المكسور زي ما جبرتني يا خوي."
"سلسبيل".
كانت بحالة يرثى لها، تبكي وتئن بضعف من تلك الوخزات المؤلمة التي تغزو صدرها وقلبها معًا.
فما أصعب الشعور بالوحدة في وجود الزوج، واليتم في وجود الأب.
تسارعت دقات قلبها، وعُلقت أنفاسها بصدرها حين تسللت إلى أنفها عبق رائحته، لوهلة ظنت أنها تتوهم وجوده لشدة احتياجها له.
لينفتح باب الغرفة، ودلف هو منه بهيئته التي تفقدها صوابها.
تطلعت له بأعين تشتعل تتلهف لقربه، رائحته، لمسته، لكنها تظهر عكس ما بداخلها، تصطنع الجمود، رغم الضجيج الصارخ بأعماقها الذي يستجديه أن يشد رحاله ما بين جبينها وشفتيها، لا يترك منزلًا مشتاقًا إلا ونزل فيه.
يعتصر ترددها ويخطفها من نفسها فيه، يوشم على خصرها بأنامله، يذيب خجلها بدفئ أحضانه، فهي كالطفلة الباكية طامعة بضمة تخفيها، تطالب نبضه لجنون نبضها يجاريه، يغرقها عشقًا لا هدوء ينهيه.
أشاحت وجهها للجهة الأخرى لتخفي فرحتها حين رأت لهفة عينيه الحادتين عليها لأول مرة.
قطع المسافة بينه وبينها بخطوتين، شهقت بخفوت حين استند على الفراش حولها بكلتا يديه، ومال بجزعه عليها اختلطت أنفاسهما.
تأمل ملامحها بافتتان مغمغمًا.
"بجيتي مراتي.. مراتي يا سلسبيل."
أجهشت بالبكاء وكأنها تشكو له بدموعها ما عانته طيلة عمرها.
رفع إحدى يديه ووضع إبهامه على شفتيها وهو يقول.
"هش.. كفاياكِ بكي.. خابر إني عوقت عليكِ.. حقك عليا."
"اتأخرت عليا أوي يا عبد الجبار.. أوي."
همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، وهي تمتثل رغمًا عنها للسحر الذي يبثه لها بنظراته.
"إيه قولك أحكيلك حدوتة الجبر؟"
قالها وهو يزيل عبراتها المنهمرة على وجنتيها بأنامله بمنتهى الرفق.
نظرت له بعينيها نظرتها التي تذيب قلبه المتيم بها عشقًا، فتابع همسه الهادئ بجوار أذنها بأنفاسه الساخنة التي تلفح نعومة بشرتها تجعل نبضات قلبها تخفق بين ضلوعها بجنون.
"جبر جلب السلسبيل."
قالها وهو يميل عليها أكثر مطوقًا خصرها بذراعيه، وضمها لصدره بعناق محموم حتى أخفاها تمامًا بين ضلوعه.
تعلقت هي بعنقه كالغريق الذي تعلق بآخر أمل يجعله يتشبث في الحياة، تجذبه عليها بضعف متنهدة باسمه بهمسها الذي أطار اللب من عقله، فضمها له وهو يعتدل بها جالسًا، وبمنتهى الحرص أجلسها على قدميه.
"يا بوي كأنك مولودة في قلبي."
همس بها وهو يغمرها بقبلات متفرقة تخطف أنفاسها على كتفها، صعودًا بعنقها.
ماذا أريد؟
أريد الراحة والأمان، وأن أعيش في اطمئنان، وأن يكون لدي حصانة من غدر الزمان، فهل يتحقق ما أريد، أم يذهب طي النسيان، أريد عوض قريب من رب العالمين، لعله يستجيب فهو جابر المنكسرين.
رواية جبر السلسبيل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نسمة مالك
"سلسبيل"..
بالنسبة لها لم يعد للحديث أي أهمية الآن، يكفي الصمت المُطعم بالتنهيد بعدما تحقق أعظم أحلامها و حصلت على عناق الرجل الوحيد الذي جعل قلبها ينبض لأول مرة بالحياة، اتخذته شجرة يقطينها الطيبة، إذا البرد وارتعاشة الظلمة اجتاحتها احتميت بأوراقه الدافئة..
تسرق لحظات من الزمن بين ذراعيه التي تحتويها بلهفة و إشتياق، عناق روحاني بعد قلق، خوف، مأساة أنثى جمدتها أعوام القسوة، أعادها صوته طفلة و أذابت هي رجولته بضعفها الظاهر له وحده،
يغمرها بعناق محموم لم يكن له مثيل من قبل، تاركًا على جسدها أمان يديه، يدلل خجلها،يهديها ابتسامته كلما شعر بخوفها، لم يتحدث معاها و ظل صامتًا عندما رأي طقس حدقتيها الغائم الذي بكلمة حنان منه سينهمر المطر..
إلى أن تحدثت هي بعدم تصديق، بصوت مبحوح، مرتجف..
"عبد الجبار.. أنت هنا معايا!!" ..
دست نفسها داخل صدره أكثر دافنه وجهها بصدره، و تابعت ببوادر بكاء..
"أنا في حضنك فعلاً و لا أنا بحلم زي كل يوم!!!"..
"في حضني يا سلسبيل ، و چوه جلبي كمان يا زينة البنات"..
قالها "عبد الجبار" و هو يحتويها داخل جسده بحماية حين تكوّمة على نفسها بأحضانه أخذه وضع الجنين، و قد أعادها صوته لواقعها المرير، و صفعها القدر صفعة موجعة و هي تتذكر وعدها ل "خضرا "..
حاولت السيطرة على مشاعرها التي تبعثرت بفعل قربه منها الذي يعصف بكل ذرة تعقل بها، و بدأت تبتعد عنه ببطء،خافضة رأسها بخزي من نفسها على أستسلامها الكامل له،
"لا لا مينفعش.. أبعد عني.. انا وعدتها"..
همست بها و هي تحرك رأسها بالنفي، و بدأت تدفعه بعيداً عنها بضعف، لكنه أحكم سيطرته عليها و أعادها مكانها بجوار قلبه المُتيم بها مردفًا بهدوء كأنه يحدث صغيرته..
"هي مين اللي وعدتيها، ووعدتيها بأيه.. قوليلي متخافيش مني واصل"..
" أبلة خضرا.. وعدتها أني مش هكون لك زوجة يا عبد الجبار"..إجابته بصعوبة من بين شهقاتها العالية، و قد انفجرت في نوبة بكاء حادة..
رفعت رأسها و نظرت لعينيه بعينيها الحزينة الباكيه مكملة بأسف..
" جوازنا هيكون على ورق بس لحد ما اعمل العملية، و لو ربنا أراد و قومت منها يبقي"..
ابتلعت غصة مريرة بحلقها، و تتبعت بصوت يملؤه الألم..
"يبقي هطلقني، و لو مت تبقي تدفني أنت يا عبد الجبار عند أهل أمي!!"..
استمع لها حتي أنهت حديثها، و إنهال على شفتيها و عنقها بشفتيه يلثمهما بحرارة تاركًا عليها إحدي علاماته المميزة التي تستمر بالظهور لأيام،
تخدرت على أثرها جميع حواسها، لمسته لها تجعلها تغرق بأعماق بحر غرامة الذي يمنحها شعور بالإكتفاء الكامل جديد عليها كليًا جعلها تطلق آهة منتشية من بين شفتيها مرددة بخفوت بنبرة متوسلة..
"عبد الجبار أرجوك.. أبعد عني..أرجوك كفايا"..
احتضن وجهها بين كفيه الضخمين أجبرها على النظر لعينيه اللاهثتين، و أخذ نفس عميق كمحاولة منه لأعادة أنفاسه المهتاجة التي سلبتها هي، و تحدث بصوته الأجش المزلزل لكيانها..
"أني مليش صالح بوعدك ل خضرا..أنتى دلوجيت بجيتي مَراتي يعني أني حقك و أنتي كلك من حقي، فلو أنتي مريداش حقي فيكِ، فأني رايد أعطيكِ حقك فيا و مهتنزلش عنِه واصل.. فاهمني زين و لا أقول كمان"...
"لا مش فاهمة".. همست بها بعدم فهم و هي تحرك أهدابها التي تغرقها عبراتها، لتراه يبتسم لها تلك الإبتسامة الجذابة مغمغمًا بمكر..
" يعني أني دلوجيت رچلك..زي خضرا تمام.. ليكي حق في مالي يبجي هچيبلك بيت من بابه اللي يعچبك و تشاوري بيدك عليه،
أچيبلك أغلى و أچمل شبكة تليق ببدر البدور"..
ذاد من ضمها له حتي لصقها به بطريقة حميمية مكملاً بهمس أمام شفتيها المرتجفه..
"أضمك لصدري.. أحاوطك بضلوعي و أزرعك چوه جلبي"..
علقت أنفاسها بصدرها حين سار بأنفه على وجنتها الناعمة الملتهبة من شدة خجلها حتي وصل لأذنها و همس لها ببعض كلمات جعلها تشهق بقوة وأسرعت برفع كلتا يديها تخفي بهما وجهها و هي تقول بتقطع من فرط خجلها..
"اللي بتقوله ده مستحيل يحصل"..
" قد قولك ده يعني!!"..
أردف بها من بين ضحكاته الرجولية التي تدمر حصونها المنيعة، و يده تربت على طول ظهرها ببطء يخطف أنفاسها، و يجعل دقات قلبها تتسارع بجنون، فتطلعت له من بين أصابعها الموضوعه على وجهها، و همست بخفوت كالمغيبة قائلة..
" هحاول أكون قده"..
صمتت لبرهةً و تابعت بستحياء ..
"بس دلوقتي ممكن تحضني تاني"..
"تعالي يا عشج الروح"..
قالها و هو يخطفها داخل صدره بعناق دافئ جعل الأطمئنان يغلف قلبها، و الابتسامة تزين ملامحها رغم بكائها المستمر، فالرجل الحقيقي لا تقاس قوته بحجم عضلاته أو كثرة ماله بل بحجم الضحكة التي يرسمها على وجه أنثاه..
رواية جبر السلسبيل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نسمة مالك
سطعت شمس نهار يومًا جديد،
إنتقلت "سلسبيل" من غرفة العناية بعدما تحسنت حالتها بشكل أذهل الأطباء المشرفين على حالتها، بفضل الله أولاً و من بعده "عبد الجبار" الذي ظل معاها الليل بأكمله محاوطها بذراعيه بحماية و يده تربت على ظهرها بحنان بالغ حتى رضاها و عالج جروحات قلبها الغائرة..
سنوات طويلة عانت خلالهم من قلة الراحة، لم تنعم بنومٍ أمن مثل اليوم و هي بين يديه رأسها تتوسط صدره، تستمع لنبضات قلبه التي أصبحت بالنسبة لها أجمل و أعذب الألحان..
بينما هو لم يغمض له جفن، ظل يتأملها بشغف، يحفظ أدق تفاصيلها، يغرقها بسيل من قبلاته الدافئة دون توقف، و كم راقه مذاقها جعله يتمني لو يأكلها كما لو كانت حبة فاكهة طازجة شهية سال لعابها لها..
صوت طرقات على باب الغرفة جعله يبتعد عنها على مضض،دثرها جيدًا بالغطاء و هب واقفًا و سار نحو الباب مهرولاً..
كانت "خضرا"..
تقف أمام باب غرفة "سلسبيل" بعدما دلتها إحدي الممرضات عليها، تحاول إخفاء دموعها التي تجمعت بعينيها، الغيرة نيران تنسكب على قلب العاشق، و هي تُهيم بزوجها عشقًا، ما تشعر به الآن ألم لا يوصف ينهش روحها ، رسمت ابتسامة باهته على ملامحها،و أخذت نفس عميق زفرته على مهلٍ و من ثم طرقت على باب الغرفة بيدها المرتجفة..
و ظلت واقفة تنتظر سماع صوت زوجها يأذن لها بالدخول، لا تريد اقتحام خلوته معاها حتي لا تري شئ يزيد من ألمها أكثر، شهقت بخفوت حين فُتح الباب فجأة، و خرج منه "عبد الجبار" و أغلقه خلفه بحرص حتي لا يزعج تلك النائمة..
