وصل عمر إلى المشفى والهاتف على أذنه يتحدث مع حبيبته. عمر: مفروض إني أجي ألاقيكي مستنياني برة. ريتال: عمر الساعة لسه مجتش ٣ أصلاً وأنا يدوبك خارجة من العمليات دلوقتي. عمر: طيب يلا بسرعة عشان صدقيني الساعة هتيجي ٣ بالضبط وإنتي لسه مش معايا في العربية، هطلع أخطفك بنفسي. ريتال: لا وعلى إيه، أنا خلصت لبس ونازلة بكل سلامية لوحدي من غير خطف ولا حاجة. تقابلا في صالة الاستقبال بالمشفى. اقترب منها
وضمه إليها بقوة واشتياق: وحشتيني. ريتال بخجل: عمر الناس يا مجنون. عمر: هشششش بقولك وحشتيني، مفروض تردي تقولي إيه؟ حاولت الابتعاد عنه ولكنـه لم يسمح لها، فقط أبعد جسدها وظل يحيطها بذراعه. لترد عليه بدلال: أقولك إني كنت معاك الصبح ده، غير إن طول اليوم امبارح مع بعض. عمر بجنون من دلالها: لأ غلط، إنتي فاشلة في الرد على جوزك يا حبيبتي، بس متقلقيش أنا هعلمك كل حاجة واحدة واحدة.
خرجا معاً من باب المشفى وقابلتهما زميلة لريتال بالمشفى وأوقفتهما لتبارك لهما معاً. أخذ يقترب منهما بخطوات سريعة غاضبة وبكل الغل والغضب بداخلـه لكم عمر في وجهه لكمة كادت أن تطيح به أرضًا، ولكنـه تماسـك وعاد خطوة إلى الوراء وقد ابتعد عن ريتال نتيجة لقوة الضربة. صرخت الطبيبة التي كانت تقف معهما، أما ريتال فنظرت إلى ما حدث بذهول وعمر ينظر إلى ذلك المختل بدهشة.
ودون تردد اشتبك معه اشتباك قوي، فالخصمان لا يقلان عن بعضها قوة. جسار يضرب بكل قوة وغضب بداخله وعمر يصد الضربات ويرد عليه بالضرب أيضًا. بينما أتى أمن المشفى وقد سمعوا صراخ الطبيبة الذي لم يهدأ بعد وحاولوا التفريق بينهما والسيطرة على الوضع. تخطت ريتال صدمتها واقتربت لتقف بينهما وكل واحد يحاول التخلص من أذرعة الأمن. صرخت ريتال: جسار! إنت اتجننت، متخلف عقليًا، صح؟
جسار بعنف: لسه ماشوفتيش جنان، واقفة جنبه وسيباه يحضنك يا محترمة، هقتلِك يا ريتال وقبلها هقتلـه قدامك لأنه لمسك. عمر بصراخ: ريتال ابعدي إنتي، وإنت أيـاك تنطق اسمها على لسانك. جسار بـهيـاج: إنت اللي متنتقـهوش، هي ملكي، حقي أنا، ولا الدكتورة المحترمة مقالتلكش على اللي بينا؟ ريتال بذهول: أقوله إيه يا مختل إنت؟ دا إنت تعديت مرحلة الجنون.
جسار: أيوه مجنون وإنتي سبب جنوني، أنا مصبرتش عليكي كل السنين دي كلها عشان في النهاية تكوني لغيري، مش هسمحلك أبدًا، إنتي ملكي أنا، سامعة، ملكي بتاعتي، كل حاجة فيكي ملكي، عقلك وقلبك وجسمك. أفلت عمر جسده من الأمن وبسرعة خاطفة كان يشتبك مع جسار مرة أخرى، ولكن هذه المرة تختلف، فالغضب متبادل والنار تشتعل بداخل الاثنين. كيف يجرؤ ذلك الحقير ويقول ذلك عن زوجته! لن يتركه بعد ما نطق به أبدًا.
