الفصل 4 | من 56 فصل

رواية جبروت الفصل الرابع 4 - بقلم اسماء ابو شادي

المشاهدات
25
كلمة
8,446
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

ذكريات كثيرة داهمتها. هي لم تنسى يومًا، ولكن وجودها بذلك المكان يجعلها تتذكر ويزيد الألم بداخلها. أغمضت عينيها بشدة ونفضت رأسها وكأنها بذلك تمنع عقلها عن التفكير بأي شيء من تلك الذكريات. دخلت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها، وإذا بها تتفاجأ بوجود أحد في الغرفة. ريتال: أنتي بتعملي إيه هنا؟ الخادمة: عايدة هانم أمرتني أطلع لحضرتك الشنطة وأرتب لك اللي فيها هنا و... ريتال: شكراً ليكي، تقدري تتفضلي.

الخادمة: بس أنا لسه ما خلصتش وما يصحش... ريتال: اعتبري نفسك خلصتي ورتبتي، وبعدين أنا مش معايا حاجات كتير وحاليًا عندي صداع ومحتاجة أرتاح، فتفضلي أنتي وما تشغليش بالك بحاجة. الخادمة باحترام: تحت أمرك يا هانم.

بعد أن خرجت الخادمة، اقتربت هي من حقيبتها وقامت بترتيب أشياءها. وبعد قليل كانت تجلس على الفراش لكي ترتاح بعد أن قامت بتبديل ثيابها. فتحت تلك المذكرة التي لا تفارقها أينما تكون، حتى عندما تسافر إلى أي بلد تكون معها في حقيبتها، فهي الشيء الوحيد المتبقي لها من أسرتها الصغيرة. ودائماً بمجرد أن تمسكها بيدها تتذكر حديث والدتها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. فلاش باك ريتال: لسه ما خلصتيش يا ماما؟

زهرة: خلاص يا حبيبتي، خمس دقايق وهاجي أحكيلك حكاية علشان تنامي. ريتال: مامي، هو حضرتك بتذاكري قبل ما تنامي؟ زهرة: لا يا حبيبتي، مش بذاكر. ريتال: اومال بتعملي إيه؟ أنتي كل يوم قبل ما تنامي بتمسكي الكشكول ده وتكتبي فيه زي ما أنا بكتب الواجب كل يوم وأذاكر. زهرة: لا يا حبيبتي، دا مش كشكول، دي مذكرة. ريتال: يعني إيه؟

زهرة: امممم، بصي، دي زي الكشكول كده بس بنكتب فيها الحاجات اللي إحنا عايزين نكتبها زي المفكرة كده، ولما نكبر بتكون دي ذكرياتنا. ريتال بفضول طفولي: وبنعمل بيها إيه الذكريات دي؟ ويعني إيه أصلًا ذكريات؟ وهنستفاد إيه من كده؟

زهرة: الذكريات بتكون موجودة في عقلنا وفي قلوبنا حبيبتي، وهي الحاجات والأيام اللي عشناها قبل كده. وكل واحد وشطارته في اللي بيعرف يستفاد وفي اللي مابيتعلمش ويفضل على حاله. أما المذكرة دي هي الورث اللي أنا هسيبهولك. ريتال: يعني إيه؟ زهرة: يعني لما أنا أموت، هتبقى دي ليكي وبتاعتك انتي، تورثيها عني. ريتال برعب بدا جليًا على محياها من مجرد الفكرة: تموتي؟

هو أنتي ممكن تسيبيني لوحدي فعلًا وتموتي زي الناس اللي بتموت وتروح عند ربنا؟ باك

فاقت من ذكرياتها على تلك الكلمات. الموت والفراق. فتحت صفحات المذكرة وأخذت تقرأ فيها، رغم أنها أصبحت تحفظ كل تلك الصفحات بأحداثها ووصف والدتها لكل شيء بها، وكل المواقف التي عاشتها والتجارب التي خاضتها. ولكنها لا تمل أبدًا من قراءتها، فهذا هو كنزها الثمين. وهي تحتاج إليها الآن بشدة، وتحتاج إلى كلمات محددة فيها لكي تستمد منهم بعض القوة. فتحت إحدى الصفحات التي تحفظ كلماتها.

