توقف ثبتت عينيه على تلك القلادة التي تعانق رقبة طارق يشعر وكأن شيئًا ما ينفجر في رأسه. اندفع صوبه يقبض على مقدمة ثيابه، نقل عينيه بين القلادة وطارق الذي يبتسم ساخرًا. نفرت عروق وجهه ورقبته، يصرخ فيه: -السلسلة دي جت على رقبتك إزاي؟ ابتسم طارق في سخرية وكأنه يقول له: أحقًا لا تعرف. في حين اندفع سفيان يقف بين جبران وطارق، يردف سريعًا: -في إيه يا جبران؟ أنت ماسكه كده ليه؟ وسلسلة إيه اللي بتتكلم عنها دي؟
قبض جبران على القلادة في عنق طارق، يجذبها بعنف لتجرح رقبة الأخير. رفعها أمام سفيان يصيح غاضبًا: -السلسلة دي كانت على رقبة وتر أنا اللي ملبسها لها بأيدي. بقت على رقبة الكلب ده إزاي؟ هنا تدخل مجدي، هب واقفا يتوجه صوبهم، يوجه حديثه لسفيان: -لا بقى كده كتير. إحنا مش جايين نتهزق في بيتك يا سفيان، ولا حتة بلطجي لا راح ولا جه يشتم ابني.
نظرة حادة خرجت من عيني سفيان إلى مجدي، يطلب منه أن يصمت. ليعود لجبران يحاول أن يهدئه قليلاً: -وهي السلسلة دي ما فيش غيرها نسخة واحدة في البلد؟ ما يمكن واحدة شبهها يا جبران. أمسك جبران القلادة ينظر إلى ظهر القطعة الحديدية المسطحة، ليجد اسمه الذي نحته هو بطرف مادّيته يقبع هناك. رفع القلادة أمام وجه سفيان، يردف محتداً: -واسمي اللي أنا ناغشه بأيدي بردوا واحد شبهه؟
أزاح جبران سفيان بعنف من طريقه، ليقبض على عنق طارق يزمجر غاضبًا: -السلسلة دي جت على رقبتك إزززززززاي؟ انطق قبل ما أطلع روحك في إيدي. صوت طلقة عالٍ خرج من مسدس سفيان، أصابته الحائط جوار جبران. ليتجه سفيان إليه من جديد، يدفعه بعنف بعيدًا عن طارق قبل أن يقتله، يصيح فيه: -اهدي يا جبران وبطل جنان. أكيد الموضوع فيه سوء تفاهم.
وقف يتنفس بعنف، عينيه الحمراء مسلطة على طارق الذي يبتسم في سخرية. رغم ما حدث، لازال يسخر منه. اندفع لخارج الغرفة ليشعر بأحد ما أمسك بذراعه. التفت للفاعل ليجده طارق الذي ابتسم ساخرًا يهمس له: -حقيقي وتر مميزة أوي. عارف إيه أكتر حاجة مميزة فيها؟ الحسنة اللي في نص ضهرها.
هنا وسبق السيف العذل، لم يعِ جبران بنفسه سوى وطارق تحت يديه يكيل له باللكمات. وسفيان ومجدي يحاولان جذبه دون فائدة. ابتعد عن طارق، يضربه بحذائه في بطنه بعنف، ليندفع لخارج الغرفة. التفت مجدي لسفيان يصرخ فيه: -أنت إزاي سايبه يعمل كده؟ بدل ما تضربه بالنار؟ صرخ سفيان فيه حين نفذ صبره: -محتاجينه. ما أقدرش أقتله. وبعدين شوف ابنك قاله إيه؟
خلاه عمل فيه كده. ترتيب الحفلة لو باظ هيبقى بسبب المحروس ابنك. وساعتها أنا اللي هقتله بإيدي. من بعيد تراقب وهي ترتشف من كأس النبيذ، وابتسامة كبيرة تعلو شفتيها. لم تفارق عينيها جبران لو للحظة واحدة. ذلك الرجل يضج عنفوانًا لم تره قبلاً. ربما عليها أن تعرفه أكثر. على صعيد آخر، قبض جبران على القلادة في يده، يهرول الخطي لأعلى، يحرق الطريق غاضبًا. دفع الباب بكفيه لينفتح بعنف، فانتفضت وتر مذعورة على أثر دفعته القوية. ازدردت
لعابها تسأله مرتبكة: -في إيه يا جبران؟ إيه اللي حصل؟ اندفع صوبها يقبض على مرفقها يقربها منه. تأججت نيران الغضب والغيرة والثأر في قلبه، يصرخ فيها: -هو سؤال واحد وعايزله إجابة. السلسلة دي بتعمل إيه على رقبة طارق؟ شخصت عينيها ذعرًا تنظر للقلادة في يده. كانت ترتديها صباحًا. طارق أخذها منها وهي غائبة عن الوعي. حاولت أن تجدد مبررًا لأي شيء تقوله، فتعلثمت تهمس خائفة: -وقعت مني الصبح يمكن هو لقاها.
