صرخت وصاحت، قاومت أذرعاً كالخطاطيف تحاول جرها بعنف إلى إحدى السيارات الواقفة خارجاً. غرست أسنانها بعنف في ذراع الحارس الذي يحاول جرها لتتخلص منه. ركضت مذعورة تختبئ خلف عمها، تنهمر دموعها مذعورة تتوسله: "أتوسل إليك يا عمي لا تتركني لهم، دعني أبقى هنا، سأعمل خادمة إن أردت، لكن لا تتركني لهم!
نظر الرجل لابنة أخيه دون أن يرتجف له جفن. نظرات خاوية من الإنسانية، المشاعر، الرأفة. لم يشفق عليها حتى، فقط أمسك بها بعنف يدفعها ناحية أحد الحراس، يحادثها ساخراً: "وهل كنتِ غير خادمة لا تجيد عملها... هيا يا حياة ارحلي دون رجعة، جلالته لن يبقيكِ حية أبداً... سأشتاق لكِ يا ابنة أخي العزيز." قبض الحارس على ذراعيها بعنف يجرها جراً للخارج وهي تصرخ تتلوي تستنجد عمها: "ارجوك يا عمي، أتوسل إليك، أرجوك."
حاولت أن تمد يديها في الهواء علها تمسك به كما لو كانت طفلة صغيرة تحاول الوصول لوالدها. دموعها تنهمر كشلال. ارتجف نابضها ذعراً، غير قادرة على تحرير نفسها من قبضة ذلك الرجل الضخم. ما كاد يتوجه بها إلى إحدى السيارات، فُتح باب سيارة صاحب الظل. أطل من الباب بوجهه المغطى بالقناع، يوجه حديثه للحارس: "أحضرها لهنا."
يجرها للموت، ذاك ما شعرت به وهي تُجر جراً نحو الموت الجالس في سيارة فارهة. دفعوها داخلها رغماً عنها لينغلق الباب من الخارج. تحركت حدقتاها بجنون، مذعورة منه ومن مما قد يفعله بها. الرجل مخيف، بالرغم من أنها لم ترَ قسمات وجهه، لكنها تشعر بتلك الهالة السوداء المحترقة بنيران معاصيه تخترق نقاءها.
ضمت ذراعيها لصدرها تبتعد لأقصى مكان بعيد عنه. بدأت السيارة تتحرك لتنتفض مذعورة. التقتت برأسها له، أرادت أن تقول ولو حرفاً واحداً. تلجلجت الأحرف من بين شفتيها، تهمس له مذعورة: "سييدي... سسيدي... ار ارجوك." لم تكمل حين التفت ناحيتها في لمحة خاطفة. أخرستها نظرات عينيه. ذلك الرجل لا يمكن أن ينتمي لبني البشر أبداً. أخذها عقلها لرحلة طويلة من المشاهد المخيفة التي يمكن أن يفعلها بها وهي لا حول لها ولا قوة.
أجفلت من شرودها المخيف على توقف حركة السيارة. دارت بعينيها في المكان. إيطاليا بها أماكن رائعة، ولكن ذلك كان الأروع على الإطلاق. لم تر يوماً قصراً هكذا، يشبه قصور الملوك والحكام قديماً. المكان مدجج بالحراس وكاميرات مراقبة تتحرك تمشط المكان بأكمله.
تحرك هو من جوارها ينزل. لم تمر ثانية ووجدت الباب المجاور لها يُفتح، والفاعل هو. لم ترَ وجهه، ولكنها شعرت بأنه يبتسم شامتاً بها. مد يده لها يدعوها لتمسك بكفه. حركت رأسها بالنفي مذعورة. ارتسمت على شفتيه ما يشبه ابتسامة ضحك، يغمغم ببساطة: "لا بأس، أتذكر آخر فتاة رفضت دعوتي؟ كنت في الثامنة عشر، رفضت الرقص معي فقط، قطعت يديها. المسكينة قتلتها بعد ذلك. هل تريدين مصيراً مشابهاً؟
توسعت حدقتاها، عذراً، تنفي برأسها. ليمد يده من جديد. تلك المرة أمسك برسغ يدها يجرها من السيارة إلى الداخل. لم ترَ شيئاً حولها، كل ما كانت تشعر به أنها شاهد تُجر لتُذبح. خلف خطواته السريعة كانت تتحرك مرغمة، إلى أن وصل بها إلى باب غرفة ما. ألقاها داخلها ليدخل خلفها يغلق الباب عليهم من الداخل. حركت رأسها نفياً بعنف، تنهمر الدموع من عينيها خوفاً. حتى الكلمات علقت داخل فمها مذعورة.
