ألم بشع يفتت خلايا عقلها. فتحت عينيها شيئًا فشيئًا ببطء، تشعر بخدر غريب يقيد حركتها. تحركت بعينيها حولها لتشخص مقلتيها في فزع. أين هي؟ تلك ليست غرفتها. لم تكن على فراش قديم في غرفة مظلمة مليئة بالتراب، الإضاءة فيها خافتة. بل كانت في غرفة عادية بها إضاءة جيدة، يغطي جدرانها ورق حائط، على فراش مفروشه ناعمة حقًا. انتفضت فزعة تنظر إلى ثيابها ذعرًا، لتتنهد بارتياح. لا تزال بكامل ثيابها. أين هي إذا؟ ومن أتى بها إلى هنا؟
عقدت ما بين حاجبيها تفكر. آخر ما تتذكره أنها رأت حسن أمامها. إذا هو من أحضرها لهنا. انتفضت من الفراش، تحركت خطوتين فقط ناحية باب الغرفة، لتجده يُفتح من الخارج ودخل حسن. الذي توسعت عيناه قليلاً ما أن رآها مستيقظة. ضحك ساخرًا يردف: "إيه دا معقول لحقتي صحيتي؟ دا المخدر بتاع الواد طلع فستك بقي دا. أنا يا دوب حطيتك على السرير وخدت معاكي كام صورة وطلعت أشرب سيجارة." توسعت عيناها فزعًا. أي صور التقطها بصحبتها؟
ماذا فعل بها وهي نائمة؟ احمرت عيناها غضبًا، تصرخ فيه بشراسة: "صور إيه اللي خدتها معايا؟ أنت عملت فيا إيه؟ إزاي أصلًا تخدرني وتخطفني؟ أنا هوديك في ستين داهية! ابتسم متهكمًا، يدس يديه في جيبي سرواله، يتشدق ساخرًا: "صور حلوة أوي يا أمولة. لو انتشرت بين الشباب أمك هتموت من حزنها، وجوزك أمك لو ما كانش اتشل كان هيتشل من قهرته." طوقت جسدها بذراعيها بحركة غريزية سريعة، تعود بخطواتها. امتلأت عيناها بالدموع، تصيح فيه بحرقة:
"أنت ما عملتش كده صح؟ ما كشفتش جسمي وأنا مش في وعي... أقسم لك لو كنت عملت كده عمري ما هسامحك لو آخر يوم في عمري. أنت عايز مني إيه؟ أبعد عني بقي، أبعد عني. أموت نفسي عشان أرتاح منك." ابتلع لعابه متوترًا، يشعر بالندم من خطته الغبية المتهورة. جبران حذره منها ولكنه لم يستمع. غضبه كان أقوى من أن يستمع لصوت ضميره أو عقله. دس يديه في جيبي سرواله، ابتسم يتمتم في خبث مخيف:
"لأ عملت واتصورنا صور حلوة أوي مع بعض، ما تحبيش تشوفيها عشان ما تاخدش حياءك. فأنتِ دلوقتي قدام حل من اتنين، يا تفسخي خطوبتك بزياد باشا ونتجوز، يا هفضحك في كل حتة، حتى لو هتحبس بعدها ما عنديش مانع." حركت رأسها بالنفي مرة تليها أخرى. لأول مرة تشعر بذلك الضعف والهزال. لا أحد ليساعدها. انهمرت الدموع من عينيها، تنظر له كارهة نافرة، تصيح فيه بحرقة: "أنا بكرهك يا حسن، فاهم؟
بكرهك لآخر يوم في عمري. هفضل أكرهك حتى لو اتجوزنا غصب عني زي ما أنت عايز. عمري ما في يوم هسامحك. أنا كان حلمي في الدنيا بسيط، بسيط أوي، بس حتى الحلم استكتره عليا. حسبي الله ونعم الوكيل فيك. ربنا ينتقم منك." واجهشت تبكي بحرقة، وهو يقف أمامها عاجزًا عن النطق بحرف واحد. للحظة فكر في التراجع، وعاد قلبه العاصي يرفض تراجعه. علا ثغره ابتسامة واسعة، يردف بهدوء:
"طالما اتفقنا، يلا عشان أروحك. إحنا هنا في حتة مقطوعة. آه صحيح، مش كنتي بتسألي على الفرح اللي بيجهزوه في الحارة؟ عرفتي هي ليلة مين يا عروسة؟ ولا لسه؟ ححظت مقلتاها في فزع. إذا كان يدبر الأمر منذ البداية. نظرت له باشمئزاز، تكاد تبصق في وجهه. لم تحتقر أحدًا يومًا بقدره، وها هو يثبت لها كل يوم أنه أسوأ ما أنجبت البشرية! ***
انظروا ما يحدث. تجلس جواره في سيارة ليست سيئة. صحيح ليست تلك السيارات التي اعتادت عليها، ولكنها حقًا جيدة، جيدة جدًا. تجلس جواره تمليه الطريق كما لو أنها تجلس جوار سائق أجرة فاشل لا يعرف الطرقات. كيف سيأتي معها للحفلة؟ نظرت له من أعلى لأسفل، بينما هو منهمك في القيادة، يرتدي قميصًا أسود وسروالًا من الجينز لا بأس به. حسنًا، مظهره مقبول. ولكن طريقة حديثه وماذا سيقول زملاؤها عنها؟
خاصة ذلك البربري يظل يردد أنها زوجته. متى تزوجته وهي لا تدري؟ تنهدت بعنف، تخبره باسم المكان الذي هما في صدد الذهاب إليه، لتري ملامح وجهه تنقبض. مزيج من الغضب والتوتر احتل قسمات وجهه. يديه اشتدت على مقود السيارة. ماذا حل به؟ لما بدا للحظات خائفًا وربما غاضبًا لدرجة لا يمكن إنكارها. إلا أنه هدأ فجأة وكأن شيئًا لم يكن. ابتسم لها نصف ابتسامة حين التفت بوجهه، يغمغم ساخرًا:
"مجدي التهامي، رجل أعمال معروف. رايحة حفلة في فيلته." حسنًا، يبدو أن جبران ليس بذلك الجهل الذي توقعته. ابتسمت في خفة، تكتف ذراعيها أمام صدرها، تسأله: "وأنت تعرف بقي مين هو مجدي التهامي؟ استشف سخرية سؤالها ولم يعقب عليها. فقط أومأ برأسه، يغمغم سريعًا: "طبعًا، أنتي تفتكريني جاهل ولا إيه يا بنت الذوات؟ دا أشهر من النار على العلم، راجل أعمال محترم بيحب الخير وبيتبرع دايما لملاجئ الأيتام."
نعم نعم، يعشق الخير تمامًا كأبيها. مجدي وسفيان وجهين لعملة واحدة. وقفت السيارة في باحة القصر. نزل جبران من السيارة ينظر للمكان حوله مدهوشًا بأعين تلمع من الذهول. يتحرك برأسه هنا وهناك، يغمغم مدهوشًا: "كل دا بيت؟ دا قصر ولا سرايا من بتوع البشوات بتوع الأفلام القديمة." ابتسمت وتر يائسة. جبران قادر على أن يجعل تلك الليلة مهزلة حرفيًا. اقتربت منه إلى أن باتت بالقرب منه، اخفضت صوتها تهمس له:
"جبران بليز، اللي جوا دول زمايلي في الجامعة. ارجوك ما تبوظيش صورتي قدامهم، مش كفاية إنك جاي هنا غصب عني." ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغره. رفع يده يربت على صدره، يتشدق بزهو: "ما تقلقيش يا بت الذوات. أنا مش جاي أعرك، أنا جاي أشوف ولاد الذوات عايشين إزاي." في اللحظة التالية، أمسك برسغ يدها يجذبها خلفه عنوة، يغمغم سريعًا: "يلا، زمان البوفيه فتح. أما نشوف أكل ولاد الذوات."