بعد قليل كان عمر يسحب ريتال خلفه بقوة وفتح باب سيارته وأدخلها بعنف. ومن ثم استقل مقعده هو الآخر وقاد بسرعة جنونية. لم تجرؤ ريتال على التحدث، فـيكفي ما حدث بالداخل في مكتب الأمن بعد أن استطاعوا بصعوبة الفصل بينهما واستدعاء الشرطة لتقبض على جسار بتهمة التعرض لهما. ومن المفترض أن يذهبوا إلى قسم الشرطة، ولكن عمر اتصل بمحاميه ليتولى الأمر. ولا تعلم إلى أين يذهب بها الآن. تبًا لك يا جسار، لماذا ظهرت الآن؟
لما لا تبقى الأمور طبيعية ولو ليوم واحد؟ لما المشاكل لا تبتعد عني ولو قليلًا. دخل بسيارته إلى منزله الذي يقع في منطقة هادئة على أطراف نيويورك بعيدًا عن ضجيج تلك المدينة المزدحمة. نزل سريعًا من السيارة وفتح الباب المجاور لها وسحبها بعنف كما أدخلها. ريتال بصوت عالٍ من التوتر: بعرف أتحرك لوحدي، متجرنيش بالطريقة دي. عمر وهو يضغط على أسنانه: مش من مصلحتك تعترضي على حاجة دلوقتي خالص. ريتال: عمر متكلمنيش بالطريقة دي.
لم يهتم لأي من اعتراضاتها وأكمل طريقه إلى داخل المنزل، ومن ثم ترك يدها ووقف مقابل لها لا يفصله عنها سوى إنش واحد. عمر: إيه اللي بينك وبين جسار رسلان ابن خالك؟ أخذت عدة أنفاس تحاول تهدئة غضبها، ومن ثم ردت عليه: عمر فكر في كلامك قبل ما تقوله، وياريت لو تهدى الأول وبعد كده نتكلم. صاح بها بعنف: ريتال انطقي، إيه اللي بينك وبين الكلب ده؟ إيه اللي حصل بينكم يخليه يتكلم بالطريقة دي ويتصرف بالشكل ده؟
ريتال ببرود: طول ما إنت بالشكل ده مش هتكلم عن أي حاجة يا عمر. أمسكها من ذراعها بقوة سببت لها الألم. عمر: لأ ما حرزتيش، دا إنتي هتتكلمي وعن كل حاجة ودلوقتي حالًا. كان يعلم أنه يؤلمها، ولكن النظرة التي رآها في عينيه لم تكن ألمًا، وإنما شيئًا آخر يبدو كخيبة الأمل. علمت ريتال أنه خارج عن سيطرته، فحاولت هي السيطرة
على نفسها وأجابته بخفوت: مافيش أي حاجة بيني وبينه، لا كان فيه ولا في حاليًا ولا بيوم من الأيام هتجمعني أي حاجة بيه. عمر بعدم تصديق: ومفروض إني أصدق إن حالة الهوس اللي هو فيها دي من مافيش؟ أغاظها تهكمه عليها لتجيبه: تصدق أو لأ، دا شيء يرجعلك إنت، وحالته شيء يخصه هو، وإذا عايز تعرف سببها روح اسأله. ليرد بصوت هز الجدران حوله: أنا بسألك إنتي، إنتي اللي مراتي وإنتي اللي هتجاوبيني. نظرت إليه وتنفست لتجيبه
بهدوء يسبب له الغيظ: وأنا فعلًا جاوبتك، جسار رسلان لا يعنيني في شيء. عمر: بس إنتي تعنيه، ومش شيء دي أشياء. ريتال: الأشياء دي تلزمه هو، متلزمنيش، جسار رس... قاطعها عمر بعنف أكبر: تاني مرة تنطقي اسمه، وصدقيني المرة التالتة مش هيعجبك رد فعلي أبدًا. أغمضت عينيها للحظات فقط وفتحتها تنظر له في عينيه تواجهه بكل قوة دون أن تخشى غضبه. ريتال: الشخص اللي إنت بتسألني عنه أنا مش ملزمة عن مشاعره المتخلفة تجاهي.
