تحرك المصعد وأغلق بابه عليهما، ثم ضغط عمر زرًا أوقف به المصعد مرة أخرى. ريتال بتوجس: عمرررررر وق..... لم تستطع إنهاء الكلمة فقد سرقت الحروف من شفتيها. لم تكن مجرد قبلة، بل كان اجتياح. فقد أحاط ظهرها بيده اليمنى، أما اليد اليسرى فأحاط بها جانب وجهها الأيمن وهو يتلمس وجنتيها بأنامله في رقة شديدة. رقة عكس ما تفعله شفتيه.
أما هي فتيَبست بين يديه. دكتورة تالا الواثقة، المتفوقة، المتميزة دائمًا، لا تفقه شيئًا في فنون العشق وتاهت في متاهات المشاعر. أخذ يحرك يمناه على ظهرها بإثارة لكي يلهب مشاعرها ويجعلها تتخطى مرحلة التيبس تلك. يريدهـا أن تبادله عاطفته، ولكنهـا فقط استسلمت بين يديه. استسلام بريء خجول أشعله أكثر.
عندما شعرت بيديه التي تتحرك على جسدها ليس بشغف ذكوري، بل بشغف حنون عاشق. أخيرًا تركت شفتيه شفتيها، وتنقل يوزع قبلاته الملتهبة على سائر وجهها وهي مغمضة العينين. أما هو فضاقت عيناه في شبه إغلاق، وينظر إلى وجهها بعشق ونار متأججة بصدره جعلته يلعن نفسه أنه وافقها على تأجيل الزفاف. لما لا يكون اليوم زفافهما؟ لا تعلم من أين أتتها القوة لكي تحرك لسانها وتناديه بصوت هامس: ع م ر.
صوتهـا أشعله أكثر، فرد عليها بهمهمة وهو يقبل رقبتها بحميمية هادئة ليست عنيفة: هممممــم. ريتال وهي ترتعش بين يديه: كفاية. بصعوبة فهم طلبها بأن يتوقف، ولكنه لا يستطيع. لا يشعر أنه لديه القدرة على ذلك، ولكن ازدياد ارتعاشها بين يديه جعله يشفق عليها ليضمها إليه ويحاوطها بذراعيه حتى يهدأ ويستكين. أمسكها بقوة وكأنه يدعمها للوقوف، فهي تترنح بين أضلعه.
وهي استكانت في أحضانه تستمع إلى نبضات قلبه. بعد مرور دقيقتين تحدث بمرح وشقاوة حتى يجعلها تتجاوز خجلها مما حدث. ولكن ذلك لا يعني أن طلبه ليس ما يتمناه: ريتال، أنا شايف إننا نهرب من الحفلة دي ونحتفل أنا وانتي لوحدنا. ابتعدت عنه وهي تتجنب النظر إلى عينيه، وبيد مرتعشة ضغطت على زر التحكم ليتحرك المصعد ويهبط بهما.
التفتت للخلف حيث الحائط الذي يمثل مرآة تعكس وجهها وجسدها بالكامل. من حسن حظها أن زينتها لم تفسد لأنها ثابتة، وكيف لا وهي باهظة الثمن ومن زينتها خبيرة من خبراء التجميل بالبلد. فقط شعرها ولون شفتيها الثابت قد بهت قليلا بسبب قبلته، عفواً، أقصد قبلاته. فُتح باب المصعد ليمسك يدها وهو يحاول أن يتلاقى مع عينيها بعينيه، ولكنها لم ترفع عينيها أبدًا.
دخلوا سويًا إلى القاعة ليتقدم منهم أشخاص كثر لكي يقدموا مباركتهم. تعرفت ريتال على عمة عمر، والتي سبق ورأتها بالمشفى في لقاء لا تهتم بتفاصيله الآن، وقد عرفت أنها الفرد المتبقي له من عائلته. فهي العمة الوحيدة له، فهو ليس له شقيقات لوالده غيرها، ولكن يوجد نساء في العائلة بالطبع. وأيضًا ليس له أعمام أشقاء.
ولاحظت أن حتى أفراد العائلة والتي صلة الدم بينهم ليست قوية، إلا أن ترابطهم بعمر جيد جدًا ويبدو عليهم الفرحة أكثر من عمته وولديه الذين تعرفت عليهم منذ قليل وزوجها. والذي ما أن انتهى من مباركته حتى حاول التحدث مع عمر بشأن العمل، ولكن عمر لم يهتم وأوقف حديث العمل بشكل لبق.
