الفصل 14 | من 20 فصل

رواية جبروت صعيدي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سامية صابر

المشاهدات
19
كلمة
2,557
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

خرج الجميع إلى الحديقة واضعين الطاولة بها ورصوا الأطعمة عليها. قرروا تناول العشاء في الهواء الطلق. جلس جميع الثنائييات ومعهم وفاء التي تبتسم بنبرة خبيثة. ظنت أن ما قررت فعله سيجعل العائلة تكره ثريا. قالت فتحية بتساؤل: = مهرة وحسن لسه منزلّوش ليه؟ قال عمران بهدوء: = اطلعي ناديلهم يا عهد. هزت عهد رأسها وصعدت للأعلى لتطرق على الباب بخفة. انتفضت مهرة في مكانها بخجل شديد، وحسن يضحك على خجلها الواضح. ثم قال بإستمتاع:

= مين؟ = أنا عهد يا حسن، يلا علشان العشاء. = لأ أنا ومهرة مش فاضيين، مش هناكل. ممكن بعد ما تخلصوا تجيبوا الأكل هنا. ابتسمت عهد بخجل قائلة: = خلاص ماشي، عيوني. ليلة سعيدة. قالتها وركضت لأسفل وهي تضحك. بينما انهالت مهرة على حسن بالضرب المبرح وهو يضحك بلا مبالاة. قالت بخجل شديد: = لازم تقولها كده. هتفكر فينا إزاي طيب؟ ولا قدام العائلة هيبقى شكلنا إيه؟

حرام عليك يا حسن، هموت من الكسوف والله. مش عارفة هبص في وشهم إزاي بعد كده. = هو أنا جايبك من شارع الهرم؟ انتِ مراتي يا عبيطة. بعدين عادي يقولوا اللي يقولوه، المهم إنك معايا. = أوعي طيب خليني أقوم، أوعي. مينفعش كده. = قولت لأ. أمسكها بقوة يحتضنها في حضنه بقوة شديدة. فقالت بتهكم: = اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكش من شوية وانت مش طايق تقرب مني. = فيه فرق بين "مش عايز". = و"عايز بس خايف". فقررت أسيب نفسي مرة واحدة.

وتوبة إن كنت أحبك تاني، توبة. توبة لو اشتاقلك وأتمناكِ. توبة. مال على شفتيها يقبلهما بعشق شديد، وهي فقط تستسلم له بحب وسعادة. *** كانت سهرة جميلة بين العائلة. انتهوا من الطعام وجلست النساء تتحدث براحة ويضحكون بخفة، والرجال جميعهم يلعبون طاولة. فقالت فتحية بحزن شديد: = آه لو ثريا موجودة كنت هبقى فرحانة أوي. البنت وحشتني أوي، البيت من غيرها خراب. قالت عهد وهي تغمز لها: = بكرة عطر تيجي تملى البيت فرحة. قالت فتحية بخبث:

= عندك حق، بس لو أخوات عطر كلهم يجوا هيبقى البيت كله جمال ودلال. ضحكت عطر وهي تغمز لها بضحكة. فشعرت عهد بالحرج قليلاً من هذا الكلام، وفهمت أنه عليها وعلى باسل. ماهي إلا دقائق حتى خرجت الخادمة وهي تصرخ قائلة: = الحقوني يا ستي، المطبخ بيولع. الحقوني. نهضت النساء بسرعة، ولكن الرجال منعوهم من الدخول. وركض ياسين الذي صرخت فيه عطر بخوف أن يتوخى الحذر، وخلفه باسل وفاروق. منعوا دخول عمران ويونس.

نظرت عهد إلى باسل بقلق شديد خوفاً أن يحدث له شيء. بينما لطمت فتحية على كتفها قائلة: = استرها يارب... استرها. يالهوي دا دا حسن ومهرة فوق، يالهوي. خرج ياسين بصعوبة قائلاً: = الولعة مسكت في البيت كله، مش هنعرف نطفيها. لازم كلنا نخرج حالاً. نطقت فتحية بصراخ: = أخويا ومراته فوق، لازم ننزلهم. قال فاروق بسرعة: = أنا أنا هحاول أطلع لهم طيب. ياسين باسل، خدوا الستات على بره. نطق باسل بإصرار: = أنا جاي معاك.

