ابتسم لها مطمئناً. اقترب من فراشها يحادثها مترفقاً: "حياة، الدكتور كتب لكِ على خروج. أنا جبت لكِ هدومك." اضطربت حدقتاها خوفاً. جلس جوارها على الفراش على بعد قريب منها، يمسك أحد كفيها بين يديه. تلاقت مقلتاها بعينيه ليبتسم، يهمس لها: "ما تخافيش يا حياة. ما حدش هيقدر يمس شعرة منك. قسماً بالله لهدفعه تمن اللي عمله فيكِ بموته. خلي عندك ثقة فيا، أنا عمري ما هأذيكي يا حياة."
رغماً عنها، ترقرق الدمع في مقلتيها. أومأت له خائفة، لا تعرف ما عليها أن تفعل. هي فقط تسير مع التيار، تسير وفق ما يقولون، وتتمنى فقط ألا تعاني من جديد. رفعت وجهها إليه، تنظر لابتسامته الهادئة بين كدمات وجهه المتفرقة. ماذا حدث له؟ كيف أُصيب؟ كان بخير قبل بضع ساعات فقط. اختفى بصحبة ذلك الرجل، وحين عاد كانت الكدمات تتواجد في عدة مناطق متفرقة من وجهه.
كادت أن تسأله عما حدث حين دُق الباب وظهرت تلك الطبيبة الجميلة صاحبة الأعين الزرقاء، تغمغم مبتسمة: "حياة، جاهزة عشان هنتحرك." قام زياد سريعاً، يومأ برأسه بالإيجاب، يغمغم: "أيوه يا دكتورة، جاهزة. هنحصل حضرتك." ابتسمت لينا تهز رأسها بالإيجاب. تركتهم وخرجت. وقف زياد يمد يده إليها. ترددت للحظات قبل أن تضع كفها في كفه. شد يدها برفق لتقف. يمسك حقيبة ثيابها بيده الأخرى. شدد على يدها يهمس لها مطمئناً:
"ما تخافيش يا حياة، أنا جنبك دايماً. مش هسيبك." تحركت قدماها ترتجف. خطواتها بالكاد تحملها. تشعر بالبرد وهم في الصيف. خرجت معه من الغرفة لتجد ذلك اللواء الذي كان في غرفتها ومعه الطبيبة التي علمت منها أنها زوجته، يقفان يتشاجران وكأنهم أطفال. لا تصدق أن رجلاً مثله بهيبة مخيفة يقف يضحك مع زوجته بتلك البساطة.
التفت خالد لهم ما أن خرجوا. نظر لوجه زياد ليبتسم ساخراً، في حين توترت قسمات وجه زياد. ذلك الرجل يمتلك قبضة مؤلمة حقاً. الآن فقط عرف لما كان زيدان يخاف من خاله. كل ذلك القدر. اقتربت لينا من حياة تمسك بيدها تحادثها مبتسمة: "تعالي يا حبيبتي، صدقيني هتنبسطي معانا أوي. ده إحنا عايشين في العباسية على رأي خالد." تحركت بصحبتها للخارج، تغمغم بحماس وهي تضحك:
"عندك مثلاً جاسر، ده مجنون رسمي. ولا حسام ابن خالد الكبير، متزوج سارة بنت عمه، بس إيه؟ واد سكر كدة هو ومراته. ولينا بقى بنتي وولادها ياسين ووتين، حبايب قلبي. وخصوصاً ست توتا، قلب جدها." وبدأت تتحدث بلا توقف، وحياة تتابعها بابتسامة صغيرة قلقة. تحركت معها إلى سيارة سوداء. ليفتح أحد الحراس الباب. شهقت حياة خائفة حين تذكرت حراس صاحب الظل. تتمسك بذراع لينا لتربت الأخيرة على كتفها تهمس لها تطمئنها:
"ما تخافيش، ده حسن الحارس بتاع خالد. أصل أنا زوجة رجل مهم. اركبي يا حبيبتي." نظرت حياة حولها لتجد زياد يقف خلفها على بعد عدة خطوات. اقترب منها يغمغم: "اركبي يا حياة، ما تخافيش. أنا هفضل معاكِ لحد ما أوصلك. ما تخافيش." أمسك بكفها يسندها لتصعد للسيارة. جلست لينا جوارها. أغلق زياد باب السيارة عليهم. توجه لمقعد السائق، سيوصلهم ويعود لهنا من جديد ليأخذ سيارته. إلا أن خالد أخبره حين جلس جواره:
"ادي مفاتيح عربيتك لحسن، هيجيب عربيتك ورانا بدل ما ترجع تاني." وحقاً كان ممتناً لذلك. أعطى المفاتيح للحارس وأدار محرك السيارة. حرك مرآة السيارة الأمامية ليرى حياة من خلالها. ابتسم لها حين ظهر انعكاسها في سطح المرآة. ليمد خالد يده يعدل المرآة لوضعها الأول. نظر لزياد يتمتم ساخراً: "مش عربية خالتك هي، ما تحركش حاجة من مكانها. ويلا اطلع. عامل زي المتخلف حسام بالظبط."
حمحم زياد محرجا، يتحرك بالسيارة. تجلس حياة خلفه تستند برأسها إلى النافذة تراقب الحياة من خلف الزجاج. السيارات، المارة، الطفلة الصغيرة التي تمسك بيد والدها تعبر الشارع. كانت يوماً مثلها طفلة صغيرة تضحك، تمسك بيد والدها، تقفز سعيدة في الطرقات قبل أن تأخذ منها كل شيء. انسابت دموعها دون إرادة منها. لتنتفض حين شعرت بيد تمسح على رأسها. نظرت جوارها لتجد تلك الطبيبة تبتسم لها في حنان. جذبتها بخفة إلى أحضانها، تطوقها بذراعيها، تمسح على خصلات شعرها برفق،
تهمس لها بحنو: "كل حاجة هتبقى كويسة، صدقيني. ما تشيليش هم حاجة. إحنا جنبك، مش هنسيبك أبداً. ولا إيه يا خالد؟ نظر للفتاة مشفقاً، حزيناً على حالها. ابتسم يومأ لها بالإيجاب. التفتت بجسده لها يغمغم: "اللي يدخل العربية دي يعتبر نفسه خلاص فرد من عيلة السويسي. عيل من عيالي زيك زي لينا وحسام وجاسر وبدور. ما تخافيش يا بنتي، طول ما أنا فيا نفس، ما حدش يمس شعرة منكوا."
ارتمت ابتسامة مرتجفة متوترة على ثنايا روحها الخائفة. أومأت لهما بالإيجاب، تتمنى لو أنهم صادقين فيما يقولون. تحركت مقلتاها لزياد لتراه يبتسم حزيناً، عينيه حمراء. كم يرغب في أن ينفجر، يصرخ، يبكي، يلكم قلبه بعنف.
دقائق ودخلت السيارة إلى شارع ضخم تحوطه الأشجار من الجانبين. به تحركت السيارة إلى بوابة كبيرة شاهقة الارتفاع. أمام الحرس يتراص. فُتحت البوابة لتشق السيارة تكمل طريقها عبر حديقة واسعة بها أرجوحة كبيرة على أحد الجوانب، ومقاعد استراحات فخمة، وطاولة كبيرة حولها مقاعد. نظرت بذهول للمكان حولها. وقفت السيارة ليفتح خالد باب السيارة، يترجل أولاً. ربتت لينا على يد حياة تردف مبتسمة: "يلا يا حبيبتي، انزلي."
