الفصل 29 | من 53 فصل

رواية جبران العشق الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم دينا جمال

المشاهدات
22
كلمة
4,033
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

لا داعي فروزا الجميلة هنا. التفت لمصدر الصوت ليجدها تقف أمامه تبتسم. شعرها الأشقر يتطاير مع الهواء. ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغره، في حين ابتسمت هي برقة تقطر سما. رفع يده يصرف الحراس ليقترب منها. يُسمع صدى كعب حذائها الرفيع يمزق الصمت. قام صاحب الظل من مكانه يقترب منها عدة خطوات. وقف أمامها ينظر لها دون كلام للحظات. عينيه حادة غاضبة. ابتسمت ساخرة، لم ترمش عينيها حتى حين رفع يده ونزل بها بعنف على وجهها.

التف وجهها للاتجاه الآخر من عنف صفعته، ولكنها عاودت النظر له من جديد تبتسم وكأن شيئًا لم يكن، وكأنها لم تصفع توا. مد يده يقبض على فكها بعنف يقرب وجهها منه. سمعته ينعتها بأنها عاهرة خائنة، قبل أن يصيح فيها محتداً: -أين كانت الجميلة قبل أن أفصل رأسها الآن؟ ابتسمت ساخرة لترفع يدها تبسطها على وجنته تتمتم بنعومة: -اشتقت لصاحب الظل، كان عليك أن تأتي أبكر.

أبعد يده عن فكها يدسها في جيب سرواله، ينظر لعينيها ذات النظرات الثابتة. تدحرجت عينيه إلى ثغرها. ابتسامة ناعمة كسم الأفعى. هو أكثر من يعرفها. تحرك إلى إحدى الأرائك الوثيرة، أشار لها بسبابته أن تقترب منه، ففعلت. تحركت تتغنج الخطى، جلست جواره تضع ساقاً فوق أخرى. جذبت سيجارة من علبته تدسها بين شفتيها، أشعلتها بقداحته تنفث دخانها في الهواء ببطء. التفتت له تغمغم: -إن رفعت يدك مجدداً أقسم سأجعلك تشتاق إليها...

أنا أحذر مرة وأقتل الثانية، فهمت؟ لم يجيب، فقط ابتسم ساخراً. لتميل هي بجسدها تطفئ السيجارة بعنف في طبق زجاج على سطح الطاولة أمامهم. التقطت زجاجة النبيذ تفرغ لها وله معا. سكبت كأسين، مد يدها له بأحدهم. التقطته منها لتردف في هدوء: -تريد أن تعرف أين كانت الجميلة؟ جئت لهنا لنمد أذرعاً جديدة لنا بدلاً من العجوزين. صدقا، ألم تمل منهما؟ قطب ما بين حاجبيه. تقصد مجدي وسفيان، ولكن ماذا تعني بأذرع جديدة؟

رفع كأسه يرتشف منه يغمغم: -مجدي وسفيان حكام السوق السودا هنا في مصر. إيديا اللي بحركها هنا في مصر. همهمت تتفهم ما يقول، لتتجرع ما بقي في كأسها دفعة واحدة. التفتت بجسدها إليه تغمغم في هدوء:

-عارفة، وعارفة أنك مستحيل تستغني عنهم. بس تعالا نبصلها من جهة تانية. مجدي وسفيان تعاملهم كله مع الطبقة الغنية في كل دولة هما مسؤولين عنها والجامعات الخاصة والانترناشونال. الناس اللي زينا من الآخر. إحنا عايزين دم جديد في الشوارع والحواري وبين الجامعات. الحكومة الموظفين والعمال، كل دول بعيد عن أيدينا عشان مجدي وسفيان رافضين يتعاملوا مع الطبقة دي.

