تنظر للزجاج الفاصل بينها وبين والدتها. الأطباء منعوا الزيارة تمامًا. حزينة، لأنها ليست حزينة بالقدر الكافي عليها. ربما لأنها لم تعتاد على وجودها في حياتها. ابتسمت بيأس، وتوجه أنظارها لجبران الجالس جوارها. يستند برأسه إلى الحائط، يعلو جزعه سترة من القطن الأسود دون أكمام. كانت أسفل قميصه التي ترتديه الآن. ربما علاقتها بجبران باتت أكثر قوة من علاقتها بوالدتها. يكفي أن جبران تفهم حادثتها ولم ينتقص منها ولو للحظة.
أجفلت حين فتح جبران عينيه يوجه إليها نظرة دافئة. رسم ابتسامة صغيرة متعبة على ثغره. يميل بجسده للأمام قليلاً، يحادثها مترفقًا: "تعالي نروح يا وتر. قعدتنا هنا مالهاش لازمة، وبعدين شايفة مناظرنا عاملة إزاي؟ دا إحنا ولا المقفوشين في شقة مفروشة. ناقص بس الملاية اللي بتيجي في الأفلام كلها دي." ضحكت حزينة، تومئ له بالإيجاب. تحتاج لذلك، تحتاج للراحة لأن تغلق عقلها وكأن شيئًا لم يحدث حتى لا تُجن.
قامت من مكانها متوجهة إلى غرفة والدتها. وقفت عند حاجز الزجاج تنظر لوالدتها. أدمعت عينيها، تهمس لها حزينة: "هجيلك تاني يا ماما." عادت إليه، ليبتسم. أمسك بكف يدها. التفت ليغادر، ليجد سفيان يقف أمامه. ينظر له مستنكرًا ما يحدث. توجه بعينيه إلى ابنته. ابتسم يسألها متعجبًا: "ماشية رايحة فين يا وتر؟ دا أنا كلمت الخدم في الفيلا الجديدة وهيجيبولك هدوم مع السواق دلوقتي بدل القرف اللي أنتِ لابساه دا. إيه القميص دا يا وتر؟
مش من مقامك يا حبيبتي." نظر جبران له مستهجنًا، ليلوي جانب فمه بابتسامة ساخرة متهكمة. لف ذراعه حول كتفي وتر، يقربها منه. وجه عينيه لسفيان. كاد أن يقول شيئًا، حين بادرت وتر توجه حديثها لوالدها: "بابا أرجوك. أنا حقيقي تعبانة جدًا دلوقتي. أنا هروح مع جبران ونبقى نشوف هنعمل إيه بعد كده. عن إذنك."
ابتسم جبران متشفّيًا، يوجه لحماه العزيز ابتسامة انتصار شامتة. تحرك بصحبة وتر للخارج، لتعصف عيني سفيان غضبًا. يغمغم في نفسه ساخرًا: "شبل صغير بيلعب فرحان بنفسه. أنا هوريك لعب الذئاب يا جبران." أمام المشفى، أوقف جبران سيارة أجرة. تعجب السائق من منظرهم. ظل طوال الطريق يرميهم بنظرات استنكار متعجبة. إلى أن وصلوا إلى الحارة. أعطى جبران للسائق نقوده. خرج من السيارة يمسك بيدها يخرجها.
أطلت على الحي من جديد، لتري حسن ورجال جبران ورجال الحي يتحركون هنا وهناك. يحاولون إصلاح ما أتلفته الرصاصات الغاشمة من خسائر لا ذنب لهم فيها. اقترب حسن منهم ما أن رآهم، يوجه حديثه لجبران: "الرجالة شغالين من ساعة ما البوليس مشي وبنرمم كل حاجة. طمني أخبار الست فتحية إيه؟ شدد جبران ذراعه الأيسر حول كتف وتر. رفع يمناه يربت على كتف حسن السليم. يغمغم مرهقًا:
"بإذن الله هتبقى كويسة. معلش يا حسن هتعبك. خلي بالك من الدنيا، هريح ساعتين عشان رجليا مش شيلاني وهنزل استلم مكانك." أومأ حسن له بابتسامة بسيطة. ليتحرك جبران بصحبة وتر إلى عمارتهم السكينة. عينيها تتحرك هنا وهناك، تنظر للرجال وهم يعملون. يتناغم مبهر حقًا.
