حجم الخط:
18
تجلس في لجنة الامتحان تنظر إلى الورقة شاردة، عينيها سارحة.
بعد أن قال ما قال في سيارة الأجرة، لم ينطق بحرف آخر، في حين عقد لسانها كأنه التف يرفض الكلام.
أردت أن تبرر، أن تخبره بالعكس، أن تزيح تلك الحقيقة من رأسه، ولكن لا شيء، لم يخرج من فمها شيء...
وصلت السيارة أمام باب مدرستها فنزلت بصحبته، وفقط كلمة واحدة قالها قبل أن يتركها متجهاً إلى المقهى الشعبي أمام مدرستها مباشرة ببضع خطوات:
- حلي كويس ولينا كلام تاني بعدين.
لم يردف بحرف آخر، التفت وغادر.
القَتْ ناحيته نظرة أخيرة قبل أن تدخل إلى مدرستها، تحاول التركيز في ورقة الامتحان أمامها.
أجابت على الكثير من الأسئلة، تبقى فقط القليل عليها أن تركز لتنتهي، لا يجب أن يشرد عقلها الآن.
تنهدت تزفر أنفاسها بعنف، لا يجب، ما عليها أن تفعل الآن وقد اكتشف خدعتها، ما الذي سيحدث بعد الآن...
اجفلت على صوت خافت يأتي من جوارها، نظرت بطرف عينيها جوارها لتجد إحدى زميلتها تحاول أن تهمس لها بشيء ما:
- أمل السؤال التاني يا أمل... السؤال التاني.
نظرت لها بطرف عينيها بازدراء لتشيح بوجهها بعيداً متقززة منها، تهمس لها:
- أنا ما بغشش حد.
احتقن وجه الفتاة غضباً تنظر لأمل في غيظ، تعقد في نفسها أمراً، من الجيد أن المراقب الواقف هناك أحد أقاربها، بالطبع سيصدقها هي.
التفتت فجأة ناحية أمل تصيح فيها:
- ما تذاكري قبل ما تيجي أنا مش هغشش حد خلي عندك دم بقي مش عارفة أحل.
توسعت عيني أمل في ذهول تنظر لها مذهولة، ما بها تلك الفتاة لما تصيح فيها هكذا...
اقترب المراقب منهم يغمغم محتداً:
- في إيه يا روان حصل إيه.
وقفت تلك المدعوة روان تنظر للمراقب تصيح غاضبة:
- الحقني يا عمو سمير البت دي بقالها نص ساعة عمالة تقولي أغششيني وأنا بقولها ما بغشش حد وهي مش ساكتة وأنا كده مش عارفة أركز في الامتحان كده هسقط.
شهقت أمل مذهولة مما قالت تلك الفتاة تقلب الحقائق، هبت واقفة تصيح تدافع عن نفسها:
- كذابة أقسم بالله العظيم كذابة هي اللي كانت عايزة تعش مني وأنا قولتلها لأ.
لم يصدقها بالطبع لن يفعل... مد يده يسحب ورقة أمل بعنف من أمامها يردف محتداً:
- لو فعلاً كانت عايزة تعش منك كنتي زعقتي زي ما هي عملت دلوقتي.. قدامي هنعملك محضر غش والامتحان ده ملغي.
شخصت عيني أمل فزعاً تحرك رأسها بالنفي تصرخ باكية بحرقة:
- كذابة أقسم بالله هي اللي كذابة أنا ما غشتش من حد أرجوك صدقني هي اللي كدابة مش أنا...
لم يصدقها فقط ابتسم في سخرية يتحرك لخارج اللجنة، كان عليها أن تفعل شيئاً ما، هرعت إلى حقيبتها الموضوعة خارجاً جوار الباب رقمَه، كان أول رقم ارتعش صوتها تصيح باكية:
- الحقني يا حسن!
ولم تكمل، جذب المراقب الهاتف من يدها بعنف يصرخ فيها:
- كده هيبقى المحضر اتنين محضر غش ومحضر استخدامك للموبايل في اللجنة هي بقي كبرت في دماغي وهخليكي تعيدي السنة دي كلها.
- دا عند أمك عارف أمك يلا.
صدح صوت حسن عند بداية السلم، يبدو أنه أتى راكضاً، خلفه يتحرك المدير يحاول تهدئته:
- يا حسن باشا اهدي أكيد في سوء تفاهم.. سمير هو في إيه.