عمر: وإيه هي بقى مشاعره المتخلفة دي؟ إلى هنا وقد انتهت قدرتها على تحمل اتهاماته. ريتال: عمر أنا عايزة أمشي من هنا دلوقتي. تنفس عمر بعمق ومسح على وجهه وهو يستغفر في محاولة منه للهدوء: صدقيني أنا بحاول بكل جهدي أتعامل معاكي بهدوء، فتكلمي يا ريتال واحكيلي كل حاجة عنه. ريتال: ماشي يا عمر هحكيلك، بس يكون في معلومك اللي عملته معايا وأسلوبك ده هيغير كتير أوي في علاقتنا. ليرد عليها دون أن يفكر: دا إذا استمرت.
لم يستوعب ما نطق به لسانه إلا عندما رأى كيف اتسعت عينيها بصدمة، وقبل أن يحاول نفي ما قاله رأى الصدمة تتحول إلى جمود. وجهها الذي كانت انفعالاته ظاهرة عليه اختفت كل الانفعالات والألوان منه لتعود في وجهه ويتذكر لمحة لها وهي تطببه في مصر أثناء إصابته. نطقت هي بلهجة جليدية مؤكدة لما قاله: طبعًا. وسحبت ذراعها منه وكان قد خفف من ضغط أنامله حوله واتجهت إلى أقرب مقعد وجلست عليه تضع قدمًا فوق الأخرى.
جلست بكبرياء رغم كرامتها المجروحة ورغم المجهود المبذول لكي تكون بتلك الصلابة. قلبها كان يرتجف وأصبح يضخ الألم في شرايينها وأوردتها كما يضخ الدم. ريتال: هحكيلك وبالتفصيل الممل كمان، نبدأ من نقطة الصفر للأحداث والمعرفة.
في السابعة عشر من عمري توفيت والدتي، وقبل ما العزا ينتهي كان قاسم رسلان أخدني من بيتي هو وحفيده. والفترة اللي رحت فيها مكنتش أعرف هناك غيره هو، لأن قاسم بعد ما استلمني ماحاولش يقرب مني أو يتكلم معايا. وقتها شفته بنظرة مراهقة رغم إنه كان خطب وقتها.
كنت بسأل عن بابا اللي مشوفتهوش من بعد ما أخدوني منه، ومكنش مسموح لي أذكر اسمه أصلًا بأمر من قاسم بيه. وعشان البنت تنسى أبوها لازم يشغلوا عقلها بحاجات كتير، خروج وفسح وملاهي وفساتين جديدة وعالم جديد كان مصنوع في خيالي من وأنا طفلة، وكان كل ده متمثل في شخص واحد، الحفيد الأكبر (وتعمدت أن لا تنطق اسمه تنفيذا لما أمر به) واللي مهمته إن ريتال تنسى شريف المهدي نهائي. (وأكملت بابتسامة مستهزئة)
لكن ريتال بدل ما تنسى شريف أعجبت بالحفيد وشافت فيه الأمير اللي بيحقق كل الأحلام الوردية وإنه هيكون بطل قصة الحب اللي رسمها عقل المراهقة الصغيرة. (ليختفي الاستهزاء منها وهي تخبره هو)
لكن مفيش حاجة حلوة بتستمر. بعدها اكتشفت المراهقة دي إن البطل ده مش لقصتها وإنما هو لرواية تانية بطلتها بنت تانية أكبر منه، شابة من عيلة تليق بعيلة رسلان، متعلمة ومثقفة. لكن للأسف البطلة اللي هي أنا، مفهمتش كل ده وقتها أو متقبلتوش. وروحت بكل بساطة وبراءة اعترفت للبطل بالحب، وهو كان عاقل بما فيه الكفاية عشان يعرف إن اعترافي ده ماهو إلا مراهقة مني بسبب ظهوره في حياتي في فترة خسرت فيها ماما وبعدت عن بابا، واللي هما كانوا كل عالمي ودنيتي. وشرح لي إنه أكبر مني ومش مناسب، والحقيقة كان عنده ضمير وقتها في الموضوع ده. وحتى طلب مني أناديه بأبيه لأنه أكبر مني وبس. انتهت الحكاية قبل ما تبتدي.