بدأت تجذب بكلماتها انتباهه. وضع الكأس من يده ينظر لها يحثها أن تكمل. لتبتسم منتصرة. مالت تلتقط الزجاجة من جديد تملئ كأسه وكأسها. صدمت كأسها بخاصته في حركة خاطفة تكمل بثقة: -بعد بحث بسيط قدرت أوصل لتاجر حشيش. صحيح هو صغير وعلي قده، بس إحنا نقدره نكبره. شخص ذكي من معلوماتي عنه إنه عنده طرق جديدة لتوزيع الحشيش وكمان لسه شاب ودي بوينت ممتازة. فإحنا هنغير نشاطه من حشيش لمخدرات...

أنت عارف إن فيه أنواع من الهيروين بتطلع رديئة وبتتأكسد بسرعة. فبدل ما نخسر فلوسها نوزعها للناس اللي زي دول، هتبقى كنز بالنسبة ليهم. اللمعت عينه والفكرة تطرق في رأسه بعنف. روزا صاحبة الأفكار السامة. نظر لها وهي ترتشف ما في كأسها ببطء. تنظر ناحيته هي الأخرى لتبتسم تردف بالروسية:

-إن استطعنا ضم ذلك الشبل الصغير إلينا سنحكم قبضتنا على البلد بأكملها. لن نخسر جرام مخدر واحد. لذلك قررت أن أذهب إلى الحي متنكرة بهيئة ممرضة مسكينة والتقيت بجبران. يجب أن أخبرك أن الرجل يضج بالعنفوان، شخص مثله سيفيدنا أكثر مما تتخيل. حرك رأسه بالإيجاب يوافق فكرتها الخبيثة. ربما عليهم فعلاً أن يضخوا دماً جديداً ليسري فيها سمهم الأبيض. عاد ينظر إليها يسألها: -ولما لم تخبريني من البداية؟ لما جئتي لهنا دون علمي؟

حان الوقت لتستخدم روزا سلاحها الأكثر براعة. وضعت الكأس من يدها فوق الطاولة. اقتربت منه تجلس بين أحضانه. طوقت عنقه بذراعيها تبتسم في رقة: -لم تكن لتوافق. أنت ترفض خروجي من القصر، فكيف على سفري لبلد أخرى؟ عليك أن تثق بي أكثر من ذلك حبيبي. فأنا فعلت كل ذلك منذ البداية لأجلك أنت فقط. قتلت حتى أخي لأجلك. هل تظن أن روزتك ستخونك يوماً؟

وصدق كم كانت بارعة وكم كان أحمق ليصدق تلك النظرات الناعسة التي صدقها قبله الكثيرون وانتهى بهم المطاف قتلى على يدي صاحبة النظرات الرقيقة. رفع يده يمسح على وجنتها اليسرى بخفة. ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغره يغمغم في هدوء يفجر به القنبلة: -على ذكر ذلك أخيكِ، لا يزال حياً. بيجاد لم يمت. توسعت عينيها في ذهول. أصفر وجهها في دهشة. بيجاد حي؟!! كيف وهل يعلم المايسترو بتلك المعلومة؟

الكثير سيتغير بعد تلك المفاجأة غير المتوقعة. بيجاد حي!! ... أجفلت تنظر له حين غمغم ساخراً: -هل الجميلة خائفة؟ لا تخافي، لن أدعه يمس منكِ شعرة. سأقتله قبل أن يفكر في فعل ذلك. أومأت له بالإيجاب سريعاً. ارتمت بين أحضانه تطوق جزعه بذراعيها تغمغم سريعاً: -نعم اقتله، لا تدعه يعثر علي... سيكشف السر. اقتله قبل أن يفعل هو.

