الزمن يمُر بسرعة البرق، والوقت لا ينتظر أحدًا. عساك تندم على أفعال ارتكبتها بصفة الخطأ في الماضي. في المستشفى، بعد مرور نصف ساعة، استفاقت مُهرّة وهي تضرب في كل شيء حولها، صارخة في الأطباء والممرضين قائلة: = بقولكم مش هتعالج، أنا مش هتعالج من أي حاجة، فاهمين ولا لأ... مش هتعااااالج. دلف حسن إليها في تلك اللحظة، فهو الوحيد القادر على تهدئتها. أمسك معصمها بقوة شديدة يهزها بعنف قائلاً: = هتتعالجي، هتخفي...
هتخفي يا مُهرة، هتبقي إنسانة تانية مختلفة. = بقولك مش عايزة، أنا مش عايزة... أنت مش فاهم حاجة، مش فاهم أنا بهرب من حياتي بالمخدرات، سيب إيدي يا حسن وإلا هموت نفسي. اجتمع حوله الأطباء، ساعدوه على تقييدها وإعطائها مُخدِّر للراحة، على أن تبدأ رحلة العلاج في الغد. مر ثلاثة أشهر على تلك الأحداث... تطورت الأحداث كثيراً بالفعل!
تطلقا فاروق وثريا، ورحلت إلى منزل أهلها رغم المفاوضات لعادتها من كلتا العائلتين، لكنها رفضت لكبريائها وقررت أن تبقى مع والدها المريض وترعى أعماله كأنثى قوية. وأمام تلك التطورات، تزوج فاروق بوفاء، وهذا الذي رفضه الجميع، ولكن لم يبالي وتزوجها في النهاية لأجل ابنه الذي رفض وجود زوجة أب. وتزوجها دون فرح، واكتفوا بكتب الكتاب. ولكن انهار البيت وأصبح فوضى بعد رحيل ثريا.
بينما انتقل عمران ببناته الثلاثة في منزل في نفس شارع يونس. وتقبل الجميع رغبة زواج ياسين من عطر إلا والدته، ولكن لم يتم الزواج بعد، فالقضية ما زالت مستمرة في أخذ ابنته، واليوم هو الذي سيُحدد فيه الحكم النهائي. ظلت علاقة عهد وباسل على حدها، رؤية من بعيد فقط. ولكن بدأ باسل أن يتغير ويبتعد عن أصدقائه بعد كلام والده القاسي معه.
أحب يونس الصغير الطفلة ميرا كثيراً وتعلق بها وأصبح واصي عليها، وهي تعلقت به، ولكن الخناقات الطفولية لم تنتهِ بينهم بعد. أما مُهرة، فقد خضعت للعلاج من الإدمان تحت قوة وجبروت حسن، فلم تستطع الهروب بأي شكل من الأشكال، حتى أن اليوم هو اليوم الأخير لها في المستشفى. فقد تعافت واخيراً حقاً، وكان هو بجانبها في كل لحظة، قوة ما تُملي عليه أنها مسؤولة منه.
كانت جالسة في الحديقة تنظر للفراغ بصمت وهدوء. اليوم عادت لوعيها للحياة، كان تعافيها من المخدر أمر مستحيل لكنه حدث بالفعل. هي الآن واعية بكل شيء حولها أكثر، هي إنسانة جديدة ولدت اليوم. هبطت دمعة خفيفة من عينيها دون أن تُدرك ذلك. لتشعر بحسن الذي يجلس بجانبها ويمد لها منديل رقيق. التقطته تمسح دموعها وهي ترى هذا الرجل بوضوح هذه المرة، بملامحه الشرقية القوية ونظرة عينيه وجبروته. نطقت بتنهيدة: = حسن... = احم... أنتِ كويسة؟
= أيوا بخير... = طيب يلا بينا لازم نرجع البلد النهاردة. = أنا خلاص خفيت؟ نهض وهو يقول: = أيوا يلا يا مُهرة. = بس لسه ده مخفش. أشارت على قلبها بألم شديد. نهضت تقف أمامه بنفس الطريقة السابقة، عصفورة مقابل ذئب، أي شيء وحشي. قالت بتنهيدة عميقة: = طلقني... أظن الحكاية انتهت وأنا خفيت خلاص الحمد لله، مبقاش فيه داعي أرجع معاك والكلام الفارغ دا كله... طلقني يا حسن.
= خفيتي من الإدمان بس واضح إنك لسه عقلك مخفش، أنا معنديش حاجة اسمها طلاق على الإطلاق، أنا لسه هربيكي من الأول وجديد... ولسه هاخد حقي وحق اللي عملتيه فيا. قالت بغضب شديد: = أنت بتعمل كدا ليه وبتتحكم فيا وفي كل حاجة، أنا مش عايزة أرجع معاك، عايزة أطلق. = خلصتي؟ ورايا علشان تغيري هدومك، ولو نطقتي بحرف تاني هتشوفي الوش التاني، اتقي شر الحليم إذا غضب. = أووف... بكرة تطلقني غصب عنك.
