عذراء! لم تُغتصب ولكن كيف؟ ما قاله الطبيب، تقرير الفحص، ثورة غضب والدها العارمة كادت أن تحرق المستشفى بمن فيها. تقف في المرحاض منذ أكثر من نصف ساعة، عينيها متسعة في ذهول، عاجزة حتى عن الإحساس. الحركة، سقطت أرضاً على أرض المرحاض الباردة، تضم ركبتيها لصدرها، تتذكر ما حدث لها وكأنه يحدث الآن أمام عينيها. Flash back
سعيدة، تبتسم في حماس، بعد أشهر من التدريب أخيراً ستقابل أول حالة بمفردها، ستمارس مهنتها التي لم تحصل على شهادتها بعد، ولكنه يُعد تدريباً جريئاً قليلاً. خطت لداخل المصحة النفسية التي يمتلكها أحد أصدقاء والدها المقربين، ذلك الرجل تراه كثيراً عندهم، ربما تتذكر أن اسمه (مجدي! ما أن دخلت، توجهت إلى مكتب المدير مباشرة، الذي استقبلها بحفاوة، يرحب بها: -أهلاً أهلاً، وتر هانم، شرفتي. مجدي باشا كلمني وفهمني كل حاجة...
اتفضلي معايا. منعت نفسها من أن تصرخ من شدة سعادتها، سعادة لم تكن تعرف أنها ستكون قصيرة. اصطحبها المدير إلى غرفة أخرى، فتح بابها، يتقدمها إلى الداخل. لحقت به لتجد غرفة مكتب أنيقة بشكل مبهر، على الرغم من أنها تعيش حياة الترف، إلا أن الغرفة أدهشت طبيبة صغيرة تتطلع للمزيد، خاصة حين رأت لوح من الخشب حُفر عليه اسمها على سطح المكتب. توسعت عينيها اندهاشاً، تنظر للطبيب، ليبادر هو مبتسماً:
-دا مكتبك، مجدي باشا أمر أن يبقى ليكِ مكتب خاص للتدريب، مجرد ما تخلصي دراستك مكانك محفوظ هنا عندنا. شدت على قبضتها حتى لا تندفع تعانقه. ما يحدث الآن هو الحلم الجميل الذي تمنته كل يوم وتحقق أخيراً. ألقت نظرة شاملة على المكان، عادت بعينيها إلى المدير حين أردف يقول مبتسماً: -اتعرفي على مكتبك، على ما أبلغ التمريض يجيبولك الحالة.
شقت ابتسامة واسعة شفتيها، تومئ له بالإيجاب. خرج مدير المستشفى من الغرفة، يغلق الباب خلفه، لتصرخ سعيدة، تلتف حول نفسها، تكاد تطير فرحاً. اقتربت من مكتبها تتلمسه بأصابعها، ترسمها بخطوط أحلامها الوردية، الكثير من النجاح. توجهت إلى مقعدها، جلست هناك، اضطجعت إلى ظهر المقعد الوثير، تحادث نفسها: -أول خطوة في الطريق يا وتر، بكرة هتبقي من أشهر الدكاترة النفسيين... كل دا بيجيبوا المريض، يلا بقي.
لم تكد تنهي جملتها، حتى سمعت صوت دقات على باب غرفتها. لم تسمح حتى للطارق بالدخول. دخل دون إذن، لتجد المدير بنفسه، وجواره يقف رجل طويل القامة، عريض الجسد، يعلو وجهه ابتسامة غير مريحة بالمرة. ذلك هو المريض الذي قرأت الملف الخاص به. ماذا كان اسمه؟ نعم، آدم. مصاب بانفصام في الشخصية بسبب صدمة نفسية شديدة تعرض لها. آدم شخص هادئ، منطوي، قليل الكلام، ولكن تلك الابتسامة التي تعلو ثغره تقول الكثير.