نظر سمير لحسن باشمئزاز ليوجه حديثه للمدير يردف غاضباً:
- ومين دا كمان.. أنت هتسكت على إهانته ليا يا سيادة المدير... ولا هو جاي يبلطج عشان السنيورة اللي بتغش من أصحابها وكمان مش عاجبها.
حركت أمل رأسها بالنفي، انهمرت الدموع من مقلتيها، هرعت إلى حسن اختنقت نبرتها تتمتم بحرقة:
- والله يا حسن كذاب هي بتتبلي عليا أنا ما غشتش من حد وعايز يعملي محضر ظلم عايزني أعيد السنة كلها أنا ما صدقت وصلت لهنا.. ما تخليهوش يعمل كده يا حسن عشان خاطري.
وانخرطت في البكاء وضعت يديها على وجهها تشهق في بكاء عنيف...
احمرت عيني حسن غضباً لا يرغب في شيء في تلك اللحظة سوى أن ينتزع ماديته ويمزق بها عنق الواقف أمامه...
مد يده يربت على كتف أمل برفق... تركها متجهاً إلى المراقب وقف أمامه يمد يده له يغمغم في هدوء:
- رجعلها الورقة بتاعتها عشان تلحق تكمل حل الامتحان...
ابتسم الواقف في سخرية ينظر له باستخفاف رفع سبابة يسراه يشير لحسن بازدراء:
- وأنت بقي اللي هتخليني أعمل كده.
اتسعت ابتسامة حسن يومئ له بالإيجاب، دس يده في جيب سرواله سحَرَحْ حافظته الجلدية يخرج منها كارت تعريفي خط عليه (المقدم حسن كمال شريف الدين).
أصفر وجه الواقف خوفاً لترتسم ابتسامة ساخرة على شفتي حسن، من الجيد أنه لا زال يملك تلك البطاقة..
مد يده يسحب الورقة من يده أعطاها لأمل يمسح على رأسها برفق يغمغم مترَفْقاً:
- خشي كملي امتحانك يا أمل وما تخافيش أنا مش همشي من هنا غير وايدك في إيدي.. روحي كملي امتحانك.
أومأت برأسها بالإيجاب سريعاً تمسح دموعها بكفي يدها عادت أدراجها إلى داخل الصف تنظر بقهر لتلك التي كادت أن تودي بمستقبلها أدراج الرياح لولا حسن!!
عجباً عجباً هذا عجب حسن وهو من يخرجها من المشكلات الصعبة الآن...
تنهدت تنفض ما حدث من رأسها مؤقتاً، تبقى القليل فقط عليها أن تنتهي...
مرت ربع ساعة إلى أن انتهت، أغلقت الورقة تعطيها للمراقب الآخر...
خرجت تبحث عن حسن هنا وهناك لتجده في مكتب المدير الذي يحاول تهدئته:
- يا حسن باشا خلاص اهدي اللي دا سوء تفاهم وأنا أقسمت لحضرتك إني هحول المراقب للتحقيق.
- مش كفاية.
صاح بها حسن كور قبضته يضرب بها سطح المكتب أمام المدير لينتفض الأخير بزفرة لعابه خائفاً توترت قسمات وجهه يغمغم:
- طب إيه يرضي حضرتك واحنا نعمله.
رآها، لمح انعكاسها في زجاج غرفة مكتب المدير ليلتفت خلفه سريعاً، رآها تقف هناك كطفلة صغيرة وحيدة بدون مأوى، اقترب منها سريعاً أمسك بكف يدها يوجه حديثه للمدير:
- أنا هعرف شغلي معاه أقسملك بالله اللي حصل دا مش هيعدي على خير أبداً... يلا يا أمل.
خطى معها خطوة واحدة للخارج ليعود يلتفت إليهم يغمغم محذراً متوعداً:
- ابقى أعرف إن ورقتها اتعلم عليها أو حصل فيها أي مشكلة قسم بالله ما هيهمني وههدم المعبد على رأس أصحابه.
دون كلمة أخرى رَجَعْ تاركاً خلفه ذلك المراقب ينزف الدماء من فمه وأنفه بعد عدة لكمات غاضبة سقطت على وجهه من يد حسن السليمة...