"تعالي يا خضرا.. رايد اتحدد وياكِ هبابة"..
قالها و هو يقبض على كف يدها برفق، و سحبها خلفه نحو مقاعد الإنتظار، اجلسها، و جلس على المقعد المجاور لها، و مازالت يدها داخل كفه،بل انه اعتدل تجاهها و ضم كفها بكلتا يديها مردفًا..
"خضرا يا غالية.. اسمعي حديتي اللي هقولهولك زين"..
كانت" خضرا " خافضة رأسها تخفي عبراتها التي خانتها و هبطت على وجنتيها فور وقوع عينيها على وجهه المشرق، و لمعة عينيه الجديدة كليًِا عليه و التي تظهر مدي فرحته الغامرة بعد قضاء الليل برفقة من عشقها قلبه، رغم أنه يجاهد حتي يظهر عكس ما بداخله،
" اتحدد ياخوي.. أني سمعاك"..غمغمت بها "خضرا" بابتسامة حزينة جعلته يصك أسنانه بقوة كاد أن يهشمهم، ساد الصمت بينهما للحظات كان هو يمسد على يدها بأنامله بحركة دائرية،و ينظر لعينيها نظرة راجية حتي تتوقف عن البكاء..
"غصب عني يا عبد الچبار.. والله غصب عني..مقدراش.. نار جلبي واعرة قوي قوي و خايفة مِنها عليك و على البنته الصغيرة اللي ملهاش ذنب في أي حاچة واصل"..
همست بها" خضرا" بتقطع من بين شهقاتها و هي ترفع كف يدها الأخرى و تضرب علي موضع قلبها بعنف،
أسرع "عبد الجبار" بأمساك يدها، و مال عليها قبلها بعمق، لتتوقف" خضرا " عن البكاء في الحال، ضحكت بخجل رغم عبراتها التي تهبط على وجنتيها، و حاولت سحب يدها من يده لكنه لم يتركها، بل أنه زاد من خجلها حين تنقل بشفتيه من يد للأخري مغمغمًا..
"إلا دموعك أنتي يا غالية"..
" أنت اللي غالي يا أبو فاطمة"..
قالتها بستحياء بصوت بالكاد يُسمع من فرط خجلها..
رفع رأسه ونظر لها بابتسامته الجذابة مرددًا..
"كفاياكِ بكي عاد.. لو أني غالي عنِدك صُح"..
توقف عن البكاء في الحال بعد جملته هذه حتي تثبت له مدي غلاوته عندها، تنهد" عبد الجبار" براحة حين هدأت نوبة بكائها..
"أني عمري ما يهون عليا زعلك، و لا وچع جلبك يا خضرا..زيي ما إني متأكد أن زعلي مهيهونش عليكِ واصل.. بس كمان لازم تعرفي أن سلسبيل بقت مَراتي هي كمان و ليها حقوق عليا و انتي مهيرضكيش ابجي ظالم واحده منِكم و عشان أكده اسمحيلي أكون چنب سلسبيل في شدتها لأنها بقت مسؤلة مني"..
" وه.. بستأذني يا عبد الچبار!!! "..
أردفت بها بعتاب مكملة..
" البنته في شدة و ملهاش حد غيرنا دلوجيت.. و أني كنت عفشة في حديتي وياها عيشة و تاه عن بالي تعبها و عتبانه على حالي والله يا خوي و مش هرتاح إلا لما أرضيها و احب على راسها كمان "..
ربتت على كتفه و تابعت بنبرة متوسلة..
" و أنت كمان يا عبد الچبار اوعاك تزعل مني لو غيرت منِها عليك.. بيبجي غصب عني.. عقلي بيچن مني يخليني أقول حديت ماسخ ملهش عازة.. أبقى أصبر عليا و أني هعاتب روحي و اچي أتحقلك"..
تطلع لها بنظرات منذهلة، دومًا تبهره بقلبها الماسي، و معدنها الأصيل..
"طول عمرك أصيلة و بت أصول يا خضرا"..
قالها و هو يرفع كف يدها على شفتيه ويلثمه ثانيةً بحرارة، و انتصب واقفًا ساحبها معه و سار بها تجاه غرفة "سلسبيل" مكملاً ..
"أني هسيبك وياها و اطلع على الشركة عندي اچتماع مهم لازم احضره.. هخلصه و اعاود طوالي"..
قالها و هو يُكمل سير مبتعد عن الباب الذط توقفت أمامه "خضرا" لن يدلف للداخل برفقتها حتي لا تري نظرته لتلك الصغيرة و لهفة عينيه لها..
"روح أنت متشلش هم واصل.. أني هفضل وياها اهنه و هاخد بالي منِها لحد ما تعاود"..
قالتها" خضرا " و هي تفتح الباب و تخطو للداخل و اغلقته خلفها..
........................................لا إله إلا الله 💐........
مطار القاهرة الدولي..
أعلنت الميكرفونات عن وصول رحلة قادمة من كندا، وقف على باب الطائرة الذي فُتح للتو و أخذ نفس عميق يملئ رئتيه بهواء بلده الذي اشتاقها حد الجنون بعد غياب أكثر من ثمانية أعوام بالغربة، لم يأخذ خلالهم أجازة واحدة..
ترك بلده الحبيب و سعي وراء لقمة العيش، بعدما عاني من الفقر الشديد هو وأسرته فقد بسببه أحب و أغلى البشر لقلبه، حتي جائته فرصة السفر فأقسم أن لن يضيعها هباء، اجتهد و عمل في أصعب و أخطر المهن حتي تمكن من إثبات ذاته و أصبح ذو شأنً كبير في مدة قصيرة، و عاد أخيرًا حاملاً معه الخيرات لأهله..
هبط الدرج على مهلٍ و عينيه تدور بالمكان من حوله بلهفة،
مد يده لجيب سرواله أخرج هاتفه، ليصدح صوت رنينه فور فتحه، فتحدث هو بمزاح..
"جدي يا جدي يا جدي"..
"جابر.. يا حبيب جدك.. أنت فين يا ابني"..
"أنا في مصر.. رجعت يا جدي.. رجعت علشان أرجعلك بنت بنتك"..
صمت لوهلة و تابع بتنهيدة إشتياق..
"سلسبيل"..
...................................... لا حول ولا قوة الا بالله 💐.......
"سلسبيل"..
شحب لونها حين فتحت عينيها وجدت نفسها وحيدة بالفراش من دون زوجها، للحظة ظنت أنها كانت تتوهم وجوده معاها، و لكن رائحة عطره الذي يحاوطها جعلها تتأكد أن ما عشته كان حقيقي، لم يكن إحدي أحلامها..
انبلجت ابتسامة على شفتيها المتورمة أثر قبلاته و هي تستعيد ذكري لمساته و همساته لها التي تذيب قلبها، كانت "خضرا" مستندة بظهرها على باب الغرفة المغلق تتابعها بأعين جاحظة تنهمر منها العبرات بلا توقف حين لمحت آثار لمسات زوجها لها، و ما تركه من علامات مميزة على عنقها و شفتيها..
صوت أنينها وصل لسمع "سلسبيل" انتشالها من قاع أحلامها الوردية، بصفعة دامية اعادتها لواقعها المرير حين رأت حالة "خضرا" التي قطعت نياط قلبها على حين غرة..
"أبلة خضرا".. همست بها و هي تعتدل جالسة بوهن..
"كفاية عياط ونبي يا أبلة خضرا.. حقك عليا والله"..
قالتها ببوادر بكاء و هي تحاول مغادرة الفراش بضعف،تمكنت من الوقوف بصعوبة بالغة، وحاولت تسير نحوها لكن تهاوي جسدها لم يسعفها فسقطت جالسة أرضًا بقوة..
"يا جلبي يا بتي".. صرخت بها "خضرا" و هي تركض نحوها، و جلست على ركبتيها أرضًا أمامها تتفحصها بلهفة و تساندها بحرص حتي اعادتها لفراشها مرة أخرى..
"أنا أسفة.. حقك عليا"..
همست بها "سلسبيل" ببكاء حاد و هي ترتمي داخل حضنها و تبكي بنحيب..
ربتت "خضرا" على شعرها بحنو، و تحدثت بابتسامة رغم عبراتها التي تهبط على وجنتيها ببطء..
"إني مش زعلانة منِك يا خيتي..بالعكس أني زعلانة من طريقة حديتي الماسخ وياكِ.. عبد الچبار بجي چوزك زي ما هو چوزي و ليكِ حق عليه زيي تمام، و عشان أكده أني بحلك من وعدك ليا"..
رفعت" سلسبيل" رأسها و نظرت لها بذهول، لتزيل "خضرا" دموعها بيدها الحنونة و تابعت بغصة يملؤها الأسى ..
" بس متبجيش تاخدي على خاطرك مني لما أزيط فيكِ سواعي أكده من غيرتي و حرقة جلبي يا سلسبيل "..
" صعبتيها عليا أكتر بحنيتك، و طيبة قلبك دي يا أبلة خضرا".. أردفت بها" سلسبيل" بأسف، واجهشت ببكاء مرير مكملة..
" مش هيهون عليا أحرق قلبك حتي لو التمن قلبي أنا"
رواية جبر السلسبيل الفصل السادس عشر 16 - بقلم نسمة مالك
مر يومان.
لم يستطع "عبد الجبار" الانفراد بـ "سلسبيل" منذ خروجها من غرفة العناية، فقد طلبت هي من الممرضات بالمشفى عدم تركها معه بمفردها بعدما رأت ضعفها المخزي بين يديه.
لهفتها عليه تلغي كل ذرة تعقل بها، خاصة بعد عناقهما الذي أصبح إدمانًا بالنسبة لهما. كل لحظة تمر عليها تحترق شوقًا لضمة من صدره، لكنها صامدة لخاطر "خضرا" التي تعتني بها بحب صادق رغم حزنها وألم قلبها الظاهر بعينيها، يجبرها على الابتعاد عن زوجها قدر الإمكان حتى لا تزيد وجع غيرها، بينما وجعها هي يتضاعف.
حسمت قرارها ولن تتراجع فيه، ستبتعد وقتما تستعيد قواها وتتمكن من النهوض والسير بمفردها، حينها ستتركه لعائلته دون وداع حتى، فهي على دراية كاملة أنه لن يعطي لها أبدًا فرصة الهروب منه.
"إحنا بقينا عال يا مدام سلسبيل، وممكن أكتب لك على خروج النهارده".
قالها الطبيب فور انتهائه من فحصها بدقة تحت أنظار "عبد الجبار" المرتعدة من شدة خوفه عليها، و"خضرا" التي صدح صوتها بزغرودة تعبر بها عن فرحتها.
"صح حديثك يا دكتور، يعني هي بقت زينة".
قالها "عبد الجبار" بهدوء عكس ضجيج قلبه، ليجيبه الطبيب بأسف قائلًا:
"هي حالتها أصبحت مستقرة الحمد لله، فإحنا هنعتبر خروجها من المستشفى هدنة بسيطة هتمشي فيها على علاج مهم جدًّا، تاخده في ميعاده بانتظام لأن الخطر لسه موجود وعلشان كده ممنوع الزعل نهائي، أو أي مجهود تعمله حتى لو بسيط".
"أني هحطها جوه عنيا ومهخلهاش تعمل حاجة واصل يا دكتور".
قالتها "خضرا" وهي تقترب منها تهندم ثيابها، وتربت على صدرها بحنو.
"تسلمي لي يا رب يا أبلة خضرا، ربنا ما يحرمني من حنيتك عليا".
همست بها "سلسبيل" بخفوت وهي تبتسم لها ابتسامة باهتة تخفي بها عبراتها التي ترقرقت بعينيها.
بادلتها "خضرا" ابتسامة دافئة وهي تقول:
"ولا يحرمني منكِ يا خيتي".
