قاسم رسلان أمام الباب، تواجهه ريتال وجهًا لوجه ويتبادلا النظرات غير المفهومة بالمرة. قطعت الصمت وهي تفسح له الطريق وتقف جانبًا لكي يدخل: اتفضل. دخل قاسم وهو ينظر حوله ويتفحص كل شيء ثم سألها: عاملة إيه يا ريتال؟ لتجيبه بهدوء وهي تشير له بالجلوس: الحمد لله. جلس قاسم وجلست هي مقابلة له، وعاد بنظره إليها وسألها ببرود ظاهري: لسه قلبك مصفّيش؟ لسه كرهك ليا بيكبر كل يوم عن اللي قبله؟ جواكي إحساس بشع إنك تنتقمي مني صح؟
نظرت إلى الأرض لعدة لحظات تفكر فيما قاله ثم رفعت نظراتها إليه: حضرتك جاي علشان تسألني الأسئلة دي؟ ليبتسم ابتسامة باردة: ده إقرار بالواقع. تعجبت من يقينه بما قاله: ومين قال لحضرتك كده؟ اتسعت ابتسامته وقد اكتسى الألم محياه: لأنك تشبهي حد أعرفه أوي. ريتال بابتسامة جانبية: والحد ده هو أنت صح؟ ابتسم نفس ابتسامتها: أيوه للأسف. اوعي تفتكري للحظة إني ندمان على أي حاجة عملتها معاكي، أنا مش ندمان ولو رجع بيا الزمن هعمل كده.
ردت عليه وهي تدرس الألم الذي تنطق به ملامحه: وأنا عارفة إنك مش ندمان، ومع ذلك جاي علشان أسامحك. بس مش شايف إنها غريبة شوية إزاي بتطلب السماح على حاجة مش ندمان عليها؟ قاسم: بطلبه علشانك انتي. ريتال: معنى إنك مش ندمان إنك مش حاسس بغلطك، وده سبب يخليني ما أهتمش بأي كلمة حضرتك بتقولها. رد عليها بنظرات لم تفهمها: في سؤال سألتيني عنه أكتر من مرة، مستعدة تسمعي إجابته؟ نظرت إليه
وقد طار البرود من عينيها: آخر لقاء بينك وبين أمي؟ هز رأسه بإيجاب وارتعشت ملامحه وهو يجيبها: كانت جاية علشان أسامحها رغم إنها مش ندمانة على غلطها، واللي هو مش غلط. ضحكت بسخرية ممزوجة بالألم: وحضرتك بتكرره معايا دلوقتي، وأنا اللي صدقت إنك جاي علشاني. أكمل
دون أن يبالي لسخريتها: كان ردي عليها هو نفس ردك، بل أشد وأقسى. قلت لها ترجعي بنتي تاني، واللي كانت أغلى ما عندي. طلبت منها ترجع كل السنين اللي بعدتهم عني وعشت من غيرها. طردتها ورفضت أسامح وأفتح صفحة جديدة. مقدرتش أكون الشخص اللي يتقبل كل الماضي، وإن بنتي اللي طول عمرها في طوعي وحاسس إنها سندي ويمكن أكتر من أخوها الراجل اللي أكبر منها، تبعد وتبيع. علشان واحد ما يسواش. أنا رفضته مش بس لأنه فقير أو ملوش مستقبل، لكن عشان
قدر يسرق بنتي مني. وبعد ما كنت أنا قدوتها وأحسن راجل في حياتها، أخد هو كل حاجة. حاربته وكنت هنهيه بكل سهولة، لكن هي وقفت قصادي وزاد عنادها، وأنا مستسلمتش ولجأت لآخر كارت كنت شايف إنه القوي واللي هيرجعها ليا بسهولة، وهو إني أتبرى منها. بكل ثقة خيرتها بيني وبينه. لكن صدمتني لما اختارته، ودي الضربة اللي هدّتني وعرفتني إني خسرتها. تعرفي يعني إيه حتة مني تبعد عني؟