كادت أن تصفع نفسها. انتهى كل شيء. جبران سيدمر كل شيء. دخلت معه إلى الحفل لتتوقف الأصوات جميعًا، صوبت جميع الأعين إليهم. نظرات تملؤها الفضول والاستنكار والدهشة. ابتلعت لعابها مرتبكة، خاصة حين لمحت طارق ينظر لها هو الآخر مدهوشًا. خطا طريقه إليها، وقف بالقرب منها يبتسم يرحب بها: "هاي يا وتر، حقيقي مبسوط إنك جيتي وقبلتي دعوتي." ابتسمت تشكره. ليصمت الأخير للحظات، ينقل أنظاره بينها وبين جبران. حمحم يسألها مبتسمًا:
"هو الأستاذ معاكِ؟ ابتلعت لعابها، تؤمئ بالإيجاب. تحاول إيجاد كذبة ما، تعثلمت تغمغم سريعًا: "أيوه أيوه، دا قريبي من ناحية ماما، يعني تقدر تقول في مقام خالي." نظر جبران لها ساخرًا، يرفع حاجبيه مستهجنًا ما قالت، قبل أن ترتسم ابتسامة عابثة على ثغرها حين جذبها لاحضانها، يطوقها بذراعيه، يقبل قمة رأسها: "حبيبتي يا بنت أختي يا غالية." ابتسمت من بين أسنانها، تلكمه في صدره خفية ليبتعد عنها. في حين ضحك طارق بخفة، يردف:
"دا واضح إن خالو بيحبك أوي يا وتر. معلش يا خالو، هاخد منك وتر شوية، البيت بيتي." انزلقت وتر من بين ذراعي جبران، تتحرك سريعًا بصحبة طارق بعيدًا عنه، لتختفي ابتسامة جبران فجأة وتتجهم قسمات وجهه. توجه إلى مائدة الطعام الكبيرة، ينظرون للطعام الموضوع الذي يسمونه خطأً طعامًا. التقط أحداها يدسها في فمه، يغمغم ساخرًا: "هو دا بقي أكل ولاد الذوات؟ دي لقمة جبنة بخيار وياريت نص رغيف حتى. لاء، لقمة عالم معفنة."
تحرك بعينيه يبحث عن وتر، ليجدها تقف بين مجموعة من الفتيات والفتية تضحك بانسجام معهم. في يدها كأس به مادة حمراء. توسعت عيناه غضبًا. اقترب منها سريعًا يجذب الكأس من يدها بعنف، يحادثها غاضبًا: "أنتِ بتشربي منكر يا بنت أختي! أفرغ ما في الكأس في إحدى المزهريات، لتتوسع عينا وتر غضبًا. ذلك الأحمق جاء ليحرجها بين الناس. اقتربت منه تهمس له من بين أسنانها محتدة:
"أنت مالكش دعوة أنا بعمل إيه. كفاية إنك جاي هنا غصب عني. ما تحرجنيش مع الناس بدل ما أخلي الأمن يرموك بره." بالقرب منهم وقف طارق، ينظر لجبران حاقدًا غاضبًا. كان على وشك أن تشرب الحمقاء ما في الكأس ويتستر عليها لغرفته، ولكن الأحمق دمر كل شيء. نظر حوله ليشير بيده إلى ماهي التي اقتربت منه سريعًا. دنا برأسه منها يهمس لها: "اشغلي لي خالها اللي هناك دا بأي شكل على ما أشربها العصير وأطلع بيها."
ابتسمت ماهي في خبث، تؤمئ له. يوم سعدها، يوم تذل وتر صاحبة هامة الزرافة التي لا ترى الأرض أبدًا. اقتربت منهم تتغنج. خطت وقفت جوار وتر وجبران، تغمغم بنعومة: "هاي وتر. مش تعرفيني؟ طارق بيقول لي إنه خالك. خالك handsome أوي يا وتر." جبرت وتر شفتيها على الابتسام، تؤمئ لها مجاملة. اقتربت ماهي من جبران تمسك بكف يده، تحادث وتر برقة: "ممكن أستلف منك خالو شوية؟
نعم نعم، افعلي ولا تعيديه. ابتسمت لها في اتساع، تؤمئ برأسها سريعًا، لتتسع عينا جبران يتوعد لها. تلك الصغيرة تظنه لعبة. تعطيها لصديقتها قليلًا ومن ثم ستعيدها لها. في لحظة لف ذراعه حول خصر ماهي، يقربها منه، ابتسم يغمغم في خبث: "تعالي يا حبيبة خالو أنتي كمان." وترك وتر وغادر، تاركًا إياها تنظر في أثره بأعين جاحظة مدهوشة. ذلك الرجل لم يعرف للأخلاق اسمًا يومًا.