«رحلت، رحلت ولم أنظر خلفي، تركت كل شيء قدمه لي أبي في سبيل أن أحصل على السعادة وراحة البال، في سبيل أن أكمل باقي عمري مع من اختاره قلبي، مع من أثق به وأعلم أنه يعشقني ولم يطمع بي أو بأموالي أبي كما تظن عائلتي. تركت لهم تلك الحياة المزيفة بزينتها الكاذبة واتجهت إلى الحياة البسيطة مع شريف، وبرغم بساطتها إلا أنه قدم لي ما لم يقدر أبي على تقديمه أبدًا. أتذكر دائمًا كلمات أبي عندما كنت أرحل، فقد قال إنني سوف أندم أشد

الندم وأرجع لأقبل أقدامه بعد أن يرميني شريف بالشارع عندما يعلم أنه حرمني من ماله ونفوذه. قال كلمات كثيرة عندما أتذكرها أضحك باستهزاء من نفسي ومنه ومن تفكيره. وحقًا أنا أدين له بالأسف. أسف أنني لم أحقق له رغبته تلك أبدًا، لأنني إلى الآن لم أندم ولن أندم مطلقًا على اختياري. أنا اخترت حياتي مع شريف المهدي قلبًا وعقلًا ووجدانًا. أنا كنت على صواب عندما تركت قاسم رسلان وحياته بكل زيفها وتلك الحياة التي اختارها لي، وبنيت لي

حياة خاصة بعيدًا عنه وعن نفوذه وعن جبروته، ويومًا

ما سوف أقف أمامه وأقول له: قاسم رسلان، لقد كنت أنا على صواب وانت لا. أنا حقًا ندمت، ولكن ندمي كان على تأخري في ذلك الاختيار، ندمي على موافقتي لتلك الاختيارات التي اختارها لي وأنا بكل غباء وافقت عليها دون أدنى تفكير مني، وقد كنت أظن أنك أفضل مني وسوف تختار لي الأفضل، ولكن كان هذا هو خطئي الأكبر في الحياة.» محافظة الشرقية –منزل عبدالمجيد شاهين شقيق سالم بعد أن دخل إلى المنزل واستقبله أخاه، وهو لاحظ تجهم وجه أخيه.

سالم بقلق: خير يا أبو محمود؟ شيعتلي إنك عايزني، في حاجة حصلت؟ عبدالمجيد بتجهّم: خير يا سالم، حسين الشرقاوي بالليل قبل مانمشي طلب يكلمني كلمتين على جنب لما أنت كنت بتسلم على الناس بره قدام البيت. سالم: وعايز إيه؟ في أي اختلاف على الجهاز ولا معاد الفرح؟ عبدالمجيد: لأ، دا عايز يعزز النسب ويبقى نسب متبادل. سالم باستغراب: نسب متبادل إزاي يعني؟ عبدالمجيد: يعني زي ما أخذنا بنته لابنك، ابنه بدر ياخذ بنت من عندنا.

سالم: قصدك يعني عايز يخطب لابنه بنت من بناتنا؟ طيب وإيه المشكلة؟ ما البنات في العيلة كتير، شوف مين اللي سنها مناسب للجواز ووافق على بدر، ولو حصل قبول يبقى خير وبركة. عبدالمجيد بدون أي مواربة: ونشوف ليه؟ ما ليله بنتُك موجودة وفي سن الجواز وأنا برشحهاله لأنها متعلمة زي بدر. سالم بدهـاء: ودعاء بنتُك متعلمة ومعاها ثانوية عامة وبرضه تليق بيه. عبدالمجيد بضيق: بس هو ما طلبش دعاء يا سالم.

سالم: هات من الآخر يا أبو محمود، هو طلب يبادل النسب ولا طلب إيد ليله بنتي؟ عبدالمجيد: الاتنين، قال نبادل النسب وطلب ليله بالاخص. سالم: وأنت عارف يا أبو محمود إني مش هجوز ليله إلا بعد ما تخلص تعليمها وتاخد شهادتها. عبدالمجيد بدهشة: يعني هترفض ابن حسين الشرقاوي، كبير المجلس العرفي للبلد واللي هيكون خليفة أبوه من بعده ويبقى كبير البلد؟