في حين مد هو يده ينزع قناع وجهه الأسود. نظر لها يبتسم كشيطان انتصر حين أقنع قابيل بقتل أخيه. لتشهق هي مذعورة حين رأت وجهه. ارتدت للخلف بعنف. ارتعدت الأحرف بين شفتيها تتمتم مذعورة: "أأنت؟!
خرجت من بين شفتيه ضحكة قاتمة، يومئ لها ببساطة. تخلص من سترة حلته ليرتمي على مقعد وثير في غرفته، يضع ساقاً فوق أخرى، يطفقها بنظرات انتصار. مال بجسده قليلاً للأمام، يمسك بزجاجة نبيذ فاخرة وكأس من الزجاج. ملأ ربع الكوب، يمسك بالكأس في كفه. اضطجع بظهره إلى ظهر الأريكة، يغمغم مبتسماً: "أوعي تكوني مش فكراني، زعلت." توسعت عينيها في ذهول. يتحدث العربية بل واللهجة المصرية أيضاً. ألجمتها الصدمة عن التحدث.
ليضحك هو ساخراً. ارتشف ما في الكأس على دفعة واحدة، يغمغم ضاحكاً: "إيه يا حياة؟ أنا عارف إنك مصرية وأكيد فهماني. على رأي المثل بتاعكوا، هي القطة أكلت لسانك؟ شهقت مذهولة، تحرك رأسها بالنفي بعنف، تتذكر أول مرة رأته فيها صدفة. **Flash back**
حياة تنبض بالحياة بين جدران القسم الخاص بالأطفال. حياة الممرضة الجميلة صاحبة العشرين ربيعاً، صاحبة الأعين السوداء والبشرة السمراء وشعر أسود مموج. نعمل في قسم الأطفال في إحدى المستشفيات. خرجت من غرفة المريض بعد أن أنهت عملها، تتحرك بين طرقات المستشفى إلى غرفة الاستراحة لتنال بضع دقائق من الراحة. الساعة تجاوزت الثانية ليلاً حين سمعت صوت الإنذار في قسم الأطفال.
تحركت تركض تعود أدراجها لتجد عند قسم الطوارئ الخاص بالأطفال. طفل صغير في العاشرة تقريباً، ذراعه به أثر طلق ناري. المنظر كان حقاً بشعاً لا يوصف. طفل صغير مصاب بطلق ناري. مشهد جعلها تصرخ مذعورة. تعمل في المستشفى منذ عامين، لم يأتِ طفل واحد حاله كهذه. أسرع أحد أطباء المناوبة الليلية وهي وبعض الممرضات يساعدن في إخراج الرصاصة من جسد الطفل المسكين.
جلست على مقعد صغير جوار فراش الصغير، تمسح بقطعة قطن صغيرة حبات العرق المتنداة على جبينه. تمسح على خصلات شعره بحنو. أدمعت عينيها حزناً، تهمس له مشفقة: "ماذا فعلت يا صغيري لتصاب برصاصة غاشمة كادت أن تنتزع زهرة براءتك."
ظلت جواره حتى غلبها النعاس، فوضعت رأسها على حافة الفراش وغطت في النوم. مرت عدة ساعات تقريباً قبل أن تستيقظ على صوت حركة. فتحت عينيها سريعاً قلقة، لتجد رجلاً غريب الشكل يرتدي حلة سوداء بقميص يماثلها سواداً فوقها معطف أسود ثقيل. ما ذلك الرجل الغريب؟ هل مات عزيز لديه قبل قليل؟ ملامح وجهه حادة، كأنه خُلق غاضباً دوماً. عينيه مخيفة، نظراته خبيثة بها شيء سام تستطيع أن تشعر به من الوهلة الأولى.
قامت من مكانها سريعاً، وقفت جوار الفراش تنظر له تسأله محتدة: "من أنت؟ أشار بطرف عينيه إلى الصغير الراقد في فراشه، يغمغم بلامبالاة: "والده!! ... كيف حاله؟ توسعت حدقتاها في ذهول. والده؟ ذاك والد الطفل؟ إذاً لما لا يوجد ولو ذرة قلق واحدة في صوته؟ كأنه يزور صديقاً يكرهه، لا ابنه قطعة من قلبه أليس كذلك؟ شعرت بالغضب والشفقة على الصغير في آن واحد. لتصيح فيه محتدة: "والده!! أي والد أنت؟ أين كنت وطفلك يصارع الموت؟
أين كنت وهو يُرمى بالرصاص؟ والآن لا ذرة قلق أو ندم واحدة في صوتك؟ أبي كان لا ينام الليل إن أُصبت بالزكام." لم تتبدل قسمات وجهه للحظة، فقط دس سيجارة رفيعة بين شفتيه، يغمغم متهكماً: "ظننته مات، فجئت لأخذ جثته. ولكن الوغد الصغير لا يموت بسهولة، تماماً كوالده." كلماته كانت كصفعات تنزل على وجهها بعنف. ذلك الرجل مجنون، مريض، لا قلب له. تحركت سريعاً تصرخ فيه: "هيا إلى الخارج!! شيطان مثلك يجب أن يكون في الجحيم. إلى الخارج."