خرج بها من المدرسة يشعر بكفها يرتجف داخل كف يده، كانا في الشارع لم يستطع ضمها فقط وقف أمامها يمسك ذراعيها بين كفيه يحادثها مترَفْقاً:
- اهدي يا أمل ما حدش يقدر يأذيكي طول ما أنا حي على وش الدنيا.
رفعت وجهها ببطء ارتجفت حدقتيها بعنف اختنق صوتها تهمس مقهورة:
- أنا اتظلمت يا حسن.. اتظلمت وكان هيضيع مستقبلي بسببها هي اتبلت عليا وهو قرايبها كان بيحامي ليها.
حرك رأسه بالنفي يشدد بخفة على ذراعيها يغمغم سريعاً:
- لا عاش ولا كان اللي يقدر يظلمك وأنا على وش الدنيا يا أمل... أنا ضربته وخليته يتحول للتحقيق ولسه هوقفه خالص عن العمل هدفعه تمن اللي عمله غالي أوي هو وقريبته.
أومأت له دون أن تنطق بحرف ليعطيها ابتسامة هادئة يحادثها:
- تعالي نقعد نتغدا في أي مكان.. تهدي وتاخدي نفسك كده وبعدين نروح.
وافقته، لم تكن في حالة نفسية تسمح بالرفض فوافقت ليترك ذراعيها، أمسك كف يدها يتحرك معها إلى أحد مطاعم الوجبات السريعة الشهيرة المنتشرة في كل مكان تقريباً.
____________
تقف في الشرفة الصغيرة في منزلهم في أسوان تشاهد المياه الجارية أمامها والمعابد البعيدة بالكاد تلمح ظلالها المهيبة الشامخة، الطيور تحلق في السماء والقوارب السياحية تجوب المكان...
لا تنكر المكان جميل هادئ نقي بشكل خلاب، ولكنها لا تفهم ليه أتى بهم لهنا ومن هم الذين كانوا يطاردوهم.
تنهدت بعمق تحاول أن تجد طرف خيط صغير بيجاد يرفض الإفصاح عن شيء يحول كل أحاديثهم إلى كوميديا هزلية بخفة ظله السخيفة التي تكاد تقتلها.
اجفلت حين شعرت بيده تلتف حول خصرها ورأسه يهبط برفق على كتفها يهمس لها حانقاً وكأنه طفل غاضب:
- على فكرة بقي لعنة أجدادنا الفراعنة هتحل عليكي عشان مش راضية تخليني أحيكلك قصة بناء المعابد معبد معبد.. يا بنتي دا أنا مرشد سياحي ممتاز.
وضعت يديها فوق يده تزيح ذراعيه التفتت وقفت أمامه تنظر لعينيه مباشرة لترى ابتسامة انتصار تعلو ثغره وكأن فقط رؤيتها له تجعله ينتصر..
تنهدت حانقة تردف بحدة:
- بيجاد بطل تاخد كل حاجة بهزار أنا محتاجة أفهم ومن حقي أفهم مين الناس اللي كانت بتطاردنا دي وليه احنا هنا وهنفضل هربانين لحد إمتى.
ابتسم يحرك رأسه موافقاً ما تقول، اقترب خطوة واحدة يحتضن وجهها بين كفيه، ثقلت أنفاسه يهمس لها بصوت خفيض متخم بالمشاعر:
- هقولك بس هعمل حاجة الأول.
اضطربت حدقتيها تتسارع دقات قلبها أغْضَمَتْ عينيها تنصهر كقطعة ثلج يحتضن شعلة نار وهو يلحم بركان عاطفته المتأججة بعُنَابْ شفتيها العذب لحظات خارج الكون في الفضاء الواسع لا أحد غيرهم في مدار العشق الخالص...
ابتعد عنها يسند جبينه على جبينها يلهث بعنف يهمس لها:
- أنا بحبك يا رسل... انسي كل حاجة في الدنيا وخليكي معايا هنا بعيد عن الشر والظلم اللي جوا مجدي وشيرين... أنتي مراتي يا رسل أنتي الوحيدة اللي بقيالي في الدنيا دي أنا ما حلتيش في الدنيا دي غيرك... انسي كل اللي فات وتعالي نبدأ من أول وجديد.
