الفصل 42 | من 53 فصل

رواية جبران العشق الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم دينا جمال

المشاهدات
22
كلمة
4,644
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

يجلس جوارها يمسح بيده علي خصلات شعرها وهي تنام في عالم آخر بفعل السم الذي سقاه لها بيديه، وكأنه لم يكتفِ بأن يكن سبب عذابها سلفًا، ليأتي الآن ويكمل دوامة الألم والعذاب، يعطيها السم، يشعر بالغضب والاشمئزاز من نفسه.

انسابت دمعات لم يستطع حبسها أكثر، فمال علي جبينها يطبع قبلة حزينة طويلة، تساقطت معها دموعه علي جبهتها. مسح علي خصلات شعرها برفق، جذب مفاتيح سيارتها، يتحرك للخارج يهرول. دقات قلبه تتسارع، أنفاسه تختنق داخل صدره. صفع باب القصر حين خرج للحديقة، وقف يتنفس بعنف يحصل على الهواء، فما بالداخل سم ينتشر. لا يعرف حتى كيف أحبت وتر ذلك المكان.

اندفع إلى سيارتها، يلج المفتاح في مكانه، يدير بعنف، يدوس الدواسات تحت قدميه بعنف. يتحرك بلا هدى، لا يعرف حتى أين سيذهب. عيناه حمراء، لا يرى أمامه سوى مشهد وتر وهي تتوسله لأن يعطيها السم. رفع يديه عن المقود، ينظر لها متقززًا. انحرفت السيارة أثر حركته المفاجئة، لم يستطع السيطرة عليها، فاصطدمت بعنف في السيارة أمامه.

من الجيد أن السيارة التي اصطدم بها لم تنقلب أو تنجرف بعيدًا. نزل من السيارة ليطمئن على حال السائق، حين وجد باب السيارة يُفتح وصوت السائق يسبقه صارخًا: "أنت أعمى؟ طالما ما بتعرفش تسوق بتتنيل تركب عربيات ليه؟ هو أنت؟ نظر جبران إلى زياد غاضبًا، حقًا اليوم لم يكن ينقصه سوى زياد حتى يصبح أعتم من سواد الليل. صفع جبران باب سيارته بعنف، توجه ناحية زياد يصرخ هو الآخر: "أنت اللي واقف في نص الطريق، مين فينا بقى الأعمى؟

شخصت عينا زياد غضبًا، ذلك البلطجي يتطاول عليه. تقدم بخطى سريعة يقبض على ثيابه، يصيح فيه: "أنت اتجننت يا زفت؟ بتطول لسانك عليا؟ دا أنا أقطعهولك! فما كان من جبران إلا أن رفع يديه يقبض على كفي زياد بعنف، دفعه بعيدًا عنه، لكمه في وجهه بعنف. ترنح زياد يمسح الدماء النازفة من جانب ثغره، ليصرخ غاضبًا يتوعده بالكثير: "دا أنت المخدرات اللي بتبيعها لحست مخك بقي، ورحمة أمي ما هتشوف الشمس تاني!

ابتسم جبران في سخرية، يدس يديه في جيبي سرواله وكأن شيئًا لم يكن. يشاهد ما يحدث بسخرية، كيف تواصل زياد مع أقرب قسم منهم، وبعثوا له بأحدي سيارات الشرطة. اقترب العسكري منه ليمد جبران يده له دون مقاومة، قبل أن يدوي صوت الأصفاد يقفل على يديه بعنف. دفعه العسكري إلى السيارة، فتحرك دون مقاومة، يبتسم مستهجنًا أمام نظرات زياد التي تتوعده بالكثير.