بينما "عبد الجبار" سار برفقة الطبيب خارج الغرفة، لتتسع ابتسامة "خضرا" مغمغمة:
"أيوه أكده روقي يا حبيبتي وقومي على حيلك وارجعي دارك نوريه وفرحي قلبي وقلب جوزك".
صمتت لبرهة وتابعت بمزاح:
"وافقعي عين ومرارة بخيتة".
حركت "سلسبيل" رأسها لها بالنفي وهمست بضعف قائلة:
"ده بيتك أنتي وهيفضل بيتك لوحدك وعمري ما هشركك فيه يا أبلة خضرا، أنا ضيفة عندك وهيجي اليوم اللي همشي فيه وبتمنى يكون في أقرب وقت ممكن".
"واه ليه يا بنتي بتقولي أكده، أنتي خلاص بقيتي مرات عبد الجبار اللي بمشيئة الله هتجبر خاطره وتجيب له الواد اللي بيتمناه من سنين طويلة".
رسمت غضبًا مصطنعًا على ملامحها البشوشة وتابعت:
"ويكون في علمك أني هكون أم الواد زيكِ ويمكن أكثر كمان، هيكون ابني اللي ما خلفتهوش يا سلسبيل".
فتحت "سلسبيل" فمها وهمت بالحديث لكن "خضرا" أوقفتها حين قالت:
"خلينا نفرح لوّل بخروجك بالسلامة، أني نادراها يوم ما ترجعي على الدار هعمل ليلة كبيرة وأوكل ياما بيدي لخاطر عيونك أنتي يا ست البنات".
أطبقت "سلسبيل" جفنيها بعنف كمحاولة منها لكبح عبراتها التي تجمعت بحدقتيها بسبب معاملة "خضرا" معاها التي تجعل إصرارها بالابتعاد عن زوجها يزداد.
"المنصورة".
"جابر" تسعة وعشرون عامًا، شاب مكافح بنى نفسه بعمله الشاق داخل بلده وخارجها، حتى تمكن من تحقيق الكثير من أحلامه، لكن أهم حلم بحياته بأكملها لم يستطع تحقيقه حتى الآن، لكنه لم ولن يتوقف عن السعي حتى يصل لغرضه ويحقق هذا الحلم مهما كلف منه الأمر.
صف سيارته أحدث الموديلات أمام منزل حديث الطراز، جلس شاردًا داخل السيارة، ومد يده لجيب سرواله الخلفي أخرج جزدانه الجلدي فتحه على مهل، وأخرج ورقة قديمة مطوية أكثر من مرة فتحها بحرص ويتطلع لصورته المرسومة باحترافية رسامة ماهرة برفقة فتاة صغيرة ممسكًا بيدها، يسير بها تجاه مدرستها.
انبلجت ابتسامة على ملامحه الوسيمة حين صدح صوتها الطفولي العذب يرن بأذنه.
فلاش باك.
كان بعامه السابع عشر، وهي بعمر السابعة. يعاملها كما لو كانت ابنته من شدة اهتمامه بأدق تفاصيلها، حتى أصبحت هي معلقة به أكثر من والديها.
"شوفت رسمتي الجديدة حلوة إزاي".
أخذها منها وتأملها بانبهار مدمدمًا:
"دي حلوة أوي يا سلسبيل، بس قولي لي تقصدي بيها مين يا ترى!"
أجابته بتلقائية:
"أقصدنا سوا، رسمتك ورسمتني وأنت بتوديني المدرسة يا جابر".
مسح على شعرها بحنان، ومال على وجنتيها الممتلئة لثمها بعمق مغمغمًا:
"عقبال ما أوديكي الكلية كمان يا عيون جابر".
التمع الحماس بعينيها الجميلة بلونهما الأخضر الصافي، وتحدثت بفرحة غامرة:
"هتوديني الكلية اللي قلت لي عليها بتاعت الرسم".
"هوديكي يا حبيبتي، هو أنا عندي كام سلسبيل".
قالها وهو يدغدغها كعادته معاها وهي تضحك بقوة ضحكتها الملائكية التي تأسر القلوب. لم يمر على هذا اليوم سوى أسبوع واحد وانقلبت حياتهما رأسًا على عقب.
نهاية الفلاش باك.
بشقة واسعة تتميز برقي أثاثها، نجد "فؤاد" رجل كفيف بأواخر عقده السادس يجلس على أريكة ممسكًا مسبحته يسبح عليها كعادته.
"صباح الورد على أحلى جدو فؤاد في الدنيا".
أردف بها "جابر" الذي دلف للتو من الخارج، واقترب منه، مال عليه وقبل يده وجبهته بحب مكملًا:
"إيه اللي مصحيك بدري كده يا حبيبي".
"مستنيك من إمبارح يا جابر يا ابني، كنت فين طول الليل يا حبيب جدك".
جلس "جابر" على الأريكة جواره، وتنهد براحة مغمغمًا:
"وصلت أخيرًا لعنوان سلسبيل بنت بنتك يا جدي".
تهللت أسارير "فؤاد" مردفًا بلهفة:
"فين يا جابر، خدني عندها يا ابني، خدني عندها الله لا يسيك يا جابر".
"اهدأ يا جدي، أنا هجيبها لك لحد عندك اطمئن".
قالها وهو يجذب رأسه لصدره وضمه بحنو مكملًا:
"النهارده هروح أجيبها، مش هسيبها بعيد عن حضننا تاني أبدًا".
أمام منزل "عبد الجبار".
فرقة من أشهر فرق الفنون الشعبية ترقص الخيول على المزمار البلدي أصرت "خضرا" على إحضارهم، وصدح صوت طلقات نارية فور وصول سيارته التي توقفت بمكانها الخاص داخل حديقة منزله.
هبطت "خضرا" التي كانت تجلس بجواره بعدما فشلت في إقناع "سلسبيل" بالجلوس بالمقعد المجاور لزوجها وفضلت الجلوس بالخلف.
طيلة الطريق كانت عينيها تتهرب من نظرة "عبد الجبار" التي تحاصرها عبر المرآة، كانت فرحته بخروجها من المشفى ليس لها مثيل، وكأن قلبه عادت له الحياة برجوعها له.
استدارت "خضرا" مسرعة نحوها وفتحت باب السيارة، ومدت يدها لها تساعدها، وتساندها وهي تزغرط بلا توقف أمام أعين "بخيتة" المتأججة.
تقف على باب المنزل تتابع ما يحدث بغيظ وغضب عارم وهي ترى قوة "خضرا" تتضاعف بوجود "سلسبيل" وهي كانت تظن أنها كسرت أنفها بزواج ابنها من امرأة غيرها، وستصبح الكلمة الأولى والأخيرة لها هي.
"شيل مراتك يا خوي".
أردفت بها "خضرا" حين شعرت بتهاوي جسد "سلسبيل" التي تسير بصعوبة بالغة بسبب ضعفها الشديد.
لم يجعلها "عبد الجبار" تعيد جملتها مرتين، وقطع المسافة بينه وبينهما وحملها على ذراعيه بخفة كأنها لم تزن شيئًا، بل هي بالفعل ضئيلة للغاية، وجسدها صغير بين ضخامة جسده العريض.
دلف بها لداخل المنزل محمولة على يديه، محاوطها بحماية كالحصن المنيع أمام أعين "بخيتة" المنذهلة من أفعال "خضرا" التي كانت تسير خلفهما تسقف، وتزغرط، بل وصل بها الأمر أن تتمايل راقصة بذراعيها وهي تلاعب لها حاجبيها.
"الحمد لله على سلامة مراتك يا ولدي".
نطقت بها "بخيتة" من بين أسنانها وهي ترمق "سلسبيل" المستندة برأسها على كتف زوجها بنظرات كالسهام القاتلة.
"الله يسلمك يا أمه".
قالها "عبد الجبار" وهو يتابع سيره بها متجهًا نحو غرفتها، لتتسع أعين "بخيتة" بصدمة حين نظرت لها "سلسبيل" وأخرجت لسانها لها بحركة استفزازية جعلت النيران تشتعل بداخلها أكثر.
"آه يا بت المركوب".
تمتمت بها بسرها، لتقفز فجأة بفزع حين اقتربت منها "خضرا" وزغرطت داخل أذنها بصوت عالٍ للغاية مرددة:
"الليلة فرحتنا كبيرة بخروج عروسة سيد الدار بالسلامة يا أمه بخيتة، وإني نادراها هعمل وأوكل ياما وأوزع على الخلق بيدي".
"اممم ومَاله، اعملي ووزعي ما هو كله خير ولدي".
قالتها "بخيتة" وهي تسير من أمامها بخطوات غاضبة، وهي تسب وتلعن بسرها كعادتها.
"خضرا".
دلفت خلف "عبد الجبار" غرفة "سلسبيل" كان هو يضعها على الفراش برفق وكأنها بلورة باهظة الثمن يخشى عليها من الكسر، سحب يده من حولها متعمدًا لمسها بطريقة حميمية كادت أن توقف قلبها من عنف دقاته.
"هروح أنا أتسَبّح وأغير خلجاتي على ما تجهزي الأكل يا خضرا".
قالها وهو يغادر الغرفة، ويسير للخارج بعدما اطمئن على صغيرته التي تجهز لها "خضرا" ثيابًا بيتية، وجلست بجوارها لتساعدها على تغيير ثيابها.
"عنيا يا أبو فاطمة، هساعد البنت وأسيبها ترتاح هبابة وهقوم أجهز الأكل طوالي".
أردفت بها وهي تخلع لها حجابها بعدما تأكدت من خروج زوجها وغلق الباب خلفه.
"أبلة خضرا ممكن تبعتي لي فاطمة وحياة يقعدوا معايا على ما أنتِ تخلصي اللي بتعمليه وتيجي".
تفهمت "خضرا" المغزى وراء طلبها هذا، تراقص قلبها فرحًا حتى إنها لم تستطع إخفاء فرحتها هذه، وردت عليها دون أدنى اعتراض بعدما ربحت غيرتها مجددًا.
"حاضر يا خيتي".
هقولهم يفضلوا وياكِ على ما أجيكِ بالوكل لاجل ما تاكلي زين وأعطيكِ علاجك بيدي."
نظرت لها "سلسبيل" بابتسامة تتعجب من حنانها عليها وغيرتها منها بأن واحد.
بعد مرور أقل من ساعة.
ممددة على الفراش تتابع بنات زوجها يلعبان بجوارها بعرائسهما الباربي، انبلجت ابتسامة حزينة على ملامحها الجميلة وهي تتأملهما، لم يأخذان من والدهما سوى رسمة عينيه الواسعة ذات الرموش السوداء الطويلة.
تلاشت ابتسامتها حتى اختفت تمامًا وحل مكانها الخجل الذي جعل وجنتيها تتورد بحمرة قاتمة حين تسللت لأنفها رائحة عطره التي تحفظها عن ظهر قلب.
علقت أنفاسها بصدرها، ونظرت تجاه باب الغرفة بلهفة تنتظر طالته عليها بنفاذ صبر، تسارعت نبضات قلبها حين وصل لسمعها صوت خطوات قدميه تقترب، ومن ثم طرق برفق على الباب ودلف للداخل غالقه خلفه، وعينيه تدور بحثًا عنها باشتياق واضح على قسماته الصارمة.
يا إلهي تشتاقه حد الجنون!
رفرف قلبها بشدة بين ضلوعها حين طل عليها بهيئته التي تذيب عظامها وتخطف أنفاسها، نظراتها تشمله بتفحصٍ لا يخلو من الإعجاب، جلبابه الأسود الذي يظهر عرض كتفيه وذراعيه المعضلة زاده هيبة ووقار.
"أبوي!"
نطق بها الفتاتان وهما يركضان نحوه، ارتموا داخل حضنه، فضمهما هو له بحب شديد، وعينيه مثبتة على تلك الصغيرة التي تطلع لهم بابتسامة فاتنة، وكم تمنت لو تركض هي الأخرى وتختبئ بين ضلوعه.
"اتوحشتكم قوي قوي."
قالها "عبد الجبار" قاصدها هي بها، عينيه ترمقها بنظرة معاتبة على معاملتها له التي تبدلت للنقيض دون مبرر أو سبب واضح.