سالم: ماهواش أول واحد أرفضه يا عبدالمجيد، وإذا كان هو ابن الشرقاوي، ليله بنت شاهين. ولو هو هـيبقى كبير عيلته، فبنتي زينة بنات العيلة ومافيش في جمالها، ورافعة رأس الكل بنجاحها ودراستها، ومهياش قليلة أبدًا ومليون واحد يتمنوا ضفرها، وعلى يدك ده مش أول واحد من عيلة كبيرة يطلبها. عبدالمجيد: بس ده غير اللي قبل كده يا سالم، وما ينفعش نرفضه. سالم: ليه ما ينفعش؟ طالما أنا مش عايز، يبقى خلاص ينفع. عبدالمجيد: وأنت مش عايز ليه؟

هو إيه عيبه؟ بيشتكي من إيه؟ بلاش تتكبر عليهم يا سالم ببنتك. أنا ما اتكلمتش معاك قبل كده لما كنت بتحرجنا مع الناس، وحتى أخواتك لما طلبوها لأولادهم وانت رفضت وقلت مابحبش جواز القرايب. سالم: أنا مش قصدي إني أحرجك ولا حتى أعارضك، أنت كبيرنا حتى لو فرق السن بيني وبينك مش كبير، لكن أنت كبير العيلة وعمري ما أقل منك، لكن دي بنتي وأنا حر اختار ليها اللي يعجبني وعلى كيفي وأجوزها وقت ما أنا أشوف الوقت مناسب إنها تتجوز.

عبدالمجيد بصوت عالي: يعني إيه؟ يعني إزاي بتقول إني كبيرك وإزاي تقول بكيفك؟ اومال أخذتني معاك ليه أخطب إيد بنتهم البنت؟ سالم: علشان زي ما قولتلك، أنت كبيري. عبدالمجيد: ولما أنا كبيرك، مش عايز تسمع كلامي ليه؟ قولي سبب لرفضك ده وأنا هقفل بؤي خالص يا سالم وأريحك. سالم: أنا مش برفضه هو، أنا عارف إنه كويس ومتعلم ومحترم، لكن أنا عايز بنتي تكمل تعليمها، وكمان عارف إنها مش هتوافق. عبدالمجيد بهدوء واحتواء لأخيه وقاطعًا

عليه سبيل الرفض: بص يا سالم، إحنا ما ينفعش نرفض كده وخلاص. هما يجوا والبنت تشوفه، ولو حصل قبول خير وبركة، ما حصلش وقتها يبقى من حقك ترفض، لكن رفض كده على طول ما ينفعش، على الأقل عشان خاطر بنتهم اللي هتبقى منا وتعيش في بيتك. سالم لجمه منطق أخيه، فهو على حق ولم يترك له طريقة للتملص من الأمر: خلاص يا أبو محمود، وأنا مش هعارضك، بس أقول لبنتي الأول وأمهد لها الموضوع.

عبدالمجيد: أنا هتصل بيه وأرد عليه وأبلغه بموافقتنا مبدئيًا على الجوازة، لكن هقوله إن لازم بدر يقعد مع ليله الأول عشان البنت تدينا رأيها. يجلس مع والده تائهًا في بحور تلك العيون الزرقاء، وابتسامتها الساحرة، وخصلات شعرها الشقراء الناعمة. حسين بصوت عالي: بدر، يا بدر. بدر بانتباه: إيه يا حاج؟ حسين: روحت فين؟ اومال بكلمك من بدري وانت شارد، في إيه؟ بدر: آسف يا حاج، ما قصدتش، شردت في حاجة كده. حسين بابتسامة لعوب: إيه؟

شردت في بنت شاهين اللي خلتني أخطبهالك بالليل ولا إيه؟ من دلوقتي هتشرد فيها، اومال لما تبقى هنا وفي حضنك هتعمل إيه؟ بدر بمزاح مع والده: لا يا حاج، وقتها مش هشرد، ما خلاص هتبقى في حضني، إنما دلوقتي هي بعيدة. حسين: ههههه، ابن أبوك صحيح، بس تعرف البنت تستاهل صراحة. بدر بقلق: ما قولتيش ليا يا حاج، أبوها قالك إيه بالليل؟

حسين: أنا ما اتكلمتش مع أبوها، ماكنش فاضي، كان بيسلم على الناس، أنا كلمت عمها عبدالمجيد، هو كبير عيلتهم، وهو يفتح أخوه. بدر: وقالك إيه؟ حسين: وهيقـول إيه، طبعًا رحب بالموضوع وقال هيتكلم مع أخوه النهارده ويتصل بيا عشان نحدد معاد نزورهم فيه. بدر: طب ما كنا روحنا النهارده يا حاج، وبالمرة يبقى فرحنا بعد أسبوعين ونبقى في ليلة واحدة مع أختي وأخوها.