ولكن ما جعلها تتعجب وشغل بالها عن كل ذلك هو حال ماريا. فهي قبل أن تنزل إلى الحفل كانت تبدو بحال أفضل من ذلك. رغم أنها تبتسم بوجهها وترى أنها سعيدة لأجلها، ولكن هناك شيء آخر بها. وحتى أنها لا تمرح بالحفل كما كانت توعد، فقط تتحرك حولها أو تجلس شاردة. حاولت التحدث معها، ولكن عمر لم يترك يدها أبدًا. تحدثت ريتال بصوت هامس لا يسمعه إلا عمر: هي الحفلة دي هتنتهي امتى؟ عمر: ايه زهقتي؟ ريتال: ملييييت وصدعت، محتاجة هدوء.
ليرد بابتسامة ماكرة: قولتلـك نحتفـل لوحدنـا بـس انتـي رفضتـي. وعمومـا احنـا لسـه فيهـا، تعـالي نهـرب ونكمـل مـع بعـض. ريتال بخجل: في أحلامك. اياك تفكر اني هسمحلك تكرر اللي عملته من شوية ده. ضحك عمر بصوت مرتفع مما جذب الأنظار إليهم وجعلها تنظر إليه بغيظ، ومن ثم تبعـد نظرهـا عنـه بخجـل من استسلامها بين يديه. حاولت سحب يدها منه ولكنـه لم يتركها: سـيب ايـدي، هـروح اقعـد مـع عيلتـي شـوية.
ترك يدها ولكنـه اتبعها وهي تذهب في اتجاه الطاولة التي تضم أصدقائهـا. جلسوا معهم وظلوا يضحكوا ويتسامروا. وأتى دكتور جاكسون أيضًا وجلس معهم وتعـرف على الجميـع وظـل يتحـدث معهـم.
شعر عمر بالغيرة الشديدة من تعامل ريتال مع دكتور جاكسون، والذي هو معلمها. وقد أبدى إعجابه بطلتها اليوم وجاذبيتها، وهي ضحكت وشكرته على ذلك وتتعامل معه بألفة. وحتى أنها عرفته على والدها وظلت تتحدث معهم وانشغلت عنـه لمدة لا تقل عن عشرون دقيقة. جعلتـه يشعر بالحنق والغضب. فاليوم له هو فقط، وكل يوم أيضًا هي أصبحت ملكه.
أخذ يحاول إخماد شعوره بالتملك تجاهها حتى لا يخنقها، خاصة وأن ريتال بشخصيتها لن تستوعب ذلك. عليه أن يروضها أولاً ويروض مشاعره تجاهها. أما ريتال، ظلـت تتحـدث مـع الجميـع وهي تراقـب ماريا. ولاحظت نظرات مروان الحانقة، وقد توقعت أنه سبب حالة ماريا.
انتهى الحفل أخيرًا وعـادوا جميعـا إلى المنـزل. وحرصت ريتال على ألا تكون بمفردها مع عمر في السيارة. وقد كان لها ذلك بأن أصرت على والدها ليكـون معهم، وهو وافق. فهو سوف يعود إلى الوطن صباحًا. نزل والدها من السيارة، وعندما أوشكت هي الأخرى أن تلحقه، أمسك يدها ليمنعها. عمر بنظرات متوهجة: هربتي مني انتي كده يعني؟
ردت عليه تحاول الثبات: مش هروب وانت عارف اني بهربش من أي حاجة. بس انت النهاردة فاقـد السـيطرة على نفسـك، وأنا بعطيـك فرصة إنك تتماسك. (زاد احمرار خديها وهي تخبره) وتفهم إن أحنـا متجوزنـاش، أحنـا اتخطبنـا خطوبة برباط شرعي فقط. عمر بإصرار: انتي مراتي. ريتال بخفوت: على الورق، وده اللي انت قولته وأنا وافقت عليه.