صعدت مع جبران إلى أعلى. متعبة، مستنزفة القوى. لم تنتهِ الليلة كما توقعت تمامًا. ما أن فتح جبران باب المنزل، هرعت سريعا إلى غرفتهم. ارتمت على الفراش تلتف حول جسدها تعانق نفسها بذراعيها. تنتفض. لم تعد تستطيع الصمود أكثر.
دخل جبران خلفها. ألقى مفتاحه على الطاولة الصغيرة جوار الفراش. ارتمى جوارها على الفراش. منهك، خائر القوى. ابتسم ساخرًا. كم هو محظوظ حين ظن أنه أخيرًا سيصل لزوجته الحسناء، وجد نفسه يمسك ببندقية يحاول أن ينجو بحياتهم جميعًا.
التفت لها ليقترب أكثر. أحاط جسدها بذراعيه، يضم ظهرها لصدره. وهي لم تقاوم، بل بالعكس، قبضت على أحد ذراعيه. تتنفس بعنف. تحاول ألا تبكي. تحاول منع عقلها من الانفجار. باكية بعد ما حدث وفعلت. بل فعل هو. حين همس لها مترفقًا: "نامي يا وتر. نامي وما تخافيش من أي حاجة. أنا جنبك. مش هسيبك." لم تكن تحتاج سوى تلك الكلمات لتسلم مقاليد الخوف والقلق والحيرة والإنهاك. وتغمض عينيها وتغط في النوم.
رفع يده يمسح على خصلات شعرها بخفة. يبتسم في سخرية. وتر تحرك جزء هناك صغير يختفي داخل جدران قلبه خزيًا. جزء قد أقسم ألا يظهر للنور من جديد. وتلك العابثة نبشت لتخرجه. "غامّت حدقته حزنًا. وضع كف يده على ظهرها. أي ألم بشع قد شعرت بسببه. هو المخطئ ويقسم أن يجد الجاني ليذوقه عذاب ما فعل." ***
يركض كالريح، يسابق الطير إلى غرفتها. فتح بابها بعنف، يبحث عنها بعينيه متلهفًا. ليراها هناك جوار الشرفة تنظر للخارج، تبتسم كطفلة صغيرة رأت الحياة توا. سحرته طَلّته للحظات. قبل أن ينتفض سريعًا. أحضر حقيبة ثيابها. يجمع المبعثر منها فوق بعضه البعض. تعجبت رسل مما يفعل. اقتربت منه تسأله مدهوشة: "في إيه يا بيجاد؟ إيه اللي حصل؟ ركض إلى دولاب ثيابها يحضر لها أحد فساتينها. دفعه إليها، يغمغم سريعًا:
"في ثواني تغيري. لازم نمشي من هنا. عرفوا مكاننا." لم تفهم شيئًا. ولكن الوضع يبدو خطيرًا. اندفعت إلى المرحاض تبدل ثيابها. ما أن خرجت، لم يعطها فرصة للرد. أمسك برسغ يدها يجرها خلفه سريعًا. يقبض على الحقيبة بيده الأخرى. توسعت عيناه فزعًا حين رأى من بعيد عدة رجال ضخام الجثة في ملابسهم السوداء يبحثون بين الممرات. من الجيد أنهم لم يروه. جذب يد رسل إلى أقرب غرفة مغلقة. أسند جسدها للحائط. يضع يده على فمها،
يهمس لها بصوت خفيض للغاية: "هششش. ما تطلعيش صوت." أومأت بالإيجاب. تضاربت دقات قلبها هلعًا. قبل فترة قليلة جدًا فقط كانت على وشك أن تطير فرحًا لأنها ترى من جديد. والآن ماذا؟ تختبئ داخل غرفة مطفآت قديمة مليئة بالغبار وخيوط العنكبوت المتشابكة. وبيجاد يقف أمامه معها. ولكن عينيه تختلس النظرات لما يحدث خارجًا. عينيه ليست هنا. زفرت أنفاسها حانقة. ليشعر هو بالهواء الساخن يضرب كف يده. نظر لها قلقًا، يهمس بصوت خفيض للغاية:
"أنتِ كويسة؟ أومأت له بالإيجاب. محرجة. ابتعد عنها قليلاً ليخرج مسدسه من غمده. تأكد من أن الطلقات به كاملة. تحرك للخارج. التفتت لها يهمس قلقًا: "أوعي تتحركي من هنا. عشان خاطري يا رُسل." أومأت له بالإيجاب. خائفة عليه ومنه. لا تريده أن يقتل من جديد. التفت ليغادر. ليشعر بها تقبض على كفه سريعًا. التفت لها لتهمس له تترجاه: "عشان خاطري أنا ما تقتلش حد. كفاية اللي عملته زمان."