تعرفي يعني إيه روحي تروح وأعيش من غير روح؟ تعرفي يعني إيه بنتي تشتغل حتة موظفة في شركة عند ناس غريبة، ودا يأمرها ودا يتأمر عليها، وأبوها يملك من المال اللي يخليها ملكة طول عمرها؟ عارفة يعني إيه أعرف إن بنتي حامل، وإن حتة مني شايلة حتة منها جواها، ومقدرش أروح أضمها وأبارك لها؟ (ارتفع صوته عاليا ليس غضبًا وإنما قهراً)
متخيلة إحساسي وأنا مستني بنتي قلبها يحن وتيجي تستسمحني وتقولي حقك عليا. وحتى لما بقت حامل، قلت هتعرف شعور الأمومة وتحس وتيجي، ووقتها هاخدها بحضني وكل اللي حصل هنساه، بس هي تيجي وتحسسني إنها منستنيش. حتى لو جت ومتكلمتش هاخدها في حضني ومش هتكلم معاها في الماضي. بس بنتي قدرت تبعد وماتسألش عن أبوها، وكأني بقيت ميت بالنسبة لها. تنسى أبوها اللي خلفها وكبرها ورباها، وكانت أميرته وحتة منه، علشان واحد حبتُه. حبها له كان أقوى من حبها ليا. عارفة يعني إيه أكون عارف إن بنتي في المستشفى بتولد، ومستني منها تليفون تطلبني فيه هي أو الحقير اللي اتجوزته، علشان أجري عليها وأقول لها إني سامحتها بدون حتى ما تطلب؟
(سكت قليلاً ليأخذ أنفاسه وهي تنظر إليه في صمت مذهول وهي تراه لأول مرة بتلك الحالة، بينما عاد هو يكمل بخفوت مقهور وكأن ما حدث لم يمر عليه زمن) عارفة يعني إيه تعيشي طول عمرك تراعي في زهرة وتهتمي بيها وتحميها من الدنيا والبرد والحر والهوا وكل حاجة، وبعد ما تعملي كل ده ييجي حد تافه يقطفها بكل سهولة؟
للأسف انتي مش عارفة حاجة ولا هتعرفي أي حاجة. أمك كانت زهرتي أنا. عشت طول سنين بعدها عني أستناها لحد ما فقدت الأمل فيها، وقولت خلاص زهرتي راحت، اقتنعت بالخسارة واعترفت بيها. (سقطت الدموع من عينيه رغمًا عنه، وانفاسه تخرج بصعوبة)
وبعد كل ده هي راجعة تقولي سامحني بدون ندم، بدون أي حاجة. بتقولي سامحني بعد ما حرمتني منها ومن بنتها اللي هي انتي، سبعتاشر سنة. افتكرت أبوها بعد كل السنين دي، وياريت جاية ندمانة، دي جاية بتعاتب وتقول إزاي أنا مسألتش عنها كل ده. (أغمض عينيه وألم الذكرى يفتت قلبه والندم يحرق روحه)
مكنش مني إلا إني انفجرت فيها بكل القهر اللي جوايا منها طول السنين اللي بعدتها عني. وبعد ما واجهتها بكل اللي قولتهولك ده، اتصدمت ومشيت. وأنا فضلت ألوم في نفسي إني مخدتهاش في حضني قبل ما تمشي. قولت لنفسي يعني أنت فضلت منتظرها طول السنين دي، ويوم ما تجيلك ترفضها.
(غلبتُه الدموع وظلت تسقط كالشلال من عينيه، مشهد تهتز له القلوب. لطالما عرفته قاسٍ جامد كجمود الصخر، بارد كالجليد، تراه الآن يبكي بحرقة وقهر، وما أبشع قهر الرجال. في تلك اللحظة لم تفكر في أي شيء ولم تفكر أن من أمامها هو قاسم رسلان، بل هو رجل يبكي قسوة ابنته وبعدها عنه، ومن ثم يبكي فراقها. اقتربت منه وجلست بجانبه ولا تعرف ماذا تفعل، هي فقط اقتربت منه وتنظر إليه. فتح هو عينيه ونظر لها تجاوره.)