ما أن غادرت سيارة الشرطة، ظهر ذلك الواقف بعيدًا يتحدث في هاتفه، يبدو متلهفًا قلقًا: "الحق يا سفيان باشا، جبران ضرب الظابط اللي اسمه زياد دا في الشارع قدام الناس، والظابط حالف أنه ما هيخرجه من السجن! مرت ساعة وكان سفيان يقف بسيارته الفارهة أمام قسم الشرطة. دخل إليها سريعًا يسب جبران في نفسه، ذلك الأحمق يُفسد خططهم أجمع برعونته. وقف أمام مكتب زياد، أعطى بطاقة تعريفه الخاصة للعسكري الواقف خارجًا:

"قول لزياد باشا، سفيان باشا الدالي." العسكري غاب للحظات ليعود يعطي البطاقة لسفيان يفسح له الطريق: "اتفضل يا باشا." دخل سفيان إلى مكتب زياد للمرة الثانية بسبب جبران. توسعت عيناه في دهشة حين رأى وجه جبران يملؤه الكدمات المتفرقة، يديه مقيدة بالأصفاد، وأحد العساكر يقبض على ذراعه. رغم كل ذلك، لازال يصرخ في زياد يسبه غاضبًا: "لو أنت راجل فك ايدي وأنا أوريك الرجولة اللي بجد يا...

انتفض سفيان يكمم فم جبران بيده، قبل أن يطلق سيلًا من السباب البذيء. يهمس له مدهوشًا: "الله يخربيتك، إيه اللي أنت بتهببه دا؟ اخرس خالص عشان أعرف أخرجك من هنا." حمحم سفيان يرسم ابتسامة صغيرة محرجة على ثغره. تقدم ناحية زياد يود مصافحته، ليمد زياد أطراف أصابعه يصافحه ببرود. حمحم يغمغم: "والله يا زياد باشا أنا حقيقي مش عارف أقولك إيه، بس هو جبران بيعاني الفترة دي من حالة نفسية سيئة جدًا. دا اللي مخليه عصبي بشكل لا يطاق."

ضحك زياد ساخرًا، التف حول مكتبه، وقف بالقرب من جبران يغمغم متهكمًا: "إيه اتجنن؟ وماله لو اتجنن؟ أنا أرد له عقله مكانه. جوز بنتك أبو نفسية وحشة بيتطاول عليا بالسب والضرب؟ دي قضية يتكلبش فيها كام سنة حلوين، وفي شهود عليه." التفت سفيان لجبران يرميه بنظرة غاضبة حانقة. زفر أنفاسه بعنف، يدير وجهه لزياد من جديد، يردف مبتسمًا:

"زياد باشا، أنا بكلمك بصفة ودية دلوقتي، اعتبرني زي والدك. وأنا بعتذر لك جدًا، وحقك على راسي. يرضيك يعني ابنه ولا بنته لما تيجي الدنيا يلاقوا أبوهم مرمي في السجن؟ توسعت عينا زياد غيظًا، ليردف فجأة بحدة: "هي وتر حامل؟! صمت حين رأى نظرات سفيان المتعجبة من غضبه المفاجئ. زفر لهيب أنفاسه الغاضبة بعنف، ينظر لجبران كارهًا. التف ناحية سفيان، يغمغم:

"ماشي يا سفيان باشا، عشان خاطرك أنت ووتر، بس صدقني لو لمحت ضله بس تاني مش هتشوفه تاني." ابتهجت ابتسامة سفيان، يصافح زياد بحرارة، يغمغم ممتنًا: "أنا حقيقي مش عارف أشكرك إزاي يا زياد باشا."

أشار زياد للعسكري ليزيل الأصفاد من يد جبران. ليسرع سفيان يمسك بكف يده قبل أن يقدم على أي رد متهور يعيدهما لنقطة الصفر. حدج جبران زياد بنظرة قاتلة يتوعد له بالهلاك على ما فعل. تحرك رغما عنه، فسفيان حقًا كان يجذبه بعنف إلى الخارج. توجها إلى السيارة، أدار سفيان المحرك في صمت. ما أن ابتعدا عن محيط القسم، التفت إلى جبران يصرخ فيه غاضبًا:

"اللي أنت عملته دا قمة التخلف. قولتلك بدل المرة ألف، مش عايزين مشاكل الأسبوع دا عشان الصفقة تكمل والحكومة ما تحطش عينيها علينا، وأنت رايح تضرب ظابط وتدخل القسم؟ كنت هتبوظ كل حاجة! التفت جبران ناحية سفيان، عيناه حمراء كجمر يشتعل. أوردته تصرخ، فكه مشدود، عروق وجهه تنفر بعنف. ضرب فخذه بقبضته، يغمغم متوعدًا: "اسمع بقى يا سفيان باشا، الصفقة دي كوم ورقبة اللي اسمه زياد دا كوم تاني خالص، وأنا اللي هقتله بأيدي. قولت إيه؟

تنهد سفيان حانقًا، ذلك الأرعن عليه مجاراته إلى أن يحين الموعد، تبقى فقط القليل. أومأ بالإيجاب، يوجه تركيزه إلى الطريق أمامه: "ماشي يا جبران، الصفقة دي تخلص وتبقى كبير السوق، وأنت وشطارتك بقى، اعمل فيه اللي أنت عاوزه." ارتسمت ابتسامة قاتمة تحمل الكثير، رآها سفيان بطرف عينيه، وحقًا شعر بالقلق منها. كان يظن أنه هو فقط المجنون هنا، ولكن يبدو أن لجبران وجهًا آخر لم يروه بعد! ***

حل الليل في الحي الشعبي هناك، وأُضئ المكان بحبال الزينة الملونة المعلق بها مصابيح صغيرة بكافة الألوان. تصارت المقاعد، وها هي كوشة العروسين في المنتصف على مسرح ليس بصغير. وبدأت أصوات الأغاني الشعبية تتعالى من مكبرات الصوت. تبقى القليل ويبدأ الزفاف.

في إحدى محال التجميل الشعبية، تجلس صبا، أو روزا، على مقعد أمامها عاملة تضع لها مستحضرات التجميل. يلتف حولها العديد من السيدات والفتيات في الحي حين علموا أنها هنا يتيمة لا أحد معها، تطوعن أجمع. لا يشعرن العروس بالحزن أو الأسى. أما روزا، فكانت تجلس شاردة، لا تعرف حقًا ماذا تفعل. أغلقت جميع طرق الهرب أمامها. صاحب الظل اختفى، والمايسترو أين هو؟ لما تركها الجميع بعد أن كانت محور الجميع؟ هل نبذوها الآن؟

انتهى المايسترو من دميته، باتت قديمة ممزقة، لا حاجة بها، فحكم عليها أن تقضي حياتها هنا داخل حي شعبي، زوجة لبلطجي مثل حسن. توسعت عيناها تتذكر السم في حقيبة ثيابها، تخفيه دائمًا. ابتسمت في خبث، اليوم سيحصل العريس على قبلة مميزة لن ينساها أبدًا، ربما لأنها ستكون الأخيرة في حياته. وحينها ستهرب من ذلك المستنقع إلى المستنقع الذي تحب!

نظرت مشمئزة إلى عاملة التجميل التي تضع المستحضرات على وجهها. روزا الجميلة لا تحتاج أي من تلك الأشياء. تفحصت عينيها فستان زفافها المتواضع التي جلبه لها حسن صباحًا. تنهدت تحاول أن تهدئ، فقط ساعات وسينتهي كل شيء. سمعت زغاريد عالية تأتي من الخارج، ليظهر بعدها حسن يدخل إليهم. جعدت جبينها متعجبة لما يرتدي قميصًا أزرق وبنطالًا من الجينز الأسود. أين حلة الزفاف؟

لا يهم حقًا، ولما تهتم. رسمت ابتسامة خجلة على شفتيها، تنظر أرضًا على استحياء. ليبتسم حسن ساخرًا. اقترب منها، لم يشبك يدها في ذراعه، فقط أمسك بكف يدها يجذبها لتسير معه. تحاوطهم السيدات اللاتي لا تخلو نظراتهن من التعجب والاستنكار، ولكن رغم ذلك لازلن يطلقن الزغاريد العالية. في الأعلى، وضعت أمل يديها على أذنيها تبكي بعنف. ها هو زفاف طليقها بالأسفل. لما تبكي؟ لما هي حزينة من الأساس؟