ابتسم لها مطمئنًا. تحرك للخارج بخفة. يطل برأسه ليلمح الرجال أصحاب الملابس السوداء يتجهون للخارج. رحلوا. من الجيد أنهم فعلوا. عاد لها بعد لحظات. توجه إليها. كبّب وجهها بين كفيه. تنهد يهمس بارتياح: "مشوا. يلا إحنا كمان لازم نتحرك بسرعة."
أمسك بكف يدها يتحرك بها سريعًا إلى المرآب. حيث ترك سيارته هناك. يتحرك بسرعة بالكاد تجاريه. تختلس النظرات للأشياء حولها. ها هي تري، ولكن لا وقت لتري أي شيء. ما أن دخل بها إلى المرآب. اقتربا من السيارة ليسمعا صوتًا يصرخ من خلفهم: "أهم هناك. أهم."
التفت بيجاد خلفه في لحظة. وقبل أن يخرج الحارس سلاحه، كان يستل مسدسه من غمده. ولم يتردد كفه الذي طُبع على الرصاص أن يطلق على ذراعي الحارس اليمنى واليسرى. صرخت رُسل مذعورة. فتح بيجاد لها الباب يدفعها للداخل سريعًا. يلقي عليها الحقيبة. ليدخل جوارها في لحظة. كان يدير محرك السيارة. ينطلق بها مسرعًا. وخلفه الحراس يحاولون اللحاق بهم بسيارتهم. ابتسم بيجاد في خبث. ينظر لهم من خلال مرآة السيارة الأمامية. في لحظة جنونية متهورة
التف بسيارته ليصبح وجهًا لوجه للسيارة القادمة نحوهم. رفع جسده لأعلى. ساعده على ذلك سقف السيارة المتحرك. ليطلق رصاصتين أصابتا عجلات السيارة الأمامية. ضحك ساخرًا. قبل أن يعود لمقعد السائق. يلتف بالسيارة يكمل طريقه مسرعًا. يبتسم في ثقة. كان قد نسي تلك اللذة التي تضرب خلاياه حين تصيب رصاصته الهدف.
التفت يسألها: "إيه رأيك فيا؟ هنا تحدثت. كانت صامتة منذ البداية. تنظر لما يفعل مذعورة. عيناها تملؤها دموع الخوف والكره والألم. التفتت له برأسها تهمس كارهة: "أنت مجرم. ما تفرقش عنهم حاجة." غضب كثيرًا هو. حتى لم يقتلهم. هم من كانوا سيقتلونهم لو تركهم هكذا. أوقف السيارة بعنف على أحد جوانب الطريق. أمسك ذراعيه يصيح محتدًا:
"أنا مش مجرم. أنا كنت بدافع عنك وعن نفسي. بطلي المثالية اللي أنتِ فيها دي. الدنيا اللي أنتِ عايشة فيها مش وردي يا رُسل. ومع ذلك أنا ما رضتش أقتلهم عشان خاطرك. لو كنت سبتهم كانوا خلصوا علينا. افهمي دا. وبعدين بطلي عياط. العياط غلط عليكي أصلًا." ظلت تنظر له بأعين دامعة تملؤها الدموع. ليتنهد يأسًا. جذبها إليها يلصقها في صدره. يطوقها بذراعيه. يهمس لها مترفقًا:
"أنا مش مجرم يا رُسل. أنا والله كنت خايف عليكي. مش خايف على نفسي." أومأت له بالإيجاب داخل صدره. ليبتسم يتنهد بارتياح. وقبل أن يأتي بهمسة أخرى، سمع دقات خفيفة على الزجاج. فتحه ليجد أحدهم يقف أمامه. يبتسم ابتسامة واسعة كبيرة. يغمغم ساخرًا: "مساء الخير. اعذروني لو قاطعت المشهد الرومانسي دا." ***
في سيارته السوداء العالية يجلس على الأريكة الخلفية. يضطجع بظهره إلى ظهر الأريكة. حدقتاه تغيم بعاصفة سوداء غاضبة. توعد للجميع. جبران وفتحية ووتر. سيأخذها رغما عن الكل. ابنته لن تبتعد عنه. بإمكانه قتل فتحية في أي لحظة الآن. حتى مع وجود حراسة الشرطة أمام غرفتها. ولكنه سيبقي إلى حياتها مؤقتًا فقط. حتى تعود ابنته لأحضانه.