قاسم: اليوم ده مانمتش فيه. أنا كنت مستني بنتي، وهي كانت مستنياني. ولما جت وواجهتها بكل اللي جوايا، مشيت بدون أي كلمة تانية، وأنا منعتهاش. كنت طول الليل ندمان أقول ياريتني حضنتها وبعدين لومتها. الصبح كنت قدام بيتها بفكر إزاي هتقابلني، ولما أشوفك هعمل إيه، وإنتي هتبقي عارفاني، وهي حكتلك عني ولا محكتلكيش عني. كنت بفكر في كل حاجة إلا إني أطلع وألاقي الزهرة ماتت. لم تستطع أن تسمع المزيد، كانت
دموعها تسيل على وجنتيها: ارجوك كفاية. قاسم ببكاء: زهرتي ماتت، بنتي اللي كنت خايف أموت وهي بعيدة عني ماتت قبلي، ماتت قبل ما أنا أموت. شوفتها في كفنها قبل ما هي تشوفني في كفني. (بكل الحنان الذي بداخلها احتضنته، لم تستطع أن تراه هكذا، ليته لم يتحدث، ليته ظل في نظرها الرجل القاسي)
بكوا معًا هما الاثنين. لم يبكوا ضعفًا، وإنما بكوا حزنًا وألمًا. هي تشعر به، نعم تشعر بكل ما قاله. لم يبكوا بصوت ولم تخرج الأهات من أفواههم، ولكن دموعهم الصامتة كانت أشد ألمًا من كل الأهات. ضمه قاسم إلى حضنه وهو يشم رائحتها، وشعرت ريتال بذلك وأيقنت أنه يبحث بها عن رائحة أمه، ابنته، زهرته. تساءلت بداخلها لماذا لم تفكر يومًا بكل ذلك.
هي اكتفت بأن تقرأ مذكرات والدتها فقط. هي اقتنعت بها. علمت من خلالها أن قاسم هو الشرير الذي يحارب الحب. ولكن لم تفكر ولو لمرة واحدة أنه أب يحارب ابتعاد ابنته عنه، واستخدم كل الطرق التي ظن أنها ستجعل ابنته تعود إليه، ولم يعلم أن ما فعله زاد الأمر سوءًا ورفع الأسوار بينهم أكثر. بعد قليل انتهوا من البكاء واستعاد قاسم هدوءه ومسح وجهه ووجه حفيدته أيضًا.
قاسم بهدوء: مكنتش عايز أقولك كل الكلام ده، ولا مرة فكرت إني أقوله، ولا كنت هفكر حتى. أنا محكتلكيش عشان تعذريني أو أقولك إن أمك غلطت، لكن قولته عشان انتي محتاجة تعرفيه وتفهمي كل حاجة، وكمان أنا كنت محتاج أتكلم. أنا وبنتي كنا منتظرين بعض، وانتظارنا طال سنين طويلة. ولما هي فكرت تاخد خطوة، أنا بغضبي وجبروتي رفضت الخطوة دي. ومنكرش إن جبروتي عليها هي وأبوكي لما اتجوزوا، كان السبب في إنها تفضل طول السنين دي بعيدة. ولما قررت
أسامح أو آخد خطوة حتى تجاهها، كان خلاص هي راحت مني، واليوم اللي شوفتها فيه كان الوداع. لما خدتك من أبوكي مكنش عشان انتقم، بس ده ما يمنعش إني كنت هعمل كده، لكن السبب هو إنك حقي، عوض ليا عن بنتي اللي راحت، واللي مافيش أي حاجة تعوضني عنها وتصبرني على فراقها غيرك. كنت عايزك تنسي أبوكي نهائي، وزي ما حرمني من بنتي، أحرمه منك ويكون ده جزاءه. مفكرتش وقتها غير بالطريقة دي وبس. لما انتي حاولتِ تهربي وتروحي له، وجعتيني وفكرتيني
بالماضي. مفكرتش إنك بتهربي عشان تروحي لأبوكي، لكن شوفتك بنتي اللي اختارته هو ليا. مقدرتش أتحملها، ولا حتى قدرت أقرب منك عشان أغيرها. وبعد ما خلصتي الثانوية، سافرتك هنا عشان تتعلمي في نفس المكان اللي أمك اتعلمت فيه. وكل مرة كنت باجي أزورك فيها، كنت بتمنى إن نظرتك ليا تكون اتغيرت، لكن بالعكس كل شيء كان بيزيد. ولما جيتي وقلتي إنك هتخرجي من سجني وتبعدي عن السجان، وإن خلاص بقيتي دكتورة كبيرة، حسيت بالفخر بيكي. ومحزنتش