ضربت قدمها في الأرض بغضب، ثم سارت خلفه بضيق منه ومن جبروته الذي لن يتغير على الإطلاق، مما اضطرها لتبديل ملابسها والعودة معه. في المحكمة. جلست عطر وهي ترتعش بخوف قائلة: = أنا خايفة أوي يا ياسين، هموت من الخوف بجد، مش قادرة حقيقي، افرض خدها مني هموت يا ياسين هموت بجد. = متخافيش يا عطر... أنا جنبك وإن شاء الله ميرا هتبقى معانا. نطق الطفل يونس بغضب:
= أنا مش هسمح لحد يبعدها عني يا خالتي، متخافيش ميرا هتبقى معانا غصب عن أي حد. دخل القاضي مع المستشارين وجلسوا معاً، ثم قال بصوت عالٍ والجميع قلبه مضطرب: = حكمت المحكمة حضورياً، أن وصية الطفلة تُنسب لأمها مع مراعاة الشروط الموجودة في القضية، والمراقبة على حياة الطفلة مع والدتها.
صرخت ميرا وهي تحتضن والدتها ويونس الذي ابتهج بقوة. بينما حمد ياسين ربه، فهو استجاب له ويسر له الأمر أخيراً. بينما جحظ جمال عيناه بغضب وغل قائلاً: = ماشي يا عطر... متفرحيش أوي كدا، مش هخليكي تتهني أبداً. ترك المحكمة وخرج. بينما خرج ياسين مع عطر والأطفال في فرحة. فقال بهدوء: = بالمناسبة الحلوة دي ناخد الأطفال نتفسح شوية، بعدين نروح ناكل، وأظن كدا مفيش مانع من جوازنا. ابتسمت بخجل قائلة: = ياسييين...
= قلبي ياسين ونور عيونه وحياته كلها. = بس بقا علشان الأطفال. = أطفال مين، أنا متعلم الكلام دا من ياسين أصلاً. قهقهت بخفة وهي تمشي بجانبه بخجل. فقال بصوت عذب: = كان يوم حبك أجمل صُدْفَة، لما قابلتك مرة صُدْفَة، ياللي جمالك أجمل صُدْفَة... كان يوم حبك أجمل صُدْفَة.
رفعت نظرها إليه وهي تبتسم وقلبها يخفق، يبدو أنها هي الأخرى بدأت تعشق ياسين وحبه واهتمامه بها ووقوفه بجانبها. عوضها الله عن ما رأته في زواجها الأول. التجربة الأولى ليست بالضرورة تكون الأخيرة، ربما نعطي أنفسنا فرصة للعيش مرة أخرى. جلست الحاجة فتحية أمام الشيخ عوض الله، أخاها وهو شيخ القرية. حكت له كل شيء بخصوص ثريا وفاروق قائلة:
= كل حاجة بقت وحشة من غيرها، متوقعتش إني يحصل كدا، دي كانت شايلة البيت على كتفها كدا يا حاج، والواد ابني كان بيحبها معرفش إيه اللي غيره بالطريقة دي من ناحيتها وأتجوز العقربة وفاء بعد ما كان مش بيطيقها ولا بتنزل من زور. = بصي يا أختي السحر والأعمال موجودة في القرآن الكريم وحسب اللي حكيتيه، فهي ممكن وليعاذ بالله تكون لجأت للسحر وعشان كدا حصلهم كدا، بس نقدر نفكه والمياه ترجع لمجاريها. = بالله صحيح؟ طيب إزاي قولي.
= اسمعيني كويس. جلست ثريا على مكتب أبيها تعمل بدلاً عنه وتحسب حسابات الغذاء الذي باعته هذا الأسبوع. ما هي إلا دقائق حتى دخل عليها فاروق قائلاً بصوت عالٍ: = ثريااا. رفعت نظرها بصدمة إليه، ثم حاولت ضبط أعصابها واشتياقها لزوجها الحبيب، وقالت بصوت قوي صلب: = أولاً تستأذن قبل ما تدخل مكان زي دا، وثانياً اسمي أم يونس، متنطقش اسمي كدا في العلن. وثالثاً خير عايز إيه.