القى القلادة أرضًا بعنف، ليقبض على ذراعيها بكفيها يهزها بعنف، يصرخ فيها: -والحسنة اللي في نص ضهرك وقعت منك الصبح وهو لقاها بردوا؟ اضطربت مقلتاها ترتد داخل حدقتيها بعنف. لا تجد ما تقوله. كيف ستخبره أنها قامت بخيانته دون حتى أن تعي أن ذلك حدث لها بالفعل. أغمضت عينيها تنهمر الدموع من خلف جفنيها المغلقين. شهقت تهمس بصوت خفيض بح من البكاء: -أنا...
لم يدعها تكمل. شعرت بيديه تتركها. فتحت عينيها لتراه يقف بعيدًا عن الفراش، ينظر لها. عينيه حمراء، ملامحه تقطر ألمًا. ابتسم دون حياة يردف: -إنتِ خونتيني يا وتر مش كده؟ خونتيني؟ حركت رأسها بالنفي بعنف. لم تكن تعي ما حدث. شهقت في البكاء تهمس بحرقة: -أنا ما خنتكش والله ما خونتك. هو خدرني ولما فقت لقيت نفسي في أوضته. عمل فيا اللي كان عايز يعمله قبل كده في الحفلة وأنت منعته. أنا آسفة.
أخفت وجهها بين كفيها تبكي، تشعر بالوهن. كوّش ضاري يجثم عليها. ظل ينظر لها للحظات، يبتسم في سخرية. يتذكر خيانة كارمن الذي شقت قلبه حرفيًا. خيانتها أودت بحياته إلى الدمار. لم يقل شيئًا. فقط نزل لأسفل، يتوجه إلى مكتب سفيان. لم يجد أحد منهم. لم يجد سوى سفيان. ليصيح محتدًا: -هو راح فين؟ الكلب اللي اسمه طارق ده راح فين؟ ترك سفيان الهاتف من يده يتوجه إليه. وقف أمامه يدس يديه في جيبي سرواله، يغمغم حانقًا:
-أنت عارف باللي عملته ده؟ كان ممكن تخسرني مجدي التهامي. وده شريك مهم في الصفقة وصديق عمر. وصدقني مجدي زعله وحش أوي. اشتعلت ثورة جبران. كم ود أن يقبض على عنق الواقف أمامه. لولا أنه تمالك نفسه. ليخرج صوته يهز جدران البيت غضبًا: -ملعون الشغل على الصفقة على مجدي بتاعك أبو زعل وحش. أنا اللي يجي جنب مراتي أشيل اسمه من سجل الأحياء. أنت ما تعرفش هو عمل إيه. رفع سفيان كفيه سريعًا يحاول تهدئة ذلك الثأر أمامه،
يغمغم في هدوء تام: -اهدي يا جبران. اتعلم تتحكم في غضبك. أنت مضطر تستحمل وجود طارق للأسف لحد يوم الخميس. بعد كده اعمل اللي أنت عاوزه. عاوز تقتله؟ ما حدش هيُمانع. أنت هتبقى الكبير في السوق يا جبران.
حدج سفيان الواقف أمامه بنظرة كارهة. يشعر بالاشمئزاز منه. الرجل على أتم استعداد أن يضحي بكل شيء حتى يصل لما يريد. فقط. تركه وصعد لغرفته. ليبتسم سفيان في أثره ساخرًا. ظل يتابعه إلى أن اختفى من أمام عينيه. ليغمغم مع نفسه متوعدًا: -براحتك يا جبران. أنت كده كده وجودك على الساحة مؤقت. وأنا بإيدي هقطع لك تذكرة خروجك من الدنيا يا جوز بنتي.
