بدر بغضب: بحق القصاص، زي ما حرموني من بنتي يتحرموا من بنتهم. القاضي: متتكلميش بدون إذن، يا ريت الكل يلتزم بآداب المحكمة. لم تتفاجأ ماريا من مداخلتها، بل كانت تتوقعها وتعول عليها كثيرًا: بعد حضرتك، أنا عايزة أفهم القصاص اللي بتحكي عنه بالضبط؟ وإيه معنى القصاص عندها؟ أم زينة بحرقة: هما خدوا مني بنتي، سلمتهالهم عروسة ورجعوهالي جثة. ماريا: يعني هما قتلوها؟ لترد عليها مؤكدة: أيوه قتلوها.
ماريا: ضربوها بالرصاص أو بالسكينة ولا حطولها سم في الأكل؟ بأي طريقة قتلوها؟ ومين قصدك فيهم ولا كلهم شاركوا بالجريمة؟ هطلت الدموع من عينيها قائلة: لأ، ابنهم هو اللي أخدها للموت. ماريا: إزاي؟ محامي الخصم: سيادة القاضي، الأستاذة ماريا بتضغط عليها وحالتها الصحية لا تسمح بذلك. ماريا: أنا مش بضغط، أنا بسأل، يمكن هي عندها معلومات غير اللي مسجلة لدى المحكمة. (والتفتت إليها مرة أخرى كأن شيئًا لم يكن)
بتقولي "أخدها للموت"، إزاي؟ ممكن توضحي لنا يعني برأيك هو خطفها وقتلها؟ ردت أم بدر قائلة بصرخة: لأ. ولكن ماريا لم تهتم لصرختها وأكملت: طيب يعني نفهم من كلامك إن الحادث كان من تدبيره هو؟ يعني كان مقصود؟ إيه؟ سكتتي؟ مش وقت سكوت، أنتي وقفتي وقولتي عايزة حقك، ودلوقتي إحنا قدام القاضي، اطلبي حقك وحق بنتك ودافعي عنه. أم زينة بهياج: هو السبب، لو ما كانش أخدها مني ما كانتش ماتت. ماريا: أخدها إزاي ومين أداهاله؟
أنتي قولتي ما خطفهاش، وإنه كان جوزها، يعني إنتوا اللي جوزتوهاله وبرضاكم ورضاها، وكمان ما قولتيش إن الحادث مدبر. إذا بتعرفي إنه قضاء وقدر وإن دا حكم الله. لترد عليها بتصميم عجيب: بس هو السبب، هو اللي كان سايق العربية وهو اللي عاش وهي ماتت. ماريا: اممممـم، يعني انتي اعتراضك على إنه عاش وبنتك اللي هي مراته ماتت؟ حضرتك مسلمة؟ السؤال الأخير جعل هياجها يتوقف لترد بهدوء: أيوه طبعًا. ماريا: يعني بتؤمني بالله ورسوله صح؟
أم زينة: لا إله إلا الله محمد رسول الله. نظرت ماريا إلى القضاة: اسمحولي أحكي قصة قصيرة. (ونظرت مرة أخرى إليها) في سيدة أمريكية ملحدة، عارفة يعني إيه ملحدة؟
يعني ما بتؤمنش بوجود الله، يعني لا ليها إله ولا دين ولا رسول. السيدة توفى زوجها بعد حب دام عشرين سنة، وترك لها بنت بعمر العشر سنين، وهي كانت بتحبه جدًا لدرجة الجنون. بعد ما هو مات، عاشت هي وبنتها لوحدهم، وأصبحت بنتها هي كل عالمها. وبعد ما البنت كبرت وبقى عمرها عشرين سنة، ماتت. هي عمرها 60 سنة وماتت بنتها اللي ما لهاش غيرها. تفتكري المرأة الملحدة عملت إيه؟
حاربت وناضلت عشان تضم الأطفال اللي ما عندهمش أهل وتتكفل بيهم. هي ما بتؤمنش برسول السلام اللي كان بيواسي طفل مات عصفوره. هي ما بتؤمنش إن في إله هيعوضها وإن دا قضاء وقدر. هي ما بتسجدش لله وتدعيه يصبرها، ولا أي شيء. يعني محرومة من كل النعم اللي عندك. وهب اتقبلت رحيل آخر فرد باقي ليها بالعالم. أما أنتي عملتي إيه؟ هي للأسف تقبلت، إنتي يا مسلمة ومفروض إنك مؤمنة بالله والقدر متقبلتيهوش. نسيتي الله اللي بتؤمني بيه؟