هي لم تحب حسن. تنفست بعنف، تردد داخلها مرارًا وتكرارًا أنها لم تحب حسن. لا يجب أن تحزن على فراقه أبدًا. نعم، هي لا تحبه. إيهاب أفضل طبيب صيدلي شاب وسيم، حنون. سيدهما مستقبلًا بالتأكيد. هبت واقفة فجأة، احتدت عيناها، تقرر أن تذهب لتراه وهو جوار زوجته، حتى تزيل أي رواسب علقت في قلبها أثر وجوده. تحركت خطوتين لتخونها قدماها، تسقط على الفراش. جواره جالسة تخفي وجهها بين راحتيها. على من تكذب؟

أحبته، دق قلبها له، وانتهى الأمر. مسحت دموعها بعنف من جديد، تحركت للخارج. وقفت في الشرفة تُجبر نفسها على مشاهدة ما يحدث. دق قلبها بعنف، تشعر بنغز قاسٍ ينخر قلبها وهي تراه يمسك بيدها متجهًا بها إلى الكوشة. سالت دموعها دون حتى أن تشعر. اقترب حسن من الكوشة لتجلس روزا مكانها. قبضت أمل يدها على سور الشرفة تنتظره إن يجلس هو الآخر، ولكن ما حدث لم يكن حقًا تتوقعه. ابتعد حسن عنها، نزل إلى أسفل يقترب من عمر!!!

الذي يرتدي حلة عريس. عانقه حسن يغمغم سعيدًا: "مبروك يا عريس، يلا اطلع مكانك على الكوشة." نظرة الدهشة والذهول التي صرخت على وجه أمل، صرخت بنفس القدر على وجه روزا وهي ترى ذلك الشاب يجلس جوارها. نظر إليها يغمغم مبتسمًا: "مبروك يا عروسة." ما الهراء الذي يحدث هنا؟

نظرت روزا إلى حسن مذهولة، عيناها شاخطة، لتري ابتسامة الأخير الساخرة، مما جعل دماءها تصرخ غيظًا. كافحت بصعوبة رغبتها في أن تصرخ، تمزق رقبة ذلك المدعو حسن بيديها. ساعات قليلة وينتهي ذلك الهراء بأكمله، وذلك الشاب المسكين الجالس جوارها سيكون هو الضحية بدلاً عنه الليلة. ولكن حسن لن ينجو من يدها أبدًا.

صعد حسن من جديد إلى المسرح حيث كوشة العروسين. التقط مكبر الصوت من ذلك الشاب المسؤول عن تنظيم أغاني الزفاف، يُطلق عليه في تلك المناطق الشعبية اسم «النباطشي». حمحم ليسود الصمت قليلًا، ليردف مبتهجًا: "مسا مسا على الناس الكويسة اللي شرفتنا النهاردة. مبروك يا عمر، أنت عارف غلاوتك عندي أنا والمعلم جبران، دا أنت أخونا الصغير. الليلة ليلتك يا عريس." نظر إلى صفا يبتسم في سخرية، لاحظتها جيدًا، يكمل:

"مبروك يا آنسة صفا، حقيقي أنتي محظوظة جدًا براجل زي عمر، راجل شهم وجدع هيحافظ عليكي. ويوم ما يزعلك تيجي تقولي لي، وأنا أشد لك ودانه." احتقنت عينا روزا غضبًا. كانت تظن أن ذلك الحسن مجرد أحمق يسهل خداعه، لتجد نفسها في النهاية هي الحمقاء الوحيدة هنا. ابتسمت رغما عنها، ليكمل حسن مبتهجًا: "ولعها يا مصطفى."