على الرغم من أنها كانت في دوامة تُغْرِقْها حرفياً ولكن عقلها كان هنا يعمل يفهم يحلل يرفض ما يقال الآن، انتشلت نفسها بعيداً عنه تنظر لعينيه تردف في حدة:
- لا يا بيجاد دي بداية هشة مالهاش أساس... أنا من حقي أفهم وأنت لازم تقولي يا إما كده يا إما كل واحد يروح لحاله.
وتركته تدخل للمنزل ليلحق بها سريعاً التقط رسغ يدها داخل كفه يمنعها من الابتعاد، حاولت جذب رسغها بعنف من داخل كفه تصيح فيه:
- أبعد عني يا بيجاد سيب إيدي.
جذبها إليه لتشهق بعنف حين طوقها بذراعيه يحتجزها داخل صدره يصيح فجأة غاضباً:
- عايزة تفهمني.. أقولك إيه اللي بيحصل مجدي أبوكي بيساومني يا أرجع قناص ليهم زي الأول يا يقتلك.. كان عايز يخطفك عشان يساومني بيكي فهمتي بقي أنا مخبي عليكي ليه.
جحظت مقلتيها فزعاً تحرك رأسها بالنفي بعنف دقات قلبها تؤلمها، والدها لا مستحيل والدها يرغب في قتلها!!
جسدها ينتفض بين يديه، لم يكن يجب أن تعلم، كان محقا في إخفاء الأمر عنها. شهقت بعنف وكأن الحياة تفارقها، ملأ الألم نبرة صوتها وهي تسأله: - يعني هو اللي بعت الناس اللي ضربت علينا نار؟ حرك رأسه بالنفي ليزيد الأمر تعقيدا، لم تعد تفهم شيء مطلقا مما يحدث حولها، في حين أردف هو: - اللي بعت ناس تضرب علينا رصاص دا واحد من أعدائي، كان عايز يموتني لما عرف مكاني... لما هربنا منه ووصلت هنا لقيت أبوكي بيكلمني وبيعرض عليا تهديده: الحقيقة يا إما أرجع للشغل معاهم يا هيقتلك قدام عينيا. بقيت جامدة تنظر للفراغ عينيها، وكأنها زجاج تعكس شظايا روح تهشمت من الألم. لحظات طويلة من الصمت شقتها صرخة مدوية خرجت من بين شفتيها... صرخة ألم صاح بها قلبها بعد أن فاض به الكيل، لترتمي برأسها على رأس بيجاد تشهق في البكاء تصرخ بحرقة: - ياريتك ما قولتلي! يارتني ما سألتك.. هو بيعمل كدة ليه يا بيجاد؟ هو ليه بيكرهنا أوي كدة؟ احنا أذيناه في إيه... طول عمره قاسي بس كنت بقول حتى لو قاسي علينا أكيد بيحبنا، بس يقتل وليد ودلوقتي عايز يقتلني! دا شيطان! شيطان مش بني آدم أبدا. وانفجرت في البكاء وهو يحتضنها، ينظر للفراغ يعلو ثغره ابتسامة ساخرة. هل يخبرها بأن والدها هو من قتل والدتها بعد ولادتها لها، بعد أن جعلها تتنازل له عن أملاك عائلتها بالكامل؟ لا، بالطبع لا، يجب أن تعلم! تلك المستشفى الفخمة المهيبة، ربما لن ترها سوى على التلفاز أو الصور المعروضة على صفحات التواصل الاجتماعي، ولكن ها هو يمكث داخل إحدى غرفها الفاخرة المخصصة لكبار الزوار، وهو بالطبع من كبار الزوار، يكفي أنه ابن مالك المستشفى... يضجع بجسده إلى وسادة ناعمة من الريش، ينظر للفراغ، الشاش الطبي يلتف حول ذراعه الأيسر وفخذه الأيمن. عرف حين دخل إلى المستشفى أن رصاصات المسدس لم تكن رصاص حي، بل تلك الطلقات التي تستخدم لصيد الطيور. ابتسم ساخرا: قتلوه دون أن يموت، يال كرم أخلاقهم الحميدة. سينتقم، يقسم أنه سيفعل، سيرد لهم الصاع صاعين، سيمشي وفق خطتهم إلى أن يضع يده على وتر، ومن هنا سيبدأ الانتقام. فقط تصبح بين قبضتها، وهو سيجعلها نسخة ميتة مشوهة الروح