تحركت السيارة يقودها السائق بسرعة كبيرة إلى منزل مجدي صديقه ورفيق الكفاح في التجارة السوداء. وقفت السيارة في حديقة منزله. لينزل سفيان منها. توجه للداخل. فتحت له الخادمة الباب. دخل ليجد شيرين أمامه. مسطحة على أريكة كبيرة تمسك زجاجة نبيذ. يرتع حولها ما يزيد عن عشر زجاجات فارغة. تنهد ساخرًا على حالها. في حين ابتسمت هي بغنج. تحركت بخطى متعثرة. تتعثر في خطواتها إلى أن وصلت إليه. استندت بكفيها إلى صدره.
ابتسمت تغمغم بخمول ثمل: "سفيان الدالي عندنا يا مرحبا. وحشتني يا سيفو. شيري ما وحشتكش؟ رفع يده السليمة يبعد يديها عنه. عاد خطوتين للخلف. يغمغم بجفاء: "مدام شيرين. ما ينفعش اللي بتعمليه دا. مجدي موجود." صدحت ضحكة عالية من بين شفتي شيرين. اقتربت أكثر تطوق عنقه بذراعيها. ابتسمت في غنج تغمزه بطرف عينيها. تهمس له متدللة: "ما تخافيش يا سيفو. مجدي وطارق مش هنا."
نظر لها بحذر. شيرين المجنونة ربما تحاول الإيقاع به. أخرج هاتفه من جيب سرواله. يطلب رقم مجدي. لحظات وسمعه يجيب: "أهلاً يا سفيان. ها عملت إيه مع اللي اسمه جبران؟ "داقّص عليه." سفيان سريعًا ما حدث لينهي كلامه متمثقًا بثقة: "أنا هخليه يقول حقي برقبتي وهيطلقها غصب عنه. أنت فين دلوقتي؟ "أنا في الشركة. قدامي ساعة بالظبط خلاص بقفل ورق آخر صفقة. يعني ساعتين بالكتير وهروح." "أنت فين؟ "عندك في البيت."
غمغم بها سفيان دون تردد. ينظر لشيرين التي تتمايل أمامه بغنج يشعل حواسه. جف لعابه. ينظر لها كمفترس وجد غزالة برية تتغنج أمامه. أجفل على جملة مجدي: "طب اطلع أوضتك أو استناني في المكتب. وسيبك من المجنونة شيرين. أنا مش هتأخر. وهجيب طارق معايا. هسلمهولك تعمل فيه ما بدالك."