شردت عينيها في الفراغ تنظر بعيداً. أسودت نظرات عينيها في حقد. بيجاد حي، شقيقها الأحمق المغفل الذي شق الأرض ليعثر عليها. صحيح أنه كان لا يفعل شيئاً منذ أن وجدها سوى أنه يحاول تعويضها عن سنوات فقده لها، ولكنها تكرهه وستظل تفعل. قامت بقتله مرة وستكررها مئة مرة إن سنحت لها الفرصة لتفعل!! تذكرت آخر ما دار بينها وبين المايسترو. Flash back -عليكِ أن تعودي لصاحب الظل أن يثق بك من جديد. روزا، إن لم تفعلي ذلك سأسلخ روحك.

نبرة صوته وهو يقولها دبت الفزع في أوصالها. أومأت له سريعاً كطفلة مرتعبة من وحش أسفل الفراش. ابتسم في شر. مد يده يمسح على خصلات شعرها يكمل في هدوء: -عليك إقناع صاحب الظل أن جبران سيكون أكثر من مفيد. وسأخبرك بما ستقوليه تحديداً. احذري الخطأ روزا. على جبران أن يثق بكِ أكثر من صاحب الظل حتى أظهر أنا أمامه ونقضي على الجميع. فهمتي؟

حركت رأسها بالإيجاب سريعاً. فهمت وحفظت ولن تخطئ أبداً. ليضحك عالياً يجذبها من رسغها بعنف إلى حيث غرفته ليمزق من روحها جزءً جديداً. Back عادت من شرودها وصوت ضحكاته لا يزال يتردد في أذنيها. ابتعدت برأسها عن صاحب الظل حين سمعته يهمس لها: -أنا أثق في الجميلة، لا تحاولي خيانتي. أقسم سأقتلك بين أحضاني. صمت للحظات قبل أن تتبدل نبرة صوته بأخرى مخيفة: -اشتقت للجميلة بين أحضاني، وبالطبع الجميلة اشتاقت لي، أليس كذلك؟

لم يعطيها فرصة للإجابة على سؤاله. حملها بين ذراعيه كالعروس، وهي لا تكاد تختلف عن العروس شيئاً. عروس لم تملك خيوط حياتها يوماً. عروس هم من يحركوها، يقتل بإيديهم ويلقي اللوم عليها. اختفى بها خلف باب إحدى الغرف. وللحديث بقية لن نستطيع الحديث عنها. *** إنها الواحدة بعد منتصف الليل، وهو لا يزال يجلس على الأريكة في صالة منزله. التبغ في فمه يزفر دخانه بعنف. يفكر بسخرية تقطر ألماً. كيف انتهى به الحال لهنا...

حين رآها لأول مرة. بذلك الشموخ والعنفوان ظن أنهم لم يكسروها بأن خطته لم تتم. كان سعيداً لأنها لم تتم. لم يعرف أنه فقط كان قناعاً تخفي به بقايا روحها. بقايا هو من فتتها. هو من ساعدهم دون أن يدري. لذلك كان يجب أن يكون جزاءه أن يعيش معها الألم الذي تسبب فيه. أن يراها وهي تتعذب فيما اقترفت يداه. إن يكوي بنيران قهرها.

ارتمي بجسده يتسطح على الأريكة يفكر في القادم. رفع يده ينظر لكفه ليبتسم ساخراً. كان يعيش قديماً أجمل قصة حب يمكن أن يخطها قلم، ولكنه خسر كل شيء. حتى نفسه. لا يزال بتذكر كف يدها الصغير وهو يختبئ في كفه. نظرات عينيها الناعسة الخجولة، ضحكاتها الغنائية. كل شيء بها كان مثالياً، ولكنه فقط كان.

تحرك من مكانه إلى غرفته. رأى وتر تتكور حول نفسها في منتصف الفراش. ما فعله خاطئ. ما كان يجب أن ينجرف خلف تلك الدوامة. لم يكن عليه لمسها من الأساس. ستكرهه حين تعلم الحقيقة وستكره نفسها لأنها سمحت له بلمسها.

