الفصل 16 | من 53 فصل

رواية جبران العشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم دينا جمال

المشاهدات
22
كلمة
2,420
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

توسعت حدقتيها هلعا تعود بجسدها للخلف من الدهشة. أين هي؟ ولما ينام هو بجوارها؟ ولما ترتدي هي قميصه؟ ارتجف جسدها فزعاً وعقلها يصور لها أسوأ ما يمكن أن يكون فعله بها. بالطبع هو لا ينام هكذا جوارها لأنه يشعر بالحر مثلاً؟ صدمته بعنف على كتفه تصرخ فيه بحدة: -اصحي، اصحي. دا أنا هوديك في ستين داهية. انتفض جبران يصيح مدهوشاً: -إيه، إيه؟ بتصوتي ليه؟ انتصف جالساً ينظر لها لبضع لحظات قبل أن يتأثب، يفرك عينيه يغمغم ناعساً:

-بتصوتي ليه يا بنت الذوات؟ وداهية إيه اللي بتتكلمي عنها؟ انتفضت من الفراش تنظر له باشمئزاز ممتزج بغيظ. ضمت ذراعيها لجسدها تصرخ فيه: -أنت عملت فيا إيه؟ أنا إيه اللي جابني هنا؟ وإيه اللي لبسني قميصك؟ للدرجة دي أنت شخص قذر... ولم تكمل. لم يدعها تكمل. هب واقفاً من الفراش متوجهاً إليها. يتدلي من عنقه قلادة من الفضة تأخذ شكل موس في آخرها. صاح فيها محتداً يقاطعها:

-إييييه، اقطمي شوية. لولايا يا بنت الذوات كان زمانك بتبكي على اللي راح بجد. احمدي ربنا إني لمحتك عند آخر السلم فوق خالص. كان شكلك تعبان وساندة على العيل ال***. ما اتطمنتش، وما كنتش عارف أخلع من البت الملزقة غير لما قولتلها إني رايح الحمام. طلعت جري وراكوا. لقيتك ممددك على السرير ومقطع هدومك وأنتِ في الدنيا غير الدنيا. توسعت عينيها هلعاً، شهقت مذعورة. وضعت يدها على فمها تحرك رأسها بالنفي. لا تصدق طارق!

ولما قد يفعل طارق ذلك؟ تذكرت العصير والدوار الذي اجتاح رأسها فجأة، وطارق وهو يأخذ بيدها لأعلى. أيعقل حقاً أن يكن طارق هو من دبر لتلك الخدعة؟ أجفلت على صوته يغمغم ساخراً: -هما دول بقي ولاد الذوات يا بنت الذوات؟ أنا راجل متربي على الأرصفة والحواري، بس عمري ما أسرق براءة واحدة. أنا كومته زي الشوال في بيته، وما لقيتش غير قميصي أسترك بيه يا بنت الذوات. قميصي اللي رميتيه وقولتلي وقرفتي منه، أهو سترك يا بنت الذوات.

تهدجت أنفاسها، اضطربت حدقتيها تقف في متاهة لا تعرف ماذا تفعل. من تصدق؟ تخاذلت ساقيها عن حملها لتسقط على ركبتيها أرضاً. عينيها شاردة في الفراغ البعيد. رفعت وجهها إليه أدمعت عينيها تهمس له: -أنا عايزة هدوم. زفر يحرك رأسه بالإيجاب. خرج من الغرفة ليعد بعد لحظات يمسك في يده جلباب أسود وحجاب رأس. مد يده لها بهما يغمغم: -مرات عماد ما بتلبسش غير جلابيب سودا. دا المتاح دلوقتي.

مدت يدها تلتقطهم منه ليحمحم. خرج من الغرفة يغلق الباب عليها. لتنهمر الدموع من عينيها تشعر بالضعف. أسوأ درجات الضعف. إن كان والدها هنا لما كانت تعرضت لكل ذلك. ارتجفت نبرة صوتها خرج صوتها يرتعش يغصه البكاء: -أرجع بقي يا بابا. أرجع عشان تجبلي حقي من طارق. عشان تبعدني عن القرف دا كله. أرجع عشان خاطري.