وأغلق معه الخط. لترتسم ابتسامة خبيثة على شفتي سفيان. تحرك إليها وعينيه السافرة تسبر أغوارها. أمسك بكفها يجذبها معه لأعلى. إلى غرفة مجدي تحديدًا. على فراش صديقه المقرب. كان زوجة صديقه تستلقي على صدره. بعد أن جمعتهم نيران المتعة المحرمة. مدت شيرين يدها تتلمس الشاش الموضوع حول جرح سفيان. تغمغم بنعومة: "تعرف أنا بحبك قد إيه؟ ضحك سفيان ساخرًا. يقرب سيجارته السميكة من فمه. يمتص أنفاسها بعنف. نفسها في فراغ الغرفة. انثنى
جانب فمه بابتسامة ساخرة: "أيوه أيوه بتحبيني. أنا ومجدي وسراج وسبعة آخرون." اعتدلت جالسة ترفع الغطاء تداري بها عُريها المقزز مما فعلت. أخذت السيجارة من يده تسلب أنفاسها بعنف. يديها ترتجف متوترة. قبل أن تلقيها أرضًا. نظرت لسفيان أدمعت عينيها تصيح بقهر:
"أنا ما حبتش في حياتي غير سراج. حبيته أوي. كان نفسي أبقى مراته. لكن مجدي الشيطان فرق بينا واتجوزني غصب عني. وأنا أصغر منه بـ20 سنة. جابني خدامة بالغصب أربي عياله. وليد ورسل. حتى طارق. كلهم مش ولادي. شخص بشع مريض. أيوه خنته مع سراج وحملت. وكان نفسي أشيل ابني منه ولو لدقيقة واحدة بس. هو قتله وقتل سراج وحرق قلبي بدل المرة ميت مرة. أنا بكرهه هو وولاده كلهم. ونفسي أخلص منهم بأي شكل."
اعتدل هو الآخر جالسًا. مد يده يربت على كتفها. يدافع عن صديق السوء: "شيرين. مجدي ما حبش في حياته غيرك. كان نفسه بس إنه يحس أنك ممكن تحبيه في يوم. لكن أنتِ بخيانتك ليه فطرتي قلبه." تعالت ضحكات شيرين الساخرة: "انظروا من يتحدث عن الخيانة. سفيان صاحب الأخلاق الحميدة الذي يخون صديقه الآن." التفتت له تغمغم ساخرة: "ضحكتني يا سيفو. بيبي أنت على سرير صاحبك بتخونه مع مراته."
احتدمت عينا سفيان. ينظر لها غاضبًا. تلك الحية صاحبة اللسان السليط. ارتدي ثيابه. ينظر لها باشمئزاز. يغمغم متقززًا: "كانت نزوة. أنتِ اللي جريتي رجلي. أنا ماشي. ولما مجدي يجي هبقى أجيه." طفقها من أعلى لأسفل بنظرات اشمئزاز. قبل أن يتركها ويرحل. لتضحك رغما عنها. ظلت تضحك كثيرًا. نظرت لصورة مجدي التي تقابل فراشهم. قتمت حدقتاها تغمغم: "سراج راجع وهيدفعكم كلكم التمن. اصبر يا مجدي أنت وسفيان." ***
في غرفة مظلمة. ربما هي غرفة قبو. يدخل إليها الضوء خلسة من بعض الشقوق. تقف في منتصف الغرفة. ذراعيها تعلو لأعلى مقيدة بسلاسل من حديد مثبتة في السقف. جسدها بالكامل تملئه الكدمات وصفعات السوط. ودماء تنزف من جروحها. جسدها يحتضر. ووجهها كما هو سليم. فقط يتألم. يصرخ من الألم. ولكن لا خدش واحد فيه. منذ ساعات وهي على ذلك الحال. حتى فقدت شعورها بذراعيها من الأساس.
سمعت صوت الباب يُفتح. ودخل هو. ينظر لها بحالتها تلك. جذب مقعد يجلس فوقه. يبتسم متلذذًا. كمريض نفسي هرب توا. وضع ساقًا فوق أخرى. يوجه حديثها إليها: "هل روزا الجميلة تعلمت الدرس؟ اخفضت رأسها تحرص على عدم النظر لعينيه. بالكاد خرج صوتها مبحوحًا. تهمس بخنوع: "نعم سيدي. روزا الجميلة خادمتك لن تُخطي من جديد."