اقترب منها جلس بجوارها يمسح على خصلات شعرها يتنهد حزيناً نادماً. وتر عليها أن تكرهه. وتر لا يجب أن تحبه. سيكون جرحها مضاعفاً حين تنكشف الحقيقة أمامها. الحقيقة التي ستعرفها عاجلاً أم آجلاً. لن يكسر قلبها للمرة الثانية، يكفي ما فعله بها. مال يطبع قبلة خفيفة على رأسها. جذب الوسادة الأخرى وغطاء خفيف يتحرك للخارج. ارتمي بجسده على الأريكة يعقد ذراعيه خلف رأسه يتمتم بجملة واحدة: -لازم أخليها تكرهني. سامحيني يا وتر. ***

الثانية بعد منتصف الليل. يقف أمام غرفة الطوارئ التي فيها منذ أكثر من ساعة. يكاد القلق يفتت قلبه إلى شظايا. يده تقبض على الورقة التي رآها ملقاة بجوارها. الشيطان بعث لها برسالة لتبث الذعر فيها. جملة واحدة أرسلها لها: (اشتقت للعبث مع الصغيرة أمام صندوق الأفاعي) ذلك الشيطان فعل بها أسوأ مما قد يتخيله عقله. صندوق من الأفاعي؟ التخيل فقط جعل جسده يرتجف. أجفل حين فتح الطبيب باب الغرفة ليخرج منه. هرع إليه يسأله قلقاً:

-طمني يا دكتور، هي كويسة مش كدة؟ ابتسم الطبيب يربت على كتفه يغمغم: -ما تقلقش يا زياد باشا، الجرح ما كانش عميق. وقفنا النزيف وخيطنا الجرح وعوضنا الدم اللي نزفته. بس نصيحة، لازم تتابع مع دكتور نفسي شاطر. أومأ له موافقاً. سمح له الطبيب برؤيتها ليتقدم لداخل الغرفة. رآها تجلس على الفراش تنظر للضماد الذي يغطي جرح يدها تبكي في صمت. جذب مقعد يجلس بجوارها. أجفلت تنظر ناحيته مذعورة. ارتجفت حدقتاها حين رأته. اختنقت

نبرة صوتها تهمس بحرقة: -ليه ما سبتنيش أموت؟ هيرجعني، هيأذيني... حرام عليك، أنا كنت عاوزة أرتاح بقي. أقسم على جعله يدفع الثمن. دس يده في جيب سترته يخرج الصورة القديمة. قربها منها يحثها على أخذها. ارتجفت أصابعها تمسك بالصورة. توسعت حدقتاها قليلاً حين وقعت عينيها على ما بداخل الصورة. صورتها وهي والدتها وخالتها من ذلك الفتى الصغير. لا تذكر. رفعت وجهها تنظر له مدهوشة. ليبتسم مترفقاً يومئ لها بالإيجاب. تنهد بعمق يهمس برفق:

-أكيد مش هتفتكري الصورة دي. أنتي ومامتك وأنا وماما. شخصت عينيها في ذهول. توقف عقلها عن الاستيعاب لبضع لحظات. لا تفهم ما يقول. ماذا يعني هو ووالدته؟ والدته التي تكون خالتها إذاً هو؟ ولكن كيف؟ تلعثمت تهمس: -خالتي سناء؟ أنت ابنها؟ إزاي... أنا مش فاكرة غير أبيه مراد. انطفأت عينيه حين نطقت اسم أخيه الأكبر. ابتلع غصته يهمس مختنقاً: -مراد الله يرحمه مات من كذا سنة. جيت أصحيه الصبح لقيته ميت. أنتي إزاي مش فكراني يا حياة؟

أنا زياد الواد الرخم اللي كان بيسرق منك المصاصات. وضمت بعيدة أضاءت في عقلها. تذكرت زياد. لم تقابله سوى بضعات مرات قليلة وهي طفلة صغيرة. نظرت له تميل برأسها قليلاً لليمين تحاول أن تجد وجه الشبه بينه وبين الطفل في الصورة. عينيه وأنفه وشعره هي العوامل المشتركة بين الصورة والحقيقة. شعور طفيف بالأمان حين علمت أنهم أقرباء. ربما يحميها. سمعت يردف في حزم:

-أنا عارف إنك ممكن ما تصدقنيش. بس أقسم لك بالله إني مش هسمح له يمس شعرة واحدة منك. وهدفعه تمن اللي عملوه فيكي غالي أوي. خلي عندك ثقة فيا يا حياة. مش عايزك تخافي أبداً طول ما أنا على وش الدنيا. حركت رأسها بالإيجاب بتردد. أعطاها ابتسامة هادئة. لتعقد ما بين حاجبيها تغمغم بحذر: -بس إزاي؟ أنت بتقول أنك ابن خالتي وجوز خالتي كان ميت من زمان. أومال مين الراجل اللي قال أنه باباك دا؟

ذكية حياة. عليه أن يعترف أنها حقاً ذكية. ابتسم متوتراً يمسد رقبته محرجا: -بصراحة دا كان دكتور نفسي وأنا اللي قلت له يقول أنه والدي. خوفت لما تعرفي أنه دكتور نفسي ترفضي تتكلمي معاه. علا ثغرها ابتسامة ألم. نظرت للفراغ بشرود. باتت مريضة نفسية مثيرة للشفقة الآن. انتفضت حين مد يده يربت على كف يدها لتسحب يدها سريعاً. في حين أردف هو: -ما تخافيش مني يا حياة. المهم دلوقتي لازم نوديكي مكان أمان. عرف مكانك عندي لحد ما أوصله.

اضطربت حدقتاها خوفاً. ليتناهى إلى أسماعهم صوت شجار يأتي من الخارج. تحرك زياد للخارج يرى ما يحدث. ليرى طبيبة تقف أمام رجل ما تحادثه حانقة: -بقي كدة يا خالد؟ بتقول للممرضة يا جميل؟ -يا بنتي دي قد بنتي. أردف بها الرجل ضاحكاً. في حين ظلت تلك الطبيبة تنظر له حانقة قبل أن تتركه وتتجه إلى إحدى الغرف تصفع الباب بعنف. نظر زياد عن كثب لوجه الرجل لتتسع عينيه في دهشة يغمغم مذهولاً: -خالد باشا!! نظر خالد لمن صاح باسمه يغمغم

مع نفسه بصوت خفيض حانق: -اتفضحت. يقولوا عليا إيه دلوقتي؟ لأ دا أنا راجل أوي في بيتي. ماشي يا لينا. ذلك الشاب يعرفه أحد أصدقاء زيدان. اقترب الشاب منه سريعاً يغمغم متلهفاً: -أنت جيتلي نجدة من السما والله يا باشا. أنا عايز حضرتك في موضوع مهم أوي. بدأ زياد يشرح له بشكل سريع ما حدث. وخالد يومئ له متفهماً ما يقول. أنهى زياد كلامه يقول:

-دلوقتي هو عرف أنها عندي وأنا مش هخاطر أنها تفضل عندي أكتر من كدة. أنا حرفياً مقطوع من شجرة. حضرتك تقدر تساعدني مش كدة؟ ابتسم له الأخير في هدوء يربت على كتفه يحادثه بجد: -موضوع حياة دا أبسط جزء في الموضوع. المهم دلوقتي أننا نمسك الشبكة دي كلها من أول صاحب الظل لحد أصغر ديلر فيهم. هاتها عندي في الفيلا. ما حدش هيقدر يقربلها وهي في بيتي.