نزل زياد سريعاً يفتح لها باب السيارة. مد يده يمسك بيدها، يبتسم يطمئنها. نزلت تنظر حولها. على بعد قريب منهم رأت طفلة صغيرة تركض سعيدة، تتعثر الخطى ناحيتهم، ناحية جدها، تصرخ سعيدة بكلمة: "تودو! ابتسمت على سعادة الطفلة وهي تحاول الركض ناحية ذلك الرجل المدعو خالد. ليتحرك الأخير ناحيتها سريعاً يحملها من الأرض، يقذفها لأعلى فتتعالى ضحكات الصغيرة. ليعانقها، يشبع وجهها الصغير المنتفخ تقبيلاً وهي تضحك في سعادة.
لحظات وظهر طفل صغير في عمر الفتاة تقريباً يركض ناحية جده هو الآخر. ليضحك. انتشله خالد يحمله على ذراعه الآخر، يدغدغه بوجهه. مد يده داخل سترته يخرج الكثير من الحلوى يعطيها للصغيرين. لتنظر له مدهوشة. من يصدق أن صاحب تلك الهيبة يحمل كل ذلك القدر من الحلوى في سترته. "أبوووي!
صيحة ضاحكة تأتي من شاب كبير خرج من سيارته توا يتابع معهم ذلك المشهد الغريب. أسرع الشاب الخطى إليهم يفتح ذراعيه يريد عناقه. ما أن اقترب دفعته الصغيرة بكفيها تنظر له غاضبة. لفت ذراعيها حول عنق جدها وتخرج لسانها للواقف أمامهم. ليضحك خالد عالياً يوجه حديثه لحسام: "امشي يا أهبل." اختطف وتين من بين ذراعي خالد يرفعها لأعلى. رفع حاجبيه يحادثها حانقاً: "أنتي يا بت بتزقي خالك؟
دا أنا اللي مخرجك للدنيا يا شبر إلا نص. دا أبويا أنا يا بت." أنزلها أرضاً ليندفع يعانق خالد سريعاً. يخرج لها طرف لسانه. أحمر وجه الصغيرة قبل أن تنفجر في البكاء. تغمز سروال حسام تحاول إبعاده بعيداً عن جدها. ليدفعه خالد يحادثه محتداً: "أوعى يا حيوان. عيطت يا متخلف." أخذ حسام ياسين من بين ذراعي خالد يغمغم حانقاً: "بسسس. أنا هاخد ياسو حبيب قلب خاله اللي شبهي دا، واشبع بالسوسة اللي شبه جعفر أمها."
انحنى خالد يحمل الصغيرة التي تعلقت برقبته تخفي رأسها في صدره. كل ذاك يحدث وحياة تراقب في دهشة. ماذا الذي يحدث هنا تحديداً؟ وقفت لينا جوارها وضعت يدها على كتفها تغمغم ضاحكة: "أهلاً بيكي في مورستان عيلة السويسي. هتنبسطي معانا جامد!! دقت الباب من جديد. ألم تستحِ بعد أن أغلقت الباب في وجهها تدقه من جديد؟ أبعد جبران المنشفة عن وجهه يلقيها على أحد المقاعد. توجه هو يفتح الباب ليجد تلك المدعوة صفا تقف أمامه تمسك بصحن
مغطى تبتسم في حرج تغمغم: "أنا آسفة إني خبطت بدري كده، بس أنا كنت عايزة أديك حضرتك الطبق ده. عملاها بإيدي، يارب تعجبك." ابتسم لها مجاملاً. مد يده يأخذ الصحن من يدها. كاد أن يشكرها حين فجأة وجد وتر تندس في الفراغ الصغير الفارغ جواره. تنظر لصفا وما في يدها. ابتسمت في سخرية: "أنتي مين أصلاً وعايزة إيه من جوزي على الصبح؟ شكراً، إحنا ما بنقبلش هدايا من حد." أنزلت صفا وجهها سريعاً. ارتعشت يديها الممسكة بالطبق.