حسين: لا ما ينفعش يا بدر، أنت ابن حسين الشرقاوي، ولازم يتعلمك فرح ما اتعلمش في البلد كلها، نخلص من فرح أختك وبعدين نحضر لفرحكوا وندبح الدبايح والبلد كلها تعرف إن بدر ابن حسين الشرقاوي هيتجوز أجمل بنت في البلد وبفرح ما اتعلمش زيه أبدًا. سمعت أم بدر تلك الكلمات وهي تقترب منهم. أم بدر باستغراب: إنت بتقول إيه يا حاج؟ حسين: تعالي يا حاجة، كنت لسه هناديلك، باركي لابنك أخيرًا قرر يتجوز واختار عروسة.

أم بدر بدهشة: اختار عروسة؟ إزاي ده؟ حسين: بالليل في كتب الكتاب شافها وعجبته، وقالي عليها وأصر إني أكلم أبوها، وأنا كلمت عمها الكبير وفتحت الموضوع معاه. أم بدر: كده وأنا آخر من يعلم، هو اختار وانت خطبت، وأنا ماليش لازمة خلاص. بدر وهو يقبل يدها: لا يا حجة، ماتقوليش كده، دا انتي الخير والبركة. أم بدر: فـبـن مين ده بقى؟

ما أنت أهو لاغيتني خلاص واخترت عروسة من غير ما تشاورني بعد ما كنت بترفض اللي أنا بختارهم قبل حتى ما تشوفهم. حسين بحدة: جرا إيه يا أم بدر؟ قولتلِك إنه شافها بالليل وأنا بس كلمته وعرفّته إن البنت اللي ابنِـي اختارها وعينه جت عليها خلاص بقت ملكه وحرمتها على غيره، شوفتينا روحنا خطبناها ولا كتبنا عليها يا ولية. بدر: خلاص يا حاج، الموضوع مش مستاهل كل ده.

أم بدر بتبـرم: أنا غلطانة، حقك عليا، أنا بس كان منايا أختارله أحسن بنت في البلد كلها. حسين: ولو كان هو اختار واحدة ماتنسبوش، كنت أنا وافقتُه، إياك، أنا خطبتله البنت اللي ما فيش عيلة في البلد كلها إلا وتتمناها لابنها، وتليق بيه وبينا. أم بدر: ودي مين دي؟ حسين: ليله بنت سالم شاهين. أم بدر بدهشة: يوه، أخت مروان جوز زينة بنت المنصورية. بدر: منصورية إيه يا أمي؟ أم بدر: أمها منصورية من المنصورة.

حسين: يا صبر أيوب، مش انتي لسه بلسانك قولتي أخت مروان جوز زينة اللي هو برضه ابن نفس المنصورية يا ولية. أم بدر بامتعاض: أيون، بس ده دكتور قد الدنيا ومكمل تعليمه و... حسين: خلاص الكلام خلص، هو اختار وأنا هجوزهاله. أم بدر: بس هي امبارح كانت هنا الصبح واتكلمت معاها وقالت إنها بتتعلم ودماغها في التعليم وبس، وكمان عرفت من الحريم بالليل إن كذا واحدة طلبتها لابنها وأبوها رفض. حسين: وانتي فكراهم هيرفضوا ابني ولا إيه؟

ليه هو بدر زي اللي اتقدمولها قبل كده؟ اسكتي يا ولية عشان انتي كلامك بيفور دمي، وقومي شوفي بنتك وشوفي وراكي إيه، خلاص الدخلة بعد أسبوعين، خلصوا مواويلكم دي وباقي الجهاز. مساءً في قصر قاسم رسلان استيقظت ريتال من نومها على صوت الخادمة تناديها من خلف الباب. ريتال بصوت مبحوح من آثار النوم: أيوة. الخادمة: قاسم بيه طلب مني أناديلك وبيقول لحضرتك إنهم منتظرينك على العشا. ريتال بتنهيدة: طيب.