ابتعدت هي بعينيها عنه سريعًا، وقد عادت ملامحها للجمود ثانية، وسحبت عليها الغطاء تخفي به منامتها القطنية ذات اللون الوردي التي تظهر جمال عنقها المرمري، وبداية صدرها بسخاء.
"قاعدين أهنه وسايبين أمكم تحضر الوكل لحالها أكده؟"
قالها وهو يبتعد عن الباب، مكملًا: "همي يا فاطمة وخدي خيتك وياكِ!"
لم تدعه "سلسبيل" يكمل حديثه حين قطعته قائلة بصوت مرتجف يظهر مدى توترها: "لا سيبهم.. أنا قلت لأبلة خضرا عايزاهم يفضلوا معايا."
رفع حاجبيه ورمقها بنظرة مندهشة، أكدت هي الآن ظنونه بها وأصبح على يقين أنها تتهرب من وجودها معه بمفردهما.
"امممم وماله يفضلوا، وأني كمان هفضل وياكِ."
قالها وهو يسير نحوها بخطى بطيئة أثارت الريبة بداخلها، وقد اعتلت ملامحه ابتسامة ماكرة زادت من توترها، وجعلت أنفاسها تتلاحق حين وجدته جلس بجانبها على الفراش المسافة بينهما لا تذكر.
جحظت عينيها بصدمة حين شعرت بذراعه يتسلل من أسفل الغطاء ويلتف حول خصرها مستغل انشغال الفتاتان باللهو مرة أخرى، وجذبها عليه لصقها بجزعه العلوي كتفها الأيمن يتوسط صدره.
"عبد الجبار." همست بها بتحذير، وهي تتنقل بعينيها بينه وبين الصغيرتين.
"اتوحشتك يا سلسبيل.. اتوحشتك قوي."
همس بها داخل أذنها، وهو يزيل خصلاتها الحريرية بيده الأخرى، وأنامله تتحسس نعومة بشرتها بلمسات جعلت جسدها ينتفض بقوة بين يديه حين شعرت بأنامله تضغط على خصرها بعنف محبب.
أخذ نفسًا عميقًا يملأ رئتيه بعبق رائحتها، وعينيه تجول على وجهها يتفرس ملامحها، حتى توقف بنظره على شفتيها، ابتلع لعابه بصعوبة مكملًا: "حرماني منكِ ليه يا عشج القلب والروح."
قالها وهو يسحب الغطاء بعيدًا عن عنقها حتى ظهرت مقدمة صدرها أمام عينيه التي تتأجج بها رغبته فيها.
أطلقت آهة خافتة حين ضمها له بقوة أكبر ويده تتحرك ببطء على خصرها صعودًا إلى صدرها، فأسرعت هي بالقبض على كفه وهمست بنبرة مرتجفة متوسلة: "عبد الجبار علشان خاطري كفاية."
"عبد الجبار!"
رواية جبر السلسبيل الفصل السابع عشر 17 - بقلم نسمة مالك
بخيتة"..
كانت تقف على باب غرفة "سلسبيل" تتجسس كعادتها، لكنها لم تستمع لحديثهما بسبب صوتهما الخفيض، فتحت باب الغرفة دون سابق إنظار و دارت بعينيها تبحث عنهما، كان "عبد الجبار" يجلس بجوار زوجته على الفراش، منفصلان عن العالم حولهما بنظرتهما لبعضهما، كلاً منهما يذوب بعين الأخر..
نظرته لها نظرة عاشق أرهق قلبه البعاد، و نظرتها هي له نظرة تائهه في بحر الحرمان و أخيرًا و جدت بر الأمان، يلجم نفسه عنها بصعوبة بالغة، لوجود ابنتيه معه في الغرفة، لولهما لكان انقض عليها و التهمها كما لو كانت أشهى المؤكولات التي حصل عليها في حياته بأكملها،
لم ينتبه على الإطلاق ل "بخيتة" الواقفة تتابعهما بنظرات يملؤها الغيرة، و الحقد الدفين على "سلسبيل"،تطلع لهما بأعين متسعة على أخرها حين وجدت ابنها يميل بوجهه على شعر زوجته و يأخذ نفس عميق غالقًا عينيه باستمتاع، و يمطرها بقبلات متتالية على خصلاتها الحريرية و هو يهمس لها بكلمات غزل تداعب أنوثتها، و تجبرها على الابتسامة وهي تدفن رأسها بصدره مردده اسمه بخجل..
"عبد الچبار!!!!"..نطقت بها "بخيتة" إعادتهما للواقع من جديد، انتفضت "سلسبيل" بفزع و أسرعت بالاختباء داخل حضن زوجها، بينما هو لم تهتز شعره واحده من رأسه، بل ضم زوجته داخل صدره بلهفة و يده تربت على شعرها و ظهرها برفق مغمغمًا..
"خير يا أمه؟"..
"اممم كل خير يا ولدي".. دمدمت بها و هي تسير نحوهما حتي توقفت بجوار "سلسبيل" التي انكمشت على نفسها داخل حضن زوجها، و قد ظهر الضيق على ملامحها الشاحبة، و بدأ صوت أنفاسها يعلو بعدما شعرت بالهواء يتلاشي من حولها خاصةً حين لمحتها تستعد للجلوس بجوارها و بالتأكيد لن تتوقف عن لكمها في الخفاء كما تعودت منها على مثل تلك الأفعال الحمقاء..
تفهم زوجها سبب ضيقها، و داهمته ذكري أفعال والدته معاها في السيارة وقت عودتهم من الصعيد فحملها بين يديه فجأة جذبها عليه جعلها تشهق بقوة حين وجدت نفسها تجلس على قدميه، تطلعت له مذهولة و قد لجمتها الصدمة و هي تراه يتحرك بها حتي أصبح هو بمكانها بجوار والدته، و وضعها على مهلٍ متعمد ملامسة جسدها بجسده بحميمية زلزلت كيانها كله دفعه واحدة..
"وه بتبعدها عني ليه.. هاكلها إياك!!"..
قالتها "بخيتة" بغضب و هي ترمقها بنظرات مشتعلة، لكنها لم تأبي لها "سلسبيل" مطلقًا فقد كانت تجاهد لتلتقط أنفاسها التي سلبها زوجها بعد فعلته الجريئة معاها..
جلس "عبد الجبار" بأريحية ساحبًا الغطاء عليه هو وزوجته، و ذراعه مازال ملتف حول خصرها يوشم بأنامله عليه بلامساته الخبيرة، و برغم قربها الذي يفقده صوابه إلا أنه تحدث بثبات قائلاً..
"أني رايد أكون بناتكم أكده يا أمه فيها حاچة دي.. ولا أنتي معوزاش تقعدي چاري"..
ربتت" بخيتة " على كتفه و هي تقول..
"معوازش غير أني أكون چارك أنت و ولادك يا ولدي.. و مستنيه اليوم اللي ربنا يمن عليك فيه ويرزقك بالواد اللي يشيل اسمك واسم أبوك و يكون سند ليك و لبناتك يا ضنايا "..
رغم اللامبالاة التي تزين محياة، يظهر عكس ما بداخله و أنه غير عابئ لحديثها إلا أنه يتمني و يدعو من صميم قلبه ليري ابن له من صلبه يحمل أسمه، شعرت" سلسبيل " بتشنج جسده حولها، و يده التي سارت ببطء، و حرص شديد حتى قبض على كفها و ضغط عليه بخفة كانت بمثابة ضغطه على قلبها يخبرها بها أنه يريد أبنه منها هي ..
في حين أنها تتمني أن تصبح أم لطفله أكثر منه، و لوهلة تخيلت أنها تحمل في احشائها مولودها من الرجل الوحيد الذي جعل قلبها ينبض لأجله.. أغمضت عينيها بابتسامة دافئة و قد شعرت بفرحة غامرة من مجرد التخيل فقط، لينتشلها صوت "بخيتة" البغيض من أحلامها الوردية، و تصفعها صفعة دامية بحديثها القاتل حين قالت ..
"بس هيچي منين الواد و أنت يا نضري متچوز اتنين حريم زي قلتهم.. واحده قطعت الخلف بدري"..
نظرت ل "سلسبيل" و تابعت بجملة كادت أن تزهق روحها من شدة الوجع التي شعرت به..
"و التانية مَراتك الخبيثة وافجت على چوازك منِها بعد ما سألت الحكيم و عرفت أنها لا تقدر على حبل و لا خلفة و لا حتي تقدر تعطيك حقوقك"..
انتظروا باقي الحلقة في أقرب وقت ممكن بأمرالله..
سمحوني أقسم بالله تعبانه جددداااااا مش قادره أكمل كتابة.. مش هيحس بيا إلا اللي بيتعالج من الجيوب الأنفية و عارف الصداع و وجع العين في كل رمشة اللي حاسة بيه ربنا يكفيكم الشر جميعاً..
دعواتكم بالشفاء العاجل غير الأجل يا حبايبي..
واستغفرو لعلها ساعة استجابة.
رواية جبر السلسبيل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نسمة مالك
"بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
مر اليوم بسلام وعاد "عبد الجبار" يباشر عمله، وللعجب لم يتحدث مع "خضرا" على ما قالته له والدته عن فعلتها بحقه وحق من تعتبرها في مقام والدتها التي حُرمت منها، لم يلمح لها عن الموضوع على الإطلاق، متفهم لأقصى حد مشاعرها وغيرتها العمياء عليه التي دفعتها إلى تلك الحيلة حتى تتأكد أنه لن يكن في يوم لامرأة غيرها.
ولكن إذا زاد الشيء عن الحد ينقلب للنقيض على الفور، غيرتها عليه تتصاعد وتجبرها على التفكير في فعل أشياء لم تخطر على بالها بيوم، خاصة بعدما قرأت ما يدور بذهن زوجها الذي ينوي تقسيم الأيام بينهما بالعدل.
هذا يعني أنه يريد قضاء الليل بأكمله مع غريمتها داخل غرفة مغلقة عليهما!!!
يا الله لقد جن جنونها من مجرد التخيل فقط، هي لم تنعم بنومٍ أمن إلا داخل ذراعيه، منذ زواجهما ولم تبتعد عنه ولو ليلة واحدة، وإذا تأخر بعمله ذات مرة تظل مستيقظة حتى عودته.
الآن أدركت أن قرار موافقتها على زواج زوجها نبض قلبها هو أسوأ بل أبشع قرار اتخذته بحياتها، حتى بعد حديثها مع الطبيب المسؤول عن حالة "سلسبيل" وثقتها أنها ستظل زوجة على الورق إلا أنها تشعر بلهفة زوجها عليها رغم براعته في إخفاء مشاعره حفاظًا على شعورها.
فهل سيظل محتويها هكذا ومتفهم لغيرتها الزائدة عليه أم سينفذ صبره عليها وينتصر شوقه لمعشوقته الصغيرة؟!
........................ لا إله إلا الله......
"سلسبيل"
كانت تجلس داخل شرفة غرفتها، تتابع بنات زوجها الجالستان أمامها مشغولين بكتابة دروسهما، انبلجت شبه ابتسامة حزينة على ملامحها الجميلة الذابلة عندما لمحت أدوات الرسم بحقيبة إحداهما.
"ممكن أشوف كراسة الرسم والألوان بتاعتك يا فاطمة؟"
نطقت بها "سلسبيل" بصوتٍ متحشرج بالبكاء، فأسرعت الصغيرة بالرد عليها وهي تخرج الكراس من حقيبتها برفقة علبة الألوان، ومدت يدها لها بهما مرددة:
"ممكن طبعًا يا خالة.. اتفضلي".
مدت "سلسبيل" يدها المرتجفة، وأمسكتهما منها وهي تقول:
"ينفع أرسم لك حاجة في الكراسة، ولا المدرسة بتاعتك ممكن تزعل منك؟"
"لا اطمني ما فيش حد يقدر يزعلني واصل.. المدرسة كلها خابرة زين إني أبوي عبد الجبار المنياوي اللي بيخاف علينا ياما وزعله واعر قوي قوي".