اختنق صوتها تغمغم: "أنا... أنا... أنا آسفة. عن إذنكم." "استني يا آنسة صفا. وتر، خشي جوه." أردف بها جبران بصرامة ينظر ناحية وتر محتداً. التفتت وتر تنظر لصفا باشمئزاز قبل أن تندفع للداخل تصدم ذراع جبران بغيظ في طريقها للداخل. وقفت على بعد خطوات منها تضع خصرها تنظر له وهو يبتسم كرجل مهذب نبيل يأخذ الصحن من يدها. يغمغم مبتسماً: "متشكر يا آنسة صفا. بإذن الله النهاردة هنكتب العقد ومش هنختلف إن شاء الله."
ابتسمت له على استحياء. تومأ برأسها بخفة لتنزل السلم. دخل جبران مرة أخرى يغلق الباب. التفتت ليجد وتر تقف أمامه تغمغم حانقة: "إيه؟ عجبتك كيوت مش كده؟ قطب ما بين حاجبيه يغمغم مستفهماً: "كيوت إزاي يعني؟ ضحكت رغماً عنها. ذلك الرجل لا فائدة منه أبداً. أخذت الطبق من يده تضعه بعيداً لتقترب منه من جديد. لفت ذراعيها حول عنقه تتمتم مبتسمة: "سيبك من البت دي، ما تستاهلش نتخانق بسببها. قولي المهم، ليه نمت على الكنبة امبارح؟
ابتلع لعابه يحاول أن يبدو ثابتاً بارداً لا يبالي. رفع ذراعيه يفك ذراعيها من حول عنقه يغمغم بلامبالاة: "أصل لقيتك نايمة بعرض السرير. قولت بلاش أضايقك. حطيلي الفطار عشان عايز آكل لقمة قبل ما أنزل أفتح الورشة." وتركها ودخل سريعاً إلى غرفة النوم يغلق الباب خلفه. وقفت مكانها تنظر لباب غرفة نومهم المغلقة. وسؤال واحد يتردد في عقلها: ما به جبران؟
نظرت للطبق أمامها حانقة. لولا أنه طعام لدفعته أرضاً. وضعته بعيداً. تضع أطباق الطعام على الطاولة. خرج جبران من الغرفة. وقفت بعيداً تنظر له تتأمله. كانت تظن أنها ستتزوج من رجل أعمال من طبقات المجتمع الراقي، يتأنق يومياً بحلة فاخرة ورابطة عنق تتماشى مع فستانها في سهراتهم. لم يخطر في أحلامها أن يكون زوجها معلم حواري وربما يتاجر في المخدرات أيضاً. اقترب من الطاولة الصغيرة يقتطع جزء صغير من الخبز يغمسه في طبق الفول. رفع وجهه لها يغمغم ساخراً:
"ما تقربي يا بنت الذوات، ولا مالكيش في الفول والفلافل؟ خطت ناحيته. فلم يفعل ما فعل قبلاً. لم يجذب المقعد المجاور له لتجلس عليه. جذبت المقعد بعنف ليحتك بالبساط أسفله بعنف. جعله يغمغم حانقاً: "السجاد هيتنسل براحة." لم تفهم ما قال. فقط جلست جواره تنظر للطعام الموضوع أمامها شاردة. ما به جبران؟ أليس من المفترض أن اليوم، كما يقولون هنا في الحي (صباحيتهم) إذاً ما به يعاملها بذلك البرود؟
هل يظن أنها كانت تخدعه حتى لا يقترب منها؟ هل نفر من جسد المشوه طوفان من الأفكار السامة أغرقها؟ لفت رأسها ناحيته تسأله مباشرة: "في إيه يا جبران؟ أنت متغير في معاملتك ليه؟ مش ده اللي كنت مستنياه منك في يوم صباحيتنا زي ما بتقولوا هنا عندكوا؟ تلاقت عينيها بخاصته. رأت الكثير من الكلمات التي يود قولها ولكنه لم ينطق بحرف واحد. فقط ابتسم، ربت على كف يدها واشاح وجهه يكمل طعامه. أحمر وجهها غضباً من رد فعله الغير متوقع بالمرة.