قامت من الفراش ووجدت المذكرة بجانبها، فوضعتها بالخزانة كي تكون بمأمن ودخلت إلى الحمام. وبعد قليل كانت تنزل على الدرج، وأثناء نزولها وجدت خلفها ذلك الجسار بابتسامته الجميلة المستفزة لها. جسار: مساء الخير يا تالا. نظرت إليه بضجر وأكملت طريقها دون أن تنطق بحرف واحد. ريتال بخفوت: سلام عليكم. قاسم وزاهر: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. عايدة: إيه سلام عليكم دي؟ إحنا مش في الشارع، في حاجة اسمها مساء الخير يا سُوار.

ريتال بجمود: السلام لله. عايدة بعدم فهم: ها؟ ريتال: يعني الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "أفشوا السلام بينكم"، وأنا لما قولت السلام فإني قولته عشان ربنا وبس. قاسم: واحنا ردينا السلام، اقعدي عشان تتعشي، إحنا منتظرينك من بدري. زاهر: اومال فين مراتك يا جسار؟ لسه مارجعتش؟ جسار: اتصلت وقالت إنها هتتعشى مع أصحابها. زاهر: وده اسمه كلام؟ تخرج من الصبح ماترجعش غير بالليل، ما تنام بره بقى، هترجع ليه؟

عايدة: زاهر مش كده الله، فيها إيه ليليان شخصية اجتماعية وليها علاقات عامة كتير وأصحابها من كبار العائلات وكلهم مشهورين وليهم أدوارهم في المجتمع والجمعيات الخيرية. زاهر: وجوزها فين من ده كله؟ هو له حقوق عليها وبيتها أولى بيها من الجمعيات والأشخاص المشهورين دول. عايدة: بس جوزها ما اشتكاش، ولو معترض هي أكيد مش هتعمل كده. قاسم: ممكن تاكلوا بقى وكفاية كلام. جلست معهم تأكل في صمت دون أن تعيرهم أي اهتمام.

جلس يراقبها وهي تتناول الطعام. هي قطعة من ابنته، تذكره بها، يتمنى فقط أن يأخذها في أحضانه ويشم رائحتها. هذه هي أقصى أمنياته. أما الآخر، فهو بمجرد وجوده بقربها يشعر بنار داخل قلبه، هو يحبها، يعشقها، حبها بداخل قلبه يكبر مع الأيام، فقد ظن سابقًا أنه قد يختفي بتعاقب السنوات، ولكنه يزيد وينمو أكثر وأكثر. وعلى النقيض، هي كرهها لهم بداخلها يزيد أكثر وأكثر. انتهت من تناول الطعام ووقفت. عايدة: على فين يا تالا؟

انتي لحقتي تاكلي ولا انتي بتعملي رجيم أو بتتبعي حمية معينة. ريتال: لا أنا مابعلمش رجيم ولا حمية، بس باكل اللي بشتهيه، وخلصت أكل وهروح أعمل قهوة لأن دماغي مصدعة. زاهر: طيب اقعدي وحد من الخدم يعملهالك. ريتال: بحب أعمل قهوتي بنفسي. وذهبت دون أن تضيف كلمة أخرى، وتنهدوا هم بيأس. وبعد قليل لاحظوا تأخرها، فنادى زاهر إحدى الخادمات. زاهر: فين ريتال؟ هي طلعت أوضتها تاني؟ الخادمة: لا يا فندم، خرجت تشرب قهوتها في الجنينة.

زاهر: طيب روحي انتي. عايدة: طيب كانت جت شربتها معانا هنا، ولا حتى استأذنتنا. لسه زي ماهي ما اتغيرتش، لما كنا بنروح هناك مبنشوفهاش وبنقول بتذاكر وبتدرس و... قاسم: عايدة مالكيش دعوة بيها، سيبيها على راحتها. عايدة: أنا ما قولت حاجة يا بابا، أنا بس عايزاهـا تقعد معانا وتقضي وقت تعوضنا عن غيابها. جسار: اسمعي كلام جدي يا ماما، لأنه لسه مش مستعدة للي حضرتك بتقوليه ده. زاهر: وامتى هتبقى مستعدة؟ ها؟ امتى؟

دا كل ما بيعدي وقت هي بتبعد أكتر، بقالنا كام سنة بنقول بكرة تتغير، بكرة تتقبلنا بحياتها، لكن الظاهر إنه ما فيش أمل. قام قاسم وتركهـم يكملون حديثهم وخرج إلى الحديقة، وجدها جالسة وسط الأزهار وأشجار الحديقة بركن هادئ وأنوار خافتة. اقترب منها بهدوء وجلس بجانبها ينظر إلى ما تنظر هي إليه. قاسم: لأمتى هتفضلي كده يا ريتال؟ ريتال بجمود: حضرتك تقصد إيه؟