مثل شيرين والدته، يقسم أنه سيجعلها تدمن أعتى أنواع المخدر، يلقيها لهم جثة تحتضر أمام أعين أبيها، فقط الصبر هو ما يحتاج إليه... اجفل على صوت الباب يفتح، بالطبع ماهي ومن غيرها، يلتصق به كالغراء. التفت برأسه ينظر للفاعل ليجد أبيه، ها هو والده الحبيب الحنون أتى لزيارته ليطمئن أنه لم يمت. لم يستطع إخفاء نظرات الكره والحقد التي ملأت حدقتيه حين رآه، ليبتسم مجدي ساخرا، اقترب يجذب مقعد يجلس جوار فراش طارق يغمغم ببساطة: - حمد لله على سلامتك يا طارق... معلش هي قرصة ودن بس عشان سفيان يهدي... دا كان حالف يقتلك بالبطء بس أنا رفضت وهو عشان خاطر صحوبيتنا. تعالت ضحكات طارق الساخرة، يالهم من أصدقاء سوء يحبون بعضهم البعض كثيرا. نظر لوالده يردف متهكما: - والله أنا من زمان شاكك في علاقتك أنت وسفيان صاحبك. احتدت عيني مجدي غضبا حين فهم المعنى المقزز في كلمات ابنه، ليرفع يده يصفعه بظهر يده على فمه بعنف، صفعة قاسية شقت جانب ثغره، في حين أردف مجدي غاضبا: - حط لسانك جوا بوقك وبطل خطرفة لأقطعه وأكلهولك، إنت فاهم؟ لم يجيب، فقط أشاح بوجهه في الاتجاه الآخر، يشد على قبضته المغلقة بعنف، احمرت عينيه غضبا. وفي حين وقف مجدي من مكانه يغلق زر حلته يغمغم ساخرا: - حمد لله على السلامة يا حبيبي، خف بسرعة بقى عشان البيت يرجع ينور بيك... واجهز عشان سفيان بيجهز الضربة القاضية للي اسمه جبران، دا هتخلصنا منه خالص. التفت برأسه ناحية أبيه، قطب ما بين حاجبيه يسأله: - هتعملوا معاه إيه؟! ارتسمت ابتسامة سوداء على شفتي مجدي، مال ناحية أذن طارق يهمس له متلذذا العذاب: - هندخله السجن وهندخل واحد من رجالتنا هناك يقتله!! ربت على كتفه برفق يغمغم مبتسما: - جهز نفسك يا عريس، مش عايزين فضايح بقى. وتركه وغادر، ليومئ طارق بالإيجاب، سيكون على أتم استعداد ليحول حياتها جحيما!! أخيرا هدأت، منذ أن جلست بصحبته في ذلك المطعم وجسدها يرتجف بعنف. أين ذهبت أمل القوية ذات اللسان السليط؟ ترتجف كطفلة خائفة من وحوش أسفل الفراش. بعد كوب العصير الثالث تقريبا بدأت تهدأ شيئا فشيئا، إلى أن هدأ جسدها وانتظم تنفسها. ربت على يدها يغمغم مبتسما: - هروح أجيبلنا الأكل. وافقت بإماءة صامتة، تراقبه وهو يتحرك بعيدا، تبتلع لعابها الجاف مرتبكة الآن وقد اكتشف حيلتها. ماذا ستفعل؟ لا شيء، لن تفكر في خطط أخرى، عليه أن يعرف أنه هو السبب، هو من تزوجها غصبا، ليس من العدل أن تبادله العشق غصبا.. خدعة دنيئة صحيح، ولكنها لم تكن تملك غيرها في الوقت الحاضر... هو من سيقرر ماذا سيفعل، وتتمنى فقط لو يطلق سراحها وينتهي هذا العرض الهزلي للأبد... تنهدت بعنف تنظر ناحيته لتراه يتقدم ناحيتها، يمسك بيمناه السليمة حامل طعام عليه شطائر اللحم وقطع البطاطس والمشروبات الغازية، وضعه أمامها على الطاولة. مدت يدها تبعد الغطاء عن شطيرته ليبتسم ساخرا يردف: - كفاية تمثيل يا أمل! أنتي مش مضطرة تمثلي عليا تاني، لما نروح حاجات كتير هتتغير. لا تعرف لما شعرت بالقلق من تلك الجملة، وكأن بها وعيد مبطن خبيث... فتحت فمها تريد