خرجوا من المطار أخيراً بعد أن تخلصوا من الصحافة التي تلتقط لهم الصور، وكان بانتظارهم موكب من السيارات تخص عمر الجزيري. تفاجأت ريتال بوالدها ينتظرها في السيارة، وقد أبلغه عمر بميعاد الوصول. استقبلها أبوها باشتياق وأخذها بأحضان، وهي بادلته ترحيبه الحار بها وقبلت يده.
تحركت السيارات على الفور إلى محافظة الشرقية، فهذا هو ما اتفقوا عليه. فقرروا الذهاب إلى الشرقية على الفور دون إخبار أحد من عائلة ليلى بميعاد عودتهم. صحيح أن خبر وصولهم تم إعلانه أمس في الصحف، ولكن بالطبع والديها لا يتابعان تلك الأخبار. وأصرت ريتال على والدها أن يذهب معهم، وهو لم يرفض.
ركبت ماريا بجوار مروان في سيارة، وآدم بجوار ليلى في سيارة ثانية، وريتال مع عمر ووالدها في سيارة أخرى. وسيارين أخريين للحرس الخاص بعمر، فهو لا يتحرك في مصر دون حرس، ومؤخراً أصبح حتى خارج مصر لا يتحرك بدون حرس بعد ما حدث بينه وبين جسار. وحتى ريتال في كل تحركاتها يكون خلفها سيارة لرجال أشدّاء لحمايتها. في سيارة آدم وليلى...
نظر آدم إليها وهي تنظر من النافذة بجوارها وتتطلع إلى كل شيء باشتياق وفرحة جميلة. أمسك يدها بقوة، فنظرت إليه مبتسمة بسعادة.
ليلى بلهفة: أمي وأبويّا وحشوني أوي يا آدم، وحشتني بلدي وأرضي، وحشني الزرع والخضرة والناس الطيبة، وحشني الخروج مع أبويّا الصبح بدري وأشوف الناس وهي بتشتغل في الأرض، اللي بيزرع واللي بيهتم بزرعه، واللي بيحصد واللي بيحرث. وحشني آكل من إيد أمي. كل حاجة، كل حاجة وحشتني يا آدم ومش مصدقة إني خلاص رجعت. حاسة إني لسه هناك وكل ده مجرد حلم. آدم
بابتسامة سعيدة لسعادتها: لا يا حبيبة قلبي، انتي مش بتحلمي وإحنا هنا في مصر. وكله شوية وقت صغيرين وهتلاقي كل حاجة وحشتك قدامك.
ليلى بتأثر رغم سعادتها: الغربة آذتني أوي يا آدم، بجد اتألمت كتير وأنا بعيدة عنهم. ودلوقتي لما رجعت عرفت قد إيه اللي حصل كان كتير عليا، وإن ربنا هو اللي ساعدني عشان أتحمل. حقيقي اتوجعت وتعبت، لكن الغربة دي رغم صعوبتها وشقائها إلا إني طلعت منها بيكم. ريتال وماريا أخواتي اللي حسيت إنهم فعلاً من دمي، وأنت يا آدم أنا بحمد ربنا على وجودكم في حياتي يا آدم.
آدم: وأنا بحمده ليل ونهار إنه رزقني بيكي يا قلب آدم. عايزك دلوقتي تنسي أي ألم وتفكري بس إنك هتشوفي أهلك وتستمتعي بالفرحة يا ليلى وبس. في سيارة مروان وماريا. جلست ماريا بجوار مروان في السيارة وهي تنظر إلى توتره البالغ ذروته. ماريا: ممكن أعرف متوتر ليه؟ مروان بتوتر: لأني مبسوط. ماريا: ده إزاي ده؟ شكلك مش شكل حد مبسوط أبداً يا مروان.
نظر إليها مروان بصدق: لا والله مبسوط وكمان متوتر في نفس الوقت. أنا مشيت من هنا محطم ومبتئس وانهزامي كمان، لكن رجعت بني آدم تاني خالص. وحقيقي مبسوط للي وصلتله، ومبسوط إني رجعت لأهلي بعد غياب طويل، ونفسي أشوفهم فرحانين بيا وفخورين زي الأول وأكتر. لترد عليه بتأكيد ودعم: أكيد يا مروان. هما بالفعل فخورين بيك وده كان واضح جداً من كلامهم واحنا هناك. أنت أنجزت كتير يا مروان خلال سفرك ده ورجعت أفضل وأقوى من الأول.