ابتسم ساخراً، يرفع حاجبه الأيسر متهكماً. امتص نفساً عميقاً من سيجارته، ينفث دخانها في المكان. لتصرخ هي فيه محتدة: "أطفئ السيجارة! الطفل سيموت. هيا للخارج قبل أن أستدعي الأمن يرمونك بالخارج." خرجت من بين شفتيه ضحكة عالية ساخرة. ألقى السيجارة أرضاً يدعسها بطرف حذائه. ألقى عليها نظرة ساخرة، يطفقها من أعلى لأسفل، يغمغم يتشدق متوعداً: "سنلتقي من جديد! **Back** وها هما التقيا فعلاً!
ها هو الشيطان يظهر أمامها من جديد. لم يشفق على طفله الجريح، كيف يمكن أن يشفق عليها. تلجلجت الأحرف بين شفتيها، تهمس له مرتعدة: "أنت عايز مني إيه؟ علا ثغره ابتسامة مريضة مخيفة. تحرك من مكانه بخفة، يخطو خطواته إليها، خطوة تليها أخرى إلى أن صار أمامها. تحسس خصلة مجعدة من خصلات شعرها، يتمتم متلذذاً: "أريدك خاضعة! *** الساعة الآن تجاوزت الثانية ليلاً. لماذا تجلس هكذا على شاطئ البحر على الرمال؟ تفترش كملاك حزين.
وقف عند باب المنزل يراقبها من الخارج، يبتسم حزيناً. علاقتهم الفترة الماضية لم تتجاوز بضع كلمات، لا تصل للجمل حتى. الجو بارد. عاد أدراجه يحمل معطفاً ثقيلاً من معاطفه. اقترب منها يتحرك بهدوء حتى لا يفزعها. دنا بجذعه، يضع المعطف على كتفيها بخفة. لم تبدِ رد فعل مما فعل، ليتنهد بعمق. جلس جوارها على الرمال يحادثها: "الجو برد يا رسل. تعالي جوا."
حركت رأسها بالنفي بخفة. شدت معطفه حولها، ليخترق عطره أنفها. لاحت على شفتيها ابتسامة صغيرة، تتمتم شاردة: "أنا فاكرة شكل البحر وخصوصاً بليل كان جميل أوي." "مهما يوصل جماله مش هيوصل لربع جمالك." همست بها شفتيه، يوجه أنظاره إليها. لتلتفت برأسها إليه. رأى حدقتيها وكأن لمعة صغيرة أنارت بها للحظات. ارتسمت ما يشبه ابتسامة دلال على شفتيها، تهمس برقة: "يعني أنا جميلة فعلاً؟ "أجمل بنات الأرض."