أردفت بها الفتاة بفخر واعتزاز بوالدها، جعلت ابتسامة "سلسبيل" تتسع حين ذكرت اسم زوجها الذي يحاوط الجميع باهتمامه وخوفه عليهم، وكم تمنت لو كان والدها يكن لها السند والأمان لكنه كان هو من يتسبب دومًا في خذلها وطعن قلبها بسكينٍ بارد.
أطلقت زفرة نزقة من صدرها، وأمسكت الكراس والألوان بلهفة طفلة صغيرة حصلت على لعبتها المفضلة، وبدأت تستعيد موهبتها المدفونة التي فصلتها عن العالم بأكمله وعن كل ما مرت به طيلة عمرها.
ظلت ترسم ببراعة رسامة محترفة رغم أنها توقفت عن الرسم تمامًا منذ سنوات طويلة.
"الله أنتي رسمك حلو قوي!!"
قالتها "فاطمة" بانبهار وهي تطلع لرسمة "سلسبيل".
"يله يا خيتي الوكل جاهز".
كان هذا صوت "خضرا" التي دلفت للتو حاملة طعام العشاء على يدها، وضعته على أقرب طاولة، وسارت تجاه الشرفة وهي تقول:
"لازم تتغذي زين لأجل ما أعطيكِ دواكي".
كانت تتحدث بتوتر بادٍ عليها تشعر بالإحراج منها بعد ما قالته لها حماتهما، متعمدة عدم النظر بعينيها، تمثل انشغالها بجمع أغراض بناتها.
بينما "سلسبيل" أنهت رسمتها، وضمت الكراس لصدرها، ورفعت وجهها نظرت لـ "خضرا" بابتسامتها الهادئة.
"يا أمه خالة سلسبيل رسمها كيف الحقيقة بالتمام".
تبادلت ملامح "خضرا" الحنون لأخرى غاضبة، ونظرت تجاه "سلسبيل" بابتسامة مصطنعة مدمدمة:
"امممم.. ويا ترى بترسمي على إيه يا خيتي؟"
قالت جملتها هذه وصوبت نظرها تجاه الكراس المستقر داخل حضن "سلسبيل"، وقد ظنت أنها رسمت زوجها، وبدأت تستعد لعراك شديد معها لو تأكدت من ظنها بها.
بينما "سلسبيل" تتابع تعابير وجهها التي لا تبشر بالخير أبدًا، ولا تنكر أنها ولأول مرة تشعر بالخوف منها بعدما كانت الإنسانة الوحيدة التي تشعرها بأن ما زال بشر بقلوبهم رحمة على ضعفها.
رمقتها "سلسبيل" بنظرة عاتبة، ومن ثم أعطت لها الكراس، لتجذبها "خضرا" منها بعنف وتطلعت عليها مسرعة لتجحظ أعينها على آخرها حين رأت صورة مطابقة بالمثل، كأنها تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة، لوهلة شعرت بأن دلو من الماء البارد سقط فوق رأسها.
"دي إني!!!"
أردفت بها بخفوت وهي تتنقل بنظرها بينها وبين "سلسبيل" التي ابتسمت لها قائلة:
"قلت أعملك حاجة بسيطة أفرحك بيها يا أبلة خضرا".
ترقرقت أعين "خضرا" بالعبرات، وسارت نحوها حتى توقفت أمامها مباشرة، نظرت لها بصمت قليلًا ومن ثم تحدثت بأسف قائلة بصوتٍ خفيض:
"مش بيدي.. مش بيدي يا سلسبيل.. ما كنتش خابرة إن وجع الغيرة واعر قوي قوي أكده".
صمتت لبرهة تحاول السيطرة على دموعها التي تخونها وتنهمر على وجنتيها، وتابعت بنبرة راجية:
"أوعِك تزعلي مني يا خيتي.. أنتي غالية عندي يا سلسبيل".
رفعت قبضة يدها وضربت على موضع قلبها بعنف مكملة:
"بس مش أغلى من رجلي.. نبض قلبي".
أسرعت "سلسبيل" بإمساك يدها تمنعها من لكم نفسها مرددة بتأكيد:
"أنا عارفة يا أبلة خضرا.. وعذراكي والله.. وعايزاكي تطمني أنا لو فضلت عايشة وربنا كتب لي عمر مش هفضل هنا معاكوا ولا هفضل على ذمة عبد الجبار أول ما أعرف مكان أهل أمي همشي من هنا".
"عبد الجبار عرف مكانهم".
نطقت بها "خضرا" باندفاع بعدما فشلت في إخفاء فرحتها بعد ما قالته لها "سلسبيل" التي كانت تتوقع رد آخر كما تعودت منها، إلا أن نيران الغيرة قد ألغت تفكير "خضرا" بأي أحد آخر سوى نفسها.
"عبد الجبار وصل لأهل أمي!!!!"
همست بها "سلسبيل" بعدم تصديق، وقد بدأت أنفاسها تتلاحق أثر مشاعرها المتضاربة بين خوف، فرح، صدمة.
انتصبت واقفة بوهن، وجسد يرتجف بوضوح وهرولت تجاه خزانتها تبحث عن شيء ترتديه فوق منامتها مرددة بلهفة:
"عايزة أروحلهم يا أبلة خضرا.. ودوني ليهم".
كانت تتحدث ببكاء يتزايد بشكل أثار الريبة بقلب "خضرا" التي استوعبت أنها أخطأت خطأ فادح حين أبلغتها بمكان عائلتها دون علم زوجها.
لتتدهور حالة "سلسبيل" التي دخلت بنوبة بكاء حادة وصلت لحد الصراخ مرددة من بين شهقاتها المتقطعة:
"عايزة أروحلهم.. عايزة أسألهم لييييييه ما سألوش عني كل السنين دي.. لييييييه وافقوا إن بنتهم تتجوز راجل قلبه قاسي بالشكل ده؟"
صرخت بانهيار أكبر وهي تلقي جميع الثياب أرضًا، وتحطم كل ما يقع تحت يدها:
"لاااا ده ما عندوش قلب أصلًا.. وأكيد موت أمي في عز شبابها بقسوته عليها زي ما قتلني ألف مرة ومرة".
ضربت "خضرا" على صدرها بكلتا يدها، ودب الرعب والفزع بأوصالها وهي تراها بتلك الحالة، حتى أنها أصبحت غير قادرة على السيطرة عليها نهائيًا.
"عايزة أسألهم عملوا في أمي وفيا كده لييييييه.. الأهل لازم يختاروا لبنتهم راجل يحميها ويبقى أمانها وسندها من بعدهم.. مش راجل يبهدلها هي وعيالها.. عايزة أعرف سابوا بنتهم على ذمة واحد لحد ما جاب أجلها لييييييه.. وبعد ما بنتهم ماتت سابوني أنا حفيدتهم معاه إزاي وهما أكيد عارفين إن مصيري على إيده هيكون زي بنتهم!!!"
"يا مري يا مري أهدي يا خيتي لأجل خاطر اللي خلقك.. أبوس يدك يا خيتي عبد الجبار زمانه على وصول لو شافك أكده هيبجي مرار طافح عليا وعلى اللي خلفوني.. كفاكِ عاد لا يجرالك حاجة".
غمغمت بها "خضرا" وهي تحاول ضمها بشتى الطرق، لكن "سلسبيل" كانت وصلت لمرحلة تهدد بالخطر، وبدأت تصرخ صرخات متتالية بلا توقف مرددة جملة واحدة:
"رموني أنا وأمي لييييييه".
..................... سبحان الله وبحمده.....
"جابر"
بعد ساعات طويلة قضاهم في السفر من المنصورة إلى الصعيد، توقف بسيارته للتو أمام منزل "محمد القناوي" والد "سلسبيل".
ترجل منها خلفه اثنان من أصدقائه رفضوا تركه يذهب بمفرده.
"متأكدين إن هو ده البيت يا رجالة؟"
"أيوه متأكدين.. هو يا جابر البيت".
هرول "جابر" بخطى راكضة نحو باب المنزل، وقام بالطرق عليه بقبضة يده عدة مرات.
"ككخابط يلي بترزع على الباب".
نطق بها "قناوي" وهو يسرع ليفتح الباب، وصل صوته لسمع "جابر" الذي ابتسم ابتسامة شريرة وهو يقول:
"ده صوت قناوي..
عمري ما نسيته."
فتح الباب وهمّ بتوبيخ الطارق، إلا أنه تلقى لكمة قوية دون سابق إنذار أسقطته بعنف على الأرض الصلبة، وقبل أن يستوعب ما يحدث معه كان انقض عليه "جابر" وجلس فوقه، وبدأ يكيل له اللكمات مرددًا بغضب عارم:
"سنين وأنا بحلم باللحظة اللي تقع فيها تحت أيدي يا قناوي الكلب."
حاول أصدقاؤه إبعاده عنه لكنه كان كالوحش الثائر، صبّ جم غضبه الذي حمله بقلبه لسنوات عليه حتى انفجرت الدماء من وجه "قناوي" بأكمله.
"هتموتني يا ولد الفرطوس."
قالها "قناوي" بصعوبة بالغة بعدما قبض "جابر" على عنقه بقبضته الفولاذية ورفعه قليلًا حتى تقابلت أعينهما.
"أنت مين وعايز مني إيه يا جدع أنت؟"
"أنا عملك الأسود اللي جالك عشان يخلص حق سندس، وسلسبيل بنتها من اللي عملته فيهم."
قالها "جابر" بفحيح مخيف جعل الخوف يزحف لقلب "قناوي" الذي تمعن النظر لملامحه المألوفة له، ليتذكره على الفور، ابن شقيق زوجته المتوفاة الذي كان دائم التصدي له كلما تعارك مع خالته، لكن حينها كان مجرد شاب مراهق لا يملك كل تلك القوة والعضلات.
جف حلقه وهو يحملق فيه مذهولًا مرددًا اسمه بصوت مرتجف:
"جابر!!!"
بملامح مرعبة حرك "جابر" رأسه له بالإيجاب قبل أن يضربه بكل قوته بجبهته كسر له أنفه في الحال صارخًا بوجهه:
"سلسبيل فيييين؟"
"عبد الجبار."
يجلس على مكتبه الفخم ممسكًا بيده علبة مخملية بداخلها طقم من الماس قمة في الروعة والجمال صُنع خصيصًا لمعشوقة قلبه.
"الطقم ألماس حر زي ما طلبت يا عبد الجبار بيه."
قالها الجواهرجي وهو يقدم له علبة أخرى مكملًا:
"وده الكردان والحلق بتاعه وكفة بخمس خواتم، و12 غويشة دهب عيار 24 وكلهم عليهم اسم مدام سلسبيل زي ما سيادتك أمرت."
أخذها منه "عبد الجبار" وتأمل ما بداخلها يتأكد من وجود اسمها عليهم.
"شغلك عال العال تسلم يدك."
قالها "عبد الجبار" وهو يغلق العلب، ونظر له مكملًا:
"اتفضل أنت وفوت على الحسابات في طريقك خد حسابك منهم."
انصرف الرجل على الفور، فنظر "عبد الجبار" لمساعده الخاص "حسان" الذي لا يفارقه أبدًا.
"إيه الأخبار يا حسان؟"
"الواد وصل لقناوي والرجالة بلغوني أنه كلو علقة معتبرة كان هيخلص عليه لولا الناس حشوه من يده، ومعاود في الطريق بعد ما قناوي قاله إن بنته بقت مرات جنابَك وأكيد هيجي على أهنه."
يستمع له "عبد الجبار" بهدوء مريب، وتحدث برزانته المعهودة قائلًا:
"حلق عليه بمعرفتك يا حسان.. مش رايده يوصل عندي دلوجيت واصل.. فاهمني زين."
"فاهمك يا كبير."
قالها "حسان" وهو يتقدم منه ويعطيه ملف محكم الغلق.
"اتفضل يا كبير.. ده عقد وورق البيت الجديد اللي طلبت مني أجهزه باسم الست سلسبيل.. بقي جاهز من مجميعه ومفتاحه أهو!"
صدح رنين هاتف "عبد الجبار" قطع حديثهم، فأسرع بالرد حين رأى رقم والدته وقد انقبض قلبه فجأة.