(عدلت وضعية قدميها وأراحت جلستها وأخذت نفسًا عميقًا وزفرته ببطء. فالقادم أصعب)
وبعدها بالصدفة سمعت قاسم رسلان وهو يتكلم مع ابنه وحفيده عن بابا، وكان كلامهم بغل وحقد. وفهمت من كلامهم سبب وجودي في قصرهم الكبير وعدم اتصال بابا بيا زي ما وعدني ولا حتى إنه ييجي يشوفني. وقررت إن لازم أرجع لبابا عشان يعرف هو سايبني عند مين. وحاولت أرجع له. بصعوبة كبيرة بعدها قدرت أهرب منهم وخرجت من المدرسة بعد ما السواق دخلني ومشّي وهو مطمئن إن خلاص دخلت. وروحت على الحصن بتاعي اللي كنت متخيلة بكل تفكير بريء إنهم مش هيقدروا يسرقوني منه، ولكن كانت النتيجة إن صاحب الحصن الأمن والحامي بتاعي هو اللي رجعني بنفسه قبل ما هما يكتشفوا هروبي.
(صمتت مرة أخرى وغص الكلام في حلقها ودمعة هددت بالنزول، جاهدت لمنعها، لتتمالك نفسها وأكملت) رجعني ليهم بصورة بتجمعني بيه هو وماما والمذكرات بتاعتها، وسلمني ليهم بكل سهولة ومشي بدون ما يبص وراه. ومن بعدها اختفت البراءة وظهرت تالا اللي اهتمتش بأي شيء إلا دراستها عشان تكون أشطر دكتورة وتحقق أمنية أغلى إنسانة على قلبها.. الإنسانة الوحيدة في حياتي اللي مخذلتنيش. (وأضافت بابتسامة منكسرة) أصل الخذلان صعب أوي.
بعد امتحانات الثانوية كان القرار اللي صدر من قاسم رسلان إني أسيب مر كله وأقضي بقيت حياتي في سجن مفتوح في بلد غريب. (حاول أن يتحدث، أوقفته بحركة من يدها وأكملت بهدوء تحسد عليه)
وأنا استغليت السجن وكل حاجة وفرهالي فيه وبقيت زي ما أنا عايزة وأكتر، وبمجهودي وصلت وكبرت وحررت نفسي من السجن اللي تمثل في شخصين، قاسم رسلان وحفيده اللي حاول بشتى الطرق إنه ينول قلبي، لكنه محزرش إن البنت الصغيرة اللي كانت شايفاه بطل كبرت وبقت تشوف الناس على حقيقتها. وبعد ما نولت حريتي وبقى عندي بيت يؤويني وطريق أمنتـه لنفسي عشان أمشي فيه، جالي بكل صفاقة يقول إنه طلق مراته لأنه مقدرش يحبها وإني أنا حبيبتـه وكلام كتير
كان المفروض إنه ينول قلبي بيه، لكنه مانالش مني غير اشمئزازي منه. ولما ألح وخنقني بطلبه ومحاصرته ليا في مصر أثناء زيارتي الأخيرة واللي كانت لظروف خاصة بصديقتي، روحت قصر رسلان بنفسي وأمام الكل رفضته مع شوية كلام اعتبرتهم رد اعتبار ليا منهم. وآدم وقف جنبي وقتها لما جـ...