على صعيد قريب، توجه جبران لغرفته من جديد ليجد وتر في انتظاره. تجلس على أحد المقاعد تفرك يديها متوترة. أشاح بوجهه بعيدًا عنها. يتوجه صوب مرحاض الغرفة. لتقف سريعًا تعترض طريقه تغمغم سريعًا: -أقسم لك بالله يا جبران أنا ما كنت في وعيي لأي حاجة. هو خدرني. مش دايما بتقولي أنا أعرف أن كان اللي قدامي بيكذب ولا لأ. أنا مش كدابة والله يا جبران.
نظر لها واضطربت حدقتاه بعنف. لم يكن غاضبًا منها بقدر غضبه من نفسه. وجوده هنا. انغماسه مع صفقة سفيان السوداء جعلها تغيب عن ناظريه. جعل منها لقمة سائغة لذلك الثعلب. مجرد فكرة أنه اعتدي عليها في غيابه تقتل رجولته. وهو لم يكن هنا. لم يكن موجودًا ليحميها. وعليه الآن أن يترك ذلك الوغد دون حساب إلى أن تنتهي صفقتهم. أي رجل هو!
كم يشعر حقًا بالاشمئزاز من نفسه. نظر ناحية وتر ليرى كفيها تهتزان. جسدها به رعشة خفيفة. وتر تبدل حالها في ظرف أيام قليلة. تركها يبحث بعنف عن حقيبة يدها إلى أن وجدها. ليفتحها يفرغ محتوياتها ليرى شريط الأقراص يقبع فيها. ما أن امسكه اقتربت وتر منه سريعًا تغمغم بتلهف: -سيبه يا جبران. ده المسكن الوحيد اللي بيضيع الصداع اللي بقى بيجي لي. أنا عارفة أنك مش مصدقني بس والله أنا...
صمتت حين مد كفه يبسطه على رأسها من الخلف. جذبها لصدره لتريح رأسها سريعًا تطوقه بذراعيها. ليلثم قمة رأسها بقبلة طويلة. تساقطت معها الدموع من عينيه. تشنجت نبرة صوته ألمًا يهمس لها: -أنا آسف. آسف لأني بعدت وانشغلت وسيبتهم يعملوا فيكِ كده. بس والله أنا بعمل كده عشانك وعشاني. سامحيني يا وتر. أنا اللي آسف. ضغط بكفه على شريط الأقراص بعنف. يغمض عينيه. زوجته أدمنت. وعليه أن يجد حلاً في أسرع وقت ممكن.
بعد رحلة سفر طويلة من أسوان إلى قصر صاحب الظل، وصلت السيارة في الحديقة أخيرًا. نزل وليد أولاً يشير لحراسه بأن يخرجوا الحقائب من السيارة. فتح الباب المجاور لرسل لتنزل تشبك يدها في يده. نزل بعدهم بيجاد يحرك عينيه في كل مكان. قصر بعيد في مكان نائي في الصحراء. تحركت خطاه خلفهم للداخل.
ينظر لكل أركان القصر الفخم. أول ما لفت نظره كاميرات المراقبة الدقيقة التي زرعت في كل شبر تقريبًا تغطي كل مكان. أجفل على جملة وليد التي قالها مبتسمًا: -اقعدوا ارتاحوا من تعب السفر. أنا عشر دقايق وراجع. تحرك ناحية السلم الكبير يصعد لأعلى سريعًا. نظر ناحية رسل ليجدها تجلس على مقعد بعيد عنه تبتسم سعيدة بوجود شقيقها. تنهد متعبًا يهمس بصوت خفيض للغاية: -كاميرات المراقبة مالية الدنيا ليه يا وليد؟
تحرك وليد ناحية غرفته. فتح بابها ليجد حياة تخرج من المرحاض تجفف شعرها. توجهت صوب مرآة الزينة تمشط خصلات شعرها. نظر لها من خلال انعكاس المرآة. استطاع أن يرى الفراغ الساكن داخل روحها من خلال نظرات عينيها الخاوية. اقترب منها خطوتين إلى أن صار خلفها. دس يديه في جيبي سرواله يغمغم: -غيري هدومك والبسي حجابك. في ضيوف عايزك تقابليهم.