ابتسم في سخرية. أمسك بجهاز تحكم صغير. ضغطة واحدة وانفتحت السلاسل. لتسقط على الأرض بعنف. تكورت حول نفسها للحظات. ترغب في البكاء. لم تبكِ يومًا. وكم أرادت ذلك منذ أن كانت طفلة. وقعت في يد مجنون. انتفضت تجر جسدها جرا. حين سمعته يأمرها بأن تقترب منه. جرت نفسها تجلس على ركبتيها أمامها. تخفض رأسها لأسفل. ظل ينظر لها مستمتعًا بما يراه. مال بجزعه إليها. يمسك بذراعيها بلطف شديد. جذبها تجلس جواره. مد يده اليمنى لها بكوب ماء. شربته بأصابع ترتجف. أخذه منها يلقيه بعيدًا ليتشوه بعنف. مد يده لها يجذبها داخل أحضانه. يمسح على رأسها بيمناه.
يغمغم في رفق: "روزا الجميلة تعرف أن سيدها يفعل ذلك حتى تتعلم ألا تُخطئ. روزا لا يجب أن تُخطئ. تذكرين؟ صرخ قلبها وجسدها وروحها تتعذب من الألم. منذ سنوات توقفت عن عدها. وهي زُرعت رغما عنها في ألم ذلك المجنون. لا مفر لها منه. لا منقذ. فتحت عينيها في الدنيا لتجد نفسها في كنف مجنون مريض نفسي. ما عاشته في طفولتها لا وصف لها سوى العذاب. هو من شكل شخصية الشيطانة روزا الجميلة. هو من صنعها. أجفلت مرتعدة على صوته الخبيث:
"هل يحتاج الأمر كل ذلك التفكير روزا؟ ارتعدت فرائصها. تغمغم سريعًا دون تردد: "بالطبع سيدي. أنت دائمًا محق. أنا المخطئة." توسعت ابتسامته النرجسية المريضة. يبعدها عن أحضانه. يمسك طرف ذقنها برقة بين أُصبعيه. ينظر لعينيها. يرى دموعها. ليبتسم ساخرًا يتهكم منها: "بربك روزا. تلقيتِ مني أسوأ من هذا ولم أرِ دموع عينيكِ يومًا. روزا الجميلة لا تبكِ. أنسيتِ؟ أومأت له سريعًا. ليمسح على خديها برفق. قبل وجنتها بخفة. تنهد بعمق يردف:
"بسبب ما فعلتي لن يعد صاحب الظل يثق فيكِ. علينا التحرك أسرع. انظري لصورة هذا الرجل." أخرج من جيبه صورة لرجل ما. لا تنكر الرجل يبدو شرقياً وسيماً. ابتسامته بها قدر مخيف من الثقة. نظرت للمايسترو من جديد حين ابتسم يكمل:
"جبران السواح. تاجر مخدرات لازال يعتبر تلميذًا في السوق السوداء. سفيان يسعى جاهداً لقتله لسبب شخصي تافه. أما أنا فارغب في أن أجعله صاحب الظل الجديد. هو وصديقه بدلاً من مجدي وسفيان. لذا يا قلب المايسترو عليكِ مهمة سهلة جدًا. سأرسل روزتي الجميلة إلى حيث يسكن جبران. لن يقاوم سحرها كثيرًا. ستستخدم سحرها ليسقط رهينة إشارة يدها. كما كان صاحب الظل لسنوات. نحن من نحرك خيوطه. لعبتي الجديدة بعد أن أقتل الجميع."