دخل المدير يجذب آدم معه، أوقفه جواره، وضع يده على كتفه، يوجه حديثه لوتر: -دا آدم يا دكتورة وتر، الحالة بتاعتك، أعتقد أنتي قريتي ملف الحالة بتاعه قبل كده. أومأت بالإيجاب سريعاً، ليعاود المدير كلامه: -تحبي أفضل موجود في الجلسة بما أنها أول جلسة ليكِ؟ كم أرادت أن توافق على عرضه، ولكنها لم ترده أن يأخذ فكرة أنها خائفة، وأنها لن تستطيع التعامل مع الحالة بمفردها، لذلك حركت رأسها بالنفي، تغمغم مبتسمة:
-لاء، اتفضل حضرتك، أنا هتعامل من هنا. ابتسم له، ابتسامته كان بها شيء من السخرية ممتزج بالشفقة. خرج من الغرفة، يجذب الباب خلفه. تحركت هي في تلك اللحظة من خلف مكتبها، تبتسم في هدوء. خاضت الكثير من التجارب، صحيح أنها التجربة الأولى بمفردها، ولكنها لن تفشل. اقتربت منه، تمد يدها لتصافحه، تبتسم في خفة: -آدم مش كده؟ أنا وتر.
نظر لكفها الممدود، يرفع حاجبه الأيسر ساخراً، ليمد يده هو الآخر، يمسك بكف يدها، يصافحها في هدوء. جيد، إشارة جيدة. حاولت سحب يدها من يده، لتجده يحتجز كفها في كفه. توترت قسماتها، نظرت له لتري ابتسامته تزداد اتساعاً. حاولت أن تبدو هادئة، تردف: -آدم، لو سمحت، سيب إيدي. ولكنه لم يفعل، بل جذبها ناحيته بعنف، ترك كفها يطوق خصرها بيديه. ارتجف جسدها للحظات، تحاول أن تهدئ. نظرت له، تغمغم في هدوء:
-آدم، اللي أنت بتعمله دا ما ينفعش، ومش هيخوفني. أنا هنا عشان أساعدك، فبعد إذنك شيل إيدك وأبعد. ولكنه لم يفعل، بل جذبها إليه حتى التصقت بصدره رغماً عنها. مال على أذنها يهمس لها في خبث: -مش هبعد يا دكتورة، هما اللي قالولي أعمل كدة، وأنا داخل هنا عشان أعمل كدة. هنا بدأت تشعر بالخوف. من هم؟ وماذا سيفعل؟ اضطربت حدقتاها ذعراً، تسأله بصوت يرتجف: -هما مين؟ وتعمل إيه؟
ضحك عالياً، ضحكات مخيفة دوي صداها في كل جزء من المكان. أحكم قبضته عليها بأحد ذراعيه، ليخرج من جيب سرواله قطعة زجاج مدببة، يهمس لها متشفياً: -تعرفي أني بحب الرسم أوي، بحب أنقش فني، بس مش على الورق ولا الحيطان، على جُتت الميتين والعيشين. صرخت مذعورة حين فهمت ما يقصد. دفعته بكلتا قبضتها بعنف، ليتركها بملء إرادته. تركض ناحية باب الغرفة، الباب كان موصداً بالمفتاح. من أغلقه؟! صرخت مذعورة تدق الباب بكفيها،
تصرخ عل أحد ينجدها: -الحقووووني! حد يلحقني! افتحولي الباب يا بااااااباااااااا!