(ولكنها قطعت الاسم) أخوه حاول يتعرضلي لدرجة إن المتخلف شك إن في حاجة بيني وبين آدم وراقبني بعدها فترة لحد ما اتأكد من سوء ظنه ومشي وهو مطمئن إن العصفورة لسه في إيده. ما يعرفش إن ريتال المهدي أبعد ما يكون عن العصفورة.
انتهت من الحديث وهو كان يراقبها بصمت دون أن يحاول مقاطعتها، فقط يسمعها وهو لا يبعد نظره عنها ويحلل التفاصيل التي يسمعها. أرادت أن تخرج تنهيدة تعب بعد كل ما تحدثت به ولكنها لم تفعل. لأول مرة منذ زمن تراه بعيدًا جدًا تجد صعوبة في السيطرة على جمودها. لأول مرة تشعر بالتهديد على حالتها الباردة التي تجيد صنعه دائمًا، وليس صنعه بل عيشه بالفعل حتى وإن كان القلب يتألم ويشتعل من نار الألم.
ريتال بابتسامة باردة: خلصت الحكاية، مسلية صح؟ تجاهل استهزائها وسألها: ليه محكيتيش الموضوع ده قبل كده؟ ريتال بذات الابتسامة: لأنه تافه. ليعلق عليها: تافه؟! ريتال: أيوه، معنى إني أتكلم عنه إنه يشغلني أو بفكر فيه، وهو بالنسـبالي أتفه من كده. كل دقيقة من عمري أغلى من إني أقضيها في ذكر أشياء متهمنيش. ليسألها بضيق: ومش شايفة إني كان من حقي أعرف كل ده؟
لتجاوبه بمجابهة: من حقك تعرف إذا كنت مرتبطة قبلك أو لأ، من حقك تعرف إذا حبيت قبل كده أو لأ، من حقك حاجات كتير أوي لو كانت الحاجات دي تخصني. لكن للمصداقية أنا فعلًا كنت هحكيلك، لكن مش عشان ده شاغلني، لأ، دا لأنك سألت ليه أنا بعيدة عنهم، ليه هما بالنسبة ليا مش عيلتي، وليه فضلت عليهم ناس مش من دمي. جلس على الأريكة المقابلة لمقعدها بتعب وهو يدلك جبينه بأرهاق قائلاً: إنتي غلطتي يا ريتال، كان لازم تحكيلي.
ريتال: إنت بنفسك قولت إني مش هسأل إلا لما أنا اللي أحكيلك، دلوقتي بتقول إني غلطت؟ عمر: لأني مكنتش عايز أضغط عليكي، ولأني فكرت إن مقاطعتهم ليكي بسبب رفضهم لجواز مامتك زمان، إنما حاجة زي دي كان لازم أعرفها، على الأقل مكنتش هنتحط في الموقف ده. مدت شفتيها بلا مبالاة مصطنعة، ظهر الاصطناع فيها واضحًا عندما ارتعدت من الألم. ريتال: مين عارف، مش يمكن دي ترتيبات القدر عشان الموقف ده يحصل. ليسألها بترقب: قصدك إيه؟
ردت عليه بنبرة جليدية: إنت طلبت مني ثقة، قولت إنك بتثق فيا وطلبت إني أثق فيك، بس مع أول موقف نتحط فيه الثقة اتبخرت. عمر بانفعال: ثقة إيه اللي بتتكلمي عنها في موقف زي ده؟ ريتال ببرود وهي تمسك هاتفها: بتكلم عن الثقة اللي إنت أوهمتني بيها واللي على أساسها اتبنت علاقتك بيا. رآها تضع الهاتف على أذنها. عمر: ممكن تسيب الزفت ده وتتكلمي معايا من غير برودك ده؟ ريتال: مش مضطرة تتحمل برودي، أنا بطلب تاكسي عشان أمشي. عمر
بلهجة خافتة وأعصاب مشدودة: ريتال اقفلي الاتصال وارمي الزفت ده من إيدك دلوقتي بدل ما أقوم أكسره ١٠٠ حتة. بدون نقاش فعلت ما يقول، فهي تعلم أنه الآن ليس بحالته الطبيعية. عمر: أنا بثق فيكي وإنتي عارفة كده كويس. ريتال: فين الثقة اللي بتتكلم عنها؟ مشوفتهاش يعني وانت بتسحبني وراك لحد هنا وبتعاملني بأسلوب همجي وتسألني إيه اللي بيني وبينه.
