دخلت الغرفة وجلست فوق الفراش وظلت بلا حراك. بداخلها ألم كبير. بدأت تلوم نفسها على هروبها وعدم استفسارها عمن تكون تلك السيدة، وأين والدها، هل باع منزلهـم أم تزوج تلك السيدة أم شيء آخر. آه، تقتلها الظنون. طَرقت ماريا الباب ودخلت لها وهي تحمل باقة أزهار. ماريا بابتسامة: جا لك ورد يا ري ري. ريتال باستغراب: نعم؟ ماريا: الورد ده علشانك. لتسألها: من مين؟ ماريا: معرفش، هما قالوا علشانك. شوفيه واكيد هتعرفي.
أخذت الباقة منها ومن ثم الظرف المرافق لها. وجدت عليه اسمها، فتحته وقرأت ما به: ( آسف، عدد كل السنين والشهور والأسابيع والأيام وعدد الساعات والدقائق. آسف على كل يوم اتسببت فيه إننا نكون بعيد عن بعض. بحبك يا روح قلبي من أول لحظة شوفتك فيها لآخر يوم في عمري هفضل أحبك، ومستعد أعمل أي حاجة علشان تسامحيني وتقبلي تكوني ملكي، من تملكي كل وجدانه. جسار ) أمسكت الورقة وقطعتها وهي تعتصرها في قبضتها، ومن ثم ألقت بها في القمامة.
وباقة الأزهار ألحقتها بها. ماريا بذهول: ري ري، إيه اللي عملتيه ده؟ ريتال بجمود: دول مكانهم الزبالة. ماريا: ليه عملتي كده؟ (لم ترد ريتال عليها ولم تلقِ لها بالاً، فأخذت هي باقة الأزهار وتنفست بعمق من عطرها ثم تمتمت) كم أنتِ قاسية القلب؟ تفعلين ذلك في تلك الأزهار الجميلة. وخرجت من الغرفة وهي تحملها كما دخلت، وعادت إلى الجناح الذي تقيم به عائلة ليلى. أما ريتال، فعادت إلى جلستها، ولكن هذه المرة بضيق يوازي حجم ألمها.
أخذت هاتفها من حقيبتها ووضعته على الشاحن الكهربائي وذهبت لكي تغتسل. بعد أن أعادت تشغيله، خرجت من المرحاض وهي تجفف شعرها بالمنشفة. ومن ثم أخذت هاتفها ورأت مكالمات كثيرة من أصدقائها ومن رقم آخر غريب، وأيضاً رسائل من ذات الرقم. وما إن فتحت إحداها حتى علمت لمن الرقم. من أين حصلوا على رقم هاتفها؟ هه، بالطبـع جسـار من علم به وأخبر جده، فهو الحفيد المطيع. حذفت جميع الرسائل دون أن تقرأها حتى.
أتى موعد الجلسة التي حددها القاضي. جلست أم بدر وبجوارها شقيقتها وزوجها وشقيقها. وظلوا ينظرون إلى بعضهم بتوجس، فولدهم قد اختفى منذ الجلسة الماضية ولم يظهر أبدًا. والمحامي لم يستطع الوصول لحل أبدًا، خاصة وأن ليلى وعائلتها يرفضون النقاش، ولم يطمئنهم أبدًا من حيث موقفهم القانوني. دخلت ليلى وعائلتها إلى القاعة، فقد تخطت الصحافة الموجودة أمام القاعة بصعوبة. وقد أصر مروان على حضور تلك الجلسة معهم.
ريتال بهمس لماريا: ماريا، ماتنسيش مش عايزين نفضل في مصر كتير. ماريا بهمس: ماتقلقيش. وقفت أم بدر واقتربت من ليلى ومن مكان جلوسهم. رفعت ليلى نظرها لمن تقف أمامها، وقد لحق بها زوجها لكي يسحبها من يديها. حسني: امشي على مكانك، بلاش فضايح. أم بدر: وهو لسه ما اتفضحناش؟ ما الفاجرة بنت الفُجر قامت بالواجب. وقفت ليلى ونظرت إليها باشمئزاز: امشي من قدامي بدل ما أخليهم يسجنوكي فوراً، وبالمـرة تعرفي في التخشيبة معنى الفجور.
أم بدر: وديتي ابني فين يا بنت سالم؟ من يوم الجلسة اللي فاتت وهو اختفى من فضايحك بعد ما جبتيلنا العار. ليلى ببرود: العار جبتوه لنفسكم لما ظلمتوا واتجبرتوا. (وأضافت بنبرة قوية وشرسة) امشي من قدامي وإلا قسمًا بالله ما هخليكي تخرجي معاهم من هنا. تصنمت أمامها، فلم تتوقع أن تحدثها بتلك الطريقة والقوة في نبرتها وملامحها، فقد اختلفت تلك عن ليلى التي كانت تعيش بمنزلها. سحبها زوجها وأعادها إلى مقعدها.