قاسم: امتى هتتقبلي الوضع وتتقبلي موقفنا وتعيشي حياتك وسط عيلتك اللي بيحبوكي؟ ريتال: وهي فين عيلتي اللي بتحبني ومفروض أعيش وسطهم؟ قاسم: إحنا عيلتك يا ريتال، أنا جدك، وزاهر خالك، وعايدة مرات خالك، وجسار وآدم ولاد خالك. ريتال: بس انتوا مش عيلتي ولا عمركم هتكونوا عيلتي أبدًا. قاسم: ليه؟ ليه بتعملي كده؟ دا انتي عوض من ربنا ليا عن أمك اللي راحت مني و...

قاطعتـه ريتـال وقد نظرت إليه أخيرًا: لو سمحت بلاش سيرة ماما وبلاش نتكلم أصلًا في أي حاجة، ودا عشانك انت مش عشانـي، لأن أي كلام هيكون مش في صالحك. ولو على سؤالك اللي هو (لأمتى) ، فأجابته عندك انت مش عندي. شوف لأمتى عقاب هيكـون مستمر؟ لأمتى انتقامك هيفضل قائم؟ لأمتى هفضل سجينة؟ لأمتى جبروتك هيفضل مستمر؟ وإجابتك على الأسئلة دي هيترتب عليها إجابتي. عن إذنك، أنا ورايا مذاكرة، أصل مش معنى وجودي هنا إني أهمل دراستي.

وتركتـه جالسًا وهموم الكون فوق أكتافه، وقد تذكر ابنته ومعاندتها معه قبل وفاتها. صباحًا في منزل سالم شاهين بعد أن تناولوا وجبة الإفطار. سالم: أنا هروح الأرض عشان الأنْفار هيبدأوا يجمعوا المحصول النهارده. هتيجوا معايا ولا إيه؟ ليله بحماس: طبعًا يا بابا، دا أنا واحشني قوي أشوفهم بيجمعوا الخضار والفواكه من الأرض بتاعتنا. مروان: طبعًا معاك يا حاج.

سالم: انتوا عارفين أنا ليه دون عن أعمامكم كلهم بحب أكون موجود دايمًا في جمع المحاصيل. أم مروان بحُب: أنا عارفة يا حاج. سالم بابتسامة حنونة: طبعًا ما انتي لازم تبقي عارفة، هو انتي في حاجة تخفى عليكي يا أم مروان. مروان: اقعدوا بقى حبوا في بعض قدامنا وما تـردوش عليا. ليله: يا ابني، هو انت لازم تقطع لحظاتهم الحلوة طول الوقت كده؟ دا بدل ما تتعلم منهم خصوصًا إنك داخل على جواز، دايما كده هادم اللذات.

مروان: طب اسكتي يا نحنوحة، يا اللي هتعنسي ومش هتلاقي حد يبص في وشك. ليله: عيب على العيون الزرقا والشعر الأصفر وحمار الخدود، يا ابني دا كل اللي يشوفني يفتكرني أجنبية، دا لولا شوية التواضع اللي عندي، ما كنتش قعدت في مصر لحد دلوقتي، دا أنا الطلب عليا كتير يا ابني، وبعدين اتكلم معايا بطريقة أحسن من كده بدل ما أقطع علاقتي بيك وأشوف مين اللي هيشتغل بدالك وانت بتتجوز.

مروان بابتسامة بلهاء: حبيبة أخوها القمر اللي شباب مصر كلهم بيجروا وراها. ليله بغرور: أيون كده اتعدل، أنت محتاجلي. مروان: بيجروا وراكي عشان حرامية وعايزين يقفشوكي. أم مروان بحدة بسيطة: بتقول على أختك حرامية يا مروان؟ مروان: أيوه، اومال هيجروا وراها ليه إذا ما كنتش سرقت منهم حاجة. (وأكمل عندما رأى نظرات ليله الساخطة) انتي مش شايفة بنتك بتسرق القلوب إزاي.

أم مروان بنبرة ذات معنى: من جهة بتسرق القلوب، فهي فعلاً بتسرقها بدليل العرسان اللي كل ما تنزل البلد ويشوفوها يتهافتوا عليها. سالم: احم، طب يلا يا أولاد عشان أنا اتأخرت، الأنْفار في الأرض من الفجرية. ليله: دقيقة واحدة بس يا حاج، هلبس عباية وأحط طرحة على شعري وأجي.