رد عليها بأنفعال: وإنتي عايزاني أعمل إيه لما واحد ييجي يقول على مراتي إنها ملكه وحقه، والواحد ده مش غريب، دا ابن خالها؟ ريتال: تسأل وتفهم وتحكم عقلك. عمر: ود اللي حصل، إني سألتك. رفعت عينيها إليه وبنظرات تتكلم قبل لسانها. ريتال: إنت بتسمي اللي حصل ده سؤال؟ ده اتهام مش سؤال. نفى كلامها وهو يضغط على خروف كلماته: لا مش اتهام يا ريتال، أنا لو كنت شكيت للحظة واحدة فيكي مكنتش جبتك على هنا، وإنما كنت طلقتك فورًا.
ريتال بجمود أشد: اعتبر نفسك شكيت. حرك نظراته بين عينيها وملامح وجهها: ريتال أنا بحاول أسيطر على نفسي فمتحوليش تستفزيني. ريتال: صدقني أنا أبعد ما يكون عن استفزازك دلوقتي، أنا كلامي رد على كلامك مش أكتر، وإنت اللي اخترت إننا نتكلم دلوقتي رغم إني حذرتك إن كلامك وأسلوبك هيغير في علاقتنا وردك هو "إذا استمرت"، وللأسف كلمتك كانت صح. لعن نفسه بداخله: ماتستغليش كلمة قولتها في وقت غضبي يا ريتال وتاخديها ضدي.
أنهت ريتال الحديث بقولها: أنا عايزة أمشي من هنا يا عمر. جلس ينظر إليها وهي قررت تجاهل النظر إليه، يراقب برودها وجمودها المغيظين له. وقف عمر وهو يخلع سترته ويظهر من أسفلها قميصه الذي تقطعت بعض أزراره أثر الاشتباك. عمر: هطلع أغير هدومي وأنزل يا ريتال، ياريت متتهوريش وتفكري تمشي قبل ما أنزل.
لم ترد عليه وهو لم ينتظر ردها وفور صعوده اتجهت إلى الشرفة المقابلة لها وفتحت الباب الزجاجي الذي يظهر من خلفه مشهد رائع للحديقة. وقفت تتنفس أنفاس منفعلة وهي تشعر بالخسارة والهزيمة، ولكنهـا لن تتسرع، لن تفكر بشيء الآن، فلـتترك التفكير وهي بهذه الحالة وتحاول فقط الهدوء. ولكن من أين ذلك؟ بماذا سوف تفكري يا ريتال؟
انتهى الحلم الوردي. انتهى بعد أن فتح قلبك أبوابه المغلقة أمام عمر. انتهى بعد أن وجدتِ حضن الأمان. هذا ليس عدلًا، ليس عدلًا على الإطلاق. تبًا لك يا جسار، لعلك لا تهنأ بحياتك أبدًا. أتمنى أن تموت حرقًا، لعلي يتلاشى رماد جسدك مع الهواء.
بعد ربع ساعة نزل عمر وقد تحمم سريعًا وبدل ملابسه بأخرى نظيفة وهو يبحث عنها بعينيه يخشى أن تكون قد رحلت، ولكن وجد باب الشرفة مفتوحًا فعلم أنها هناك. وقف خلفها يراقب شرودها الحزين وهي تنظر للسماء في شكوى صامتة. لم يستطع تحمل أن يراها بتلك الحالة، فااقترب منها وأخذها في أحضانه وهو يعتذر. عمر: أنا آسف، آسف سامحيني، والله بثق فيكي، لكن الموقف كان صعب وغصب عني اتعصبت عليكي، سامحيني يا عمري.