عمر بابتسامة: أنا طلبت إننا نكتب كتابنا عشان أتعامل معاكي بحرية، وأظن انتي فهمتيني وقتها. وأنتي دلوقتي اللي محتاجة تتماسكي وتستوعبي إنك بقيتي مراتي. أنا وعدتك إننا مش هنتمم جوازنا إلا وقت ما انتي تقرري، وأنا مش بخالف وعدي. وإنما مشتاااااق وكنت بصبر نفسي وبحاول أروي عطشي شوية. ريتال بصرامة رغم الخجل: ورويت عطشك، متكررش الـ..... قاطعها وهو يقترب منها: مين قال إني ارتويت؟ ده أنا عطشت أكتر.
فتحت الباب سريعًا وخرجت من السيارة وهي تبتسم على ذلك المجنون. هي الآن لن تستطيع التحدث معه. هي بالفعل كما قال تحتاج لتتماسك. سمعت صوته من خلفها: الساعة ٦ هكون هنا عشان نوصل والدك سوا للمطار. لم ترد عليه وأكملت طريقها لتلحق بمن صعدوا. دخلت إلى شقة الأصدقاء أولاً ودخلت إلى غرفة ماريا. ماريا بشقاوة: إيه ده، انتي طلعتي على طول ليه؟ أنا قلت هتكملوا السهرة في مكان تاني. تجاهلت ريتال محاولة ماريا في إلهائها
عن حالتها وسألتها مباشرة: مالك؟ ماريا: إيه يا بنتي، هو إيه اللي مالي! ريتال: اخلصي عشان دماغي مصدعة من الحفلة والموسيقى والناس وكل حاجة. مروان عمل إيه يضايقك أو قالك إيه؟ تنهدت ماريا وقد علمت أن لا مفر. ريتال دائمًا كجهاز كشف الكذب، تعلم ما بها وليس ذلك فقط، هي تشعر به وتعرف دواخلها: هقولك بعدين يا ريتال، مش النهاردة. اليوم كان حلو وأنا مبسوطة أوي، أخيراً الفرح دخل حياتنا، نستمتع النهاردة وبعدين هحكيلك، أرجوكي.
ريتال: طيب يا حبيبة قلبي، هسيبك تفرحي براحتك النهاردة. بس اعملي حسابك بكرة هتعرفيني كل حاجة. ماريا: أكيد، هو انتي حد بيعرف يخبي عنك حاجة. (ومن ثم احتضنوا بعض بقوة تجعل من يراهم يقسم أنهم أشقاء وقد عاشوا العمر معًا منذ والدتهم)
دخلت ريتال إلى شقتها وهي تتمنى أن يكون والدها قد نام، ولكن رأته جالسًا أمامها ينتظرها وهو يبتسم. لا تعلم هل انزعجت لأنه لم ينام أم سعدت لأنه ينتظرها. هو سوف يسافر غدًا، سوف يعود من حيث أتى. هل هذا عدل؟ أن يتركها سنوات وسنوات ومن ثم يعود ويذهب بعد أيام! لما لا يظل معها؟ لما لا يبقى بجانبها إلى الأبد ويعوضها عما فات. ولكن تذكرت زوجته، تلك المرأة التي أعطى لها مكانة والدتها في حياته. ولأول مرة يخطر على بالها
سؤال لم تفكر به من قبل: هل لديه أولاد من تلك المرأة؟ شريف: هتفضلي واقفة كده كتير يا عروسة؟ اقتربت منه وجلست بجانبه: لسه صاحي ليه يا بابا؟ معاد طيارة حضرتك الساعة ٦ الصبح، باقي عليها ٦ ساعات تقريبًا. شريف: لو عليا عايز أقضيهم معاكي. ابتسمت ريتال له بامتنان، ولكن بداخلها كانت تقول: وأنا أريد أن تقضي معي باقي أيام عمري. ربنا يباركلي فيك يا بابا. شريف: هتفضلي زعلانة مني يا ريتال؟ تنهدت ريتال
وأجابت سؤاله بسؤال آخر: لو قولت إني مش زعلانة هترتاح؟ شريف: لأ يا ريتال مش هرتاح لأني عارف إنك بتكذبي. ريتال: وحضرتك وماما الله يرحمها مش ربتوني على الكذب، عشان كده مقدرش أقولهالك. شريف: صدقيني أنا ولا يوم نسيت أمك. هي جوا قلبي وعقلي، هي كانت جزء من روحي ومات معاها لما ماتت. لكن حبها جوايا مستحيل واحدة تانية تاخد مكانها في قلبي. لتخبره بتقرير: بس بسهولة واحدة تانية أخدت مكانها في حياتك.
