بعد العديد من القضايا التي حكمت فيها بنجاح، ذاع صيتها في البلاد واشتهرت أكثر فأكثر بعدلها وخطاها التي تسير بها على خطى زوجها رشيد. كانت چدايل تحاول أن تصلح كل ما تراه حولها من سلبيات. كانت أهم تلك السلبيات ظاهرة شائعة كثيراً وهي عدم تعليم البنات وإلزامهن بالمدارس والدراسة. كانت چدايل كلما تخرج أو تذهب لمشوار تجد الفتيات يعملن في كل مكان، في الأراضي والحقول والمحال والعديد من الأماكن رغم صغر سنهم.
تلك القضية كانت تؤثر على چدايل منذ صغرها بسبب عدم ذهابها للمدرسة وتعلمها في المنزل. ظلت تفكر كثيراً، كيف تقضي على تلك المشكلة؟ تحدثت بعقلها صامتة ومصحفها الذي لا يفارقها بيدها. چدايل: يا أبايا، كل ده بناته ما يروحوش المدرسة يتعلموا ويستجروا ويكتبوا؟ آه يا با رشيد. نظرت للسماء. چدايل: لو كنت عايش كنت هتعمل إيه؟ اللي في بالي ولما هوى! كنت شايل عني تفكير بالكوم! كنت كنت بتدربني صح. نطقت بصوت عالٍ ثم فركت ذقنها.
چدايل: لا دي محتاجة صلاة استخارة دي، أستخير ربنا الأول وهو هيرد عليا. بت يا بدرية؟ انتي يا بت؟ هاتي الشبشب الحمام وشوفيلي الحمام فاضي ولا لأ، خليني أدخل أتوضأ عاوز أصلي ركعتين. ردت الفتاة: حاضر يا ستي. وأتت لها بالمطلوب. نظرت لها چدايل وقالت: چدايل: ماهو، مانتي قدامي أول راس! انتي يا بت؟ انتي عندك كام سنة؟ بدرية: ماعرفشي يا ستي، بس أمي بتقول لو أنا اتعلمت كان زماني ياجي في ستة ابتدائي. ليه يا ستي؟
هو أنا عملت حاجة مش زينة؟ چدايل: لأ يا بت، بس انتي ما تعوزيش تتعلمي؟ لمعت عينا الفتاة بالفرحة وردت بلهفة: بدرية: أيوه يا ستي، ياريت. من فرحتها بدأت أنفاسها تعلو وتنخفض بحماس. چدايل: خلاص، لو مشي اللي في راسي صح وزين، يبقى انتي أول من راح تتعلم. تثاقلت رأس الفتاة للأسفل بخيبة أمل. بدرية: إيه يا ستي؟ عتمشيني أتعلم الأول وليه؟ قالت الجملة بحزن وصوت مكتوم.
چدايل: نظرت لها وهي ترتدي الشبشب أو الأقرب للقبقاب في قدمها ثم ردت. چدايل: أمشيكي إيه يا حزينة! بقولك هعلمك، تجولي تمشي؟ وفيها إيه يعني لو مشيتي يعني؟ العلم أحسن وأهم ولا الشغل عاد؟ بدرية: بكت بصوت مختنق ثم جرت دموعها. بدرية: لأ يا ستي، أنا لو عليا أتعلم، بس أبويا وأمي ما يعوزونيش غير الفلوس والجرشين اللي بأخدهم منك وبس. چدايل: ارتدت ما بقدمها وهي تنظر للأرض قائلة.
چدايل: لا حول ولا قوة إلا بالله على الأهالي اللي بتجيب العيال تمرمط معاها في شيل الهم! يا بايا! المهم يا بت، روحي توكديلي إن الحمام فاضي هه. يارب. ذهبت الفتاة تسبق چدايل بخطوات وأخلت لها الطريق ثم توضأت وذهبت للصلاة. صلت وأعادتها طوال يوم، ولم يكن يشغل بالها غير هذا الأمر الملح عليها. ثم ذهبت لتستريح قليلاً. وبعد أن غطت في النوم قليلاً جاءتها الرؤية التي تنتظر. چدايل في غرفتها تشم رائحة حلوة، كرائحة المسك.