شعرت أنها على وشك الانهيار فقاومت، قاومت بأقصى ما تملك من قوة. ريتال: سيبني يا عمر. عمر: عمري ماسيبك، دا مكانك، حضني هو بيتك، بحبك وعمري ماهبعد عنك. ريتال بخفوت: أرجوك سيبني لو بتحبني سيبني ومشيني من هنا. عمر: حاضر، أنا تحت أمرك يا ملكة قلبي، إنتي أؤمري وحبيبك ينفذ، لكن اوعديني إنك تعذريني على اللي حصل. جاوبته بعد أن ابتعدت عن حضنه: متطلبش مني وعود يا عمر.
وسبقته تخرج من الشرفة ومن ثم المنزل وإلى السيارة وهو لحقها وهو متوتر لحالتها. في الشركة انتهت ماريا من العمل في مكتبها وأيضًا أنهت عملها بالمحكمة. دخلت إلى الشركة وهي تترقب رؤيته، ترجو أن يأتي إليها يضمها ويخبرها بعشقه، بل وتأمل أن يعتذر عن ما فعله صباحًا وجعلها تشعر بالألم. دخلت إلى مكتبها قضت به بعض الوقت ومن ثم أتى إليها كما توقعت. مروان بتوتر: ماريا، إحنا لازم نتكلم.
ماريا بهدوء: اقعد واتكلم يا مروان، أنا سبق واتكلمت ودلوقتي دورك إنت عشان تتكلم. مروان بأسف: بصي، وأرجو منك إنك تفهميني.. إحنا منفعتش لبعض، أنا وإنتي مختلفين تمامًا، أنا من دنيا وإنتي من دنيا تانية. أنا مش هنكر إن فعلًا في حاجة ليكي جوايا، إلا إني مقدرش أستسلم ليها. أنا منسيتش زينب يا ماريا ولا هقدر أنساها. إنتي طيبة جدًا وأحسن بنت في الدنيا، لكن مش ليا أنا. سألته ماريا بوجع: ليه يا مروان؟
مروان: أنا مش هحب تاني يا ماريا، مش هدخل أي واحدة حياتي، كفاية اللي دخلت وماتت بسببي ولسه بتألم عشانها. إنتي قبل كده قولتي إنك تستحقي السعادة وتستحقي الأفضل، وصدقيني الأفضل ده مش أنا أبدًا. أنا هتعسك وأضيع سعادتك. اللي مقدرش عادل يدمره فيكي أنا هدمره، وأنا مقدرش أعمل معاكي كده، إنتي أغلى من إني أتسبب في حزنك يا ماريا. ابتسمت له وقد سقطت دموعها على خديها. ماريا: خلاص يا مروان فهمتك، مفيش داعي تكمل.
مروان بألم: أرجوكي يا ماريا مش عايزك تحزني، بس فكري إني برفضك، وإنما أنا... أنا مقدرش. ماريا بابتسامة مرتعشة وألم: أنا اللي برجوك كفاية، متحسسنيش إني مثيرة للشفقة أوي كده، خلاص الموضوع وانتهى وأنت هتفضل صديقي وفرد من عيلتي، دا لو تقبل طبعًا. مروان: إنتي عمرك ماكنتي مثيرة للشفقة أبدًا، إنتي دايمًا فخر لأي حد تنتمي له، وهتفضلي صديقتي وافتخر إنك صديقتي كمان.