عشان عارف إن وجودي حواليكي كان بيألمك، واستسلمت لبعدك. وأنا كنت عارف إن بقى ليكي بيت وعندك فلوس، عشان كده سبتك بسهولة. ورجعت للماضي، بس المرة دي برضى، وهو إني أراقبك من بعيد لبعيد، زي ما كنت بعمل وإنتي صغيرة، وأراقبك وأمك بتوصلك للمدرسة. مفرقش معايا أي حاجة، لأني كنت أتمنى بنتي تبقى عايشة وأشوفها من بعيد لبعيد برضو، عن إنها تكون تحت التراب. لما عرفت خبر جوازك من عمر الجزيري، وجعتيني يا ريتال، والماضي مش سايبني في
حالي. لكن بعدها على طول وبكام دقيقة، شفت صورتك وإنتي جنب صاحبتك والدم مغرقك، وخبر إن تم إطلاق النار عليكم. رغم إني عرفت إنك كويسة ومتصابتيش إلا برضه إن الماضي مرحمنييش، وقلبي مرتحش إلا لما شوفتك سليمة وأخدتك في حضني. وقتها مش بس حضنت ريتال حفيدتي، لأ حسيت إني بحضن بنتي وربنا نجاها من الموت، وقررت وقتها إن اللي معرفتش أعمله في الماضي هعمله دلوقتي.
(ثم ارتفع صوته بانفعال) ومش هسمحلك يا ريتال نهائي إنك تعملي زي ما أنا عملت زمان. انتهى هو من الكلام وانتظر أن يسمع منها، بينما هي كانت غارقة في أفكارها وهي تعيد كل شيء في رأسها، ولكن من منظور مختلف. لتحكي
له بهدوء عن تلك الليلة: أنا ماما دخلت عندي اطمنت عليا كالعادة واتكلمت معايا، وكأنها كانت بتودعني، بس أنا مفهمتش إن ده وداع غير بعدين. صحيت الصبح لقيت بابا بيقولي احضنيني لأن ده آخر حضن، رغم إني كنت كبيرة وقتها وفي الثانوية، إلا إني ما استوعبتش أي حاجة. ماما ماتت إزاي وإيه الموت ده أصلاً، ويعني إيه إن لله وإنا إليه راجعون. ولا أي حاجة من دي استوعبتها. الخسارة كانت كبيرة أوي ومازالت كبيرة. بعدها حضرتك أخدتني في نفس
الوقت اللي أنا دوبك بَتقبّل فيه فكرة إن خلاص مبقاش فيه ماما، وبستوعب وبطلب الصبر من ربنا. ورضيت بأني خسرتها في أهم مرحلة في حياتي وهي مراهقتي. إني أخسر ماما في أي مرحلة وأي وقت صعبة، لكن هي كانت صديقتي، هي وبابا كانوا كل حاجة في حياتي. وخسرتها. وحضرتك بعدها حرمني من بابا. من الطبيعي إني أهرب وأروحه، لأنه بابا ومعرفش غيره. تخيل وجعي لما أروحه وهو يرجعني تاني بنفسه للمكان اللي أنا حسّيته سجن، ويسلمني ليك كده بكل سهولة،
كأنه بيقولك خد بنتي وانتقم براحتك. بعدها كنت اكتفيت من كل حاجة واقتنعت إن خلاص بعد ماما كل حاجة انتهت. ولما سافرتني بره، كنت بذاكر وأجتهد وأنجح عشان أحقق حلم ماما وعشان أحاربك وأرجع لبابا. أنت عملت نفسك عدو ليا، مكسّبتنيش، انتظرت مني محبة بدون ما تقدم المقابل، وما فيش في الدنيا أي شيء بدون مقابل. بل بالعكس، أنت حرمني من بابا. ولما قرأت مذكرات ماما اللي بتبدأ وإنت بتحاربها وبتحارب حبها، وبتنتهي وهي بتقول إنها هتروح
تقابلك ورجعت نامت مصحيتش. في وقتها أنت كنت الراجل اللي حرمني من أهم اتنين في حياتي. حرمني من عيلتي ودفئهم وحنانهم وحبهم. يعني مينفعش تلومني دلوقتي نهائي على عداي ليك أو شعوري تجاهك.