وصلوا إلى الأرض الخاصة بعائلة شاهين. يمشي ابنُه وابنته بكل فخر، هما زرعه بالدنيا. يرى في أعين الناس نظرات الإعجاب بهما والتمني أيضًا، فالشاب دكتور صيدلي لديه شركة صغيرة بالقاهرة، والفتاة من الأوائل على الجمهورية دائمًا، وذلك غير جمالها الفائق. مروان: ليك حق يا بابا تحب تحضر جمع المحصول دايمًا عشان تشوف الهمة والنشاط والسعادة في وجوه الناس.

سالم: اهو هو ده بقى اللي كنت هقولهولكم في البيت، الناس بتزرع أيام طويلة وتفضل تراعي زرعتها وييجي يوم ويحصدوها فيه، وكل واحد حسب ما اهتم بزرعته بيلاقيها. اللي زرع بصل بيحصده، واللي زرع طماطم بيحصده، واللي زرع تفاح بيحصده، وكل واحد بيفرح بزرعته يوم الحصاد. أنا لما بشوف اليوم ده ببقى فرحان قوي، مش بس بالزرع والخير اللي ربنا رزقنا بيه في الأرض، لأ وكمان بيكم، ماهو أنا زرعتكم في الدنيا، ولما بشوف الأرض اللي اهتمينا بيها وأحصده خير، بقول يارب اجعل حصادي في أولادي خير وأسعدني بيهم وارفع راسي طول العمر بيهم، وحتى لما أموت، أموت وأنا راسي مرفوعة بيهم.

مروان وليله بتأثر: ربنا يبارك في عمرك يا بابا. سالم: أنا أخذتكم بره الدار عشان أتكلم معاكي يا ليله في موضوع مهم، ومروان لازم يبقى عارف لأنه أخوكي الكبير. ليله: خير يا بابا؟ سالم: اتقدملك عريس. مروان: وإيه الجديد يا بابا؟ ما دايما بيتقدملها عرسان وحضرتك بترفض.

سالم: بس ده ما رفضتوش لأنه غير اللي كانوا قبل كده، وخايف أرفضه أكون بظلمك يا ليله وأكون بضيع فرصة شاب محترم ومتعلم زي ده، وفي نفس الوقت خايف إنك تكوني مش موافقة، وأنا لما أوافق تكون دي مش رغبتك وتزعليني. ليله: أنا عمري ما أزعل منك يا بابا، وصحيح إني قولت إني مش هتجوز غير لما أخلص دراستي وأبدأ حياتي زي ما أخويا عمل، لكن لو حضرتك قولت دلوقتي اتجوزي يا ليله، هتجوز وأنفيذ أمرك بدون حتى ما أعرف مين العريس ولا أشوفه.

سالم: لأ طبعًا، وأنا مش عايز كده. أنا قولت هقولك، وأنتي تفكري وتاخدي قرارك لوحدك، انتي عاقلة ودي حياتك ولازم تحددي مصيرك بأيدك. مروان: مين ده يا بابا اللي خلى حضرتك تغير رأيك في موضوع الجواز؟ حد نعرفه؟ سالم: أيوه، بدر ابن حسين الشرقاوي، نسيبك. (تفاجئت ليله من حديث والدها، لكن مروان أبداً لم يتفاجأ) مروان: كنت متوقع على فكرة، لأنه لمح بالكلام يوم كتب الكتاب. سالم: وانت شايف إيه يا ابني؟

مروان: رأيي فيه ما يختلفش عن رأي حضرتك، هو راجل وجدع وذكي ومتعلم وأخلاقه كويسة، أنا أعرفه من زمان وأعرف أخلاقه كويس، بس القرار الأول والأخير في الموضوع ده ليكي يا ليله، لأنك انتي اللي هتعيشي معاه مش إحنا. ليله بتوتر: أنا، أنا مش عارفة صراحة، أنا اتفاجئت مش لأني أصلًا ما كنتش بفكر في الموضوع ده أبدًا.