هزت رأسها دون أن تتحدث، وهو لم يجد ما يقوله فخرج من أمامها سريعًا قبل أن يتهور ويضمها إليه، فهو لا يتحمل أن يراها هكذا. بعد أن خرج، وقفت سريعًا وأغلقت الباب خلفه، ومن ثم جلست على الأرض في أحد الأركان وأخذت تبكي بحرقة وهي تكتم نشيجها بيدها حتى لا يسمع أحد. لم تعلم كم ظلت من الوقت تبكي، ولكن شعرت أن روحها أوشكت على الخروج من جسدها. وقفت وأخذت هاتفها وبنظر مشوش من أثر البكاء طلبتها. عندما
أتاها الرد قالت بحرقة: إنتي فين يا ريتال، أنا محتاجالك. على الجهة الأخرى كانت تجلس بجانبه في السيارة. سمعت رنين هاتفها ورأت أن ماريا من تتصل، فتحت الخط وقبل أن تتحدث سمعت صوت ماريا الباكي وهي تسألها أين هي. ريتال بفزع: مالك يا ماريا. ماريا بحرقة: أنا محتاجالك. ريتال: أنا جيالك، قوليلي بس إنتي فين؟ ماريا: أنا في الشركة تعاليلي يا ريتال. وأغلقت معها دون أن تزيد شيئًا آخر. عمر بقلق: في إيه يا ريتال؟
ريتال: مافيش، بس وصلني على الشركة، ماريا محتاجاني. عمر: في حاجة حصلت؟ ريتال: لأ مافيش، هي بس تعبانة شوية وعايزاني. عمر: إنتي كمان تعبانة ومحتاجة ترتاحي، لو كده خليها تنزل وأوصلكم إنتوا الاتنين على البيت. ريتال بجمود: شكرًا، أنا هطلع وبعدين نبقى نروح كلنا.
وصلوا أمام الشركة وفتحت ريتال باب السيارة لكي تنزل. ولكن قبل أن تذهب نظرت إليه نظرة أخيرة أوجعته، لا يعلم لماذا شعر بالألم لتلك النظرة. بعد أن اختفت من أمامه رفع هاتفه واتصل بأحد مساعديه يطلب سيارة بحراسة لكي تكون خلف ريتال دائمًا دون علمها. هو لا يأمن ذلك المختل ويشعر بالقلق عليها. بداخله خوف كبير مصدره هي. قرر أنه لن يتحرك من مكانه إلا عندما يأتوا الحراس الذي قام بطلبهم. جلس بسيارته لمدة لا تقل عن عشرين دقيقة، ومن ثم رأى السيارة الخاصة برجاله تقترب منه. نزل منهم فردًا وتحدث معه وأخذ التعليمات، ومن ثم نزل وعاد إلى السيارة الأخرى وانطلق هو بسيارته رغم أن بداخله رغبة على البقاء.
صعدت ريتال واتجهت إلى مكتب ماريا سريعًا وحاولت فتحـه، ولكنها وجدته مغلقًا. ريتال بهدوء وقلق: ماريا افتحي. ما إن سمعت صوت رفيقتها فتحت الباب سريعًا وارتمت بأحضانها تبكي بحرقة. ظلت تبكي كثيرًا وكأنها لم تكن تبكي منذ قليل، بكت وكأنها لم تبكِ منذ دهور. ظلت ريتال تربت على ظهرها، وفي داخلها رغبة بأن تنهار هي الأخرى في البكاء مثلها. بعدها أجلسـتها على أحد المقاعد وأعطتها كوب ماء بارد، ومن ثم مسحت لها وجهها.
ريتال برفق: ارتحتي يا حبيبي؟ ماريا بتعب من أثر البكاء: لأ مرتحتش ولا عمري هرتاح. ريتال: طيب يلا نروح على البيت ونتكلم هناك. لم تعترض ماريا ووقفت لتتحرك معها وهي تحاول إخفاء وجهها عن الموظفين خارج مكتبها. خرجتا من البناية معًا ويداهما بيد بعض. لا تعلم من يتمسك بمن. وما إن تحركا خارج البناية حتى مرت سيارة سريعة تطلق الرصاص تجاههما لتصيب أحدهم بطلقة في مقتل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!