أمسك ياسين الستات بصعوبة وأخرجهم للخارج، حيث تجمعت معظم القرية صارخين بسبب اشتعال النار في المنزل. وفتحيّة تصرخ باكية على أولادها. بينما صعد ياسين إلى حسن ومهرة في غرفتهم. فتح حسن وهو نصف عارٍ قائلاً بصدمة: = إيه دا؟ فيه إيه؟ إيه الخبط ده كله؟ قال باسل بعصبية: = انت مش حاسس بحاجة يا حسن؟ البيت بيولع، لازم نخرج حالاً. هات مهرة وتعالى بسرعة. = إيه.. بيولع! إزاي؟ إيه دا؟ = مش وقت اندهاش، يلا بسرعة.

ركض حسن يرتدي بقية ملابسه، ثم قام بالطرق على مرحاض مهرة قائلاً بقلق: = مهرة اخرجي بسرعة، البيت بيولع. = إيه؟ انت بتقول إيه؟ قال باسل بضيق: = يا جماعة، مش وقت اندهاش، اخلصوا.

ارتدت مهرة ملابسها بسرعة شديدة، ثم خرجت مع حسن وباسل وفاروق. الذين شعروا بالاختناق من كثرة الأدخنة القوية، والنار انتشرت بصعوبة في المنزل. احترق كتف باسل مما جعله يصرخ بقوة. وخشي فاروق عليه، فحمله برفق على كتفيه. وكذاك حمل حسن مهرة بين يديه خوفاً عليها من النار. ما إن خرجوا من المنزل حتى لم يتبق جزء منه سليم، احترق بالكامل. وهم ينظرون له باختناق وحزن شديد. المنزل الذي آواهم جميعاً احترق وأصبح رماداً.

بينما جاءت ثريا على أثر كلام أهل البلد لترى هذه الفاجعة. شهقت وهي تشعر باختناق، حتى أن دموعها هبطت رغماً عنها. مع شقشقة الصباح، كانت أتت الشرطة وفريق الحريق. بينما الجميع يجلس في الشارع بضيق وحزن. ربطت ثريا على كتف فتحية قائلة بدموع: = متزعليش يا ماما، الحمد لله إنكم كلكم بخير. جت سليمة والحمد لله. = البيت اللي عشت فيه وربيت وخلفت أجمل ذكريات عمري راحت.

بدأت تبكي وشاركتها ثريا البكاء. بينما ذهبت عهد إلى الصيدلية لتأتي بعلبة إسعافات أولية. ذهبت إلى باسل الذي يقف بصمت في أحد الأركان. قالت بهدوء: = باسل.. تعالى شوية. = مالوش لازمة يا عهد، أنا كويس. = تعالى بقولك من غير أي اعتراض. أخذته وجلسوا على أحد المصاطب. ثم شمرت عن ساعديه بهدوء. ليشعر بالألم الشديد حينها. وبدأت هي في تعقيم جرحه بهدوء وتركيز، ولفته بشاش في النهاية قائلة: = إن شاء الله هتبقى كويس. = مش مهم أنا...

البيت ده مش هيرجع زي الأول خالص. = لعله خير، حاجة جت مكان حاجة. الحمد لله على كل شيء. نطق عمران بصوت عالٍ: = يلا يا جماعة، كلنا هنروح بيتي نقعد. كفاية قعدة في الشارع لحد ما نشوف هنعمل إيه. قالت وفاء بصراخ وغضب: = كل القرف اللي حصل ده من تحت رأس ثريا. هي اللي جابت البنزين للبيت. نظرت لها ثريا بحيرة قائلة بضيق: = أنا جبته لأنه أمي طلبت مني أجيبهولها ومتأخرتش. لكن وأنا مالي بالحريقة اللي حصلت دي؟ قالت الخادمة بغضب:

= انتِ هتكدبي يا ست ثريا؟ مش انتِ اللي قولتيلي أعمل كدا في البيت علشان تجيبيها في وفاء، وإنها عايزة تخرب البيت وترجعي انتِ مكانها؟ قالت ثريا بصدمة: = أنا؟ أنا أعمل كدا ليه؟ انتِ كدابة والله كدابة. أنا مقولتلهاش تعمل كدا. حرام عليكِ، ليه الافتري ليه؟ قال فاروق بغضب شديد: = مش وقت الكلام ده. مش ناقصة هري وكلام كتير. انتِ جاية ليه يا ثريا؟ مش كل حاجة انتهت بيننا؟ جاية ليه بقا؟ اتفضلي من هنا خلاص. مسحت ثريا دموعها

المتمردة على خدها قائلة: = بكرة تندم يا فاروق وتعرف إنك ظالم وتدور عليا علشان تعتذر مني، بس وقتها مش هتلاقيني خالص. نهضت فتحية بهدوء قائلة: = كلنا هنروح على بيت عمكم عمران علشان عايزكم كلكم في موضوع مهم، وانتِ هتيجي معانا يا ثريا. أخذت ثريا وذهبوا في الأمام، غافلين عن أعين وفاء الغاضبة. وسار خلفها الباقي إلى منزل عمران.

قامت عطر بعمل قهوة وأعطتها إلى الجميع مع بسكويت للفطار الخفيف. وساعدتها عهد ومهرة ومعهم ثريا. بينما جلست فتحية تنتظر قدوم أخيها الشيخ ومعه رجل دجال يقوم بأعمال. ما أن رأته وفاء تحول وجهها للإصفرار الشديد بقسوة. قال حسن بحيرة وعدم فهم: = هو بيحصل إيه يا أمي؟ = الكل يصبر وهتعرفوا اللي بيحصل. جلس هذا الرجل الدجال في الأرض بخوف ينظر لهم مبتلعاً ريقه بخوف. فقال شقيق فتحية بغضب:

= انطق يا رجل يا ضلالي وقول كل حاجة. انطق بدل ما انت عارف اللي هيحصل. نطق الرجل بخوف مشيراً لوفاء: = حاضر حاضر هقول. الولية دي جاتلي وطلبت مني أعمل عمل يكره فاروق في مراته ويبعده عنها، وعملتهولها تحطهوله في أي حاجة يشربها. قالت وفاء بغضب شديد: = انت كداب كداب. الراجل ده بيتبلي عليا أصلاً، وأكيد انتِ يا مرات عمي متفقة معاه علشان ترجعي مرات ابنك للبيت، ما هو أنا مش عاجباكي. نهض باسل بغضب قائلاً:

= اخرسي يا عقربة انتِ خالص واوقفي مظبوط واتكلمي مع أمي بإحترام، وإلا هنسى إنك بنت عمي وهدفنك مكانك كدا. عقربة بصحيح. كمل يا راجل انت. تابع الرجل بخوف شديد: = دلوقتي هو بيكره مراته بسبب العمل ومش عارف بيعمل إيه. وكمان مجذوب لوفاء بسبب الأعمال، والعمل لازم يتفك ويتدفن. نطق باسل بتساؤل: = المفروض نعمل إيه علشان نفكه؟ = هقولكم. ***

في المساء، جلست ثريا رغماً عنها بأحد الغرف بجانب فاروق الذي ينام بهدوء. فقد أعطوه منوم ليرتاح بعدما مر به طوال اليوم. فقد تم فك العمل ودفنه، وكان فاروق غاضب من وفاء وهائج. فقام بضربها بقسوة شديدة وطلقها وألقاها خارج المنزل. مدت يديها إلى جبين زوجها تتلمسه وهي تبكي بقهر شديد. فقد فرقوا بينهم بالقوة، ومالهم حول ولا قوة. ظلت تتأمله قائلة بصوت خفيض: = وحشتني... وحشتني أوي يا فاروق.

تقلب فاروق برفق في مكانه. لتمسح هي دموعها بسرعة وتظهر وجهها الجامد. نظر لها بهدوء قائلاً: = ثريا. = عايز حاجة؟ = عايزاك جنبي. = أنا موجودة أهو. = قربي مني شوية. حاسس إني بقالي سنين مقربتش منك. = متنساش إننا مطلقين، ف مينفعش أقرب منك. بعدين أنا اتأخرت ولازم أمشي. = ثريا علشان خاطري خليكي. أنا عايزك جنبي. فيه كلام كتير أوي لازم أقوله ليكي. نهضت ثريا برفق قائلة بجمود: = مبقاش ينفع. مبقاش فيه حاجة نتكلم فيها.