انتفضت واقفة تصرخ فيه: "في إيه يا جبران؟ أنت بتعاملني كده ليه؟ لو فاكر إني كنت بخدعك، فأنت شفت العلامات اللي على جسمي. ولا عشان العلامات اللي على جسمي قرفت مني عشان مشوهة، مش كده؟ ندمت إنك اتجوزتني؟ لو ندمت، أكلم بابا يجي ياخدني وتطلقني." زفر أنفاسه حانقاً ليهب واقفا فجأة. ضرب قبضته على سطح الطاولة بعنف ليصيح فيها محتداً: "بنت انتي!
اتظبطي على الصبح وبطلي التخاريف اللي عمالة تهلفطي بيها دي. أنا قولتهالك مرة واتنين وعشرة، أنا راجل ضهري، لا ليا في اللف ولا اللوع. بطلي بقى مسرحية البؤساء اللي أنتي عاملاها دي." اتسعت حدقتاها شحب وجهها من جهومه القاسي عليها. ترقرق الدمع في مقلتيها. ابتعدت عنه بضع خطوات لتصيح فيه بحرقة: "طلقني يا جبران. طلقني. أنا مش عايزة أعيش معاك." تقدم خطوتين فقط وكان أمامها. قبض على ذراعيها يصيح غاضباً:
"أنا مش لعبة في إيدك يا وتر هانم. أنتي مش جاية هنا تعملي سفاري. الوضع يعجبك، يبقى عايزة أبقى مراتك يا جبران. الوضع ما يعجبكيش، يبقى طلقني يا جبران." ماذا يحدث؟ لما ينهار العالم من حولها من جديد؟ لما يغرق بها طوق نجاتها الأخير الذي كان يحاول جاهداً انتشالها من أمواج ماضيها البشع؟
رفعت وجهها تنظر لعينيه لتراه هناك. ها هو جبران الذي تعرف بنظراته الشغوفة المليئة بالعنفوان الممتزج بالحنو. يقف بعيداً داخل عينيه. انتشلت جسدها من بين ذراعيه. تخاذلت نبرة صوتها تغص مختنقة ببكائها: "كنت فاكراك غير الكل يا جبران، بس طلعت جرح جديد معاهم."
اندفعت تركض إلى الغرفة تصفع الباب بعنف. انهارت خلف باب غرفتهم المغلق تضم ركبتيها لصدرها. شهقت تبكي بعنف. تحرك سريعاً إلى باب غرفتهم رفع يده يود فتحه ولو بالقوة ليطمئن عليها. لتتوقف يده في اللحظة الأخيرة. اختلط صوت بكائها بشهقات عنيفة تتابع. وضع رأسه على الباب. أدمعت مقلتيه يهمس نادماً مع نفسه: "سامحيني يا وتر، كنت السبب في عذاب زمان وفي عذاب دلوقتي. ما تحبينيش يا وتر، أنا ما أستاهلش إنك تحبيني."
تحرك ينزل من المنزل متجهاً إلى الورشة. رأته روزا من شرفة منزلها لتبتسم في خبث. أسرعت تبدل ثيابها بأخرى. التقطت هاتفها تطلب رقم ما: "أيوه، لما أشارولك تعمل اللي اتفقنا عليه. أنا نازلة دلوقتي، سلام!! استيقظت صباحاً لتجد نفسها على فراشها في غرفتها في منزل حسن. جوارها كتاب إحدى المواد. شهقت مذعورة. الامتحان!