= أنا مش جاي أفتح محاضرة معاكِ، أنا جاي أقولك إنتِ ليه علّيتي الأسعار كدا، ولا هي بتيجي لحد عندي وتعلي. = زيك زي باقي الناس اللي بتاخد مننا، وهي كدا عجباك اشتري، مش عاجبك عندك ألف واحد بيبع غيري تقدر تشتري منه. = بقا هي كدا؟ نهضت تقف أمامه قائلة: = أيوا يا فاروق هي كدا. = وما أدتيش عثمان بأقل الثمن؟ ولا عشان هو حب زمان؟
= حب زمان إيه وزفت إيه، وبعدين إنت مالك، أنا حرة أعمل اللي أنا عايزه، بس هريحك أنا مش بفكر فيه أصلاً، انتوا صنف وسخ وأنا قرفت منه. = أحسن برضوا... ولعلمك أنا هشتري من برا وأحسن منك. تركها وخرج، ثم وقف قليلاً ينظر لها، فقد اشتاق لها، ولكن هو بين القرب والبعاد وكأن هناك قوة إلهية تحركه. بينما جلست هي على المكتب وحاولت كبح دموعها للمرة التي لا تُحصى!
مالت مُهرة برأسها على كتف حسن تنام بهدوء، بينما شعر هو بشيء غريب عندما اقترب منه. تلك الفترة يشعر بشيء يراوده قلبه عندما تقترب منه، ولا يُنكر حزنه عليها وعلى حالتها، وفرحه عندما تعافت. مشاعره غريبة وكأنه شخص مُحب، ولكن جبروته وقوته يرفضان هذا بقوة. إذا رضخ لحبها سيخسر كثيراً، لذلك يعاملها بقسوة وقوة. فتاة بحجم صغير تجذبه نحوها ككتلة نيوتن.
جذب أذنه صدوح أغنية "أول مرة تحِب يا قلبي". وحينها لم يستطع إلا أن ينظر إليها. ثم عدّل وضعية رأسها للخلف برفق وهدوء وهي نائمة كالملاك الرقيق. فتحت عينيها فجأة في تلك اللحظة وهي تتثاوب قائلة: = اوف لسه موصلناش! ابتعد عنها يُمثل الانشغال. فقالت وهي تبتسم: = الله الأغنية دي بحبها جدا... ليه بيقولوا الحب قسية، ليه بيقولوا شجن ودموع... أول حب يمر عليا قلب الدنيا فرح وشموع. بتحبها؟ = لأ.
= أنت على طول كدا مش بتحب أي حاجة خالص؟ = اسكتي يا مُهرة. = اوف طيب. دلفت الحاجة فتحية إلى ثريا التي تجلس وقالت لها: = ثريا بنتي. = أما حبيبتي تعالي يا غالية. عانقتا بعضهما البعض في حب ووداد، وجعلتها تجلس وطلبت لها عصير. وبعد كلام الحب والاشتياق نطقت فتحية: = مش ناوية ترجعي لبيتك بقا يا بنتي؟ = خلاص يا ماما الموضوع انتهى خلاص... المهم طمنيني عنكم. = من غيرك ولا نسوي، البيت فوضى ومالوش لازمة...
ربنا يرجعك لينا بالسلامة. صمتت ثريا بحزن وضيق. فقالت فتحية وهي تبتسم: = مُهرة راجعة النهاردة بعد ما خفت. = بالله صحيح، ألف حمد الله. = وأنا قولت أعمل حفلة بسيطة على الضيق كدا نفرح، بقالنا ياما مفرحناش، وقولت للبت عهد أصلها شاطرة في أمور الزينة تظبط القصر، وجاية أطلب منك تيجي تقضي معانا الليلة دي. = لأ يا ماما آسفة مش هقدر أجي.
= علشان خاطري لو ليا خاطر عندك، تشوفي ابنك وتقعدي معايا، إنتِ بنتي قبل ما تكوني مرات فاروق، بس مش هضغط عليكي، فكري وشاوري عقلك وأنا هستناكي يا بنتي. = حاضر ياما. = يلا مع السلامة يا حبيبة أمك. عانقتها ثم رحلت. بينما جلست ثريا تفكر هل تذهب أم لا. وقفت عهد تُعلِّق الزينة بهدوء وهي تُدندن، حتى تدحرج بها الكرسي فوقعت أرضاً تتاوه بقوة، ثم نهضت وهي تمسك ظهرها بصعوبة قائلة: = آآآه يا ضهري...
آآآه محدش لقطني ليه، محدش مسكني ليه... هااه؟ ولا دا في الروايات والأفلام بس. استمعت لقهقهة من يقف خلفها، وكان باسل الذي وقف ينظر لها وهو يضحك. تلاقت معه بعد شهور عدم لقاء آخر لهم. قالت ببرود: = بتضحك على إيه، فيه أرجوز هنا وأنا معرفش؟ اقترب منها قائلاً بهدوء: = فيه الأحلى من الأرجوز. = عايز إيه باسل؟ = جاي أعتذر... وأفتح صفحة جديدة، أنا عرفت إنك مظلومة وإني قليت أدبي عليكِ، أنا آسف يا عهد.
= أفكر، تعالي ساعدني بدل ما عمال تضحك وتهزر. = حاضر. نهض معها يُساعدها برفق، وحاول أن يجعلها تضحك بالنكت السخيفة الخاصة به، فهو مُخطئ، ولذلك يُحاول يصلح خطأه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!