ابتسمت هي الأخرى ابتسامة مريضة متلذذة. تومئ له بالإيجاب تغمغم دون تردد: "بالطبع سيدي. المايسترو. من دواعي سروري أن أقيد دمية جديدة في شباك خيوطك." ضحك سراج عاليًا. يهمهم راضيًا. الشيطانة الصغيرة. كم يحبها. لأي درجة أحسن تربيتها. كبّب وجهها بين كفيه. يغمغم بابتسامة واسعة: "على روزا الجميلة أن تستعد لشخصيتها الجديدة. لا مجال للخطأ. روزا. سأدعك تستمعين هناك. والعب أنا الحمقي هنا." ***
استيقظ بعد سويعات قليلة. لا يعرف لما. ولكن عقله يرفض النوم. رغم أن جسده يكاد يختصر من الإرهاق. فتح عينيه يتنهد مرهقًا. نظر لها وهي تنام. قسمات وجهها منقبضة. هل ترى كابوسًا؟ مد يده يمسح على رأسها بحنو. مرة بعد أخرى. سمعها تهمهم وهي نائمة. تبدو خائفة. وهي تصيح بحرقة أثناء نومها: "حد يلحقني. الحقووووني. يا بابا الحقنيييي." وبدأت تصرخ. لينتفض مفزوعًا. هل ترى الحادثة بذلك الشكل المتكرر دائمًا؟
أم فقط وقع ما حدث أثر عليها نفسيًا. مد يدها يحركها بخفة. يصيح باسمها: "وتر. وتر. اصحي يا وتر. وتر." فتحت عينيها فجأة تصرخ مذعورة. تتنفس بعنف. انتصفت جالسة تتنفس بعنف. وضعت يدها على صدرها تشعر بنبضها سينفجر. نظرت لجبران تغمغم بارتياح: "كان كابوس بشع أوي يا جبران. تخيل. أنا حلمت أن ماما اتضربت بالنار هي وبابا. أصل هو رجع من السفر وجالنا هنا. بجد كان كابوس بشع. أنا شكلي نمت وأنا مستنية."
نظر لها متفاجئًا. لا يعرف كيف يخبرها أن ما تخبره به الآن ليس كابوسًا. بل هو واقع عاشته. وفقط تمنى عقلها أن يصبح من مخض الخيال. كاد أن يقول شيئًا. حين ابتسمت تهمس برقة خجولة: "عارف حلمت بردوا إن كنت هقع وأنت مسكتني. وكنت حاضني. على فكرة أنت وقح حتى في الأحلام." "ما كانش حلم يا وتر." نطقها داخل نفسه. ولم يجرؤ لسانه على النطق بها. مغفل أنه نزع قميصه عنها بعد أن نامت لتبقى بثياب المنزل. وارتدى هو سترة منزلية على جسده.
أجفل حين بسطت كفها على وجنته. تبتسم له تهمس تشكره: "شكرا يا جبران. أنك فضلت جنبي وما سبتنيش. حتى بعد اللي عرفته عني." ما بها وتر؟ هل فقدت الذاكرة فجأة؟ ولما يشعر هو بالتوتر من حالها خوفًا عليها أن يكون أصابها صدمة أثرت عليها. نظر ناحيتها مرتبكًا. كاد أن يقول شيئًا. حين انفجرت في البكاء. ارتمت بين ذراعيه تشهق في البكاء بعنف: "كان حلم يا جبران صح. كل اللي حصل دا كان حلم. صح؟ قولي صح."
شهقت واختنقت أنفاسها من البكاء. وهو لا يجد ما يقوله. فقط يحاول مواستها. ما بك يا جبران؟ منذ متى ولسانك يعجز عن التعبير لذلك الحد؟ أخيرًا خبا صوت بكائها. تنهد بعمق. يظنها نامت. حين رفعت رأسها عن صدره. تبتسم وكأن ألم العالم أجمع تجسد فوق ابتسامتها. لتسأله بقهر: "هي ليه الدنيا بتكرهني يا جبران؟ أنا ما عملتش حاجة وحشة في حد خالص." اعتدلت في جلستها. جسدها يرتجف بشكل مخيف. هل ستصاب بنوبة صرع بذلك الاهتزاز؟
ابتعدت عن الفراش تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا. تقضم أظافر يديها. وقفت فجأة تنظر له. عيناها تصرخ ألمًا. ابتسمت تضحك ساخرة. تحادثه: "عد معايا. من وأنا صغيرة ما أعرفش مين ماما. كان كل البنات بيتعايرني من وأنا طفلة أن ماما سابتني وهربت. كانوا بيبعدوا عني. ويخلوا كل أصحابنا يبعدوا عني. الكل كان بيبص لي باحتقار. عارف وأنا في ثانوي جه ولد يقولي أنه معجب بيا. بس قالوا له أن ماما خانت بابا وهربت. عارف عمل إيه؟
بص لي بقرف وقالي أنا مستحيل أرتبط بواحدة مامتها خاينة. هي أكيد خاينة زينها." انهمرت دموعها بعنف تشهق بقوة. تكمل بقهر:
"اتعودت أكون لوحدي. ولقيت نفسي في كتب علم النفس. لازم أبقى دكتورة علم نفس أسمع الناس. عشان أنا عمري ما لقيت حد يسمعني. لأول مرة أحس بوجودي. أحس بسعادة في حاجة بعملها. بعدها، اغتصبني وعذبني يا جبران. مهما قولت لك أنا اتعذبت قد إيه مش هتحس بربع عذابي. أنا دخلت مستشفى شهور أتعالج من الاكتئاب. رغم كل دا قمت من تاني. قمت بشخصية جديدة. شخصية مغرورة بتعامل الكل باحتقار عشان يحترموني."