أجفلت على حركة جوارها. ظهر طارق يمسك في يده كوبًا آخر من العصير. مد يده لها به، يغمغم مبتسمًا: "خدي يا ستي بدل اللي خالو رماه. خالك دا غريب جدًا بس لذيذ والله." ابتسمت مجاملة، تأخذ منه الكوب، ترتشف ما فيه على مهل. استأذنت من طارق لتتجول في أنحاء الحفل. شيء بداخلها يريد أن يعرف ماذا يفعل جبران الآن مع ماهي. ربما هو الفضول ليس أكثر. تحركت هنا وهناك إلى أن وجدته يقف جوارها عند طاولة الطعام يضاحكها قائلًا:
"لأ غلط دي يا ستي اسمها مطوة قرن غزال مش سكينة. مش عايز أقولك دي بقي بتفوت في اللحمة الناية ونوجا كده على رأي مكي." ضحكت ماهي ضحكة عالية خليعة، في حين شعرت وتر بالغضب من تلك الحرباءة. تحركت إليهم خطوتين فقط لتقف. شعرت فجأة بأن جسدها تنخفض درجة حرارته حتى بات جسدها باردًا كالجلد. تشعر برأسها يلتف فجأة ومن العدم. للمرة الثانية ظهر طارق جوارها. لما يخفض صوته يحادثها بصوت خفيض هامس: "أنتي كويسة يا وتر؟
شكلك تعبانة. تعالي اغسلي وشك يا بنتي." أمسك بكف يدها يحركها معه. إلى أعلى عينيها تزوق أكثر، نظراتها تتشوش حتى تتماهت جميع الأشكال أمامها. بالكاد صعدت السلم إلى نهايته وسقطت أرضًا فاقدة للوعي. ارتسمت ابتسامة خبيثة مخيفة على شفتي طارق. دنا بجذعه يحملها بين ذراعيه، يطلق صفيرًا طويلًا مخيفًا رتيبًا. يتوجه بها إلى غرفته، صافقًا الباب عليهما. ***
الليل ونسيمه العليل يحرك خصلات شعرها، يداعب ثغرها ووجنتيها، فابتسمت سعيدة، تشعر بسعادة عارمة تملأ كيانها. رغبة ملحة في أن تتمايل على أنغام موسيقى هادئة. ففعلت. بعد بحث وجدت هاتفها. استخدمت جهاز الصوت لتشغيل إحدى الأغاني. بحكم العادة قد حفظت شكل الغرفة دون أن تراها. وضعت الهاتف جانبًا لتبدأ تلتف حول نفسها، تتمايل كالفراشة، ترقص (الباليه) بشكل بسيط. يعلو ثغرها ابتسامة واسعة لا سبب لها.
جذبه صوت الموسيقى، فتحرك إليها. دق الباب فلم تجب. قطب جبينه قلقًا، يفتح المقبض ليراها حورية تتمايل على أنغام الأمواج. زهرة تلتف أوراقها بنعومة بالغة. تحركت قدميه ناحيتها خطوة بخطوة، إلى أن ارتطمت به وهي تتمايل. استندت كفيها على صدره. رفعت وجهها إليه تلهث بخفوت. خصلات شعرها مدلاة تغطي غرتها الجميلة. عيناه تاهت في تفاصيل وجهها. فمد يده يمسك بكفها يرفعه لوجهه يريدها أن تشعر به. ففعلت. بدأت تحرك كفيها على وجهه تستشعر قسماته، تبتسم أكثر كلما تحركت أصابعه على ملامحه. تشعر بأنفاسه قريبة للغاية، تسمع دقات قلبه التي تتسابق ركضًا. ابتسمت، تبسط كفها على صدره،
تهمس له بخفوت حزين معاتب: "ليه خبيث عليا؟ بعد موت وليد ما بقاش ليا في الدنيا غيرك. ليه تحرق قلبي وتكذب عليا وتقولي إنك مت؟ ليه يا بيجاد؟ *** العصير، العصير، العصير. ترددت الكلمة على أسماعها. تطرق رأسها بعنف. فتحت عينيها فجأة، لتقع عينيها على ساعة كبيرة معلقة على الحائط. إنها الثانية عشر ليلاً. مرت ساعتان إذا منذ مجيئها إلى هنا. نظرت لنفسها، لتتسع عيناها مدهوشة. فراش من التي تتسطح فوقه؟
شعرت بأنفاس أحدهم جوارها. التفتت سريعًا تنظر جوارها، لتشخص مقلتاها هلعًا حين رأت جبران ينام جوارها، صدره عارٍ. ماذا الذي يحدث هنا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!