ألقى إليه مكبر الصوت، لتبدأ الأغاني الشعبية الصاخبة تصدح في الأجواء. اتجه حسن صوب عمر يجذبه من يده لينضم للشباب. نظر لروزا يغمزها خفية، يبتسم ساخرًا، قبل أن يتحرك بصحبة العريس إلى منتصف المسرح حين صعد جميع الشباب للرقص. صدمة صعقت عقلها. فوقف عاجزًا عن فهم أي شيء. ذلك ليس زفاف حسن، زفاف عمر، وعمر من رجال جبران وحسن المقربين. لذلك حسن كان يشرف بنفسه على تحضيرات الزفاف. كيف كانت بذلك الغباء؟

استمعت فقط من والدتها، لم تسأله حتى عن صدق ما سمعت. أصدرت الحكم دون كفاية الأدلة. دخلت إلى غرفتها تلتف حول نفسها، تعتصر كفيها. كيف تفعل بها والدتها ذلك؟ عليها أن تجد حلاً. عليه أن يفهم أنها لم تكن تعرف.

بدلت ثيابها إلى جلباب أسود وحجاب، جذبته دون حتى أن تعرف لونه. تحركت للخارج. نظر لها صابر حزينًا على حالها، لتتحرك إلى باب شقتهم سريعًا. ارتدت خفها، تُسرع إلى أسفل حيث الزفاف المقام. رأت حسن يخرج من بين جمع الشباب يحادثهم ضاحكًا: "لأ خلاص، أنا نفسي اتقطع، هروح أشرب حاجة ساقعة وسيجارة وأجيلكم تاني."

تركهم ونزل يتوجه إلى المقاعد التي يجلس عليها الحضور، بحث عن أبعد مقعد عن الزحام ليتجه صوبه. التقط زجاجة مشروب غازي ليتوجه إلى هناك. ارتمى على المقعد يشعل سيجارة. ابتلعت لعابها مرتبكة، توجهت صوبه إلى أن باتت بالقرب منه. التفت نحوها حين شعر بأن شخصًا ما قريب منه. أبعد السيجارة عن فمه، ابتسم يغمغم بلامبالاة: "خير يا آنسة أمل؟ لو بتدوري على خطيبك، فما أعتقدش أنه جه. ممكن تلاقيه في الصيدلية."

شعرت بالخجل، ربما الإحراج من طريقة كلامه الساخرة ونظراته الباردة. حمحمت تهمس مرتبكة: "لأ، أنا كنت عاوزة أتكلم معاك كلمتين لوحدنا برة الدوشة دي." لقي السيجارة من يده، تنهد ليقم من مكانه، يتقدمها للخارج بعيدًا عن الزفاف. جوار عربة الطعام المغلقة الخاصة بها، وقف هناك كتف ذراعيه أمام صدره، يغمغم مبتسمًا ابتسامة سخيفة ساخرة: "خير يا آنسة أمل، عاوزة إيه؟

ظلت للحظات طويلة صامتة، تفرك يديها مرتبكة، تبتلع لعابها بين حين وآخر متوترة. اضطربت حدقتاها حين رأت نظراته الفارغة، تهمس: "أنا ما كنتش أعرف.. هما قالوا لي أنه فرحك أنت، ساعتها حسيت إنك بتخدعني، إني لعبة بتضحك عليها. إزاي بتقولي بحبك وعايز نرجع، وفي نفس الوقت رايح تتجوز؟ قاطعها قبل أن تكمل، غمغم ساخرًا يتهكم من عذرها الواهي:

"هنا بقى مربط الفرس، أنتِ لو كنتي شرياني بجنية واحد كنتي جيتي سألتيني، مش ما صدقتي تجري تتخطبي مجرد ما سمعتي." نفت برأسها سريعًا، لم تكن تعرف. لم تكن تقصد. أدمعت عيناها، اندفعت تردف سريعًا: "حسن، أنا ما كنتش أعرف والله ما كنت أعرف، حسن ردني يا حسن."