مروان بنظرات عاشقة: انتي أكبر إنجاز أنجزته يا ماريا. توقفت السيارات أمام منزل سالم الشرقاوي، وقد مرت بالكثير من البشر، خاصة أنهم وصلوا إلى القرية بعد صلاة الظهر تقريباً. واستغربوا جميعاً ذلك الموكب، فنادراً ما يرون سيارات بتلك الفخامة بالقرية وبهذا العدد دفعة واحدة. أول من نزل من السيارة كانت ليلى ومعها آدم. اقتربت سريعاً من السيارة التي بها مروان ورأته ينزل منها وهو ينظر إلى المنزل باشتياق. ليلى بلهفة: يلا شيلني.
آدم باستغراب من تصرفها: إيه يا ليلى؟ مش هندخل؟ نزلوا جميعاً من السيارات واقتربوا من ليلى التي تقف أمام شقيقها وتتحدث بصرامة: أنا حلفت إني مش هدخل البيت ده غير وأنا على كتف مروان، ودلوقتي هو هينفذ لي وعدي لنفسي ولأبويّا وأمّي. مروان بنظرات حنونة: تحت أمرك يا أغلى أخت في الدنيا.
وجلس مروان أرضاً على ركبتيه، وجلست ليلى على كتفيه. وأمسك هو قدميها حتى اعتدلت، ومن ثم ساعده آدم الذي ينظر إلى ليلى بسعادة لسعادتها ودموع الفرحة التي بدأت تسقط من عينيها. اعتدل مروان واقفاً وأمسك بيديها، كل يد في يد. نظرت ليلى إلى عمر بفرحة وهي تنظر لهما من علو. ليلى: عمر لو سمحت اضرب نار، مش انت معاك سلاح؟ اضرب نار في السما عشان أهلي يسمعوا ويفرحوا. (وأضافت بسعادة بالغة والدموع تتراقص في عينيها) فرحني ربنا يفرحك.
نظر إليها عمر بابتسامة، ومن ثم أخرج سلاحه الشخصي وأطلق عدة طلقات في الهواء، وأمر رجاله بفعل المثل وسط النظرات السعيدة للكل. بداخل المنزل كان سالم قد أتى من صلاة الظهر وجلس ليشرب الشاي مع زوجته. وسمعوا صوت طلقات نارية قريبة جداً من المنزل. كل من كانوا بالقرب من الصوت ذهبوا ليروا ما الذي يحدث. استغرب سالم قرب الصوت فالمنزل يهتز للصوت. فتح الباب ليرى ما يحدث، ورأى ما كان ينتظره منذ أن رحلوا فلذات كبده. ليلى بصوت باكٍ
صارخ سعيد: يا بشررررر! أنا جيت نورت البيت، ليلى وصلت يا بلد، الحاضر يعلم الغايب، يا حاج ساااااالم. وقف ينظر برهبة إلى ابنته وإلى ابنه الذي يحملها. هل حقق الله دعاءه؟ لقد استجاب له ولزوجته. نزل عدة درجات حتى وقف على الأرض أمام المنزل، ودون أن يحاول الاقتراب منهم أكثر، سجد على الأرض يحمد الله باكياً.
وااقترب مروان من أبيه وجلس برفق بجانب والده، ونزلت ليلى من على كتفيه بمساعدة صديقتيها اللتان اقتربتا منها سريعاً، وآدم وعمر خلفهم، ومعهم شريف المهدي والد ريتال. رفع سالم رأسه من الأرض وضمهما في أحضانه وهما جالسين أرضاً لا يبالون بالتراب أسفلهم. وانضمت لهم والدتهم ليكوّنوا حضناً جماعياً أبكى الناظرين. خديجة ببكاء: زرعنا أهه يا حاج رجعوا لحضننا الحمد لله. سالم: الحمد لله، الحمد لله، ألف حمد وشكر ليك يارب.
ليلى ببكاء: رجعنا يا أحسن أب وأم في الدنيا، زرعكم قوي وذكي يا غاليين، مال مع الريح بس رجع وقف وصلب طوله. في منزل عائلة حسن الشرقاوي، وصل الخبر إليهم لتشتعل قلوبهم بالحقد ويحرقهم بناره. أما دعاء الزوجة البائسة والتي رضيت بالهوان، لم تعرف هل فرحت لعودة ابنة عمها والتي كانت بمنزلة أختها، أم ارتعبت من فكرة أن تقبل ليلى بالعودة إلى زوجها بعد أن يطلقها ويحرمونها من ابنتهما؟
يا الله، بدر سوف يطلقها دون أن يفكر للحظة واحدة. هو سبق وأخبر ليلى بذلك أمام الناس دون خجل. وحماتها لن تسمح لها بأخذ ابنتها أبداً، ووالدها لن يرحمها إذا عادت له مطلقة، ووالدتها لن تنصفها أبداً.