نظرت للساعة، تبقى ساعتين. تنهدت بارتياح. لا يزال لديها وقت. قامت سريعاً تضب فراشها. خرجت من غرفتهم لتجد والدتها تقف في الصالة تضع الإفطار على طاولة الطعام الصغيرة. ابتسمت أمل سعيدة تصيح باسمها. لتقترب سيدة منها تعانقها تغمغم: "صباح الفل يا حبيبتي. كنت لسه هصحيكي. اقعدي افطري يلا عشان تلحقي امتحانك."
ابتسمت تومأ لها سريعاً. نظرت لباب غرفة حسن المغلق لتتنهد حانقة. عليها أن تكمل ذلك الدور الذي تكرهه وتدخل إليه الإفطار لأنه مريض. التفتت لوالدتها تغمغم: "هفطر حسن الأول عشان تعبان وأجي أفطر يا ماما." لم تتحرك خطوة واحدة حتى سمعت والدتها تغمغم: "حسن فطر من بدري. ما هو اللي كلمني أجي عشان أكون معاكي قبل ما تروحي الامتحان." اتسعت حدقتاها في ذهول. هو من فعل ذلك؟
يريد أن يثبت الآن أنه رجل جيد يسعى بكل طاقته لإنجاح تلك الزيجة. وذلك لن يحدث أبداً. التفتت لوالدتها تغمغم مبتسمة: "طب كويس أنه فطر. أنا هروح أغير هدومي وأجي نفطر سوا." هربت من أمام نظرات والدتها قبل أن تسألها. ألم يتحسن علاقتهم بعد؟ لما لا تزال تأخذ غرفة لها تستقل بنفسها بعيداً عن زوجها؟
أسئلة كثيرة قرأتها في وجه والدتها ولا إجابة لأي منهم عندها. بدلت ثيابها، ضبت حقيبة يدها الصغيرة. خرجت لوالدتها تجلس جوارها على طاولة الطعام تدس اللقمات في فمها شاردة. سمعت صوت باب غرفته يُفتح. فالتفتت برأسها له لتراه يخرج منها يرتدي ثيابه. هل سيخرج؟ ألم تخبره تلك الممرضة الملونة أن عليه الراحة؟ قبل أن تسأله بادر هو قائلاً: "أنا جهزت. افطري براحتك وتعالي عشان أوصلك."
اصفر وجهها فزعاً. ذلك ما لم يكن في الحسبان. لا أحد من زملائها يعلم أنها تزوجت وهو لن يتوانى عن التفاخر بأنه ربحها. رسمت ابتسامة قلقة رقيقة على شفتيها. اقتربت منه عدة خطوات إلى أن صارت أمامه لتهمس له: "بلاش يا حسن، أنت تعبان ولازم ترتاح لجرحك يفتح تاني. وبعدين أنا مش صغيرة يا حسن، ما تخافش عليا." حرك رأسه بالنفي. رفع يده السليمة يربت على وجنتها برفق يغمغم مصراً:
"أصل لازم أكون معاكي في امتحاناتك. وبعدين أنا كويس، ما تقلقيش عليا. يلا خلصي فطارك عشان أوصلك." حافظت على ابتسامتها أمام وجهه. ما أن أولته ظهرها تبدلت ابتسامتها وعلا الغيظ قسمات وجهها. تدعو فقط أن تمر الساعات القادمة دون أن تصرخ في وجهه وتخبره كم تكرهه. لا تضمن أي فعل أهوج قد يفعل ويحرجها به.
التقطت حقيبة يدها تودع والدتها. تحركت أمامه لأسفل. ما أن نزلا شبك يده السليمة في كف يدها. لتزفر أنفاسها حانقة. اليوم لن يمر أبداً. أعطته ابتسامة لطيفة تتحرك بصحبته لخارج الحي. أوقف سيارة أجرة فتح لها باب السيارة الخلفي. جلست ليجلس جوارها. انطلقت السيارة وهي ممتعضة الوجه مقطبة الجبين. ليميل عليها يهمس لها ساخراً: "أنا عارف إنك مش طايقاني، بس حاولي تعدي اليوم وابقي زودي جرعة التمثيل شوية بعد كده."