ارتسمت ابتسامة ساخرة تقطر ألمًا على ثغره. كم كان يطوق لسماع تلك الجملة منها، ولكن بعد ما حدث لم يعد يريدها. لم يعد يريد أي شيء في هذه النقطة، فقط ينتهي ليعود لعزلته البعيدة من جديد. رماها بنظرة جافية وبقسوة، قال: "أنتِ عمرك ما عرفتي زي عمرك ما وثقتي في حبي ليكِ. أنا دلوقتي اللي مش عايزك يا أمل، خلاص كده الحكاية خلصت، عن إذنك."

ورحل، تاركًا واقفة كعابر سبيل طلب المساعدة، فأُغلقت جميع الأبواب في وجهه. يقف وحيدًا يشعر بالقهر والألم. قبضت على كف يدها بعنف، تمنع دموعها بجهد شاق. أجفلت على يد وُضعت على كتفها. التفتت خلفها، ظنته هو، ولكنه لم يكن. جعد إيهاب جبينه يسألها متعجبًا: "مالك يا أمل؟ واقفة لوحدك ليه كده؟ نفت برأسها، تبتعد عنه وعن المكان بأكمله. مرت جوار الزفاف القائم، لتراه بين جموع الشباب يرقص وكأن شيئًا لم يكن!! ***

على صعيد آخر، في قصر صاحب الظل، وقف بيجاد في حديقة القصر ليلاً ينظر للقمر المكتمل، يتنهد قلقًا، يشعر بشيء خاطئ يحدث هنا. الوضع برمته مقلق. وليد الحي الميت الذي ظهر فجأة من العدم. حياة قريبة زياد، كيف تزوجت من وليد؟ الفتاة صامتة بشكل مخيف، نظرات عينيها كسيرة خائفة طوال الوقت. رُسل التي ابتعدت عنه فجأة، نامت بالأمس في غرفة بمفردها. المكان هنا يشعره بالاختناق بشكل مخيف. تنهد يحادث نفسه بصوت مسموع:

"القمر بدر والصحرا بليل، حقيقي مخيفة. تحس كأن في 3000 كيلو من الهم، والغريب أن الحياة هنا إزاي ما أعرفش وسط الصحرا حياة." "دا أنت بقيت شاعر بقى يا عم بيجاد، غريب الحب، مين فاهمه؟ غمغم بها وليد ضاحكًا. اقترب من وليد يلف ذراعه حول رقبته، يغمغم ضاحكًا: "جوز أختي الرومانسي، أومال مزعل رُسل ليه يا عم الحنين؟ ابتسم يأسًا، يحرك رأسه للجانبين، يغمغم ساخرًا:

"أنت عارف رُسل من زمان بتتقمص على طول، وموضوع الحادثة اللي حصلتلها خليتها حساسة جدًا. أنت عارف هي زعلانة ليه؟ عشان أنا خرجت من غير ما أقولها. شايف السبب تافه! مراتك بردوا بتزعل كده لو خرجت من غير ما تقولها." ضحك وليد عاليًا، مد يديه يعدل تلابيب ثيابه، يغمغم مختالًا بذاته: "لأ يا عم، أخوك مسيطر أوي، يعني مش معايا أنا الكلام ده. أنت اللي حنين زيادة." ضحك مجاملًا، ليصمت للحظات طويلة، قبل أن يلتفت لوليد، يغمغم قلقًا:

"إحنا هنعمل إيه في الحفلة يا وليد؟ أنا قلقان. كل اللي أنا فهمته منك إن وقت التسليم هيدخل البوليس ويقبض على مجدي وسفيان والتجار اللي جايين من بره، بس كده بالبساطة دي؟ ضحك وليد، يدس يديه في جيبي سرواله، يردف ساخرًا:

"إيه يا عم، أنت عايز أي أكشن وخلاص. السابينيس والجري وضرب النار ده في الأفلام الأجنبي، بس هنا الموضوع هيتم ببساطة. أنا متفق مع البوليس، حتى مع لواء كبير في الداخلية. وقت التسليم أنا هبعتله إشارة وهتدخل عناصر الشرطة وهيتقبض على الكل، وأنا واخد منه كلمة إن أنا وأنت هنبقى بره الليلة دي وهما يتصرفوا بقى، وبكده هنبقى خدنا حق الكل من مجدي وسفيان." ابتسم وليد يومأ بالإيجاب، ليردف سريعًا:

"بس رُسل ومراتك ما ينفعش يبقوا موجودين. رُسل مش هتستحمل تشوف مجدي مقبوض عليها، أنت عارف هي حساسة قد إيه." أومأ وليد بالإيجاب، يردف مكملًا: "أكيد طبعًا، حتى لو نسبة الخطر واحد في المية، أنا مش هعرضهم ليها. تعالا نشوف يلا، هنلبس إيه في الحفلة التنكرية؟ أنت بتقترح تلبس الأمير عريق." ضحك بيجاد يصدم وليد على كتفه، يتشاكسان كالأطفال في طريقهما للداخل. ***

عقد المأذون القران بالبطاقة المزيفة باسم صفا، وكان حسن شاهدًا على العقد. انتهى الزفاف بعد ساعتين فقط. اقترب حسن من عمر يعانقه، يغمغم مبتسمًا: "مبروك يا عريس، يلا على شقتك. فين يا جماعة الزغاريد؟ مش سامع!

انطلقت الزغاريد العالية من كل حدب وصوب، ليتجه عمر ناحية روزا. حملها بين ذراعيه، ليتعالى ضحكات الشباب. تقدمهم حسن إلى عمارة سكنية قريبة منهم في الطابق الثاني. صعد هو أولًا، يفتح باب شقتهم. أنزل عمر روزا عند باب الشقة، لتسبقه للداخل. اقترب حسن من عمر، مال على أذنه يهمس له: "ما تنساش اللي قولته لك عليه." تبادلت نظرات عمر لأخرى حادة، يومأ برأسه بالإيجاب. رفع يده يربت على كتف حسن: "ما تقلقش يا معلم حسن."

أعطاه المفتاح، دخل عمر إلى شقته، ليجذب حسن الباب يغلقه، وكأنه ينهي كل شيء في لحظة. في الداخل، تحركت روزا سريعًا تبحث عن غرفة النوم، إلى أن وجدتها. بالطبع حقيبتها ستكون هنا. دخلت تبحث عن حقيبتها في كل مكان بلا أثر. أين ذهبت؟ أجفلت على صوت عمر خلفها يسألها: "إنتي بتدوري على إيه؟ شدت بكفيها على قماش فستانها بعنف، قبل أن تلتفت له. رسمت ابتسامة خجولة على شفتيها، تردف مرتبكة:

"شنطة هدومي مش لاقياها، فيها حاجة مهمة عايزاها." ابتسم عمر في رفق، يغمغم: "شنطتك مش هنا، أمي الله يبارك لها جابت لك هدوم جديدة من كله. هتلاقيها في الدولاب، أنا اديتها لأمي تتصرف فيها." شخصت عيناها غضبًا. لم تشعر بشيء سوى وهي تدفعه بعنف في صدره، تصرخ فيه: "إنت إزززاي تعمل كده؟ أنت غبي ما بتفهمش؟ مين قالك تعمل كده يا متخلف؟

صمتت تتنفس بعنف. أما عمر، فكان يبتسم لازال يبتسم رغم كل ما قالت. فقط تحرك صوبها خطوتين. وفجأة صرخت حين هوى كفه على وجهها بعنف. قبض على خصلات شعرها يجذبها نحوه، يصيح فيها: "تقلبي أدبك هكسر عضمك، فاهمة يا بت؟ دفعها بعيدًا عنه بعنف، ليتجه إلى دولاب الثياب، يخرج لها غلالة بيضاء، ألقاها على وجهها. نظر لها من أعلى لأسفل، يغمغم محتدًا: "عشر دقايق، وألاقي دا عليكي." تحرك ليخرج صوب المرحاض، حين سمعها تحادثه ساخرة:

"على فكرة، أنا مش عذراء، والمعلم حسن أخوك عارف، وعارف مين اللي عمل كده. المعلم جبران كبير المنطقة بتاعتكوا، وفي الآخر حاسبت أنت على مشاريبهم." التفت عمر إليها يبتسم في سخرية. كتف ذراعيه، يغمغم ساخرًا: "طب ما أنا عارف يا زينة البنات."

وتركها وخرج. قبضت على الغلالة في يدها بعنف، تنظر في أثره إلى أن رأته يدخل إلى المرحاض يغلق الباب. تلك كانت فرصتها لتهرب. تحركت سريعًا بخطى خفيفة إلى الباب، أدارت المقبض بخفة ليُفتح. ابتسمت في توسع، تخرج سريعًا، تاركة الباب خلفها مفتوحًا. حملت طيات الفستان بين يديها، تهرول لأسفل. أطلت برأسها من مدخل المنزل، المكان فارغ جيد. تنهدت بارتياح لتركض للخارج من الحي إلى الشارع الرئيسي. أوقفت سيارة أجرة، تحادث السائق من خلف الزجاج بهلع،

أجادته: "أرجوك أبوس إيدك ساعدني، أهلي عايزين يجوزوني غصب عني." فتح لها السائق الباب من الداخل لتدلف سريعًا. أغلقت الباب. التفتت له لتشكره، لتشخص عيناها ذعرًا: "إنت؟!! ***

ليلًا في فيلا سفيان، دقت الخادمة باب غرفة جبران تخبره أن سفيان ينتظره في مكتبه. نظر جبران لوتر التي تجلس هناك أمام مكتبها تذاكر إحدى المحاضرات، تنهد حزينًا على حالها. غدًا الحفل، غدًا ينتهي كل شيء. نزل لأسفل يدلف لمكتب سفيان، لا أحد. المكتب فارغ. تنهد يشعر بالاختناق، يتجول في غرفة المكتب الكبيرة. استوقفته المكتبة الكبيرة التي تأخذ حائطًا بأكمله. تحرك يتفحص الكتب القريبة منه. أسماء كتب فلسفية وكتب قديمة تراثية. قطب جبينه ينظر لأحد الكتب، قبل أن يجذبه عنوان الكتاب يتكلم عن تسخير الجان!!

كتاب قديم مهترئ عتيق. ابتسم ساخرًا، ماذا يفعل كتاب كهذا في مكتبة سفيان؟ أجفل على يد سفيان التي وضعت على كتفه، ليلتفت له يغمغم ضاحكًا: "يا عمي أنا ناقص رعب، مش كفاية الكتاب دا! إيه يا عمي الشغل ده؟ أنت بتشعوذ ولا إيه؟ ضحك سفيان ساخرًا، يأخذ الكتاب من يد جبران يضعه مكانه، يغمغم ضاحكًا:

"تصدق أنا أول مرة أشوف الكتاب ده من ساعة ما حطيته في المكتبة. كان جاي لي هدية من عميل من جنوب أفريقيا، هدية مريبة والله. تصدق أنا كام مرة قولت أحرقه وخفت بصراحة." ضحك جبران يشاركه سفيان في الضحك لعدة ثوانٍ، قبل أن يحمحم سفيان يردف بجد:

"جبران، الحفلة بكرة ومجدي وعيلته هيكونوا موجودين هنا من بدري. مش عايز مشاكل مع طارق لحد ما الحفلة تخلص، واللي أنت عاوزه بعد كده أنا هعمله. المهم الحفلة تكمل على خير، مش عايز أي مشاكل يا جبران." أومأ مرغمًا، سيتحمل هذا الفتى الغد فقط، قبل أن يزهق روحه بيديه!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...