توسعت عينيها في دهشة تنظر له ذاهلة. وليد الذي كان غاضبًا بالأمس فقط لأن ثيابه طويلة يطلب منها الآن أن ترتدي حجابها؟ كيف؟ وأي ضيوف يريد أن يعرفها عليهم؟ تركت المشط من يدها التفتت له ابتسمت تردف ساخرة: -ضيوف مين دول اللي عايزني البس قدامهم الحجاب ده؟ أنت ما كنتش طايق هدومي عشان طويلة. زفر حانقًا يقلب عينيه. يكره الجدال حقًا يكرهه. اقترب الخطوة الفاصلة بينهم. يقبض على مرفق يدها يغمغم بنزق:
-أنا بكره الجدال. تنفذي اللي أقوله من غير نقاش. ولما ننزل تحت مش عايز كلمة غلط قدام أختي وصاحبي. إحنا اتعرفنا على بعض وحبينا بعض واتجوزنا بس من غير أي تفاصيل. فاهمة؟ تحركت حدقتاها على وجهه باشمئزاز. لا تصدق مدى وضاعة ذلك الواقف أمامها. نزعت مرفقها من يده ضحكت تردف ساخرة: -آآآه هو الموضوع كده؟ الأخ الحنين مش عاوز يظهر بوشه الحقيقي قدام أخته عشان ما تتصدمش يا عيني لما تعرف أن أخوها شيطان.
زفر حانقًا. مد قبضته يقبض على فكها بعنف يغرز أصابعه في وجنتيها لتنكمش قسمات وجهها ألمًا. تحرك للأمام وهو يقبض على فكها ليضرب ظهرها بباب المرحاض. نظرت بهلع إلى حدقته السوداء لتسمعه يهسهس متوعدًا: -بالظبط. ما أنتِ طلعتي بتفهمي أهو. لو كلمة واحدة من اللي حصلت بينا اتقالت قدام رُسل صدقيني هدفعك تمنها غالي أوي. انسابت الدموع من عينيها كرهاً وقهراً، لتبصق في وجهه.
توسعت حدقتاه للحظات غضباً. أبعد يده عن فكها ليصفعها. سقطت أرضاً تنخرط في البكاء. لا أحد هنا لينقذها. صرخت من الألم حين قبض على شعرها يجذبها لتقف أمامه. شدها إليه ليقترب وجهها منه، تسمع صوته يهمس لها غاضباً: -ما تكرريش اللي عملتيه دا تاني لو عايزة تحافظي على لسانك. خمس دقايق الاقيكِ جاهزة، والأفضل اللي قولته ينتفذ، والا صدقيني هتندمي أوي.
دفعها بعيداً عنه. ارتطمت بأحد أبواب دولاب الثياب. تغمض عينيها تبكي. أومأت له سريعاً. التقطت ثيابها لتدلف إلى المرحاض. بدلت ثيابها إلى فستان من اللون الأسود وحجاب رمادي غامق. وضعت بعض مستحضرات التجميل لتخفي أثر صفعته. نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة لتتذكر زياد والوعد الذي قطعه أن يحميها من ذلك الجالس خارجاً. ولكن ماذا حدث؟ لم يفعل شيئاً. وها هي هنا حبيسة قصر الوحش لأيام طالت لم تحسب حتى منذ متى وهي هنا.
ترقرقت الدموع في مقلتيها، اختنق صوتها تهمس بحرقة: -أنت كذبت عليا يا زياد. ما نفذتش وعدك. ما حمتنيش منه... كنت فاكرة إني هعرف أرجع أعيش حياتي تاني، بس حتى دي الدنيا استكترتها عليا. مسحت دموعها بعنف. تصلح زينتها. خرجت له ليتجه إليها. ارتجفت خوفاً حين أمسك بطرف ذقنها يرفع وجهها إليه. تنهد بعمق يهمس لها: -ينفع كدة وترجعي تعيطي؟
بطلي تعصبيني يا حياة. أنا مش عايز آذيكي، صدقيني. بالعكس، أنا عايز نفتح مع بعض صفحة جديدة لحياتنا سوا يا حياة. أمسكت زمام أمرها بصعوبة قبل أن تتقيأ في وجهه. ابتعدت عنه خطوة للخلف تنظر لوجهه الكاذب. نظراته الخادعة تشير إلى نفسها تهمس بحرقة: -ليه أنا؟ ليه أنا بتعمل فيا كل دا؟ ليه رجعتني ليك تاني؟ أنا ما قولتش أي حاجة عنك لأي حد. نسيتك وخرجتك من حياتي، ليه مصر تدمر آخر ذرة إنسانية فيا؟
ابتسم في هدوء يقترب منها. مد يده ناحية قرط أذنها الأيسر ينتزع منه دائرة صغيرة للغاية، تكاد لا تُرى. حركها بين أصبعيه السبابة والإبهام. يغمغم: -أنا عارف أنك ما قولتيش. أنا عارف وسامع كل كلمة قولتيها من ساعة ما سيبتك. بس كنتي هتقولي...