شريف: ريتال، أنا اتجوزت مش هنكر وأقول إني مكنتش محتاج لده، بس أنا كنت لوحدي. أمك ومن بعدها انتي، كنت بموت ومع ذلك اكتفيت لأني واثق إنك بخير. الست اللي اتجوزتها ست أرملة ومعاها بنت وولد، كانت محتاجالي في حياتها. عيلة جوزها كانوا بيظلموها وبيظلموا أطفالها اللي كانوا لسه مش عارفين حاجة في الدنيا. هي كانت جارتي واتجوزتها من ٦ سنين، هي ست بسيطة جدًا و..... قاطعته ريتال: عندك ولاد منها؟ شريف: إيه؟
ريتال: الست اللي حضرتك بتكلمني عنها وبتوصفلي في محاسنها وظروف جوازك منها خلفت من حضرتك؟ ليسألها هو بتهرب من نظراتها الخذلة: ولو خلفت منها مش هتتقبلي أولادي منها واللي هما هيكونوا أخواتك؟ نظرت إليه بألم: بابا، أنا مش بحاسبك. يمكن انت صح ومن حقك تتجوز، وإن أنا كنت أنانية لما تخيلت إنك هتفضل عايش لوحدك على ذكرى ماما وتكتفي بالذكريات و (رفعت رأسها لأعلى وأخذت عدة أنفاس)
يمكن بعد وقت أقدر أتقبل الموضوع ده وإن دي حياتك وحضرتك حر فيها. ولو أنا عندي أخوات فهم أخواتي حتى لو من واحدة غير أمي، إلا إنهم من صلبك. وسواء أنا اتقبلت ده أو أنكرته، إلا إن كونهـم أخواتي حقيقة ثابتة. أشفق شريف على ابنته
من أن يتسبب في ألمها: لأ يا ريتال، مخـلفتـش منهـا. أنا عارف إنك قوية وأنك ذكية جداً من صغرك وصادقة. أنا فخور بيكي يا ريتال وباللي وصـلتيـله. النهـاردة وأنا شايفك وسط الناس الدكتورة الكبيرة اللي الكل بيعملها حساب وشخصيتها قوية، كنت فخور بيكي وتأكدت إن تضحيتي لما عشت لوحدي وفضلت إنك تعيشي مع جدك مضاعتـش هدر. نظرت
إليه بألم تحاول إخفائه: يؤسفني أقول لحضرتك إني ما عيشتش مع حد. أنا كنت لوحدي. قاسم رسلان اللي انت كنت واثق إني معاه بخير كان مجرد سجان ليا. حد بينتقم منك عن طريق إنه يبعدني عنك ويحرق قلبك. (حاول والدها أن يتحدث وقد صدم من حديثها ولكنهـا رفعت يدها توقفـه) أرجوك يا بابا، أنا النهاردة مبسوطة زي ما حضرتك قلت. أنا عروسة وفرحانة. مافيش مجال إني أتكلم عن حد كان سبب تعاستي وقهرى ووحدتي. عن إذنك، هقوم أرتاح قبل ميعاد سفرك.
في القاهرة مساءً، يجلس في غرفة المكتب بعد أن أنهى عمله. ينظر إلى حاسوبه، يتفقد بعض الأخبار. بعد يوم عمل شاق كعادته، فهو لا يهتم بشيء سوى العمل. أما عمل، أو التفكير بحبيبة الفؤاد تالا، معشوقته الباردة والتي تقتله بسهام عينيها الجليدية.
فتح الأخبار الاقتصادية، وبعد قليل رأى ما جعل دقات قلبه تتوقف. صورة حبيبته تقف بجوار رجل يعرفه جيدًا وقد رآه من قبل أكثر من مرة. يضع ذراعه عليها بل ويحاوطها به، يضمها إليه بقوة. وهي، هي تبتسم بسعادة. قرأ العنوان المكتوب فوق الخبر الذي يدل على صدق الصورة: رجل الأعمال العالمي عمر الجزيري يحتفل اليوم بعقد قرانه في نيويورك على الدكتورة المصرية المرموقة بمجال الطب ريتال المهدي.
ظل يقرأ أكثر من مرة حتى تأكد أن ما يراه حقيقة وأنه لا يتوهم ذلك. وعندما استوعب ما رأى، كان الحاسوب يطير من أمامه لكي تكون نهايته محطمًا على أرضية المكتب.
اهتاج جسار ولم يترك شيئًا أمامه إلا وحطمـه. جذبت أصوات التحطيم انتباه الخدم واقتربوا سريعًا. وقف قاسم رسلان أمام حفيده يراقبه وهو يتنفس بقوة والغضب يتملكه، وقد أصابه الذهول من حالة حفيده التي يراها لثاني مرة. فقد كانت الأولى عندما أتت ريتال هنا في زيارتها الماضية لمصر وعلم حينها أن حفيده الأكبر يعشق حفيدته الوحيدة. وقد رأى حينها كيف تعاملت معه ريتال بل ورفضته أمام العائلة.
(أبعد حفيدك عني يا قاسم يا رسلان، اشتريله لعبة يلعب بيها غيري أو شوفله سجينة تانية بعد ما أنا اتحررت منك ومن سجنك) عاد إلى الواقع وإلى حفيده. قاسم: أنت اتجننت! إيه اللي وصلك للحالة دي؟ بتكسر المكتب بالشكل ده ليه؟ لم يرد عليه جسار، وإنما تركه يراقب رحيله من المكتب بذهول، ذهول من تجاهله له لأول مرة في حياته. عودة إلى نيويورك:
ودعت أبيهـا وهي تقف شامخة بصلابة. رغم صعوبة اللقاء وصعوبة الفراق وصعوبة كل ما مرت وتمـر به الآن، إلا أنها تقف ثابتة تحاول الصمود، تحارب من أجل العيش بقوة. نظر إليها عمر ودون أي كلام، حاوط كتفيها بذراعه وأمال رأسها إلى وجهه وطبع قبلة على جبينها. تلك القبلة جعلتها تشعر أنه يمدها بالقوة أو أنه يكافئها على صلابتها والتي لا يخفي عليه الضعف من خلفها.
ذهبوا إلى إحدى الكافيهات والتي لا تغلق أبدًا في تلك المدينة المزدحمة دائمًا. ظل يراقبها وهي تشرب قهوتها بشرود ولم يحاول قطع شرودها. عندما انتهت من قهوتها، كانت الساعة أصبحت الثامنة صباحًا. عمر: إيه لسه مش جعانة؟ ولا مش حابة نفطر هنا، نروح المطعم اللي بتحبيه. ريتال: لأ، ماليش نفس للأكل أبداً. أنا لخبطت امبارح في الأكل ومعدتي مش تمام حاليًا. عمر: عيب عليكي يا دكتورة، معدتك مش تمام وساكتة على نفسك.
ريتال: لأ مش ساكتة، أخدت دوا بالفعل. لكن حقيقي مش هقدر أفطر دلوقتي، وكمان انت هوصلني دلوقتي على المستشفى. عمر: مستشفى إيه النهاردة؟ اليوم هنقضيه مع بعض. ريتال: كفاية الأيام اللي أنا مروحتش فيها. عمر بتذمر طفولي: ريتاااأال. ريتال بابتسامة: أوعدك إن شاء الله نتغدا سوا. لم يشأ عمر أن يضغط عليها فهاودها دون أن يتنازل: خلاص الساعة ٣ بالضبط هجيلك يا ريتال واعملي حسابك هتقضي باقي اليوم معايا. ريتال: إن شاء الله، هحاول.
عمر بإصرار: إن شاء الله أكيد. خرجت من غرفتها بعد أن استعدت للخروج. وجدت ليلى تتناول الإفطار بمفردها على الطاولة. فاليوم لديها محاضرة بالجامعة وتخرج مبكرًا من المنزل. ماريا: صباح الخير. ليلى: صباح النور. إيه ده غريبة، مستعدة بدري النهارده؟ إيه النشاط ده كله؟ أنا قلت هتقضي اليوم نوم بعد تعب امبارح. ماريا: لأ، عندي شغل ضروري النهاردة ولازم أخرج بدري. ليلى: ربنا معاكي. طب اقعدي افطري الأول.
ماريا: لأ مش عايزة أفطر. أستناكي أوصلك الأول؟ ليلى: لأ حبيبتي، روحي انتي. موفقة بإذن الله. ماريا: إن شاء الله. أوشكت على الخروج من باب المنزل ولكن توقفت عندما سمعته ينادي عليها. التفتت إليه ببطء. ماريا: نعم يا مروان؟ مروان: استني هنزل معاكي. ليلى باستغراب: انت كمان نازل بدري؟ وبعدين مش تقول صباح الخير الأول. مروان باقتضاب: صباح الخير.