لم يعترض زياد. وافق سريعاً. عليه أن يطمئن على أن تكن حياة في مأمن بعيداً عن أذرع الشر. ومن ثم سيتفرغ للقضاء عليهم واحداً تلو الآخر. تحرك زياد بصحبة خالد إلى غرفة حياة. دخل أولاً حمحم يوجه حديثه إليها: -حياة... دا خالد باشا. يبقي خال واحد صاحبي. الفترة الجاية هتكوني عنده. ما حدش هيقدر يوصلك وأنتي في بيته. تحركت حياة بعينيها إلى ذلك الرجل الذي جلس على مقعد زياد ينظر لها يبتسم في هدوء. تحركت بعينيها إلى

زياد تهمس بتلعثم متوترة: -وأنت هتيجي معايا؟ -لأ. ما أنا مش فاتحها لوكاندة أشواق. غمغم بها خالد ساخراً. ليحمر وجه حياة خجلاً. في حين حمحم زياد محرجا. اقترب من فراش حياة من الاتجاه الآخر يهمس لها مترفقاً: -مش هينفع. ما تخافيش هتكوني في أمان عنده. دا سيادة اللوا. ما حدش يقدر يقرب من بيته. هو راجل طيب والله بس هو بيحب يهزرنا كدة كل شوية. راجل كبير بقي معلش نستحمله.

خرجت ضحكة خفيفة من بين شفتي حياة. توأم برأسها بالإيجاب في حين غض هو شفتيه مغتاظاً. رفع كفه الأيسر يشير لزياد أن يقترب منه يغمغم متوعداً: -زيزو تعالا يا حبيبي عايزك في كلمتين برة.

توترت قسمات وجه زياد قلقاً. يتذكر حديث زيدان عن لكمات خاله التي لم يكن يسلم منها. تحرك معه للخارج. ليجد تلك الطبيبة تقترب منهم. توجه خالد إليها يهمس لها ببضع كلمات. لتومأ له متفهمة ما يقول. تركتهم وتوجهت إلى غرفة حياة. ليشمر خالد عن ساعديه يقبض على تلابيب ملابس زياد يجذبه إلى مكتب لينا يغمغم متوعداً: -تعالا يا حبيبي أنا هوريك الراجل الكبير. ولو راجل استحمله! ***

ربما هي الخامسة فجراً. أشعة الشمس تسطع على مهل تُضئ المكان بنورها تبدد عتمة الليل. وقفت أمام منزلهم الصغير تنظر لأشعة الشمس وهي تنعكس على مياه النيل. أين هي؟

في منزل صغير في محافظة أسوان بعيداً في الجنوب. تنظر حولها تري الدنيا من جديد. لم تسنح لها الفرصة وهي تهرب مع زوجها من فيلم أكشن حدث. بعد أن رأت الدنيا بلحظات. ذلك الذي دق على زجاج سيارة بيجاد. كان أحد أصدقائه لا تعرفه. لم تره قبلاً. ولكنه هو من ساعدهم. نقلهم في سيارة أخرى. سلم مفاتيحها لبيجاد. رحلة طويلة من الصمت استمرت لساعات. أري أن وصلوا هنا بعد منتصف الليل. كان التعب قد آكل منهم وشرب. المنزل لم يكن فيه سوى غرفة واحدة للنوم. لم يكن لأي منهم طاقة حتى للجدال. لذلك انسحب بيجاد دون نقاش. ألقى بجسده على الأريكة في الصالة. لحظات وغط في النوم. وهي بالمثل.

الآن فقط استيقظت. فتحت عينيها فجأة تشهق بعنف. تنظر لكفي يدها. لازالت تري. لم يكن حلماً. قامت من فراشها تنظر من الشرفة لتفغر فاهها مدهوشة. أين هم؟ المكان يبدو أكثر من رائع. ولكن أين هم.