سالم: ما يجراش حاجة يا بنتي، الوقت قدامك طويل، فكري براحتك وما تستعجليش، وصلي استخارة بس الأول وشوفي في الرؤية الشرعية وبعدها خدي وقتك. ليله بطاعة: اللي تشوفه يا بابا. مروان: طيب والدراسة يا بابا؟

سالم: هتكملها طبعًا، ولو حصل نصيب، دا هيبقى شرط أساسي من الاتفاق وسط الرجالة إنهـا تكمل تعليمها للآخر. إحنا بس نقعد ونتكلم وليله تفكر وتشوف نفسها مستعدة للجواز وبداية مرحلة جديدة في حياتها ولا لأ، وهيحصـل بينهم قبول ولا لأ، وبعدها كل شيء سهل إن شاء الله. ليله بشرود: إن شاء الله. القاهرة –قصر قاسم رسلان

نزلت ريتال إلى المطبخ لكي تحضر كوب القهوة الصباحي الخاص بها، فهي لا تفيق إلا بعد تناول كوب من القهوة. وتلك عادة أخذتها من والدتها، كوبين من القهوة، واحد في الصباح وآخر في المساء. خرجت من المطبخ وفي يديها الكوب، وإذا بها تتفاجأ بذلك الظريف الذي رأته آخر مرة منذ ثلاثة أشهر. ظريف عائلة رسلان. آدم بابتسامة وهو يلقي حقيبة الظهر الخاصة به على الأرض: تـاالااااا، نورتي مصر. ريتال على مضض: أهلًا.

(الوحيد من هذه العائلة الذي يجبر ريتال على الحديث معه ويستفزها بشكل يثير حنقها) لم يبالي آدم بطريقة ردها عليه، وإنما أكمل: شوفتي آخر مرة كنتِ هناك طردتيني من أوضتك، ودلوقتي انتي جيتي مصر. لما غيبت عنك 3 شهور ما قدرتيش تعيشي هناك من غير ما أزورك. ريتال: اللي أعرفه إن الإنسان ممكن يموت من غير الهوا أو المياه، إنما من غير حد مزعج يتطفل عليه، دي معلومة جديدة.

آدم بفخر: ادعيلي بقى، قولتلك معلومة ما عرفتيهاش حتى في أمريكا أهو. ريتال: استغفر الله العظيم رب العرش العظيم. أنا قولتلِك قبل كده إني مابحبش أتكلم كتير، خاصة لما أكون لسه صاحية من النوم. آدم: وأنا برضه قولتلِك إني ما أقدرش أعيش من غير ما أتكلم، وخصوصًا لما أكون لسه صاحي من النوم، وكمان بصراحة انتي بتشجعيني إني أتكلم معاكي أكتر ما بتكلم مع أي حد. ريتال بذهول: أنا؟

آدم: أيوه طبعًا، أصلِك ما بتتكلميش كتير، واللي ما بيتكلموش دول هما أحسن ناس تشجع الواحد إنه يتكلم عشان بيسمعوا أكتر ما بيتكلموا و... قاطعته ريتال: بس بس، مش عايزة أعرف حاجة تاني، قهوتي هتبرد وأنا مصدعة أصلًا. آدم: طيب أطلع أغير هدومي وأنزل تكوني شربتي قهوتك عشان نقعد نتكلم بقى، دا أنا عندي ليكي كلام كتير.

ريتال متمتمة بسرها: كنت بتحمله لما ييجي أمريكا كام يوم كل كام شهر، أجي هنا أنا واقعة في وشه، يا مهون وامشي من هنا، بعيد عنهم. آدم بصوت مرتفع: ريتال. (كانت تصعد على الدرج وهي تفكر في سبب استدعائها هنا، واجفلت عندما ناداها آدم، فأنزلق كوب القهوة من يديها ووقع أرضًا، وقد تناثرت بعض القطرات على قدمها) اقترب آدم سريعًا وهو يحاول أن يمسح على بنطالها الرياضي قبل أن تحرقها قطرات القهوة الساخنة.

آدم: أنا آسف، آسف، ما قصدتش أخضك والله. مالت بجسدها وهي تتألم وتحاول نفض بنطالها وإبعاد يده. ريتال بألم: خلاص أبعد. آدم وهو مازال راكعًا أمامها: طيب انتي كويسة؟ اتحرقتي أوي؟ ريتال: هي ماكنتش سخنة أوي، ودا طبعًا بفضل رغيك. قبل أن يرد آدم، قاطعهم صوت مستغرب: آدم، إنت بتعمل إيه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...