ولما بنتـك ماتت بحادث هو من تدبير الله وحده، اتحولتي من إنسانة مسلمة ومؤمنة إلى حاقدة. بنتـك ماتت، فتقتلي بنتهم؟ تحرمي أم من بنتها زي ما ربنا حرمك من بنتك؟ هو دا اللي انتي عايزاه وطلبتيه؟ وللأسف لقيتي الجهلة المختلين اللي ينفذولك رغبتك وطلبك باسم القصاص والدين، وهما ما يعرفوش في الدين شيء والدين بريء منهم ومنك. عم السكون على القاعة والكل يتدبر بما قالته ماريا، ولا تسمع سوى صوت الأنفاس. ماريا:
ونرجع مرة أخرى إلى سؤال: بأي حق؟ بأي حق حرمتوها من رؤية أهلها؟ بأي حق سجنـتوها في بيت مفروض إنه يكون بيتها؟ بأي حق قتلتوا طفلها؟ وبالفعل قتلتوه ومتعمدين، ومن ثم اتهمتوها إنها السبب بذلك، ولم تكتفوا، بل وحكمتم عليها بالنفي خارج وطنها. أين القانون من كل ذلك؟ وأين حقوق الإنسان وحقوق المرأة؟ كيف أفلتـم جميعكم من بين أيديهم، وحدث كل ذلك دون تدخل أي منهم؟ (وقالت بصوت رنان)
سيدي القاضي، أنا أتهم كل من علم بما حدث وصمت بالتستر عليهم، حتى لو وصل الأمر بأن أتهم القرية جميعها. القاضي: انتهت مرافعتك؟ ماريا: وهل لذلك الحديث أن ينتهي سيدي، ولكني اكتفيت وشكرًا لحضراتكم. محامي الخصم:
سيدي القاضي، كل ما قالته الزميلة يُحترم، ولكن اتهاماتها ليس لها أي أساس من الصحة. الموضوع من بدايته لا يتجاوز مشكلة عائلية، وامرأة حزينة لفقدان ابنتها، فتصرفت وقتها باندفاعية ومنعت زوجة ابنها من زيارة عائلتها، ولكن هي أصرت على الذهاب، وأثناء حديثهم وقعت من أعلى الدرج مما أدى إلى فقدان جنينها، مع مراعاة أنها تأثرت وجنينها بما كان يحدث حينها وحالتها الصحية لم تكن سليمة، وهذا ما جعل إجهاضها للجنين شيئًا متوقعًا.
أما موضوع سجنها، فهم لم يسجنوها ولم يغلقوا عليها الأبواب، ولكن من حق كل زوج أن يمنع زوجته من الخروج من المنزل وقتما أراد. ماريا: أنا اعترض. عذرًا للمقاطعة، ولكن من أعطى الزوج هذا الحق؟ وكيف لم يغلقوا عليها الباب وقد هددوهـا إذا اقتربت من باب المنزل أن يقوموا بضربها؟ والزوج الذي تقول حقه منعها من الخروج، أين كان من كل ذلك؟ وتقول إن الحمل لم يكتمل بسبب سوء الحالة النفسية؟
ولكن تحقيقات النيابة أثبتت أن الإجهاض نتيجة سقوطها واصطدامها بالأرض. سيدي، أرجو من الزميل أن يتحدث بأسلوب منطقي وبدليل على ما يقول، نحن هنا ليس في سباق لمن يتحدث أكثر، بل نناقش قضية رأي عام، قضية انتهاك حقوق... قاطعهـا القاضي: اعتراضك مقبول وأخذناه بعين الاعتبار، وكما قلت، نحن لسنا في سباق حديث ولا داعي للإطالة. محامي الخصم: سيدي، أطلب من سيادتك التأجيل وإعطاء فرصة لكي يتم حل الأمور بشكل ودي مع المدعية.
ليلة بصوت مرتفع حازم: لااااء، مافيش أي ود بيني وبينهم. سيادة القاضي، أنا ليلة سالم شاهين، وأمام حضرتك والدنيا كلها بقول عايزة حقي. (نظر إليها القاضي وهي تتحدث بانفعال حازم لم يخفِ الألم والعذاب اللذان بداخـلها) ليلة:
أنا عايزة حقي. مش قابلة أي حلول ولا تفاوض ولا نقاش. كل اللي قدام حضرتك دول اتسببوا ليا ولعيلتي بالأذى. دول ظلموني، واللي منهم ما ظلمنيش بفعله، ظلمني بسكوته، والساكت عن الحق شيطان أخرس. أنا في الأول صبرت، كنت فاكرة إن ورايا راجل هيحميني ويجيبلـي حقي ويقف جنبي.