تحركت إلى حقيبتها تلتقط ثيابها. بحثت إلى أن وجدت مرحاض صغير سيفي بالغرض. اغتسلت وبدلت ثيابها. ألقت نظرة خاطفة على بيجاد يغط في نوم عميق بسكون طفل صغير. ليس قناص قاتل رصاصته لا تخطئ هدفها. فتحت باب المنزل بهدوء خرجت منه. مشت بضع خطوات لتري شط مياه النيل بالقرب منهم. تأملت المكان حولها بأعين طفل صغير. في خضم انسجامها مع ما حولها. شعرت بيديه تطوقها من الخلف ورأسه تحط على كتفها بخفة. يهمس لها:

-حرام عليكِ. وقعتي قلبي. افتكرت في حاجة حصلتلك. وضعت كفيها على يديه تبعده عنها. التفتت له تسأله: -إحنا فين يا بيجاد؟ أشار إلى بناء ضخم مهيب على مرمى بصرهم يقع بعيداً عنهم. ابتسم يغمغم: -انتي ما خدتيش معبد أبو سمبل في المدرسة ولا إيه؟ إحنا هنا في أسوان يا قلب بيجاد. هنقضي أحلى شهر عسل. قطبت ما بين حاجبيها. لا تفهم ما يقول. شهر عسل؟

قبل عدة ساعات فقط كانوا يهربون من الموت من مسلحين يطاردوهم بأسلحتهم. وهو هنا الآن يريد أن يقضي شهر عسلهم المزعوم!! رفعت سبابتها أمام وجهه تحادثه محتدة: -أنا عايزة أفهم كل حاجة. مين الناس دي وإحنا ليه بنهرب؟ أنا مش عروسة تشدها وراك مطرح ما تروح. ابتسم يأساً قبل أن يفاجئها يحملها بين ذراعيه. صرخت فيه مغتاظة تتلوي بين ذراعيه تصدمه على صدره. في حين ضحك هو عالياً يغمغم:

-أزعجتي أجدادنا الفراعنة في نومتهم. إحنا آسفين يا حتشبسوت. عندي دي يا ملكة مصر. إحنا نخش جوا بيتنا وأنا هشرحلك ليه بنوا المعابد معبد معبد. *** أشرق الصباح واستيقظت هي من ثباتها. ليلة الأمس كانت مريعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. انهيار وبكاء وكوابيس لم تتركها لحظة. ولكنها الآن أفضل. نظرت جوارها لتجد الفراش فارغاً. لا تزال الثامنة. جبران لا يذهب إلى ورشته باكراً. إذاً أين هو.

تحركت لخارج الغرفة لتقع عينيها عليه نائماً على الأريكة. اقتربت منه جلست على ركبتيها جواره تبتسم. مدت يدها تمسد على وجنته وهو نائم. طبعت قبلة خاطفة على جبينه. ليفتح عينيه. رأته يبتسم لها للحظة فقط قبل أن تختفي ابتسامته تماماً وتتغير نظراته بأخرى باردة ساخرة. لم ينطق بحرف فقط تحرك متجهاً إلى المرحاض صافعاً الباب تاركاً إياها تتسائل عن ما به. هل زهدها فجأة بعد أن نالها؟

نفضت تلك الأفكار السامة من رأسها. سمعت صوت دقات على باب المنزل. توجهت تفتحه ليطل عليها فتاة جميلة بشكل يخطف الأنفاس. تمسك بين يديها طبق طعام به قطع كعك. ابتسمت تهمس برقة: -هو دا بيت المعلم جبران؟ أنا صفا جارتكوا الجديدة. أنا كنت عاوزة المعلم في حاجة ضروري. دون كلمة واحدة صفعت وتر الباب في وجهها. تلك الفتاة تبدو سامة بشكل مخيف. رأت خبث مرعب يتراقص في مقلتيها كاللهب. خرج جبران من المرحاض يجفف وجهه بمنشفة صغيرة. رفع

المنشفة عن وجهه يسألها: -مين على الباب يا وتر؟ ابتسمت في هدوء رفعت كتفيها تغمغم ببساطة: -دا الراجل اللي بياخد الزبالة بس قولتله ماعندناش النهاردة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...