قامت بخطى ترتعش، تخلصت من قميص جبران، تشم رائحة عطره الحاد وكأنها انطبعت عليها. ارتدت الجلباب الأسود تلف حجابه حول رقبتها وكأنه شال. دق الباب في تلك اللحظة. بالطبع هو سمحت له بالدخول. ما إن خطى للداخل مدت يدها له بقميصه. أخذه منها يرتديه سريعاً. يغلق أزراره. لتسأله قلقة: -هو إحنا هنا فين؟ أكمل عقد أزرار قميصه يغمغم: -عند واحد صاحبي هو ومراته. أنا اضطريت أقوله إننا كاتبين كتابنا على فكرة. لما قال ذلك؟

هل ليجد مبرراً لصديقه أن يحمل فتاة لا يغطيها سوى قميص؟

صحيح أنه كان يصل لبعد ركبتيها، ربما كان يغطي جسدها أكثر من فستانها الأحمر الباهظ. تنهدت تومئ له. ليمسك بكف يدها يجذبها معه للخارج. رأت رجلاً بصحبة امرأة يجلسان في صالة منزل صغيرة. شعرت بخجل عارم. لم تقدر حتى على رفع وجهها لتنظر لهما. تلقائياً وربما دون أن تدري شدت بيدها على يد جبران. ليضغط على يدها بخفة يصطحبها معه للخارج. لتهرول معه الخطى تهرب من ذلك المكان سريعاً خجلاً منهم.

تركها بعد أن قالت له ما قالت. سخر منها وتركها وغادر. لن يهرب كما فعل قبلاً. يظن أنها ساذجة. لن تعرفه. لا تنكر أنها انخدعت في البداية. ولكن ما لا يمكن أن تنساه أبداً رائحة عطره. كيف تنساها وقد كانت تعرفه أنه موجود قبل أن تراه من الأساس. مدت يدها تأخذ شالاً من الصوف كان بالقرب منها. وضعته حول كتفيها تأخذ طريقها بحذر إلى خارج المنزل. حيث سمعته يفتح الباب قبل قليل. تحركت تشعر بالرمال الباردة تحت قدميها العاريتين إلى حيث البحر. لا تعرف أين يجلس تحديداً. فوقفت بالقرب من الشاطئ. توجهت أنظارها ترسم موج البحر داخل عقلها.

ابتسمت توجه حديثها له: -ليه بتهرب من الحقيقة؟ والأهم ليه خبيتها؟ ليه عيشتني في عذاب موتك وأنت عايش يا بيجاد؟ تحرك برأسه ينظر لها وهي تقف جواره. ابتسم في سخرية مريرة يغمغم متهكماً: -عشان اللي أنتي بتقوليه دا تخاريف. بيجاد مين؟ بيجاد جوزك مات. أنا عز الجيار جوزك وما اسمحلكيش تجيبي سيرة راجل تاني قدامي. ابتسمت في هدوء دون أن تلتفت برأسها له لتغمغم بثقة:

-عز وبيجاد وجهين لعملة واحدة. صوتك وطريقتك بس مش هتقدر تغير ملامح وشك. ونسيت تغير نوع البرفن بتاعك. مش قولتي مرة أنه بيتعمل ليك إنت بس؟ هنا توسعت حدقتاه اندهاشاً. كيف لا تنسى أي كلمة قالها لها قبلاً. حرك رأسه بالنفي بعنف يغمغم محتداً: -أنا مش زفت. بطلي تناديني باسم جوزك اللي مات. باسم شيطان زمانه بيتحرق في جهنم. ابتسمت في هدوء. تلك المرة التفت بجسدها حيث يأتي مصدر صوته. نظرت إليه تغمغم مبتسمة: -أنت مغير صوتك إزاي؟