هي ارتضت بقسمتها وقدرها بأن تعيش خادمة في منزل عائلة الشرقاوي وتتحمل كل شيء لأجل أن تكون بجوار ابنتها. وهي تعلم أنه لا مكان لها بمنزل والدها، وهو أخبرها بذلك منذ البداية عندما كانت تشتكي من حياتها، وحرموا حتى الشكوى عليها. والآن حتى ما عادت تذهب إلى هناك، وإن ذهبت منعها حامتها من أخذ ابنتها معها.
وحفلات الزفاف العائلية التي ترى فيها النساء من حولها يتحدثن عنها ويشرن إليها باتهام، فهي من تزوجت زوج ابنة عمها وخاطفة الرجال. أصبحت بعيون الجميع متهمة. هي أصبحت بقايا إنسانة، لم يعد لها حقوق ولا أحلام ولا أي شيء. وقفت بعيد تنظر إلى حماتها وجوارها صفية شقيقتها وهما يتحدثان بغل مع إحدى النساء التي أتت لتوصيل لهن خبر عودة ليلى ومروان إلى البلد. وهي تفكر: ماذا سوف يحدث معي؟ وماذا سوف يفعل بدر معها؟
بدر الذي لا يجمعها به شيء أبداً، لا مكان ولا فراش ولا طعام ولا شراب. فقط تراه في المنزل كضيف يعيش معهم. حتى ابنته التي أوشكت على أن تتم عامها الثالث، لا يراها إلا كل عدة أيام، يجالسها دقائق وهي برفقة أمه، ومن ثم يذهب. هو لا يعيش هنا، حتى أنه يظل أيام خارج المنزل دون أن يلاحظ أحد، ولكنها تلاحظ. كيف لا تلاحظ وهو سبب شقائها في الحياة؟
هو زوجها، ولكن يكرهها، وهي أيضاً أصبحت تكرهه. تكره ظلمه لها، وتكره حياتها بمنزله، وتكره كل شيء يخصه حتى أهله. ولكن ابنتها، والتي هي جزء منه ومنها، هي الشيء الوحيد الذي لا تستطيع كرهه أبداً. تحب ابنتها، ولكن تكره كل شيء عاداها، وكيف لا تكرهه وهو سبب حزنها بهذا العالم. يلومها لأنها تزوجته، وكيف لا يلوم نفسه؟
هو رجل وكان باستطاعته أن يرفضها ويختار أي امرأة غيرها، أو تختار له أمه غيرها كما اختارتها له، وكان هذا من سوء حظها.
كان في عمله والذي أصبح كل حياته بعد رحيلها. ما زال على ضلاله القديم. في النهار يعمل ويعمل ويعمل دون كلل أو ملل، وفي الليل يعيش مع خيالها وذكريات بعيييييييدة لا يملك غيرها. وبعض من أشيائها التي تركتها خلفها وحافظ عليها هو بحرص شديد. وخيالها فوق الوسادة التي كانت يوماً ما وسادتها هي، ولكن أصبحت الآن خالية. كل من حوله حاولوا تغييره، حاولوا التدخل بشؤونه لكي يفيق لنفسه، ولكن هو لا يريد ذلك. يريد أن يظل هكذا. لم يقدر والده على تغيير حاله، ولا والدته التي عرضت عليه أن يتزوج مرة أخرى. دائماً يحاولون إعادته إليهم رغم أنهم يعلمون جيداً أنه لن يعود إلا أن عادت هي إليه.
كان منهمكاً في عمله حتى رن هاتفه برقم أحد أصحابه وتجاهله حتى أنهى ما بيده، ومن ثم رد عليه ليقف مكانه كالمصعوق. عادت ليلى. حبيته رجعت إلى البلد. هي الآن على نفس الأرض التي هو عليها، بنفس المكان الذي هو فيه، وتتنفس من الهواء الذي يتنفس هو منه. لم يصدق ما سمع وخرج سريعاً دون لحظة تفكير واحدة وذهب إلى منزلها، منزل سالم شاهين. في منزل سالم شاهين...