غمغم بها بثقة دون تردد. لتبتسم في هدوء. قامت من مكانها تحكم المعطف على ذراعيه، تتحرك تعود أدراجها إلى المنزل. وقفت فجأة في منتصف الطريق. التفتت برأسها إليه، تغمغم مبتسمة: "في حاجات مستحيل نقدر نخبيها مهما حاولنا، بتتعرف يا عز... تصبح على خير يا أمير عريق! قالتها لتكمل طريقها إلى الداخل. قطب ما بين حاجبيه يفكر فيما تقصد مما قالت توا. ***
مضى الليل سريعاً. جاء الصباح موعدها مع زياد في قسم الشرطة في التاسعة لتكمل التحقيق في قضية والدها. اغتسلت وبدلت ثيابها، نزلت لأسفل سريعاً لتري أمل تنزل هي الأخرى من منزلها تتجه إلى عربة (الكبدة) لحقت بها تحادثها مبتسمة: "صباح الخير يا أمل. مين كان يصدق إني هيجي يوم وأصحى الساعة 8؟ دا أنا كنت بنام 10." ضحكت أمل مرتبكة متوترة. اختفت ضحكاتها بعد لحظات فقط، تزدرد لعابها الجاف. اقتربت من وتر تمسك بكف يدها، تهمس لها قلقة:
"أنا قلقانة أوي يا وتر. خايفة أحسن حسن يعمل حاجة. ودا بلطجي، ما يهموش. وجبران أول واحد هيحاميله ويداري عنه أي مصيبة لو عملي حاجة." تتفهم خوفها بل وتشعر به أيضاً. حسن لا يفرق كثيراً عن جبران، وربما أسوأ. رد فعله عما فعله زياد بالأمس قد لا تكون جيدة اطلاقاً. تنهدت قلقة تحاول أن تطمئنها. ربتت على كفها بخفة، تبتسم لها تحاول تهدئتها:
"يا بنتي ما تقلقيش. حسن دا كبيره يخوفك. وبعدين زياد معانا. لو حصل أي حاجة مش هيسبنا. المهم أنتي ركزي في امتحاناتك. يلا سلام." ودعتها، تأخذ طريقها إلى الطريق الرئيسي. لوحت لأقرب سيارة أجرة وقفت بالقرب منها. جلست وأغلقت الباب تخبر السائق بوجهتها. أدار السائق المحرك. وقبل أن تتحرك السيارة بلحظات، شهقت مذهولة حين دخل إلى السيارة من الباب الآخر يجلس جوارها يبتسم لها في سماجة.
على صعيد آخر، حاولت أمل جاهدة التغلب على وسواس خوفها. بدأت بتحضير (الكبدة) وتقطيعها وفتح الأرغفة الفارغة، تدعو في نفسها أن يمر الأمر على خير. لفت انتباهها تحرك بعض الشباب في الحي وحبال من الزينة وفروع الضوء يحملون منها الكثير والكثير. اقترب أحد الشباب منها يغمغم: "بقولك يا ست أمل، إحنا عاوزين خمسة وأربعين رغيف للرجالة والحساب عند المعلم حسن. أصل الرجالة دي هتطول." حركت رأسها بالإيجاب. غلبها الفضول لتسأله سريعاً:
"انتوا بتعلقوا الحاجات دي ليه؟ ابتسم الشاب في اتساع، يغمغم سريعاً: "المعلم حسن هيتجوز. عقبالك يا أستاذة، ما تعوقيش علينا في السندوشات بقيا." أومأت بالإيجاب. عينيها متسعة مذهولة. حسن سيتزوج؟ هل صدقاً ما سمعت؟ أخيراً ستتخلص من كابوسه المزعج وسيتزوج. ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتيها تتنهد بارتياح. وتر كانت محقة في خطتها. أخيراً تخلصت منه.
في حين كان هو يراقب من بعيد رد فعلها على خبر زواجه وكم أزعجه سعادتها به. المسكينة لا تعرف أنها العروس، وربما لا يجب أن تعرف الآن. تحرك ناحيتها في هدوء. قسمات وجهه مرتخية، هادئة. حمحم في هدوء ليجذب انتباهها. نظرت ناحيته مرتبكة. ليدس يده في جيب سرواله، يخرج محفظة جيبه، يحادثها باحترام: "صباح الفل يا آنسة أمل. العيال قالولي إنهم خدوا 45 ساندوتشات. يعني حسابك 135... ادي 150 والباقي عشانك."
ودون كلمة أخرى وضع النقود أمامها وغادر. لم ينظر إليها حتى وهو يحادثها. صوته هادئ يخلو من تهكمه الدائم منها. حسن أما أخرجها من حياته خوفاً من زياد، أو يخطط لأسوأ مما يمكن أن تتخيل. *** تحركت سيارة الأجرة بهم وهي تجلس مكانها مدهوشة للحظات طويلة تعجز عن النطق. أخيراً استعادت تركيزها لتحادثه محتدة: "أنت بتعمل إيه هنا؟ التفت لها برأسه ينظر لها من أعلى. رفع حاجبه الأيسر ساخراً، يغمغم متهكماً: "راكب تاكسي. إيه؟
هي التاكسيات حكر على ولاد الذوات بس ولا إيه؟ رمشت بعينيها عدة مرات في ذهول. لا تجد ما تقوله. وماذا ستقول؟ زبون في سيارة أجرة، لا حق لها في طرده. ابتعدت عنه لأقصى الأريكة، تلتصق بالباب حرفياً. تسبه في نفسها. وصلت السيارة بهم إلى قسم الشرطة. التفتت له قبل أن تنزل، تهمس له محتدة: "عارف لو خرجت لاقيتك هبلغ عنك. وزياد أصلاً مش بيطيقك."