على فكرة صوت بيجاد أحلى من صوت عز. تلك الفتاة لا تيأس. كاد أن يقول شيئاً ولكنها سبقته. غمغمت ساخرة: -ما فيش غير بيجاد يعرف موضوع حورية البحر. أنا ما بكتبش مذكرات يا بيجاد. حتى فتحية ما تعرفش الموضوع دا. أنت بس اللي تعرفه. تنفس بعنف مرة تليها أخرى وأخرى دون أن يهدأ. هب واقفاً يصيح فيها: -أنتِ عايزة إيه يا رسل؟ بطلي تستفزيني وتقولي إني الزفت بيجاد. أنا مش هو. ممكن تسكتي بقي. وتركها يتحرك خطاه لداخل المنزل. توقف فجأة

حين سمعها تغمغم ببساطة: -على فكرة وليد الله يرحمه قبل ما يموت كان قالي إن بيجاد اللي هو مش أنت اشتري أسد وسماه أرسلان وبيتدرب عشان يروضه. سب وليد في نفسه. ذلك الأحمق كشف السر. نظر لها ليجدها تركل الرمال بقدمها بخفة تبتسم في اتساع كأنه يقول له أنظر أنا انتصرت. عاد خطاه إليها كم بدا غاضباً وهو يقبض بيديه على ذراعيها يصيح فيها: -أيوة أنا بيجاد. ارتحتي كدة يا رسل؟ استفدتي حاجة لما عرفتي إني أسوأ من الشيطان؟

قطبت ما بين حاجبيها مستنكرة ما يقول. انكمشت ملامحها ألماً من قبضة كفيه على ذراعيها تسأله مدهوشة: -شيطان! ليه؟ وإيه اللي يخليك أسوأ من الشيطان؟ أنت رجل أعمال كبير ومشهور ماسك شغل العيلة كله أنت ووليد. ارتسمت ابتسامة ساخرة مريرة على شفتيه. خرجت من بين شفتيه ضحكات مشبعة بالألم يغمغم ساخراً:

-أعمال العائلة وأنتِ عارفة بقي العائلة المحترمة دي بتشتغل في إيه. إحنا أكبر تجار مخدرات وسلاح. أبوكي وسفيان الدالي يعتبروا ملوك السوق السودا. أبوكي سلاح ومخدرات وسفيان دعارة وتجارة أعضاء. الاتنين بيحموا شغل بعض. وليد كان ماسك صفقات المخدرات. أما أنا فكنت القناصة. أنا البندقية اللي بيصفوا بيها أي حد يفكر يقف في طريقهم. قتلت كتير. كتير أوي. ما كانش ينفع أعصي أي أمر. رملت ستات ويتّمت أطفال بضغطة زناد واحدة. لحد ما جه الأمر الأخير. اقتل وليد.

وصلت السيارة قرابة الرابعة فجراً إلى الحارة. من الجيد أن جبران كان معها. ومن الجيد أن لديه سيارة. لا تصدق أنها تقر بذلك ولكن لولاه لكانت كورقة ذابلة تُنهش للمرة الثانية. ألا يكفي ما حدث لها قبلاً ليأتي ذلك الطارق ينهش ما بقي منها. مسحت دموعها التي فرت خائفة من أسر عينيها حين تذكرت حادثتها القديمة. ما إن وقفت السيارة أمام منزلهم لم تنتظر. لم تشكره حتى. فقط صعدت تهرول الخطى إلى منزل والدتها. دقت الباب لينتفح بعنف وتظهر فتحية. التي ما إن رأت وتر جذبتها بقسوة من خصلات شعرها تدخلها إلى البيت. صرخت الأخيرة من المفاجأة والألم

في حين صرخت فتحية غاضبة: -راجعة الساعة 4 الفجر مع جبران في عربيته بهدوم غير اللي خارجة بيها. لو سفيان ما ربّكيش أنا أموتك في إيدي يا سافلة يا قليلة الرباية. حاولت بإستماتة تخليص خصلات شعرها من يد والدتها. انهمرت الدموع من عينيها ألماً تصيح فيها: -سيبي شعري. أنا غلطانة إني جيتلك. فعلاً وتر هانم مش هتقدر تعيش مع فتحية بتاعة الفجل. -اخرسي!