وشهقت تلتقط أنفاسها. خارت قواها بعنف. لتسقط على ركبتيها أرضًا: "شخصية بكرهها. بس الكل بيحترمها. أنا كنت بعامل الكل على أنه خدامين عندي. لما جيت هنا لقيت نفسي بتعامل بطبيعتي دي. أنا ومش أنا. أنا تعبت يا جبران. هي ليه الدنيا بتكرهني أوي كده." توجه إليها سريعًا. نزل على ركبته أمامها. أمسك ذراعيها بين كفيه. نظر لعينيها. يغمغم في حزم:
"أنتِ أقوى بنت في الدنيا. عاملة زي النجمة بتضوي عتمة الليل. الدنيا ما بتكرهكيش يا وتر. مامتك هتبقى كويسة. أنا واثق من دا. وأنتِ لو عايزة ترجعي لحياتك اللي فاتت. أنا عمري ما هغصبك تفضلي على ذمتي غصب عنك. أنتِ غالية عندي يا وتر. غالية أوي. بكفّر عن ذنبي في حقك. أنا السبب في اللي أنتِ فيه دا. أنا آسف يا وتر." لم تفهم ما يقصد. وظنته فقط يواسيها. ابتسمت حزينة. ارتمت بين أحضانه. تشدد على عناقه. ليمسح على ظهرها بخفة. تجمدت
يديه حين سمعها تهمس بيأس: "أنا عايزة أبقى مراتك يا جبران. عايزة أعيش على طبيعتي. عايزة أحس إني أنا بتاعت زمان. عايزة أخلف منك. أنا عايزة أبقى مراتك يا جبران." نطقتها وهي تبتعد. تنظر لعينيه مباشرة. ليفهم ما تعني. ويفسره بأن حالتها النفسية السيئة هي السبب. وفي الأغلب ستندم بشدة بعد ذلك. ابتسم يغمغم بهدوء: "ما أنتِ مراتي يا وتر. ومش هسيبك أبدًا." تجمدت الابتسامة فوق شفتيها. انطفأت عيناها ألمًا. زفرت أنفاسها بحرقة.
تهمس بجملة واحدة: "عشان أنا مشوهة. مش كده. أنا آسفة." حمقاء. تفسر الوضع كما تريد هي. تحركت من أمامه لتغادر. لتشهق بعنف حين طارت في الهواء قليلاً. واستقرت بين ذراعيه. نظرت له مدهوشة. لتري ابتسامته الخبيثة: "أنا اللي غلطان يا بنت الذوات. إني قولت أقلد العيال بتوع المسلسلات وأراعي حالتك النفسية. دا أنتي حرم المعلم جبران السواح. مش عيل من العيال السيكي ميكي."
ودارت الدوامة ما بين الخوف والارتباك. ومشاعر كرفرفة أجنحة النسور تضرب الجميع. وكلمات غزل تُعزف تلطخ ثوب العذراء الأبيض بالدماء. حين حاولت شهرزاد الحديث بعد صمت طويل. سكتت مصدومة هي الأخرى. حالتها لا تقل دهشة عن حالة وتر. وجبران ينظر لها دون كلام. كيف تكون اغتصبت وهي عذراء! نظر لها يغمغم مدهوشًا: "أنتِ عذراء يا وتر!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!