شخصت عينيها فزعاً. صدمة عقدت لسانها. نظرت له مذهولة لا تجد ما يقوله. في حين ابتسم هو ساخراً يدس سيجارة رفيعة بين شفتيه يشعلها بقداحته يزفر أنفاسها من خلال النافذة المفتوحة.
ربما هي المخطئة. ما حدث أثر عليها جعلها حساسة بشكل مبالغ فيه. قامت من خلف الباب المغلق تنزع ثيابها. ارتدت إحدى ثيابها الثمينة ذات الأحجام القصيرة. قميص بلا ذراعين يصل لحافة بنطال جينز ممزق عدة خطوط بالعرض يظهر قدميها. صففت شعرها ليميل على أحد كتفيها. التقطت حقيبة يدها تنزل لأسفل. عليها أن تتحرك لأي مكان. ستذهب لوالدتها وربما تمر بوالدها ومن ثم النادي. يملأ روحها شحنة سلبية سيئة للغاية عليها أن تتخلص منها بأي شكل.
نزلت من عمارتهم السكنية لتجد جبران يقف في منتصف الشارع. أين قميصه؟ ها هو ترتديه تلك الصفراء. تبكي بعنف تجلس على أحد المقاعد في الورشة جوارها عدة سيدات من الحي. وأمام جبران أرضاً ملقى شاب مدمي الوجه من لكمات جبران الغاضبة. اقتربت تحاول أن تفهم ما حدث. ليلمحها جبران بملابسها تلك. احتدت عينيه. اقترب منها يقبض على رسغ يدها يجذبها معه لداخل الورشة في غرفة صغيرة يضعون فيها الثياب حتى لا تتسخ. وقف أمامها يصرخ غاضباً:
"أنتي إزاي تخرجي بالمنظر ده وازاي تخرجي من غير إذني؟ أنتي اتهبلتي! الآن هو الغاضب. هي من يجب أن تصرخ. ففعلت. صرخت فيه تردف حانقة: "ما تزعقليش! أنت عارف إن ده استايل لبسي من زمان وأنا كنت جاية أقولك إني هخرج. أنا بقى اللي عايزة أعرف إيه اللي خلاك تديها قميصك ومقعدها في ورشتك؟ ما تتجوزها أحسن!! أشهر سبابته أمام وجهها. جز على أسنانه يغمغم حانقاً: "واحدة بتعيط في نص الشارع وواحد مرمي قدامك يبقى إيه؟
الحيوان اللي مرمي برة ده اتحرش بيها وقطع هدومها. فسترتها بقميصي، ما أنا يا إما قمصاني سترتك." "طبعاً وأنت أي واحدة بتلبسها قميصك بتتجوزها، مش كده يا معلم جبران؟ صرخت بها وتر بشراسة. ليبتسم الأخير ساخراً. يشيح بوجهه بعيداً عنها. وقفت هي تتنفس بعنف لدقائق. لم تفعل شيئاً سوى أنها ارتمت بجسدها بين أحضانه تطوق عنقه بذراعيها تقبله!!
لم يقاوم. لم ينفر. لم يبعدها. بل ضمها لأحضانه، يلحم عنفوان شغفه يبدد به خوفها من معاملته. ضم رأسها لصدره يطوقها بذراعيه يربت على ظهرها بخفة يهمس مع نفسه: "مش هقدر يا وتر. مش هقدر أعاند نفسي وأقهر قلبك. بس يارب وقتها تسامحيني." عند الباب شبه المغلق رأت ما حدث بالداخل كاملاً. لتقتم عينيها سوداً وكأنها تنشق طويلاً كالحية. ابتسمت في خبث. ستكون أكثر من سعيدة وهي تحصل على لقب زوجة المعلم جبران الثانية!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!