لكن الراجل ده خذلني وكان أول من ظلمني. حبسني في البيت اللي مفروض يكون بيتي، ووقف يتفرج عليهم وهما بيأذوني واتسببوا إني أفقد البيبي. حتة مني ومنه كانت بتكبر جوايا. لأ، وبعد كل ده وقف هو وعيلته يهينوا أبويا. يهين الراجل اللي سلمني له أمانة. وبيخيروني ما بين يقتلوا أخويا وما بين أبعد عن أهلي وأكون بالنسبة لهم ميتة. وبعد كل ده، وفي آخر لحظة وهو بينفيني بنفسه عن وطني وأهلي، اترجيته واتوسلت له إنه يكون ليا سند ويقف معايا ونحارب سوا، ولكن برضو خذلني. ودلوقتي بيقولوا "حل ودي". أي حل يا ترى؟
أنا حياتي وقفت واتغربت وعشت بعيد عن حضن عيلتي. عيلتي اللي عاشوا بحسرتهم عليا وعلى أخويا المصاب نتيجة الحادثة، وهما كملوا حياتهم كأن شيئًا لم يكن. وهـو بكل بساطة راح واتجوز واحدة تانية وخلف وعاش عادي وجابوا زينة بدل اللي ماتت. طيب وأنا؟ أنا اتظلمت واتنسيت وبالآخر يقولوا حل ودي؟! (نظرت إليهم جميعًا)
لأ، انتهى الود، وانتوا اللي نهيتوه بإيديكم ومش هسامح في حقي. حتى اللي من عيلتي واللي هو مفروض عمي، وأنا من لحمه ودمه، شارك في كل اللي حصل. وأخيرًا، أنا عايزة أطلق. أنا عايزة آخد حقي منهم كلهم، وبعدين يطلقني الراجل اللي اتحسب عليا راجل وزوج. وهنا نطق الحجر، ذاك الصامت وكعادته يفضل المشاهدة، أخيرًا صدر عنه شيء يدل عن أنه بشر وسمع ما يحدث. وقف ونطق بكل قوة: مش هيحصل يا ليلة. لم تنظر إليه ولم تعره أي اهتمام:
سيادة القاضي، أنا عايزة حقي ومش هتـنازل عنه، وعايزة حريتي ومش هتـنازل عنها. بدر: وأنا بقولك قدام الدنيا كلها، عايزة حريتك مني يبقى بموتي، لأني مش هطلقك. خدي حقك مني زي ما أنتي عايزة، واعملي كل اللي أنتي عايزاه، بس انسي إنك تطلقي. اقتليني أهون. عند هذا الحد، تحدث القاضي بصوت عالي وصارم، منهيًا تلك المهاترة بنظرة: ممكن تتفضلوا انتوا الاثنين وتقعدوا ومش عايز كلام كتير. (وجه نظره لليلة بتعاطف)
موضوع الطلاق يا بنتي دا قضية لوحده ومنفصل عن محكمتنا. (وبعدها صوب بصره بحدة اتجاه بدر وتحدث بغضب وتهكم) وإنت لما تكون قدام القاضي الشرعي قول واعترض براحتك، ولو القاضي حكمها بالطلاق هتطلق غصب عنك ساعتها. وعندها اكتفت ليلة بذلك وجلست مرة أخرى دون أن توجه إليه أي نظرة. واكتفى أيضًا القاضي بسماع ما سمع منهم ومن البقية التي تم رفع الدعوى عليهم أيضًا، ومنهم عمها، وتم تأجيل القضية إلى الأسبوع المقبل.
بمجرد أن انسحب القاضي من القاعة، وقف بعض الأشخاص وتوسلوا من ليلة ووالدها لكي يستسمحوهم ويخبروهم أن لا شأن لهم بما حدث، ولكن قام آدم الذي كان يجلس بجوار سالم شاهين بإبعادهم وسحب والد ليلة. وخرجت ليلة بصحبة ماريا وريتال من القاعة وسط النظرات المتبادلة بينهم وبين أفراد عائلة الشرقاوي. وفي الخارج، اقترب منها بخطوات سريعة دون أن يأبه لأحد، وأمسكها من رسغها. بدر بعنف: إنهي كل اللي بيحصل يا ليلة؟
حقك خدتيه بالفضـيحة اللي عملتيها لحد دلوقتي. وانسـي موضوع الطلاق، أنتي عارفة إنك مش هتنوليه. ليله بشراسة: سيب إيدي قبل ما أطلب الأمن واتهمك بالتعدي. بدر وقد ترك يدها مذهولاً من شراستها: هتطلبـيلي الأمن؟ لتدفعه بعيدًا عنها وتنظـر إليه باشمئزاز: ما تفكرش تقرب مني تاني، ولا تتكلم معايا. وبيني وبينكوا القاضي. أنا هدفعكم تمن كل لحظة حزن عيشتها سواء أنا أو عيلتي. روح لمراتك بتناديـك، شكل أمك عايزاك يا ابن أمك.
كان ذلك أمام آدم، والذي كان يغلي بداخله ويمنع نفسه من التدخل، ولكنه كان على استعداد للقتال أن تعرض لها بالأذى. أما ريتال، نظرت إليه بقرف وسحبت ليلة في اتجاه السيارة التي سوف يعودون بها إلى الفندق. وماريا نظرت إليه بنظرة وكأنها تخبره (لن أترك حق صديقتي) . ولحقت صديقتيها. وأخذ آدم سالم وزوجته بصحبته في سيارته، وتركوا البقية يراقبون رحيلهم في خوف، حسرة، ألم، وكراهية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!