صرخت وصرخت، ولم يسمع أحد. صرخت من الألم حين قبض على خصلات شعرها، تلوت بين يديه، تحاول دفعه بعيداً عنها، تخدشه بأظافرها، تفعل المستحيل ليتركها. إلا أنها دفعها بعنف إلى الأريكة في الغرفة، غاص وجهها في وسادة الأريكة حين رماها على وجهها. حاولت أن تلوذ بنفسها، لتصرخ متألمة حين شعرت بركبته تضغط على ظهرها، يثبتها على سطح الأريكة. صرخت من الذعر والألم، خاصة حين شق ملابسها من الخلف. رفع قطعة الزجاج تلمع أمام عينيه،
دنا منها يهمس بصوت مخيف: -هما اللي قالولي أعمل كدة، قالولي أشوهك. وصمت للحظات، ليردف بنبرة أشد قتامة: -واغتصبك. صرخت بلا صوت، جرت دموعها تغطي وجهها، والآهات من روحها تصرخ، تتعذب. تشعر بنصل الزجاج يحفر في ظهرها. الألم كان أبشع من أن تتحمله، فانسحبت عن الواقع. غابت عن الوعي، ترجو فقط أن يكن كابوساً. كانت بين الوعي واللاوعي، حين بدأت تصحو على الدنيا من جديد. رأت والدها يقف أمامها، وأمامه يقف طبيب يحادثه مشفقاً:
-أنا آسف جداً يا سفيان باشا، في اللي هقوله، بس وتر بنت حضرتك اتعرضت للاغتصاب، دا اللي أثبته تقرير الطب الشرعي. Back خرجت شهقة عنيفة من بين شفتيها. ذكرى بشعة لا تحب أن تتذكرها أبداً، ولكن كيف؟ ما قاله الطبيب، لا تفهم شيئاً. اجفلت على صوت دقات على باب المرحاض، وصوته يغمغم قلقاً: -وتر، افتحي الباب يا وتر... وتر، أنتي كويسة؟ افتحي الباب يا وتر.
استندت على أرض المرحاض الباردة، توجهت بخطى فارغة إلى حوض الغسيل، صفعت وجهها بالمياه بعنف. فتحت الباب، لتري جبران يقف أمامها. سألها سريعاً ما أن رآها: -أنتي كويسة؟ مد يده يتلمس وجنتها، لتتسع عينيه قلقاً: -جسمك تلج، وهدومك مبلولة ليه كدة؟ وتر، ردي عليا.
تحركت بخطى فارغة، خاوية من الحياة، متجهة إلى الفراش. وقفت أمامه، لتري دليل براءتها هناك، مدموغاً على سطحه الأبيض. مدت يدها تنزع مفرش الفراش بعنف، تلقيه بعيداً. اندست تحت الأغطية الوثيرة، تضم ركبتيها لصدرها، ترتجف من عنف الذكرى التي داهمتها. اقترب جبران منها، جلس جوارها، مد يده يمسح على خصلات شعرها برفق، يغمغم قلقاً: -وتر، طب قومي كلميني. أمسك بذراعيها بخفة، يجلسها جواره. عينيها شاردة، تنظر للفراغ البعيد.
تحدثت بعد لحظات صمت: -أنا مش فاهمة حاجة يا جبران، أنا افتكرته... بعد ما نسيته، افتكرته، افتكرت اللي عمله فيا... انسابت دموعها فجاءة، ليأخذها بين أحضانه. تشبثت بصدره، تشهق في البكاء، يرتجف جسدها بعنف. دمعت عينيه هو الآخر، وجملة واحدة تتردد في عقله، جملة يتذكرها جيداً: (اكسروا شوكتها، شوهوا عنجهيتها، وهي هتبقى تحت إيديكوا غصب عنها)
ضم شفتيه، يحاول ألا يصرخ. هو السبب في العذاب التي تحياه. هو من فعل بها ذلك. هو الجاني في حقها دون أن تعرف ذلك. الصدر التي تلجأ إليه، تبكي عنده، تحتمي به، هو الجاني في حقها. هو من ألقاها داخل ذلك الألم البشع. أمسك بذراعيها، يبعدها عنه، يحتضن وجهها بين كفيه، يمسح دموعها. رسم ابتسامة كاذبة على ثغره، يغمغم ضاحكاً: -بقي كنتي بتضحكي عليا يا بنت الذوات، وطلعتي ورد ورود؟ بس ولاد الذوات حلوين أوي. ما تيجي أحكيلك حدوتة تاني.
بالكاد ارتسمت ابتسامة خفيفة على ثغرها، ليتنهد بعمق، يردف ضاحكاً: -بطلي عياط بقي. عيلة عيوطة! حد يتجوز المعلم جبران ويعيط يا بت؟ دا أنا ملك الكيف والمزاج العالي... تيجي نضرب سجارتين؟ ضحكة صغيرة خرجت من بين شفتيها، لتصدمه. على صدره، تغمغم بصوت بح من العياط: -ملك قلة الأدب! أنت مبسوط أنك تاجر مخدرات؟ -مخدرات إيه بس؟ مين قال إن تاجر مخدرات؟ أنا تاجر حشيش علف البهايم يا بنت الذوات.