نهض بهدوء وألم يقف أمامها قائلاً وهو ينظر لها بحزن: = والحب اللي بينا؟ = كان... كان ما بينا. كله اتهدم. المشاعر والحب وكله، زي البيت اللي راح ده اتحرق وبقا رماد، فمعدش هيرجع. = البيت مش هيرجع، بس ممكن نعمل زيه، ونبني من تاني. = لأ مش بالبساطة دي. العلاقة دي حصل فيها خلل كبير، وصعب ترجع زي الأول تاني. تنهد فاروق قائلاً بحزن:

= غصب عني. كله غصب عني. انتِ متخيلة لو أنا في وعيي كنت هعمل كدا يعني. انتِ متعرفيش بحبك قد إيه؟ = ظاهر إني فعلاً معرفش. التفتت تتركه وتغادر. وهو ينده عليها ولكن لا إجابة. خرجت من المنزل وهي تبكي وقلبها يُعصر من الألم. بينما جلس هو مرة أخرى على طرف الفراش يضع رأسه بين يديه بغضب شديد من نفسه ومن ما وصل إليه. *** جلس يونس بجانب عمران أمام أخيه محمود قائلاً بغضب:

= بنتك خربت بيت ابني يا محمود. عملت أعمال وفرقت بينه وبين ثريا، لأ وكمان عملت حاجات تانية. = وابنك اتجوز بنتي برضاه وطلقها ورماها. لو مفكر إن أنا هسكت على حق بنتي تبقى عبيط يا خويا. أنا هاخد حق بنتي تالت ومتلت. = حق إيه؟ أنا رحمتها من تحت إيده بعد ما فاق من وعيه. انت عارف يعني إيه؟

احمد ربنا جت على طلاقها بس، وهي اللي خربت بيت ابني ودمرت البيت. أنا علشان العشرة اللي ما بينا دي، لو انت أصلاً فاكرها، جيتلك وبنهي الموضوع ده بالمعروف واللي عندك أعمله. يلا بينا يا عمران. نهض عمران مع يونس وخرجوا. في حين قال محمود بغضب شديد: = ماشي يا يونس يا خويا، بكرة تعرف أنا هعمل إيه معاك. بينما راقبتهم وفاء من غرفتها وهي تبكي وحالها يُرثى لها. ثم قالت بتوعد: = ما أبقاش وفاء لو مقلبتش حياتكم كلها جحيم. ***

غفى ياسين وباسل على الأرائك. ذهبت عطر على أطراف أصابعها تضع الغطاء برفق على ياسين حتى لا يبرد. ثم ابتسمت بحب ورحلت. بينما خلفها ذهبت عهد وهي تنظر لباسل بتردد شديد. ثم حسمت أمرها ووضعت عليه غطاء ثقيل تتأمل ملامحه بهدوء. ثم ابتسمت بخفة ورحلت مرة أخرى قبل أن يمسك بها. في نفس الوقت الذي ذهبت مهرة إلى حسن النائم في الحديقة، على النجيلة. نظرت له بضيق قائلة: = يارب، فيه حد ينام هنا بس؟ هتبرد يا حسن يا عنيد.

وضعت الغطاء عليه تدثره بخفة. ليجذبها بقوة إليه. فشهقت هي بفزع قائلة: = خضتني يا حسن. = قلبي حسن. لو خايفة لأبرد دفيني. = مينفعش يا حسن، عيب والله. = يا ستي، انتِ مراتي. بعدين مش هنعمل حاجة، هننام بس محترمين. = انت غاوي تحرجني؟ = غاوي أحبك. = انت قولت توبة تحبني أو حتى تشتاق ليا. = آخر مرة، هشتاق المرة دي بس. وتوبة أشتاق ليكي تاني. وتوبة أحبك تاني. ابتسمت بعشق وهي تحتضنه بحب، وهو يدثرها في أحضانه نائمين تحت ضوء القمر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...