نظرة عينيه تبدلت في لحظة. كم بدا غاضباً مما قالت. لم تنتظر منه أي رد فعل. أسرعت خطاها لداخل قسم الشرطة دون أن تحاسب السائق، ربما نسيت؟ دخلت تسأل عن مكتب زياد. دلاها العسكري إليه. استأذنت ودخلت. ليقف هو يرحب بها بابتسامة واسعة. صافحته. أشار لها للمقعد المجاور لمكتبه: "اتفضلي اقعدي." جلست تبتسم له بخفة. لتتوه عينيه في ابتسامتها الجميلة. تنهد بعمق. حمحم يستعيد جديته. يتمتم مترفقاً:
"ما تقلقيش. هما كام سؤال بس نقفل بيه القضية. أنتي ما فيش عليكِ أي شبهة." أومأت له ليبدأ بسؤالها. أسئلة تقليدية. ربنا سمعتها قبلاً في إحدى الأفلام على التلفاز. مضت حوالي خمسة عشر دقيقة إلى أن انتهى التحقيق. ليعطيها زياد دفتر المحضر، يمد يده لها بقلم: "اتفضلي امضي على أقوالك." خطت توقيعها على ما قالت. تعيد الدفتر له، تغمغم مبتسمة: "طب استأذن أنا بقي يا زياد باشا." قامت متوجهة إلى باب الغرفة، لتسمع صوت زياد يردف سريعاً:
"ثواني يا آنسة وتر. أنا عايزك في حاجة." التفتت لهم لتجد الكاتب، ذلك الرجل الذي كان يجلس على مقعد جوار زياد يكتب المحضر. تحرك يخرج من الغرفة. لتنظر وتر لزياد مستفهمة. قام زياد من مكانه متوجهاً إليها. وقف بالقرب منها. وقف للحظات صامتاً، يحمحم بين الحين والآخر. تنهد بعمق، يغمغم مرتبكاً:
"آنسة وتر، أنا من ساعة ما شوفتك أول مرة وأنا حاسس إني مشدود ليكِ. إنت عارف إننا نعرف بعض من مدة قليلة جداً، بس يعني المشاعر زي ما بيقولوا ما فيش عليها سلطان. فممكن يعني بعد ما تخلص حكاية أمل يكون في مجال لحكاية لينا." اضطربت حدقتاها للحظات تنظر له بيآسة. كانت حقاً تتمناه زوجاً لأمل، ولكن ما العمل؟ أعطته شبه ابتسامة تومئ له، لتتوسع ابتسامته. يغمغم: "بجد؟ أنا حقيقي أسعد إنسان في الدنيا. طب تسمحيلي أوصلك؟
أنا كده كده في وقت راحة دلوقتي." ولما لا؟ على الأقل ستضمن عدم احتكاك جبران بها من جديد. أومأت له من جديد. ليعود سريعاً يلتقط مفاتيح سيارته وسترته. فتح لها باب الغرفة، يغمغم مبتسماً: "اتفضلي." تحركت أمامه إلى الخارج. خرج معها من قسم الشرطة ليراهم. يقف بعيداً ينظر للزوجين المتناغمين. ذلك زياد يعزف على وترين في آن واحد. وتره ووتر حسن؟
رأته وهو يقف لتوجه له نظرة ساخرة متهكمة بها قدر كبير من الاحتقار. تحاول به كسر نرجسيته التي تصل لأنفه. ليرفع كف يده على الرقم ثلاثة، وكأنه يخبرها بأن الثالثة أزفت وأن فرصها للنجاة منه قد نفدت جميعاً وحان وقت تلقي العقاب! ابتلعت وتر لعابها مرتبكة. دق هاتفها في تلك اللحظة التالية. استأذنت من زياد حين رأت رقم طارق. تبتعد عنه فتحت الخط تحادثه: "أيوه يا طارق." سمعت صوته يغمغم سريعاً متلهفاً:
"وتر حصلت مشكلة ومضطر للأسف أسافر ومش هرجع غير بعد شهر. فالحفلة هتتعمل النهاردة. بليييييز تعالي يا وتر، أنا فعلاً نفسي تحضريها. هبعتلك العنوان في ماسدج. هتيجي صح؟ please say yes." ضحكت بخفة على طريقته المضحكة، تومأ برأسها تغمغم ببساطة: "Ok يا طارق. هاجي النهاردة."
صاح فرحاً يشكرها بحرارة. لتغلق معه الخط بعد أن ودعته. طارق فتى لطيف، وتؤكد على تلك المعلومة. ستحضر حفلته الليلة. اشتاقت كثيراً للمجتمع الراقي، وترغب في الانغماس بينه من جديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!