صاحت بها فتحية بعنف قبل أن تهوي بكفها على وجه وتر بقوة. صفعة عنيفة صمتت بعدها جميع الأصوات. توسعت حدقتي وتر من الألم تنظر لوالدتها كارهة ناقمة. أحمر وجهها وعينيها تتسابق الدموع في الهطول من مقلتيها. اختنقت نبرتها تحادثها كارهة: -أنا بكرهك. بكرهك أكتر ما تتخيلي وندمانة أوي إني في يوم كان حلمي الوحيد إني بس أشوفك.

غص قلبها فتحية ألماً. وبقيت ملامحها كجلمود صخر لا يتفتت. نزعت وتر شعرها من يد والدتها بعنف أدى إلى تمزق بعض خصلاته. الباب لم يغلق. جبران هنا. وجدوه فجأة في داخل شقتهم ينظر لفتحية ثم لها. قبل أن يأخذ أحد المقاعد جلس يغمغم بهدوء:

-حقك تقطمي رقبتها حتى. لو بنتي هعمل أكتر من كدة. وللأسف الشديد الولية اللي اسمها نبوية شافت وتر وهي نازلة من العربية. وطبعاً دي ما بيتبلش في بوقها فولة. بكرة هتلاقي سيرة بنتك على كل لسان واحنا لازم نقطع ألسنة الناس. شحب وجه فتحية واصفر لونها لتغمغم سريعاً بهلع: -والعمل يا سيد المعلمين؟ ارتسمت ابتسامة بسيطة على شفتيه. رفع كتفيه لأعلى يغمغم ببساطة:

-الحل الوحيد إننا نتجوز. ولو لفترة مؤقتة. حسن هيتجوز أمل النهارده بليل. ما فيش مشكلة لو اتجوزنا معاهم. لم تهتم بعرضه الغريب ولا بجملة واحدة مما قال. الكلمة الوحيدة التي علقت برأسها أمل. وافقت على الزواج من حسن؟ كيف يحدث ذلك؟

مستحيل طبعاً. تركت منزل والدتها تحت صرخات فتحية باسمها تتجه إلى المنزل المجاور له. دقت الباب مرة تليها أخرى إلى أن فتحت سيدة الباب. لم تعطها فرصة للرد اندفعت لغرفة أمل. فتحت بابها بعنف لتجد أمل متكورة أرضاً جوار فراشها تبكي بحرقة تحضن ركبتيها بذراعيها تجهش في البكاء. اندفعت وتر ناحيتها تسألها مذعورة: -إيه اللي أنا سمعته دا يا أمل؟ أنتي موافقة على اللي اسمه حسن البلطجي دا؟ خرجت شهقة قاسية قبل أن تنخرط في البكاء تتحرك

للأمام وللخلف تهمس بحرقة: -هو، هو معاه صور وحشة. وحشة أوي. هتجوزه. هتسجن في بيته النهارده بليل يا وتر. دا جاب حتى فستان الفرح.

عذاب هو ما رأته مع ذلك المجنون. عذاب لن يقدر لسانها على النطق به ولو بحرف واحد. تتكوم على أحد جوانب الفراش تعانق قدميها تنخرط في البكاء. تضع يدها على فمها. فهو يكره صوت البكاء. ارتجفت فرائصها ذعراً حين رأته يدخل من باب الغرفة. تلك المرة كان في يده ورقة صغيرة يبتسم كشيطان. ولما لا هو شيطان تجسد من الجحيم. اقترب من الفراش يبتسم تلك الابتسامة المختلة. مد يده لها بالورقة لتتضح أنها صورة لشاب في نهاية العشرينات تقريباً. رفع الصورة أمام عينيها يحادثها بهسيس أفعى تسعى في الأرض فساداً:

-الرائد زياد ظافر نور الدين. خانقني أوي مخنوق الشغل على رجالتـي في مصر. فأنا قررت إيه. نعمل خطة حلوة أنا وأنتِ. ابعتله بنت جميلة غلبانة مسكينة هربانة من قاتلين قتلة عايزين يقتلوها. وأنتِ بجمالك تغويه لحد ما حضرة الظابط ينهار ونصوره ونهدده. اجهزي يا قلبي عشان هنسافر مصر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...