"خير يا أمه؟"
"ألحق مراتك سلسبيل يا عبد الجبار من يد خضرا هتموتها يا ولدي."
قالتها "بخيتة" تزامنًا مع صرخات "سلسبيل" التي وصلت لسمعه كادت أن تجعل قلبه يتوقف من شدة فزعه عليها، انتصب واقفًا في الحال وغادر المكان راكضًا وهو يصرخ باسم معذبة قلبه:
"سلسبيل."
رواية جبر السلسبيل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نسمة مالك
بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..
"رحم الله رجلًا تحمل تقلبات امرأته النفسية، فصبر وهون وقدر"..
"عبد الجبار"..
لم ينتظر قدوم "حسان" سائقه الذي هرول خلفه مسرعًا لكنه لم يتمكن من الوصل إليه. كان هذا العاشق يركض بأقصى ما لديه من سرعة، قفز داخل سيارته.
انفجر هدير محرك السيارة عاكسًا غضبه عليها، ليطير الغبار من الخلف بقوة لحظة انطلاقها. كان هاتفه ما زال على أذنه، يستمع لصرخات زوجته وبكائها الذي يقطع نياط القلوب.
"مراتي مالها يا أمه!!!.. أني مهملها زينه.. عملتوا فيها اييييييه!!!"
صاح بها بلهجة لا تخفي غضبه المشحون أبدًا.
"أني مليش صالح والله يا ولدي.. مراتك الخبيثة خضرا هي السبب.. سمعتها وهي بتقولها إنك خابر مكان أهل أمها لأجل ما تطفشها.. البنت سمعت منها حديتها العفش من أهنه وعديك على حصل".
كان يستمع لحديثها الذي بمثابة سكب الزيت على النيران، أصبح وجهه كتلة حمراء من شدة غضبه، عروقه برزت بخطورة، يصطك على أسنانه بعنف كاد أن يهشمهم حتى وصل صوتها لسمع "بخيتة" التي تبتسم بفرحة بعدما انتهزت الفرصة بإمساك غلطة على "خضرا".
صرخات زوجته المستمرة كانت كالسهام السامة التي تصيبه في مقتل دون رحمة، يقود سيارته كالمجنون، حتى أنه سار بالطريق المخالف، كأنه داخل سباق مميت، لا يأبى لأي شيء الآن سوى أن يصل إليها.
سبحان الله العظيم.....
"سلسبيل"..
لقد أصبحت حقًا بحالة يرثى لها، تصرخ بكل الوجع المكتوم بقلبها، غاب عقلها عنها، ولم يتبق لها غير الألم الذي ينهش قلبها بلا توقف.
كانت "خضرا" تبكي بنحيب، وجسدها يرتجف بوضوح من شدة فزعها وهي ترى حالتها تزداد سوءًا، لترمقها "سلسبيل" نظرة يملؤها الخذلان مردفة بصراخ مقهور.
"أنا عارفة إنك قولتيلي كده عشان مبقتيش عايزاني أفضل هنا.. عايزة تبعديني عن جوزك اللي أنتي طلبتي مني بنفسك أني أتجوزه وأنا كنت رافضة عشان خاطرك وبقول عليكي إنك أحن واحدة قابلتها في حياتي السودة!!!.. دلوقتي عايزاني أغور في داهية بأي طريقة المهم تخلصي مني يا أبلة خضرا مش كده".
سقطت على ركبتيها أرضًا بعدما شعرت بتهاوي جسدها، وتابعت بغصة مريرة.
"أنا معرفش أهل أمي دول هيفتحولي بيتهم، ويقبلوا يعيشوا واحدة معاهم رجعالهم بعد السنين دي كلها وعايزه تفضل عندهم بعد ما تطلب الطلاق من جوزها، وأبقى مطلقة وكمان مريضة!!!"
أطبقت عينيها ببطء لتنهمر عبراتها على وجنتيها بغزارة اختلطت بحبات العرق المتناثرة على وجهها الشاحب، رغم برودة جسدها الشديدة، وأكملت بحسرة تملأ صوتها المبحوح.
"كنت بصبر نفسي وبقول لو اتخلوا عني تاني فربنا عوضني بيكم يا أبلة خضرا.. لكن دلوقتي أنتي مش عايزاني هنا، وأنا برغم لهفتي على أهل أمي إلا أني خايفة وزعلانة منهم وعمري ما هسامحهم على موت أمي وبهدلتي كل السنين دي".
"أهدي يا خيتي.. حقك على راسي.. بس كفايك يا حبيبتي وحياة اللي خلقك.. بكفايك بكي".
نطقت بها "خضرا" وهي تقترب منها بحذر فاتحة ذراعيها لها وتابعت بنبرة متوسلة.
"تعالي في حضني يا بتي".
لم تستمع "سلسبيل" لكلمة مما قالته، كانت تطلع تجاه السكين الموضوع فوق طبق الفاكهة بنظرات بائسة، غمرها شعور اليأس وتمكن منها، وسيطرت فكرة الانتحار على عقلها للمرة الثالثة بعد محاولتين قبل سابق فاشلتين، ابتسمت ابتسامة مخيفة وقد هيئ لها أنها لربما تنجح محاولتها هذه المرة وتتخلص من عذبها هذا إلى الأبد.
وجهت "خضرا" نظرها تجاه ما تنظر له، لتجحظ عينيها على آخرها، وتتراجع للخلف بعيدًا عنها بهلع وقد ظنت أنها تفكر بقتلها والتخلص منها.
"اعقلي يا سلسبيل اللي بتفكري فيه ده غلط واعر قوي يوصلك لحبل المشنقة".
غمغمت بها وهي تبتعد عنها بالقدر الكافي متجهة نحو باب الغرفة المفتوح، آخذة وضع الاستعداد للركض إذا فعلت ما تظنه.
اعتلت ملامحها المرتعدة الدهشة حين صدح صوت ضحكة "سلسبيل" عالية، تضحك بقوة بينما عبراتها تسيل كالمطر على وجنتيها، وبصعوبة قالت من بين ضحكتها المختلطة بشهقاتها.
"أنتي فكراني عايزة أقتلك أنتي!!!"
نطقت بها وهي تتحامل على نفسها، واعتدلت واقفة وركضت نحو السكين بخطى متعثرة، أمسكته ووجهته في الحال نحو موضع قلبها النازف بسبب جراحها الغائرة.
تنهدت براحة، ومن ثم أغلقت عينيها، وأخذت نفس وضغطت بكل قوتها على السكين الحاد.
هنا صدح صوت صرخات "خضرا" مرددة.
"يا مري.. يا حومتي.. يا مراري عليك يا راجلي".
صرخاتها صمتت أذن "سلسبيل" التي تعجبت من عدم شعورها بأي ألم، لتفتح عينيها بصدمة حين اخترق أذنها صوت زوجها الصارم قائلًا بأمر.
"اخرسي يا حرمة.. كفايك عويل عاد، وغوري من أهنه دلوجيت".
نفذت "خضرا" أوامره دون تردد وفرت مسرعة نحو الخارج، فنظرته لها وعينيه التي يتطاير منها الشرر دبت الزعر بأوصالها.
كانت "سلسبيل" عينيها الممتلئة بالدموع معلقة به كالغريق الذي وجد أخيرًا منقذه، استدار هو لها بلهفة، وتقابلت أعينهما بنظرة ملتاعة، وبهمس مرتعش قالت.
"أنا تعبت من البهدلة دي عبد الجبار.. والله تعبت مبقتش قادرة أستحمل أكثر من كده".
"ما عاش ولا كان اللي يمس شعرة من شعرك يا بنت قلبي".
قالها "عبد الجبار" وهو يرنو منها، وكفه القابض على نصل السكين يبعده عنها بحرص حتى لا يمسها ولو بخدش صغير.
انتبهت "سلسبيل" للتو على الدماء التي تسيل من يده أثر جرح نافذ براحة يدها، فشهقت بقوة، وهي تمسك يده بين كفيها الصغيرتين مردفة بأنفاس منقطعة من شدة خوفها عليه.
"إيدك.. إيدك اتعورت بسببي يا عبد الجبار".
قالتها وهي تدور بعينيها عن شيء توقف به نزيف الدماء، فأسرعت برفع طرف منامتها، ووضعتها على جرحه، وقد بدأت تنتفض بشكل ملحوظ، وقدميها لم تعد تحملها، فألقت بثقل جسدها عليه.
استقبلها هو بترحيب شديد محاوطها بذراعيه الآخر من خصرها حتى أصبحت قدميها بعيدة عن الأرض بمسافة ليست بقليلة بسبب فرق الطول بينهما، مقربها من صدره بعناق محموم دافنًا وجهه بعنقها آخذًا نفس عميق يملأ رئتيه بأكبر قدر كافي من عبقها مدمدمًا.
"عبد الجبار كله فداكي يا حبة القلب".
باستحياء تمسكت به بإحدى ذراعيها بكل قوتها، ويدها الأخرى مازالت ضاغطة على جرح يده، وتركت لدموعها العنان تبكي وتأن على صدره تشكي له بدموعها وجعها وألمها، وهو يزيد من ضمها له يحتوي جسدها الصغير بجسده الضخم حتى اختفت بين ضلوعه، يهمس لها بكلماته الحانية التي تثلج قلبها وتبث الطمأنينة بأعماقها.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له.....
"جابر"..
يدور حول نفسه كالأسد الحبيس، يجذب خصلات شعره الناعمة بعصبية مفرطة، ويتحدث بغضب عارم قائلًا.
"عيلة ما كملتش العشرين سنة تتجبر تتجوز مرتين بالغصب!!!"
"يا ابني اهدأ وفهمني اللي حصل".
نطق بها "فؤاد"، وابتلع رمقه بتوتر مكملًا.
"وعرفت منين بس أنها اتجوزت غصب.. مش يمكن برضاها يا جابر".
لكم "جابر" الحائط بقبضة يده، وتابع بغيظ.
"أبوها ابن الـ*** هو اللي قالي بكل بجاحة معنديش حريم ليهم رأي يا جدي".
"طيب فهمني أنت ناوي تعمل إيه دلوقتي بعد ما عرفت أنها على ذمة راجل".
"مش هسيبها". هكذا أجابه دون تفكير، حاسم قراره ولن يتراجع فيه، لمعت عينيه ببريق مخيف مكملًا.
"هوصلها.. وساعتها هقرأ عينيها وأعرف هي عايزة تكمل مع جوزها ده ولا لأ، ولو حسيت للحظة أنها مجبورة على العيشة معاه هخلصها منه بأي طريقة".
صمت لبرهة، وتابع بجملة أسقطت قلب جده حين قال بوعيد.
"حتى لو وصلت للقتل".
سبحان الله وبحمده......
مر أكثر من أسبوع على ما حدث، عبرت خلاله "خضرا" لزوجها عن ندمها فيما فعلته، وهو سيطر على أعصابه معها عندما رأى مدى خوفها منه الذي جعلها تفقد الوعي أكثر من مرة أمام "بخيتة" التي ترمقها بنظرات حاقدة بعدما فشلت فرصتها في التوقيع بينهما.
بينما "سلسبيل" استقرت حالتها بعدما اطمأنت على يد زوجها، وللمرة الأولى لم تستطع إخفاء خوفها عليه وهذا جعل قلبه يرفرف بين ضلوعه فرحًا، واستدعى الطبيب المعالج لها ليقوم بالكشف عليها حتى يطمئن هو الآخر عليها.
وحينما اطمأن على زوجته تعامل مع الموقف بترو وتعقل، واحتوى جميع الأطراف، وقد ظن أن غيرة أم ابنتيه ستهدأ بعد تقديره لها، وتغاضيه عن أفعالها.
لكن العكس كان هو الصحيح، فكلما أراد أن يقضي ليلة برفقة "سلسبيل" يجد الصغيرتين نائمتين بجوارها على الفراش بأمر من "خضرا"، فيحملهما على ذراعيه، ويسير بهما نحو غرفتهما، وحين يعود يجد الباب قد أغلق من الداخل بالمفتاح.