أن تقول شيئا ما حين فجأة بدأت الحركة حولهم تحدث فيها اضطرابا... عدد كبير من الحراس يلتف حول المكان من الخارج، والبعض منهم دخل إلى المطعم. التفتت برأسها هي وحسن ينظران للخارج من خلال زجاج المطعم، ليروا سيارة سوداء وقفت أمام باب المطعم. هرع أحد الحراس يفتح بابها لينزل منها رجل ما... رجل ما أن رآه حسن هب واقفا.. اختفت أنفاسه إثر رؤيته له، وشريط عذاب طويل يمر أمام عينيه ينتهي بصرخة والدته قبل أن تفارق الحياة... التفت ناحية أمل يقبض على كفها بيمناه، جذبها بعنف لتقف ليصيح فيها: - يلا لازم نمشي! لم تفهم ما به، ولكن حالته تبدو مريعة، عينيه مضطربتان تتحركان في كل مكان وكأنه يبحث عن مخرج، كف يده بارد يرتجف برعشات خفيفة ولكنها تشعر بها... المطعم له باب واحد فقط، تحرك إليه ليخرج معها ليجد الحراس يسدون الطريق أمامه، يمنعوه من الخروج. تقدم أحدهم يحادثه: - حسن باشا احنا آسفين جدا، ما تقدرش تخرج دلوقتي، كمال باشا والد حضرتك عايزك. تقدم حسن ناحية الحارس يقبض بينما على تلابيب ملابسه يصرخ فيه غاضبا: - أنا هخرج يعني هخرج، اوعي من طريقي بدل ما أقتلك! - لسه عصبي ومندفع وسريع الغضب يا حسن، أومال هما فصلك من الخدمة ليه؟ صوته... صوت والده الكريه الذي لم يكره شيء بقدر كرهه لسماع صوته. ترك ثياب الحارس يلتفت ناحية أبيه الواقف على بعد قريب منه، يبتسم في استهتار كعادته، يدس سيجارة تبغ كوبية ضخمة بين شفتيه... فتح كمال ذراعيه يغمغم في سخرية تمتزج بالضحكات: - أهلا بعودة الابن الضال!! تقف أمام غرفة الرعاية المركزة حيث تمكث والدتها. الطبيب طمأنها أنها بخير وتستجيب للدواء، وذلك حقا لأمر هام تتمنى لو تفيق قريبا. اجفلت حين وضع جبران يده على كتفها يغمغم مبتسما: - مش الدكتور طمنا أن ماما بخير؟ يلا بقى نروح قعدتنا، هنا مالهاش لازمة. أومأت موافقة، تنظر ناحية والدتها تودعها للمرة الأخيرة قبل أن ترحل. شبك جبران يدها في يده، يتحركان في الشوارع بين الشروق والشمس في السماء ترحل والليل يأتي برفق رويدا رويدا، والهواء الساخن يبدو أكثر برودة ينعش الروح. تتحرك معه بين شوارع لم تخطها قدميها يوما، تبتسم في سعادة تشاهد واجهات محال الثياب ومحال الأطعمة المختلفة، التي تتراص جوار بعضها البعض، والعجيب جميعها مزدحمة. تراقب بابتسامة واسعة وهو يراقبها بابتسامة توازيها اتساعا.. أشار لها إلى بائع مثلجات متجول يغمغم: - تيجي أجيبلك آيس كريم من عند الراجل دا؟ ولما لاء هزت رأسها بالإيجاب، تتحرك معه ناحية بائع المثلجات وقفت أمامه تغمغم: - عايزة توت وفستق وبلوبيري. عقد الرجل جبينه ينظر لها ولجبران، ليحمحم جبران يغمغم: - هاتلها واحد مانجا على فراولة. ابتسم الرجل يلتقط قطعة بسكويت يملأ نصفها بنكهة المانجو والنصف الآخر فراولة، أعطاه جبران نقوده يعطيها المثلجات. رفعت كتفيها تأخذها منه، ليست كما أرادت ولكنها تبدو جيدة... رأت كورنيش النيل أمامها لتغمغم سريعا: - جبران النيل اهو، تعالا نقعد هناك زي ما بيحصل في الأفلام. ضحك عاليا يهز رأسه يآسا، تقدم معها إلى شاطئ النيل، جلست على حافة سور عالي تؤرجح قدميها... ليخرج هاتفه من جيبه يشير لها: - وتر بصيلي هنا. نظرت لهاتفه تضحك برقة وهو يلتقط لها الصور، ذهب إليها يجلس جوارها، مدت يدها له بمخروط المثلجات، ابتسم يحرك رأسه بالنفي. شردت عينيها في الفراغ للحظات قبل أن تلتفت له تغمغم فجأة: - أنا عايزة ورد. - كيلو الكباب أفيد يا يسرية. غمغم بها ضاحكا لتنفجر في الضحك هي الأخرى، انزلق المخروط من يدها ليسقط أرضًا. توقفت عن الضحك تنظر له بصدمة لتدمع عينيها، انهرت الدموع تغطي وجنتيها تتمتم ساخرة: - أنا عارفة أن الدنيا بتكرهني من زمان وهي بتاخد مني كل حاجة حلوة، حتى الحاجات البسيطة... مش كدة يا جبران؟ لما الدراما لأجل أن المثلجات سقطت؟ ليست بجريمة بشعة أرتبكها القدر في حقها كما تنوح الآن. قام من مكانه يغمغم ببساطة: - مش مستاهلة دراما يا وتر، هجبلك غيره. نفت برأسها بعنف لتهب واقفة تمسح دموعها بقوة تغمغم في إصرار: - لا مش عاوزة، أنا عاوزة أروح، يلا نروح. شبك كفها في كفه يتحركان بين الطرقات إلى حيهم، استوقفه في طريقهم متجر ورود صغير للغاية، دخل إليه بمفرده واشترى لها وردة واحدة حمراء اللون، وضعها برفق بين خصلات شعرها، غمزها بطرف عينيه يغمغم مشاكسا: - أديني جبتلك الورد اهو يا يسرية، تعالي بقى نجيب الكباب. وفعل ذلك حقا، وقف أمام مطعم يبيع ذلك اللحم المشوي واشترى لهم طعام العشاء. تأبطت ذراعه تسير جواره في الحي، ليميل على إذنها يغمغم بخبث: - مش ناقص غير ازازتين بيرة مشبرين وكدة تبقى اتعشت أوي. انتظرت إلى أن صارا داخل مدخل عمارتهم، لتصدمه على صدره تغمغم حانقة: - بطل.. أنا طالعة أنام... ابقى اتعشى لوحدك بقى. ابتسم عابثا يلاعب لها حاجبيه، تقدمت له لأعلى وهو خلفها، عند الطابق الذي تسكن فيه روزا انفتح باب شقتها فجأة، واطلّت عليهم بقميص للنوم يكاد يكون شفاف، تحمل في يدها حقيبة قمامة صغيرة. شهقت وتر حين رأت منظرها لتندفع ناحية جبران تغطي عينيه بكفيها تصيح في صفا: - خشي جوا! صاحت صفا تعتذر خجلة من الموقف لتندفع للداخل توصد الباب سريعا، لتزيح وتر يدها من على عيني جبران لترى ابتسامة خبيثة تعلو ثغره، يتشدق ساخرا: - على فكرة شوفت بردوا. احتقنت عينيها غيظا لتصدمه بساقها في ركبته بغيظ، تندفع لأعلى... في تأوه هو يمسد ساقه يغمغم مدهوشا: - يا بنت المجنونة أما علقتك الليلة دي. اندفع خلفها لحقها قبل أن تغلق الباب، دخل إلى الشقة يصفع الباب بعنف، شمر عن ساعديه يلوح على ثغره ابتسامة ماكرة، يتشدق مستمتعا: - تعالي بقى يا بنت الذوات. صرخت تضحك عاليا تركض من أمامه وهو خلفها، ما أن التقطها بين ذراعيه تضحك وهو معها، صدح صوت دقات عنيفة للغاية على باب الشقة. تركها يقطب جبينه متعجبا، تحرك لباب الشقة يفتحه ليندفع عدة عساكر لداخل الشقة، خلفهم زياد الذي وقف أمام جبران يبتسم في اتساع متشفيا بانتصار، نظر لغريمه يغمغم شامتا: - مش قولتلك نهايتك على إيدي...
مطلوب القبض عليك يا معلم هاتوه !
ابق قريبًا من جديدنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!