وما هي إلا لحظات وحضر القاضي وبدأت الجلسة. وبعد حديث مطول بين ماريا والقاضي والمحامي الآخر وبعض المتهمين في القضية، والذي ليس لهم أي دور سوى أنهم كانوا موجودين أثناء ما حدث مع ليلى، سأل القاضي عن بدر فقد حان دوره في الحديث، ولكن لم يكن موجودًا. فوقفت ليلى لتتحدث. ليلى: ده المتوقع منه يا سيادة القاضي. الهروب وعدم تحمل المسؤولية. إذا ماقدرش يحمي زوجته ويقف جنبها ويرفع عنها الظلم، هيقدر يتحمل نتيجة أفعاله هو وأهله؟
للأسف اتغشيت فيه أنا وأهلي وافتكرت إني اتجوزت راجل، لكن الرجولة أبعد ما يكون عنه. هو وأهله أحقر من إنهم يعيشوا بين البشر. محامي الخصم: سيادة القاضي، أنا أرجو إثبات ذلك، فقد أساءت المدعية إليهم. ليلى بابتسامة مستهزئة: دي مش إهانة، دا أقل وصف ليهم. دخل بخطوات بطيئة وقد استمع إلى ما قالته ليلى وردها على المحامي أيضاً. بدر بجمود: أنا موجود يا سيادة القاضي، وأسف على التأخير. تسمح لي أرد على كلام مراتي؟
شايفة إني مش راجل وحقير؟
حقير لأني اخترت إنك تبعدي عني عشان ماحدش من أهلي يضرك ولو بكلمة. رغم إنك عارفة إني بغار عليكي من الهوا، سمحت لك تسافري. وفكرة إنك تبعدي عني مستحيلة، ما بالك لما تروحي بلد غريبة وعاداتهم مختلفة عن عاداتنا وتقاليدنا وناس على غير ديننا. وكل ده بس اتحملته عشان انتي تكوني بعيدة عن اللي كان بيحصل هنا. اتحملت إهانات الناس ليا وهم بيطعنوا في رجولتي، لأني الراجل اللي سمح لمراته تسافر لوحدها بلد أجنبي. والجنين اللي مات في بطنك
ماكانش ليكي لوحدك، دا كان ابني أنا كمان. وكنت مستني من أول ما عرفت بوجوده، كنت بعد الأيام عشان أشوفه وأشيله بإيديا. أشيل ابني من مراتي اللي بعشقها ومن أول ما عيني وقعت عليها. ابني مش مات بسبب إنك وقعتي على السلم وبس، لأ بسبب الضغوط النفسية وعدم التغذية السليمة وإهمال الأدوية اللي كان مفروض تاخديها في الوقت ده. أنا راجل خسرت أخته، وبعدها خسرت ابنه اللي كان بيحلم بيه من حبيبته، وأمه قدامه بتنهار، وكل اللي عليها عايزة
حق بنتي اللي دوبك زفتها عروسة وماتت في حادثة. لكن أمي ما اقتنعتش غير إنهم السبب في موت بنتها. قلت نستنى ونرضى بالأمر الواقع مؤقتًا لحد ما أمي تتقبل فكرة موت بنتها والحادثة. لكن انتي ما صبرتيش وحطيتيني قدام الأمر الواقع وقدام كل الناس. وأنا وافقتك وما اعترضتش لأني كنت متأكد إنك لو بقيتي في البلد هتتعذبي بسبب بُعدك عن عيلتك، وكمان السنة الدراسية هتروح عليكي بسبب اللي بيحصل.
ليلى بسخرية: يا مسكين يا ضحية. عملت كل ده علشاني؟ يااااه، حقيقي صعبت عليا وصدقتك. (وأضافت بحرقة) يا أخي، ده أنا اترجيتك إني ما أبعدش عنك. اترجيتك ماتسبنيش، ولا لآخر لحظة كنت بتبيعني وتتخلى عني يا... يا جوزي. رد عليها ينفي بحرقة: قصدك إن لآخر لحظة كنت بقتل قلبي بإيدي وأنا ببعدك عني. سلمتك للغربة بنفسي وأنا عارف إني من غيرك بموت. ليلى: بتموت!!! بتموت ولا بتتجوز وتخلف؟
نفيتوني أنا وطردتوني من بيتي وبلدي. أما أنتوا ولا خسرتوا أي حاجة. و عشان تأذيني أنا وعيلتي أكتر، رحت اتجوزت بنت عمي وخلفـت بنـت وبقى عندكم زينة من جديد. أما أنا بعدت واتغربت عن عيلتي وأخويا اللي صحته ونفسيته اتدمرت بسببكم. وأهلي اللي كسروا نفسهم وسط الناس. وبعد كل ده جاي تقول إنك ضحيت وكنت بتموت؟ بدر: تنكري إني روحتلك لحد عندك هناك وطلبت منك ترجعي معايا ورفضتي؟
قلت لك هنبعد عن الكل ونعيش بعيد ونكمل حياتنا، لكن انتي رفضتي واتحديتيني. ليلى: بعد إيه راجعلي؟ بعد إيه؟ بعد ما جرحتني وكسرتني وتقول نعيش بعيد. يعني حتى بعد كل ده جاي تقول نبعد. وأنا اللي أول ماشوفتك فكرت إنك جاي تقولي خلاص يا ليلى أنا حلّيت كل حاجة، هترجعي لأهلك. فكرتك جاي تقولي سامحيني حبيبتي على كل اللي عملته. لكن برضو خذلتني، أنت كنت مبدع في الخذلان وكسر قلبي. بدر بوجع: أنا حبيتك، عارفة يعني إيه؟
أنا عشقتك يا ليلى. لترد عليه بوجع أكبر: اللي يحب ما يجرحش ولا يكسر ولا يبيع ولا يخون، وأنت عملت كل دول. وجاي بعد ده كله تقول حبيبتني؟ يلعن الحب اللي بالشكل ده. ملعون الحب اللي بسببه يدمر الحبيب حبيبته. (وأضافت بصراخ أودعت به كل حرقتها) ملعون الحب اللي يخليك تنام في حضن واحدة غيري. ليتدخل القاضي الذي رأى أن نقاشهم طال: أنتي عايزة إيه يا ليلى؟ لترد عليه باستسلام رغم هزيمة الخصم: عايزة حريتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!