"افتحي يا سلسبيل!!"
قالها بنبرة محذرة تدل على نفاذ صبره.
"أنت عارف إني مش هفتح يا عبد الجبار".
قالتها "سلسبيل" بصوتها الرقيق الذي يذيب قلبه، فاستند بجبهته على الباب مغمغمًا بصوته الأجش الذي يزلزل كيانها كله دفعة واحدة.
"افتحي يا بت قلبي بدل ما أهد الجدار كله مش الباب بس".
استندت هي الأخرى بجبهتها على الباب من الداخل، وهمست بصوت خفيض وصل لقلبه قبل سمعه قائلة.
"هخاف منك لو عملت كده، وأنا مش عايزة أخاف منك".
عض شفتيه بقوة حتى أدمها، وتحدث من بين أسنانه بغيظ شديد قائلًا.
"لو يدي وقعت على اللي بيعطيكي مفتاح الباب كل ما أخفيه منك ما هخليهوش ينفع حاله تاني واصل".
ضحكت "سلسبيل" بنعومة مدمدمة بخجل.
"اممم..
"طيب تصبح على خير."
ابتسم بسعادة لسماع ضحكتها، ورد عليها بلهفة قائلًا:
"وأنت من أهلي."
قالها وسار من أمام غرفتها على مضض. دلف لداخل غرفة "خضرة" التي تصطنع النوم، غالقًا الباب خلفه بعنف.
تطلع لها بصمت قليلًا قبل أن يقترب منها ويجلس بجوارها على الفراش، ويتحدث بهدوء عكس مظهره الغاضب قائلًا:
"خابر إنك صاحية يا خضرة."
أبعدت الغطاء المختبئة أسفله عن وجهها ببطء، ونظرت له ببراءة مرددة:
"إيه اللي رجعك تاني يا خوي؟"
نظر لها بحاجب مرفوع فكان شكله بغاية اللطافة والوسامة أيضًا.
"وآخرتها وياكي يا بت الناس؟ من متى وأنتِ أكده يا خضرة؟ بتعطي المفتاح لسلسبيل من ورايا لأجل ما تقفل على نفسها!"
صمت للحظة ورمقها بنظرة عاتبة مكملًا:
"أني مقصر معاكي في حاجة يا خضرة؟!"
حركت رأسها بالنفي، ليكمل هو بحدة:
"أنتِ أكده ظالمة، وأني لحد دلوقت مطول بالي عليكي."
"غصب عني يا عبد الجبار."
قالتها بصوت تحشرج بالبكاء وهي تعتدل جالسة، ونظرت له بأعين ترقرقت بها العبرات:
"غيرة عليك وقلبي مولع نار يا خوي. مقدرش أشوفك وياها. عقلي بيجن مني."
ضربت على صدرها بحركة استعطافية، وتابعت بتوسل:
"طلقها ووديها لأهل أمها، أحب على يدك."
"أطلقها؟!"
صرخ مقاطعًا بعنف شديد، ليطبق الصمت من طرفها على الفور، بينما يستطرد بغلظة:
"أنتِ اتخبلتي في عقلك إياكِ؟ تتحايلي عليا ياما
أتجوزها، ودلوقت عايزاني أطلقها؟! خضرة اعقلي وفكري في حديثك زين قبل ما تنطقيه، وأفهمي إن سلسبيل مراتي كيفك بالتمام وهتفضل مراتي، وأهل أمها دول أني هوديها بيدي تزورهم لما تطيب وتبقى زينة، وهترجع في يدي، ولو معوزهاش ترجع على أهنه هجبلها بيت جديد من بابه."
"لع... لع يا خوي، أني هعقل. بس ترجعها على أهنه."
أردفت بها بجمود، ونظرات متأججة.
مر يومان لم يتوقف خلالهما "جابر" عن محاولة الوصول لـ "عبد الجبار" الذي أصبح بمثابة عدوه اللدود، كل أفعاله هذه تحت مراقبة "حسان" ورجاله.
بعد يوم عمل شاق عاد لمنزله بموعد غير موعده المعتاد لعله يلمح زوجته التي تحبس روحها بغرفتها فور شعورها بوصوله.
فتح باب غرفته ودلف للداخل، هم بغلق الباب خلفه، لكنه توقف حين استمع لصوت باب غرفتها يُفتح. طل برأسه قليلًا يسترق النظر تجاهها.
كانت تسير لأول مرة بمفردها دون مساندة أحد، خطواتها متثاقلة، مرتجفة سيرها كمن يتعلم المشي حديثًا، حاملة على يدها بعض الثياب ومنشفة قطنية، تتجه بهم نحو الحمام المقابل لغرفتها فعلى ما يبدو أنها تستعد لأخذ حمامها اليومي.
كان يتابعها بلهفة، واشتياق فاق الحدود، هي معه أسفل سقف واحد بينه وبينها خطوتين ولم يستطع ضمها لصدره.
تعثرت أنفاسه اللاهثة وقد غلبه شوقه لها جعله يفقد كل ذرة عقل به، واندفع نحوها كالقذيفة المتوهجة بالنيران الحارقة، وعقد عزمه على كسر ألواح خجلها منه.
"عبد الجبار أنت بتعمل إيه؟!"
همست بها بعدما كتمت صرخة مرتعدة حين قبض هو بذراعيه على خصرها خطفها داخل صدره فجأة، وتحرك بها بلمح البصر حتى وجدت نفسها برفقته داخل حوض الاستحمام.
"هششش... اتوحشتك قوي."
همس بها بأنفاسه المهتاجة الملتهبة تصفع وجهها قبل أن يطبق على شفاها بشفتيه.
كانت هناك أعين تراقبهما، وركضت مسرعة للأسفل لتجد "خضرة" بانتظارها.
"أبوك دخل أوضته يا فاطمة؟"
حركت الصغيرة رأسها بالنفي، وأجابتها ببراءة:
"لع يا أمه، دخل الحمام مع خالة سلسبيل وهو شايلها."
ضحكت "بخيتة" التي كانت تتجسس عليها كالعادة، ضحكة مستفزة تظهر جميع أسنانها وهي تقول:
"وه أمال عايزاه يشيل أمك العجل البغالي دهي! يشيل مراته سلسبيل الكتكوته... الصغيرة... الصبية."
جملتها هذه جعلت النيران تلتهم قلب "خضرة" أكثر وأكثر.
رواية جبر السلسبيل الفصل العشرون 20 - بقلم نسمة مالك
بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أخبروني ماذا تفعل امرأة حُرمت من كل شيء في سنوات حياتها التي لم تُكمل العشرين عامًا حين تجد أخيرًا رجلًا يضمها بين ذراعيه لا يضربها بهما؟!
تلك "السلسبيل" التي لم ترَ من والدها إلا الذل والإهانة، ومن بعده وقعت في يد زوجها ووالدته وعانت بما يكفي، تحملت عذابًا لن يقدر عليه أحد.
والآن بعدما وجدت سندًا، شعرت بالأمان معه، حقق حلمها البسيط وحصلت على عناق من زوجها لطالما كان محور الكون بالنسبة لها، تشتهي عناقًا يعالج جروحات قلبها الغائرة.
أغمضت عينيها لأول مرة براحة لم تذق طعمها من قبل، واستسلمت لعناقه الذي يحتويها بحماية ويفصلها عن العالم أجمع. يعاملها كما لو كانت قطعة من البلور نادرة الوجود يخشى عليها من الخدش.
بصعوبة بالغة توقف عن التهام شفتيها بقبلاته الجائعة حين شعر أنه سيفقد التحكم بمشاعره معها، خشي عليها من نفسه.
تخشبت بين يديه حين شعرت بأنفاسه اللاهثة تلفح بشرتها الناعمة، نظر لعينيها بعمق نظرة يملؤها العشق والرغبة معًا، ويده تجول على جسدها بجرأة، وأصابعه تعبث بأزرار منامتها واحدًا تلو الآخر وهمّ بخلعها عنها إلا إنها شهقت بصوتٍ خفيض مرددة باستحياء:
"عشان خاطري كفايا يا عبد الجبار واخرج قبل ما أبلة خضرا تطلع وتشوفك هنا معايا."
"أنتي مَراتي زيك زيها يا سلسبيل ولا ناسية."
أردف بها وهو يدفعها برفق للخلف، أجلسها على حافة حوض الاستحمام، وأخذ منها ثيابها وضعهم على المشجب المعلق خلف باب الحمام الذي أغلقه عليهما بالمفتاح من الداخل.
ابتلعت "سلسبيل" لعابها بصعوبة حين رأته يخلع جلبابه الصعيدي أمام عينيها المتسعتين بصدمة.
"أنت بتعمل إيه؟!"
"هسبحك بيدي."
هكذا أجابها بمنتهى الهدوء وهو يغمز لها بعينيه السوداء شديدة الجاذبية قبل أن يتخلص من كنزته أيضًا وبقي بسرواله الداخلي عاري الصدر لتظهر ضخامة عضلاته البارزة أمام عينيها الجاحظة بهيئة خطفت أنفاسها، وجعلت نبضات قلبها تتسارع.
هبت واقفة وسارت نحوه بخطى مرتجفة، وأمسكت جلبابه وكنزته مدت يدها بهما له، وهمست بنبرة متوسلة:
"البس هدومك تاني من فضلك واخرج أرجوك عشان اللي بتقوله ده مستحيل يحصل."
جذبها فجأة من خصرها عليه، ارتطمت بصدره ذي العضلات السداسية مصدرة آهة متألمة، مال عليها واضعًا جبهته على جبهتها وهمس مداعبًا إياها:
"هحققلك المستحيل حالًا يا مليحة."
لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
"خضرا."
تصعد الدرج راكضة بأقصى سرعة لديها، كما لو كانت شياطين الأرض تلحقها، وجهها أصبح كتلة حمراء من شدة غضبها وغيظها، مندفعة تجاه الحمام المقابل لغرفة "سلسبيل" وقفت أمامه تلهث بأنفاس متقطعة، وبكل ما تمتلك من قوة بدأت تطرق على الباب بكلتا يديها معًا بعدما حاولت فتحه ووجدته مغلقًا، بل وصل بها الأمر أن تدفع الباب بكتفها وقدميها مرددة بهياج:
"افتحي يا خسيسة يا قليلة الأصل."
كتمت "سلسبيل" صرخة حادة وقفزت مكانها داخل حضن زوجها تعلقت بعنقه تختبئ فيه بخوف حين سمعت طرقاتها العنيفة المتتالية على الباب كادت أن تحطمه، وصراخها الحاد كمن فقدت عقلها:
"افتح الباب يا عبد الجبار."
انتفضت "سلسبيل" بذعر بين يديه، وأسرعت برفع يدها المرتعشة بكنزته وألبسته إياها ومن بعدها جلبابه، بينما هو ظل محاوط خصرها بكلتا و ضغط عليه بعنف محبب، وفتح فمه حتى يتحدث إلا أنها رفعت كف يدها وضعتها على فمه، وهمست له بشفتيها دون إصدار صوتٍ:
"لو غالية عندك اسكت يا عبد الجبار وأوعى تزعل أبلة خضرا، هي بتعمل كده من غيرتها عليك ومعاها كل الحق."
لثم باطن يدها بقبلة مطولة رغم ملامحه العابسة من تصرفات زوجته الجديدة عليها كليًا، لتعتلي ملامحه الصدمة والذهول معًا حين وجد معشوقته الصغيرة تلتصق بجسده أسفل كتفه الأيمن كالعلقة، وجذبت جلبابه فوقها فاختفت داخله تمامًا.
لم يستطع كبح ضحكاته حين طلت برأسها من ياقته ونظرت له بعينيها الجميلتين رغم الحزن الظاهر بهما، وخوفها الحقيقي البادي على ملامحها، وهمست بشقاوة أذهلته وأعجبته في آنٍ واحد:
"أنا هستخبي منها."
قالتها واختفت داخل جلبابه الواسع للغاية من حسن حظها.