قاسم: أنا مش بلومك ولا أي شيء. أنا جاي أقولك كفاية يا ريتال. أنا مش حمل وجع تاني. أنا مش وحش ولا بكرهك، ولا أخدتك عشان انتقام وبس، وإنما ده حصل لرغبة جوايا. لكن سواء بيها أو من غيرها، كنت مستحيل أسيبك. وأبوكي يوم ما رجعك ليا، قالي كان عارف ومتأكد إني مستحيل أأذيكي، ويومها طلب مني أسامح زهرة، ميعرفش إني سامحتها من زمان وكنت بتعذب عشانها. مسحت ريتال بقايا دموعها ثم قالت بابتسامة: خلاص كفاية كده.
ليسألها قاسم برجاء: صفحة جديدة؟ ريتال: حياة جديدة إن شاء الله. قاسم: يعني مسامحة يا ريتال؟ سكتت قليلاً ثم أخبرته بصدق: سيب السماح للأيام، لأن مش بسهولة أبداً. أنا بعد إصابة ماريا، قررت إني لازم أواجه حاجات كتير، وأهمها الماضي. أوعدك إني أحاول أسامح، وإنك هتكون جزء من حياتي، لكن كل ده محتاج وقت.
قاسم: وأنا هسيبك تفكري وتستوعبي ومش هضغط عليكي. بس كل اللي هقولهولك إني تعبت يا ريتال، تعبت يا بنت زهرة، وإنتي كمان لو فضلتِ كده هتتعبي. أنا كنت عايزك تكرهي أبوكي، لكن صدقيني دلوقتي أتمنى يكون كلامك زمان صح، وإنك عمرك ما هتكريهيه. أنا مستعد أتقبله عشانك يا ريتال. زمان رفضت أتقبله عشان بنتي، ودلوقتي هقبله عشانك. أنا غلطت ومعترف بغلطي. أنا قولتلك في بداية الكلام إني مش ندمان، أنا فعلاً مش ندمان إني خدتك، لكن ندمان إني سببتلك أي حزن أو وجع.
صعد عمر لكي يأخذ ريتال ويسلم على ماريا. نظر إلى شقتها وفكر أنها قد تكون هناك، ولكن سريعًا ما نفى الفكرة من رأسه. ريتال منذ زواجهم لم تقابله في شقتها بمفردها أبدًا، وعندما تعلم أنه آتٍ تنتظر مع أصدقائها هنا. تلك الباردة لم تشتاق لأن يقبلها، آآه، ولكنه يشتاق أن يضمها بين ذراعيه ويضم شفتيها بين شفتيه ويعصر ضلوعها وينتقم منها شر انتقام على بعدها عنه. هو فقط يصبر عليها لأجل الظروف التي مروا بها مؤخرًا. ابتسم، فتلك الظروف جعلت حبيبته تثق به، جعلته يقترب منها وتسلمه مقاليد الحكم. دق الجرس وانتظر إلى أن فتحت له ليلى الباب. دخل إلى الشقة بعد أن رحبت به.
عمر: أخبارك إيه يا ليلى؟ ليلى: الحمد لله تمام. عمر: وإنتي يا ماريا عاملة إيه دلوقتي؟ ماريا بابتسامة مرحة: زي القمر. عمر بضحكة بسيطة: طبعًا زي القمر، بس أنا مش بسألك عن شكلك، بسأل عن صحتك. ماريا بتنهيدة: الحمد لله، مكنتش رصاصة يعني. ضحك عمر قائلًا: عندك حق. إيه يعني رصاصة؟ مش عارف هما مكبرين الموضوع أوي كده ليه. ليلى: لا والله، أنت بتوافقها أنت كمان يا عمر. ماريا بمرح: أيوه، لأننا سوابق زي بعض. تبدلت ملامح عمر قليلاً،
ولكن حافظ على ابتسامته: بالظبط. (ثم بدل الموضوع سائلاً عن زوجته) أومال فين ريتال؟ ماريا باستغراب: ده أنا بحسبها مشيت معاك من غير ما تفوت علينا. رغم إنها قالت هتيجي قبل ما تنزل، بقالها أكتر من ساعة. قالت هلبس وأيجي وماجتش. ليلى: تلاقيها انشغلت في حاجة. أنا هروح أنادي لها. عمر بلهفة: لأ خليكي انتي، وأنا هروحلها. ماريا بنظرات ماكرة: طب ماترتاح أنت ونتصل بيها تيجي وخلاص، ولا ليلى تروح تشوفها.