دخلوا جميعاً إلى المنزل وجلسوا بعد أن رحب سالم بهم واستقبلهم باشتياق، فهم أصبحوا أبناء له. وأتى بعض من الجيران والأقارب الذين سعدوا لخبر عودتهم. ودخلوا إلى المنزل ليرحبوا بهم ويتعرفوا على من أتوا معهم. دخلت خديجة إلى المطبخ وبدأت في تحضير أشهى المأكولات بمساعدة بعض الجارات المخلصات ذوات القلوب البيضاء مثلها.
وفي خارج المنزل وبعيداً عنه بمسافة، جلس هو في سيارته لا يقوى على النزول ولا يقوى على الرحيل. يريد الذهاب إليها ويحتضنها ويركع أمامها نادماً معتذراً طالباً العفو منها، ولكنه يعلم أن ذلك ليس بتلك السهولة أبداً. ليلى لم تعد تحبه، ليلى تكرهه وتحقده عليه، ليلى لم تعد زوجته. آاه يا ليلى، آاااه.
لن يتركها، سوف يفعل المستحيل لكي تعود إليه وتسامح. بالتأكيد سوف تسامحه، فقد مرت سنوات على ما حدث. وأكيد أن ذلك في صالحه، سوف يجعلها تحبه من جديد. سوف يطوي صفحة الماضي ويبدأ معها بداية جديدة لن تكون لها نهاية أبداً. وسيتحدى كل من يقف في طريقه لاستعادتها. وتلك المرأة التي تزوجها سوف يحررها منه، سيرحل عن حياته لتعيش بعيداً عنه هو وحبيبته. سيتحرر هو من كل شيء ومن بعدها يأتي إليها طالباً السماح.
أما الآن وبهذا الوضع، فليلى لن تقبله أبداً. عليها أن تعرف أنه تغير كثيراً وأصبح شخصاً آخر من بعد رحيلها عنه، وسيحارب الكون من أجلها. أخبر نفسه بتلك الكلمات وقرر الرحيل لينفذ ما يدور بعقله، ولكن لم يقدر على الرحيل. يكفيه أن يظل هكذا ولو لم تكن أمامه، ولكن هي قريبة منه، قريبة جداً جداً جداً. انتظر على أمل أن تخرج من المنزل لسبب ما ويراها. لقد اشتاق لها. يا الله، أنت وحدك تعلم كم اشتاق لها.
أمام المنزل مباشرة كان أفراد الحراسة الخاصة يقفون أمام المنزل، وكعادتهم يتلفتون حولهم لمراقبة كل ما يحدث بالمكان الذي يتواجدون فيه برفق سيدهم. لاحظوا وقوف سيارة بدر التي لم تتحرك من مكانها منذ ساعة. أخذ رئيس الحرس رقم السيارة وقام بالاتصال لكي يعرف لمن تلك السيارة التي تقف بالقرب منهم، ولم ينزل أو يقترب منها أحد، ولا تقف حتى أمام أحد المنازل. هي فقط تقف بشكل أثار ارتيابهم. علم هوية مالك السيارة، ولكن لم يتعرف على شخصه، فقط علم اسمه.
حاول الاتصال بعمر ولكن لم يستطع لانشغال عمر بالداخل والضجيج الذي يعم المنزل. فانتظر قليلاً لنصف ساعة وأيضاً لم تتحرك السيارة، فقرر الاقتراب منها لمعرفة من بداخلها وسبب وقوفه بهذا المكان، ولكن قبل أن يتحرك رأى الهاتف في يده يرن.
كان عمر يجلس بالداخل برفق الجميع وسالم يعرفه على بعض الناس ويرحبون به. شعر بالصداع من كثرة الضجيج من حوله ومن كثرة الناس الذين تعرف عليهم وتحدث معهم. نظر إلى هاتفه ليرى كم الساعة، ولكن وجد عدة اتصالات من رئيس الحرس الخاص به. أعاد الاتصال به واستأذن ممن يجلس معهم. اتجه إلى باب المنزل وهو يطلبه. بعد دقيقتين عاد مجدداً إلى داخل المنزل وهو يشير إلى آدم الذي يجلس بجوار سالم. فكر أن يتحدث مع مروان، ولكن صرف نظره عن الفكرة، فليتركه الآن بصحبة والده. ولكن عليه أن يخبر آدم، فمن يقف بالخارج هو طليق ليلى، وهو لا يعلم عن ذلك الموضوع شيئاً سوى أنها انفصلت عنه بقضية كانت قضية رأي عام، إلى الآن يتحدث الناس عنها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!