نهضت على تلك الرائحة لتتأكد. چدايل: تشمشم بأنفها. بسم الله! إيه الريحة دي؟ رأت بعيداً رجلاً ذا عباءة بيضاء وثوب أبيض، على ما يبدو أنه من تنبعث منه تلك الرائحة. چدايل على سريرها تنظر لهناك بتعسس. چدايل: مين هناك؟ مين واقف بطرف الحجرة؟ انطق ولا أطخك عاد. همت لتقوم. تأكدت أن الرائحة الحلوة تأتي منه. چدايل: إنت مين؟ إنت الشيخ الشعراوي، صح؟ (كان يأتيها دائماً في رؤاها الصالحة هو أو رشيد) ناداها الصوت من بعيد:
الصوت: لأ، أنا مش الشعراوي. چدايل: شهقت بصوت عالٍ. چدايل: يا با رشيد حبيبي. قامت لتلمسه وإذ به يشبهه فعلاً لكن يدها لا تصل له. چدايل: يا با رشيد إنت بعيد عني ليه؟ وحشتني يا حبيبي قوي. رد الصوت محدثاً إياها وكأنه وجه من طاقة نور. الصوت: لأ يا چدايل، أنا مش رشيد وبس، أنا عملك الصالح اللي بتفكري فيه. عارفة يا چدايا لو عملتي كيف ما بتفكري هتنوري كام بنته في البلد بالعلم؟
ياجي ألفين بنته من أعمار مختلفة. ماتستنيش يا چدايل، خدي أرض المزرعة وأعملي المدرسة. لأ، مجمع كامل لكل الأعمار، وتبقى مؤسسة خيرية. متخافيش ربنا هيرزق بكل حاجة لحد ما تبجي واجع. نفذي وخليها لله من دون مقابل. وفجأة تلاشى ذلك النور من أمامها وظلت تنادي. چدايل: يا با؟ يا با رشيد؟ وقامت من نومها مفزوعة جالسة على مهدها وضلت تردد اللهم صلي على النبي اللهم صلي على النبي. تأكدت أنها في الطريق الصحيح ولم تتأخر خطوة.
في طريقها لبيت أبيها وأمها وبدأت تتحدث مع أمها في الموضوع ولم تبد اعتراضاً إلا أن إخوتها زمجروا وتضايقوا قليلاً. ثم أبدوا الموافقة مؤخراً ولم تكن تعرف أن الاعتراض سيأتي من أهل دارها أنفسهم. في البيت بالداخل، اعترض الجميع على هذا القرار، حيث قررت أن تأخذ أرض المزرعة وتقوم بعمل مجمع مدارس خيري تعلم فيه الفتيات غير القادرات على الإنفاق على التعليم حتى تيسر على الأهالي.
كان من الممكن أن تصدر چدايل فرماناً بحدوث الأمر، لكن چدايل أرادت أن يكون الأمر شورى بينهم. لكنها لم تكن تعرف أنهم لا يريدون الخير لأحد. وأول المعترضين هي ربي ولدها إبراهيم وبقية الأشقاء من الأب. إبراهيم: يعني إيه يعني؟ مش كفاية أبويا ضيع الأرض زمان وعطاها لأبوكي بدون مقابل وجولنا ماشي؟ هتعطي انتي كمان دلوقتي وتضيعيها كيف ما بدك؟ لا ما وفقتش وخواتي كلهم كيفي ومتفقين معايا. چدايل: بحكمة.
چدايل: وإنت يا ود الشيخ رشيد اللي بتوقف قصاد الخير؟ لأ ما يعقلش؟ طب عاوز إيه؟ يعني أفضل أتفرج على البنات اللي في البلد دول بدون علم كلهم وأقعد ساكتة؟ ما يجيش دي يا أبويا! دي حتة عيبة في حق أبوك اللي بتحبه! إبراهيم: أبويا مات يا چدايل، مات وشبع موت من زمان، وإنتي دلوقتي ما بتعمليش له، إنتي بتعملي اسمك إنتي عاد. چدايل: ضيقت عيونها غمزة. چدايل: لأ بعمل لاسمه، عشان يفضل سلساله يتذكر بالخير. ربي: وإنتي بقى؟
هتعمليها باسمه! وإسم ولاده عليها؟ ولا باسمك إنتي يا ست الكبيرة؟ چدايل: لأ يا خالة رُبي، باسمه وإسم ولاده، وأنا ما عاوزاش الاسم أما، أنا ببتغي الخير والدعوات اللي هناخدوها لمن تعلمي بنته بدون مقابل. متخيلة معايا؟ أتخيلي أكده! هتدخلي وجتها الجنة من كام باب؟ من باب فك كرب مسلم؟ ولا من باب المشي في نشر القراية؟ مش ربنا قال اقرأ باسم ربك الذي خلق لسيدنا محمد؟ فكري أكده هنخلي كام واحد يقرأ؟
سرحت رُبي بعقلها بعدما فكرت وقالت لابنها. ربي: والله يا ولدي كلامها صح، ده خير كتير قوي قوي. أنا موافقة بس بشرط المدرسة دي يتعلج عليها اسمك انت وأبوك وخواتك جمعاء. أشارت لچدايل. ربي: مش اسمك انتي هييه؟ چدايل: أشارت بيدها نفياً. چدايل: لأه مش باسمي أبداً، بس توافقوا على الفكرة وأنا اللي بتكفل بكل حاجة، وكل اللي إحنا هنعمله هي البناية ومصاريفها بالكامل وفرش المدرسة وكده! إبراهيم: والله؟ ههه، والتراخيص؟ والتخت؟
والطلبة كيف هيقدموا عندك؟ چدايل: أنا وإنت اللي هنخلصوا كل حاجة. أنا مستأمنالك وبعتبرك راجل الدار. حلو أكده؟ رد من وراء الجميع: الصوت: حلو يا هيمة، وافق يا خوي ماتوقفش قصاد الخير. رد إبراهيم الذي أعجبته كلمات چدايل. إبراهيم: خلاص، من بكرة الصبح نمشي في التراخيص للبني عشان ما يبقاش مبنى مخالف للدولة. لازم ناخد الموافقة ونمشي في الهدد والبني. چدايل: خلاص، يبقى اتفقنا. من بكرة رجلي على رجلك لحد ما نوقف البنا على رجليها.