طول ما أنتِ في بيت اللوا دا، كان ممكن في أي لحظة تقولي توصفيني. وأنا ما ينفعش أخاطر أبداً. دا سبب من الأسباب اللي عشانه جبتك هنا. السبب التاني والأهم إني فعلاً عايزك تسامحيني على اللي عملته عشان خاطر مراد صاحبي الله يرحمه، كان أعز أصدقائي.
نظرت له باشمئزاز، تقسم بداخلها أنها من ستقتله على كل ما فعله بها. مد كفه لها يبتسم ببساطة وكأن شيئاً لم يكن. على مضض مدت كفها ليستقر داخل جمر كفه. تحركت معه مرغمة إلى أسفل لتري فتاة تقريباً في نفس عمرها ورجل آخر يجلس معها. قامت الفتاة سريعاً ليبتسم وليد في لطف يحادث الفتاة: -رسل تعالي سلمي على حياة مراتي. اتسعت عينا رسل من السعادة. ابتسمت فرحة لتهرول إليهم تعانق حياة تغمغم سريعاً: -أنت اتجوزت؟
مراتك قمورة أوي. أنا رسل أخت وليد الصغيرة. أنتِ جميلة أوي يا حياة. ارتسم ما يشبه ابتسامة صغيرة مرتبكة على شفتي حياة، تشكرها بصوت هامس ضعيف. ليضحك وليد يردف سريعاً: -معلش يا رورو أصل حياة بتتكسف جامد زيك بالظبط. أنا هسيبكوا تتعرفوا على بعض وأخد بيجاد عشان عندنا شغل كتير. حياة، تلك الفتاة يعرفها. رأى صورتها مرة على هاتف زياد. إذاً تلك هي حياة قريبة زياد الضائعة. ولكن كيف يقول وليد أنها زوجته؟ متى تزوج منها؟
أجفل على يد وليد تقع على كتفه وصوته يغمغم ضاحكاً: -اللي واخد عقلك يا عم بيجاد؟ مش تباركلي بدل ما أنت سرحان كدة. ابتسم بيجاد يعانق صديقه يبارك له قبل أن ينسحب كلاهما إلى مكتب وليد ليخططان كيف سيهدمان الحفل على رأس سفيان ومجدي! ***
في صباح اليوم التالي باكراً، في غرفة بعيدة لا أحد يعلم أين هي، يجلس هو أمامه شاشة كبيرة تغطي حائطاً بأكمله تعرض له ما يحدث في منزل سفيان في كل غرفة، وما يحدث في منزل مجدي في كل غرفة، وأخيراً في قصر صاحب الظل. الجميع يتصرف، وقفته خطته دون أن يعلم أحد أنه من يحركهم كالعرائس. دق أحد حراسه الباب. سمح له بالدخول ليدخل الأخير. انحنى له قبل أن يهمس:
-سيدي، روزا الجميلة لم تخرج من الحي إلى الآن. يبدو أنها عالقة بالداخل. أتريد منا أن نأتي؟ التف له بمقعده. ابتسم ساخراً ينفي برأسه يغمغم ببساطة: -لا. لا حاجة لي بها الآن على أقل تقدير. اذهب وأخبر الجميع ليستعدوا للحفل بعد الغد. ما سيحدث في الحفل سيكون مفاجأة للجميع. انحنى له الحارس من جديد يغمغم باحترام: -أوامرك مطاعة سيدي المايسترو.