عمر وهو يذهب باتجاه الباب: لأ، يمكن بتعمل حاجة، هستناها تخلصها. وبعدين مش عايز أتعبكوا معايا. يلا سلام. وخرج مسرعًا وسط ضحكات ماريا وليلى على لهفته في الذهاب إليها. في شقة ريتال، كان الحديث بينها وبين قاسم مازال مستمرًا، ولكن قطعه صوت الجرس. وقفت ريتال لتفتح الباب وهي تعلم أنه بالتأكيد عمر. ريتال: اتفضل يا عمر. عمر بمرح يقصد به لومها على ابتعادها عنه: إيه ده؟ اتفضل بس بسهولة كده؟
فكرت هتطرديني من على الباب وتقولي مدخلش حد غريب. نظرت إليه بابتسامة وقد فهمت مقصده: بس أنت مش غريب، أنت جوزي. لاحظ عمر ملامح وجهها بعد أن دقق فيها. ريتال كانت تبكي. ريتال لم تبتسم تلك الابتسامة الرائعة التي تسحره، وإنما ابتسمت باصطناع، فسألها وقد تبدلت ملامحه: مالك بتبكي ليه يا ريتال؟ كان قاسم يستمع إليهم وهم يتحدثون. دخل عمر إلى الشقة وأغلق الباب خلفه، والتفت لريتال ليعرف ما بها، ولكن رأى قاسم يجلس بارتياح.
ريتال: اقعد يا عمر على ما أدخل أجيب عصير ليك و (نظرت إلى قاسم وهي تحاول أن تبتسم وعادت تنظر إلى عمر لكي تطمئنه) لجدي. نظر قاسم إليها بلهفة لم يستطع مدارتها، ونظر عمر إليهم ليعلم أن ليست ريتال فقط من كانت تبكي، فقاسم رسلان أيضًا بكى رغم أنه يحاول أن يخفي ذلك، ولكن عينيه ما زال بهن أثر الدموع. ذهبت ريتال إلى المطبخ لتحضر العصير وتركت عمر برفقة جده. عمر: ازيك يا قاسم بيه؟ قاسم: بخير. (ثم أضاف بلهجة ذات مغزى)
منور بيت حفيدتي. عمر بابتسامة ثقة: ده نور حضرتك اللي منور بيت مراتي يا قاسم بيه. ليعاتبه قاسم قائلًا: طب هي وكانت زعلانة وبينها وبيني خلاف، أنت ليه مجيتش طلبتها مني؟ وانت عارف إني بقدرك وبشوفك شاب مكافح ومجتهد، ليه متعملش حساب للمعرفة اللي بيني وبينك حتى لو كانت سطحية؟ ليه متعملش حساب إنها حفيدتي؟ عمر بأسف وقليلاً من الخجل: ومين قال إني ناسي كل ده أو تجاهلته؟
بس للأسف ريتال رفضت، ودي رغبتها، وأنا مقدرش أجبرها على حاجة. ريتال أهم عندي من أي اعتبارات وتقديرات. ابتسم قاسم: وهي عندي أهم من الدنيا كلها. وزي ما سعادتها مهمة عندك، مهمة عندي. عشان كده مش هلومك ولا أعاتبك. وكفاية إنك كلفت خاطرك وجبت أبوها لحد هنا عشان يشهد على جوازكم. عمر بابتسامة: يعني حضرتك عارف إن والدها كان موجود؟
قاسم: وده اللي شفعلك عندي يا عمر إنها مكنتش لوحدها. خلي بالك منها يا عمر، دي حفيدتي الوحيدة. الدنيا كلها في كفة، وهي في الكفة التانية. سمعت ريتال ما قاله قاسم وعمر وأسعدها كثيراً ما سمعته منه عنها. فرحت لكللمات قاسم، هي تنتظر كل ذلك، هي تريد أن تفرح وتعيش بسعادة، هي لا تريد أن تتألم من جديد. قدمت ريتال لهم العصير، ومن ثم جلست بجوار عمر، ما جعل قلبه يقفز فرحًا. قاسم: فين ليلى صاحبتك؟
ريتال باستغراب وتوتر: حضرتك بتسأل عنها ليه؟ قاسم بابتسامة لكي يطمئنها: مش من حقي أشوف البنت اللي حفيدي عايز يتجوزها، ولا إيه؟ مش هما عايشين معاكي هنا في الشقة اللي قدامك؟ ريتال: أيوه. (وأضافت بقوة) ليلى مش صاحبتي وبس، هي وماريا ومروان وحتى آدم، عيلتي، جزء مني. قاسم: انتي ليه بتقولي كده؟ فاكرة إني معترض على جواز آدم منها؟ ريتال بفخر: وحضرتك تعترض ليه أصلاً؟ الدكتورة ليلى فخر لأي عيلة إنها تنتمي ليها.