اختفت ابتسامته ورسم مكانها الغضب، ومد يده فتح باب الحمام على مصراعيه فجأة، وإذا بـ "خضرا" تدلف للداخل مندفعة كقذيفة اللهب المشتعلة فقدت السيطرة على توازنها، والتحكم بقدمها التي كانت تركض دون إرادة منها حتى اصطدمت بالجدار وسقطت على حين غرة داخل حوض الاستحمام المملوء بالمياه وسائل الاستحمام.
"يا مَري يا بوي."
كان "عبد الجبار" يقف بطوله المهيب يتابعها ببرود مصطنع عكس نيران قلبه بفضل زوجته التي أجبرها ذعرها على لف كلتا قدميها حول إحدى قدميه كما لو كانت تتسلق شجرة، وسارت بيدها على بطنه وظهره ببطء وحرص شديد حاوطت خصره بحميمية دون قصد منها.
"هي فين؟"
قالتها "خضرا" بصراخ وهي تدور بعينيها بالأرجاء تبحث عنها، حاولت النهوض لكنها فشلت فشلًا ذريعًا، فنظرت لزوجها الذي يرمقها بنظرات حارقة وتابعت:
"سلسبيل فين يا عبد الجبار؟"
"في عبي."
نطق بها ببرود لا يخفى نبرته الحادة، بينما تلك المختبئة بداخله انكمشت على نفسها أكثر دافنة وجهها بجانبه الأيمن.
بالطبع ظنت "خضرا" أنه يمزح بجملته هذه، فهدأت وتيرة غضبها على الفور حين تأكدت أن غريمتها غير موجودة برفقة زوجها، والتقطت أنفاسها المسلوبة.
رمقها "عبد الجبار" بنظرة ارتعد منها قلبها، وشعرت بالإحراج من فعلتها فخفضت رأسها بخجل، هنا استغل هو الفرصة وتحرك للخارج ممسكًا بمقبض الباب، وقال بتجهم بث فيها الكثير من الريبة:
"اتسبحي بمية ساقعة خليها تفوقك لنفسك هبابة ولما أعود من الشغل لينا قعدة وحساب على حدتك العفشة وغلطك في حق سلسبيل اللي نسيتي أنها مَراتي يا خضرا."
أنهى جملته وأغلق الباب عليها، تنفست "سلسبيل" الصعداء وفكت حصرها حوله وكم ضايقه بعدها عنه، ود لو تظل مختبئة داخل ضلوعه هكذا للأبد.
طلت برأسها من ياقته ثانيةً تتأكد من عدم وجود أحد حولهما، ليستغل هو الفرصة ويحاوطها بذراعيه رفعها بضعة إنشات ومال عليها بوجهه طابعًا قبلة شغوفة فوق شفتيها أمام أعين "بخيتة" التي تتجسس عليهم كعادتها.
أخذت "سلسبيل" تكافح بضراوة للإفلات منه حتى تركها على مضض فهرولت بخطوات شبه راكضة نحو غرفتها فتحت الباب، ودلفت للداخل، ليلقي هو لها قبلة في الهواء قبل أن تغلق الباب بحذر حتى لا يصل صوته لـ "خضرا" التي تستشيط غيظًا حين رأت ثيابها معلقة خلف الباب، إذن زوجها لم يكن يمزح حين قال لها أنها داخل جلبابه.
نهضت من مكانها بعد معاناة لثقل وزنها، وسارت نحو الثياب المعلقة أمسكتهم وقامت بتمزيقهم إربًا، وأقسمت بداخلها لو كانت وقعت يدها على "سلسبيل" الآن لكانت ابتلعتها حية.
"غلطت وغلطي واعر لما وافقت على جوازك منها، أنت كنت رافض وإني اللي طلبتيهالك بيدي."
اسودت عينيها بنظرة تحمل الشرر لأول مرة بحياتها، وتابعت بوعيد:
"وطلاقها منك هيبقي على يدي."
سبحان الله العظيم.
"جابر."
قضى أكثر من يومين مستيقظًا دون أن يغمض له جفن، يحاول بشتى الطرق الوصول إلى "سلسبيل"، لكن دون جدوى، فالرجال المكلفون بأمر من "عبد الجبار" أحكموا حوله الحصار جيدًا.
لكنه لم يفقد الأمل، ولن يتوقف عن البحث عنها حتى يجدها.
ارتَمى بتعب على فراشه، يستعد لنومٍ مجهد، إلا أنه استمع لصوت جرس الباب، فهرول مسرعًا تجاهه يظن أنهم أصدقاؤه أتوا بمعلومة له تساعده بالوصول إليها.
فتح الباب بلهفة ليتفاجأ بآخر شخص يود رؤيته بهذا التوقيت.
"جابر!! يا حبيبي يا ابني."
صرخت بها "سعاد" والدته وهي تقطع المسافة بينهما، وتعانقه بقوة، تقبل كتفيه ووجهه، وتعاود ضمه من جديد وهي تقول ببكاء:
"بركة إنك رجعت لي بالسلامة يا غالي، الحمد لله على سلامتك يا حبيبي، واحشتني يا قلب أمك."
احتضنت وجهه الخالي من أي تعبير بين كفيها وهمست مستفسرة:
"رجعت أمتى يا ضنايا؟"
"من عشر أيام."
غمغم بها ببرود يغلفه الجمود، وهو يبعد يدها عن وجهه ببطء، وعينيه ترمقها بنظرة عاتبة توترت بسببها.
نظرت له بملامح منذهلة مرددة:
"من 10 أيام ومتجيش ولا تسأل عني يا جابر؟!"
ابتسم لها ابتسامة مصطنعة مدمدمًا:
"اممم.. أجيلك؟! أجيلك فين؟! بيت جوزك يا أم جابر؟!"
"أنتِ هنا يا سعاد."
نطق بها "فؤاد" والدها الذي خرج للتو من غرفته، أنقذها من سؤال ابنها التي تشعرها بالذنب، ويذكرها بالماضي الأليم.
"أيوه يابا أنا هنا."
أردفت بها وهي تسير نحوه وأخذت بيده نحو أقرب مقعد.
"إيه الغيبة دي كلها يا سعاد، أول مرة تغيبي عني بالأسبوعين يا بنتي، هونت عليكِ؟"
مالت عليه قبلت رأسه ويده وبتنهيدة حزينة قالت:
"حقك عليا يابا، أنت عارف ميمنعنيش عنك إلا الشديد القوي."
"وجوزك بقي هو الشديد القوي اللي منعك عن أبوكي؟"
صاح بها بلهجة غاضبة وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ويتطلع لها بترقب.
"لا مش جوزي يا ابن بطني."
نطقت بها بحدة، وصمتت لدقيقة كاملة، ومن ثم تابعت بصوتٍ تحشرج بالبكاء:
"صفا بنتي جوازتها باظت قبل الفرح بكم يوم بسبب القايمة."
والبت يا حبة عيني نفسيتها كانت تعبانة أوي وحابسة نفسها في أوضتها ما بتخرجش منها خالص، وما كنتش قادرة أسيبها في حالتها دي لتعمل في نفسها حاجة، الشر بره وبعيد عننا وعن الجميع يارب.
عقد "جابر" حاجبيه وهو يقول بتعجب:
بنتك إزاي يعني مش فاهم؟!
نفخت بضيق وأجابته بنفاذ صبر:
واد أنت ما تعدل طريقة كلامك الناشفة دي معايا، ولا هي الغربة وعيشة الأجانب علمتك قلة الأدب ونسيتك إني أمك ولا إيه؟!
صمتت فجأة، واعتلت ملامحها ابتسامة واسعة، وتابعت ببلاهة:
صفا تبقى بنت جوزي اللي أنا مربياها على أيدي.. مش بنتي، يعني تجوزلك يا واد يا جابر.
جابر راجع عشان يدور على سلسبيل بنت أختك يا سعاد.
نطق بها "فؤاد" حين وصل لسمعه صوت أنفاس حفيده المتلاحقة التي تدل أن غضبه وصل لذروته، ومن الممكن أن يتحدث مع والدته بطريقة غير لائقة.
تهللت أسارير "سعاد" وبلهفة قالت:
عرفت طريقها ولا عرفت عنها أي حاجة يا جابر؟
أيوه عرفت طريقها وهتبقى معايا هنا في أقرب وقت ممكن.
قالها "جابر" بثقة وإصرار.
أطلق "فؤاد" زفرة نزقة من صدره وهو يقول:
تبقى معاك إزاي بس يا ابني.. مش يمكن تكون عايشة مع جوزها برضاها ومش عايزة تطلق منه.
اندهشت "سعاد" حين تفهمت ما يدور بخاطر ابنها وتحدثت بهدوء ما يسبق العاصفة قائلة:
هو أنت لسه بتفكر فيها بعد السنين دي كلها؟ لدرجة إنك عايز تطلقها من جوزها يا جابر؟!
خضرا.
فور خروجها من الحمام دلفت داخل غرفتها، وظلت داخلها لم تخرج منها بأمر من زوجها الذي غادر المنزل وذهب لعمله مرة أخرى. أخذت تبحث عن فكرة تستطيع إبعاد زوجها عن غريمتها بأي طريقة إلى أن ألهمها عقلها بالاتصال على الطبيب المعالج لـ "سلسبيل" لكنهم أخبروها أنه داخل غرفة العمليات، فطلبت من مساعدته أن تبلغه باتصالها، وتجعله يهاتفها فور إنهاء عمله.
تجلس على أحر من الجمر تنتظر اتصال الطبيب بها، حتى أخيرًا صدح صوت رنين هاتفها، ضغطت زر الفتح بلهفة ليأتيها صوت الطبيب مغمغمًا:
خير يا مدام خضرا بلغوني إن حضرتك عايزاني ضروري.
أجابته بلهجة حادة قائلة:
أيوه.. أني هجيبلك سلسبيل المستشفى دلوقت ولو عبد الجبار سألك قوله أنت اللي طلبتها تيجي لأجل ما تعملها شوية فحوصات ضرورية، وتخليها تبات حداكم ليلتين تلاته، وإني هعطيك المبلغ اللي تطلبه.
أمرك يا خضرا هانم.. هاتيها وتعالي أنا في انتظارك.
أغلقت "خضرا" الهاتف وهرولت مسرعة ترتدي عباءتها السوداء وحجابها، وغادرت غرفتها على عجل متوجهة لغرفة "سلسبيل" وقفت أمام الباب المغلق، ورسمت ابتسامتها الحانية قبل أن تطرق عليه وتدلف للداخل دون انتظار إذن.
ارتعد قلب "سلسبيل" حين رأت تعابير وجهها المصطنعة لأول مرة، ونظرتها الحاقدة عليها فشلت في إخفائها، لكنها تغاضت عن كل ما تراه وتحدثت بقلق ملحوظ:
أنتِ خارجة ولا إيه يا أبلة خضرا؟!
لم ترد عليها، وسارت تجاه خزينة ثيابها أخرجت لها عباءة وحجاب ألقتهما بجوارها على الفراش مدمدمة:
اممم.. عبد الجبار قالي أجهزك وأوديكي المستشفى.. ميعاد متابعتك مع الدكتور النهاردة.. البسي يالا قوام.
حركت "سلسبيل" رأسها لها بالإيجاب، وتناولت عباءتها وحجابها ارتدتهما بصمت.
تابعتها "خضرا" بهدوء ظاهر على وجهها عكس ضجيج قلبها وهلعه، فهي ستخطو لخارج المنزل دون إذن من زوجها.
عبد الجبار.
كان يجلس على مكتبه بأريحية يتابع المكالمة الهاتفية الدائرة بين طبيب "سلسبيل" وزوجته، انتظر حتى أغلق الطبيب الهاتف وتحدث قائلًا:
كتر خيرك يا دكتور.. تقدر تتفضل أنت دلوقت، وفوت على الحسابات في طريقك.
أردف بها وهو ينتصب واقفًا وقام بجمع أغراضه، وتابع حديثه مكملًا بأمر:
حسان خد الدكتور واسبقني على بيت الست سلسبيل هانم.
اعتلت ملامحه ابتسامة عاشقة وتابع بتنهيدة مشتاقة:
على ما أجيبها وأجي وراكم.