في سيارة ماريا، كانت تقود السيارة ولم تنظر إليه أبدًا ولم تتحدث إليه كعادتها اليومية طوال الطريق. مروان: ماريا، أنا آسف. (وعندما لم يجد رد) صدقيني والله مكنتش أقصد. أنا اتضايقت بس لأن حقيقي الفستان كان مكشوف أوي. وأنا قبل كده لمحتلك عشان تنتبهي لهدومك، لكن انتي بتطنشيني. وأنا بتعصب جداً لما بشوفك لابسة لبس مش عاجبني. أنا والله منمتش طول الليل عشان عارف إني قسيت عليكي بالكلام وإنك نايمة زعلانة مني. ردي بقى.
أوقفت السيارة على جانب الطريق، وكانـت قد وصلت أمام المبنى الذي به شركتهم. التفتت إليه بكاملها: ليه؟ مروان: ليه إيه؟ ماريا: ليه بتضايق من لبسي؟ وليه بتتعصب؟ وليه اتضايقت أكتر لما كنت واقفة مع صديق عمر امبارح؟ لم يعلم بما يجاوبها وقد فاجئته بالسؤال: لأنك... علشان أ... ماريا بلهجة واثقة: لأنك بتغير؟ مروان بصدمة: انتي بتقولي إيه؟
ماريا: مروان، خليك صريح مع نفسك ولو لمرة. أنا عارفة إنك مهتم بيا، وانت كمان عارف إني مهتمة بيك وبشوف ده في نظراتك وكلامك وغيرتك عليا. صمت مروان وقد واجهته هي بما تشعر. بينما أكملت هي: انت معرفتش تنام طول الليل لأن أنا زعلانة منك. يا ترى انت مش عارف ده معناه إيه؟ مش عارف يعني إيه تغير على حد لما تلاقيه بيتكلم مع غيرك؟ أو إنك تحس بغضب ونار جواك لما تشوف حد غريب بيبصله بإعجاب؟ لو انت مش عارف كل دول، أنا عارفاهم.
(سكتت عدة ثواني ومن ثم نطقت بثقة ولهجة ثابتة) أنا بحبك يا مروان. نظر إليها وهو يفتح عينيه على وسعهما وكأنه مصدوم من حقيقة مشاعرها والذي هي بالفعل نفس مشاعره التي يتهرب منها. وظل يحرك رأسه يمينًا ويسارًا بالرفض لما قالت، أو جعه رفضه وحقيقة تهربه من حبها، ولكنهـا على يقين أنـه يبادلهـا نفـس الشعور ولكنهـا فقط يتهرب منـه.
نزل مروان من السيارة دون أن يرد عليها بأي شيء، وهي وقفت تراقبـه إلى أن اختفى عن نظرها، ومن ثم تحركت بسيارتها. وصل إلى مطار نيويورك بعد إحدى عشر ساعة من سماعه للخبر. قضاهـم جالسًا في الطائرة الخاصة وهو يتذكر ملامح وجهها بالصورة. لم تكن بعينيها تلك النظرة الباردة التي دائمًا ما يراها بها، لم تكن ملامحها جامدة كما اعتاد منها الجمود. لقد كانت مشتعلة متوهجة.
لقد مر نصف يوم بالضبط منذ أن علم بأنها أصبحت لرجل سواه، ولكنـه لن يترك ذلك أبدًا أبدًا، لن يحدث وتكون لرجل سواه. وصل إلى المستشفى في تمام الساعة الثلاثة. وجدهـا تخرج مع ذلك الرجل من باب المستشفى وهي تسلم على بعض الأشخاص ويبدو أنهم يتحدثون عن ارتباطهم. اقترب منهم بخطوات لا توحي بالخير أبدًا.
في الشركة.. انتهت ماريا من العمل في مكتبها وأيضًا أنهت عملها بالمحكمة. دخلت إلى الشركة وهي تترقب رؤيته، ترجو أن يأتي إليها يضمها ويخبرها بعشقه، بل وتأمل أن يعتذر عن ما فعلـه صباحًا وجعلها تشعر بالألم. دخلت إلى مكتبها قضت به بعض الوقت، ومن ثم وجدتـه قد أتى إليها كما توقعت وتمنت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!