ابتسم المايسترو يصرفه ليعود يراقب ما يحدث. يبتسم ساخراً. ذلك جبران لطيف للغاية وهو يعانق زوجته وهي نائمة. ربما أول شيء يجب أن يفعله أن يدمر علاقته بتلك الصغيرة النائمة بين أحضانه. وتلك الفتاة رسل جميلة للغاية. ربما تكن له بعد الحفل بعد أن يقضي على وليد وبيجاد معاً!! ابتسم متلذذاً بالقادم يعود المراقبة بشغف. ***
في مكان آخر في الحي الشعبي قرب الظهيرة، في إحدى جولات حسن اليومية الذي بات يقوم بها بدلاً عن جبران، لفت انتباهه ذلك الطبيب الشاب إيهاب يحمل علبة حلوى يتجه بخطاه إلى العمارة التي تسكن فيها أمل. قطب جبينه متعجباً. كاد أن يصعد خلفه ليتوقف. حتى لو ذهب ليطلب يدها للزواج، أمل لن توافق. ابتسم يطمئن نفسه ليعود ما كان يفعل. اليوم زفاف تلك الممرضة. عليه أن ينتهي من تلك الورطة سريعاً.
مرت دقائق قليلة فقط قبل أن يسمع صوت زغاريد عالية قادمة من شقة أمل. شخصت عيناه ذهولاً. ركض إلى شقتها سريعاً. دفع باب الشقة النصف مفتوح ليجدها. ها هي تجلس على المقعد بالقرب منه ترفع كفيها تقرأ الفاتحة، هي وذلك الأبله الذي يبتسم سعيداً. ضربت الصدمة رأسه ليقف كالصنم عاجزاً عن أي فعل. رفعت وجهها تنظر إليه لتشيح بوجهها بعيداً تخفي دموع عينيها. ليضحك. خرجت من بين شفتيه ضحكات عالية القدر. دائماً يسخر منه. حتى الآن لا يعرف لماذا تفعل ذلك. ألم تكن قاب قوسين أو أدنى من أن تسامحه أخيراً.
دخل إلى شقتهم يتجه إلى إيهاب الذي قام واقفاً يرحب به. عانقه حسن يغمغم مبتسماً وكأن شيئاً لم يكن: -مبروك يا دكتور إيهاب. مبروك يا آنسة أمل. ورحمة أمي الفرح دا ما هيتعمل. نظر إيهاب له مستنكراً ليضحك حسن يكمل ممازحاً: -إيه يا عم مالك اتخضيت كدة ليه؟ أنا قصدي أن الفرح دا عندي على حسابي. فستان العروسة وبدلة العريس. هو إحنا عندنا كام إيهاب وأمل؟ أنت بس قولي وصدقني أحلى واجب يا عريس. إيه يا جماعة؟ أومال فين الشربات؟
انتوا بخلا ولا إيه؟ التفتت أمل تنظر له مدهوشة. قلبها يعتصر ألماً. ألدرجة لم يعد يريدها؟ بالطبع. فصفا تفوقها جمالاً اليوم. زفافه لها سيهتم لأمرها من الأساس!! *** فتحت عينيها فجأة تشعر بنفس الألم، نفس الشعور المميت بأن هناك ألف يد تنهش في جسدها. يؤلمها الصداع أبشع مما قد تحتمله، وحكة غير مبررة بالمرة. قامت سريعاً من جوار جبران النائم، توجهت إلى حقيبة يدها تنبش فيها بعنف علها تجد ضالتها. لا شيء. أين شريط الأقراص؟
أين المسكن لذلك الألم؟ رمت الحقيبة بعنف تحتضن نفسها تتحرك للأمام وللخلف. الألم يزداد بشاعة. لم تحتمل فصرخت. انتفض جبران على أثر صرختها. رآها ليهرع إليها. جلس أمامها يسألها فزعاً: -مالك يا وتر أنتِ عاملة كدة ليه؟ فكت يديها تمسك كفيه يشعر بها ترتجف بعنف. أدمعت عينيها تتوسله باكية: -جبران فين شريط المسكن؟ أبوس إيدك ادهولي. أنا مش قادرة استحمل الوجع دا. عشان خاطري يا جبران أنا بتعذب.
عليها أن تذهب إلى مستشفى. عليه أن يعالجها من ذلك السم الذي يسري في دمائها الآن قبل غد. ولكن كيف؟
سفيان سيقتلها أن حدث ذلك قبل الحفل الكبير. تبقى فقط غداً والحفل بعد غد. أدمعت عيناه يستمع إلى توسلاتها التي لا تتوقف. مد يده في جيب سرواله يخرج لها أحد الأقراص. توسعت ابتسامتها تلتقطها منه بلهفة كأنها تلتقط حياتها. راقبها وهي تبتلع القرص بتلهف. المياه ترتجف في يدها تسقط على ثيابها تـغرقها. والألم ينهش قلبه. لا يصدق أنه من قدم لها السم بيديه!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!