نطقها بالتواء، يلاعب حاجبيه مشاكساً، لتضحك عالياً رغماً عنها، تشعر برغبة ملحة في أن ترتمي بين أحضانه، ففعلت ببساطة. مسح على رأسها حين سمعها تهمس: -أنا شكلي هحبك والله يا جبران. ابتسم حزيناً. لو علمت الحقيقة، لما نظرت في وجهه من الأساس. تنهد بعمق، يهمس لها مترفقاً: -نامي يا وتر.
أومأت بالإيجاب، تتعلق بأحضانه كطفلة صغيرة. انتظر إلى أن نامت، ليسطح جسدها على الفراش برفق، دثرها بالغطاء. تحرك من مكانه، خرج من الغرفة ومن المنزل إلى أسفل، حيث وجد حسن منهمك مع رجاله. اقترب منه، يربت على كتفه السليم، يغمغم: -اطلع ارتاح يا حسن، كفاية كدة، أنت تعبان. هبعتلك حد من الصيدلية يغيرلك على الجرح.
ابتسم حسن مرهقاً، قواه استنزفت في الساعات الماضية. تحرك لأعلى، حيث ترك أمل بعد أن أعطته أمل في مسامحته. دس المفتاح في الباب. ما أن دخل، رآها تهرول من المطبخ إليه، ارتمت بين أحضانه، تغمغم ملتاعة: -حرام عليك نفسك يا حسن، إنت متصاب في كتفك، كنت هموت من القلق عليك. تعالي، أنا عملتلك الأكل، غير هدومك على أحطه.
ابتعدت عنه، توجه له ابتسامة رقيقة، طبعت قبلة خاطفة على وجنته، لتفر هاربة. شخصت عينيه ذهولاً، ما يحدث الآن أشد من أن يستوعبه عقله. أمل تغيرت تماماً. ارتسمت ابتسامة كبيرة على ثغره. تحرك إلى غرفته، جرح كتفه يشتعل كالنار. نزع قميصه، ليجد الجرح ملتهب، والخيط الجراحي من الحركة العنيفة ممزق، والشاش الطبي غارق في الدماء. نزعه بعنف، يكاد يصرخ من الألم. وقف ينظر لانعكاس الجرح في المرآة أمامه. المنظر بشع، يحتاج للتنظيف والتقطيب من جديد.
خرج من المرحاض، يشعر بحرارة قوية تجتاح جسده. رأسه يثقل. اقترب من الفراش بخطى تترنح، إلى أن وصل للفراش، ارتمي عليه فاقداً للوعي.
_في الأسفل، تحرك جبران يساعد رجاله في طلاء أحد الجدران. في عز انشغاله، وقفت في منتصف الحي سيارة أجرة. لم ينتبه لها في البداية، ولكنه فعل بعد ذلك حين رأي جميع الرجال حوله أصابها شلل، تقف كالأصنام. نظر إلى ما ينظر رجاله، لتتشخص عينه هو الآخر، ينظر لحورية من الجنة نزلت على الأرض. حورية رقيقة بفستان أسود وحجاب من لون بشرتها الأبيض، تحمل حقيبة كبيرة في يدها. تقف حائرة، لا تعرف أين تذهب. ترك ما في يده، يتوجه إليها.
وقف أمامها يسألها: -عايزة مين يا أستاذة؟ ارتسمت ابتسامة بسيطة على ثغرها، تغمغم بصوت كزقزقة عصفور يغني: -على المعلم جبران، قالولي أنه كبير المكان هنا. أنا ممرضة بشتغل في المستشفى اللي على الناصية دي. أنا لسه منقولة النهاردة من الصعيد، قالولي أنه ممكن يجيبلي شقة أقعد فيها. ما تعرفش الاقيه فين؟ كاد أن يرد عليها، حين دق هاتفه برقم حسن، فتحه يرد، ليسمع صوت أمل تصرخ مذعورة: -الحقني يا جبران! حسن قاطع النفس، قلبه ما بيدقش!
حسن مات!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!