قاسم بابتسامة: وأنا فخور بالدكتورة ريتال، وبصديقتها اللي هتكون زوجة حفيدي، ومش معنى إنها مطلقة ده يقلل منها في شيء. معلوماتك عن جدك غلط يا ريتال. شعرت ريتال أنها كانت مندفعًة، فهَدأت قليلاً وهي تحاول الابتسام: قولت لحضرتك الأيام هتغير كل حاجة، إن شاء الله. قاسم: إن شاء الله.
أخذت ريتال جدها إلى شقة أصدقائها بعد أن اتصلت بهم لتخبرهم أن معها ضيف، وهم اعتقدوا أنها تقصد عمر. ارتبكت ليلى عندما رأت قاسم رسلان أمامها ونظرت إلى ريتال بدهشة. جلس قاسم معهم، وتعرف على ليلى، بالطبع هو يعرفها، فمنذ أن أخبره حفيده عن طلبه بالزواج، وهو لم يترك شيئًا إلا وعرف عنه، وعن عائلتها، ولكن بقي أن يقابلها وجهًا لوجه فقط. وبينه وبين نفسه قال ضاحكًا: يكفي أن تكون صديقة ريتال فقط.
ماريا بابتسامة: حضرتك منورنا والله. نظر إليها قاسم باستغراب لتحدثه باللهجة المصرية، ولكن رد عليها: ده نورك. عاملة إيه دلوقتي؟ ماريا: الحمد لله بخير. أتى مروان بصحبة آدم، الذي لم يكن يعلم بحضور جده، وأيضًا أتى رشيد والد ماريا. وطلبوا غداء من المطعم، وقد أصر مروان وآدم على ذلك. وأُلغي موعد الغداء بين عمر وريتال، وأصبح الغداء جماعي عائلي.
شعر قاسم بالرابط الذي يجمعهم ببعضهم، وبالفعل هم عائلة. أما رشيد، فشعر أنه ليس له مكان في حياة ابنته، وأحزنه ذلك كثيرًا. بينما شعرت ليلى بالارتياح تجاه قاسم، وقد كان يشغل بالها كثيرًا
السؤال: هل سيقبلونها أم لا. وأيضًا ارتياحها الأكبر هو أن على ما يبدو ريتال قد فتحت صفحة بيضاء مع عائلتها. رحل قاسم وبصحته آدم، ومن بعدهم رشيد. وأخذ عمر ريتال بعد إصراره عليها بأن يخرجا معًا لتناول العشاء بالخارج، تعويضًا لوجبة الغداء، والتي رأى أنها لم تتناول شيئًا بها من الأساس إلا قليلاً. وقف عمر بسيارته أمام المطعم، ولكن قبل أن ينزل من السيارة. ريتال: عمر أنا مش جعانة، تعالى نروح أي مكان تاني هادي أرتاح فيه.
عمر: تحت أمرك مولاتي. تحرك عمر بسيارته وذهب بها إلى منزله، والذي أخذها إليه من قبل، وأين سيجد مكانًا أروع منه وأجمل منه وهادئ في تلك المدينة الصاخبة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!