في الصباح الباكر، استيقظت چدايل واستيقظ إبراهيم وذهبا سوياً لمشوارهم. إبراهيم منشكحاً سعيداً مما تفعله چدايل معه، حيث تكبره وتوقره أمام الناس ومن ثم تعطيه مكانته، مما أعجب ذلك العاشق القديم لچدايل. لم تكن تقصد چدايل أبداً ما توصلت له رأسه. بعد عدة أيام من اللف والجري وراء التراخيص والهرولة هنا وهناك، وبمعرفة بعض الواسطات، أخرجوا الترخيص بهدم المزرعة أو تلك الأرض التي كانت تعد فارغة بعد موت أبيها سمعان.
وأخذوا ترخيصاً آخر ببناء مدرسة خيرية فوق تلك الأرض. وبعد إنهاء كل العقبات التي من الممكن أن تقابلهم، بدأوا بجلب مؤن البناء ومعدات الهدد وابتداوا بالعمل. إبراهيم يقف في المنتصف، والحكيمة چدايل تحدث العمال بوقار وتشرح لهم ما تريد عمله. والعمال يستجيبون بسرعة وولاء لأوامر الكبيرة.
وبعد عدة أيام قرابة الأسبوع شاع الخبر وانتشر في القرية، بل في القرى المجاورة أن الحكيمة چدايل أو الكبيرة بلغتهم، ستقوم بعمل مجمع مدارس خيري لتعليم الفتيات. وملحق صغير بجهة أخرى للفتيان أيضاً. أما عن ذلك الابن، إبراهيم الذي ظن أنه اقترب من چدايل، فبدأ بالثرثرة والمهاترات التي لا قيمة لها عند چدايل. إبراهيم: يا آه يا چدايل؟ اقترب لينحني مائلاً عليها. إبراهيم: أخيراً جمعتنا حاجة مع بعض! چدايل: نظرت له بحنكة.
چدايل: الخير بيجمع أي حد يا إبراهيم، وإنت ود جوزي، يعني كيف ودي، أما. نظر لها إبراهيم مغتاظاً بالأكثر عن زي قبل. إبراهيم: ود جوزك؟ وودك؟ ماشي يا ماما؟ ود جوزك إيه يا چدايل؟ إنتي لسه راسك ناشفة عاد؟ چدايل: وإنت لسه عيل صغير عاد؟ اكبر بقى يا إبراهيم!
أنا أم خواتك من أبوك، وأبقى حكيمة الخلق دي كلها. يعني ست الناس عتبص لأفعالها وعمايلها بالملي. أنا قدوة للناس قدوة يا ولدي، وإنت كمان عندك مراتك، وعندك ولدك وبنتك خلاص هما وولدك على وش جواز. إبراهيم: لسه أنا رايدك يا چدايل، وعفكر فيكي وفي قوتك وحكمتك ليل نهار. چدايل: استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم. نظرت له بعد إشاحة وجهها.
چدايل: لعلمك أنا الناس كلها بتفكر فيا وفجوتي. تجول شحاته أبو كف، ههههه. اعجل يا ولدي اعجل. ربنا يهديك. أنا لو احتجتك يا إبراهيم هحتاجك كأخ وسند، هحتاجك ضهر ليا لحد ما خواتك يكبروا ويبقوا رجالة. عيب يا خوي، بلاش يا ولدي عشان إنت كبير عليا بردك. وبدل ما تفكر فيا زي زمان فكر في ربنا الأول وخاف منه. وتركته وذهبت منادية الفتاة الصغيرة بدرية. چدايل: يا بت!
جولي لحد من البنات اللي جوه تعمل شاي للعمال وما تعمليهوشي انتي إلا تتحرجي يا بتي. بدرية جاءت من الداخل تتمسح بها كالقطة الودودة وتقول لها. بدرية: حاضر يا ستي، ستي هو انتي صح بتعملي مدرسة؟ ربتت چدايل على رأسها قائلة. چدايل: آآآه يا بدرية عاوزة إيه؟ نظرت لها الفتاة وكأنها تذكرها. ابتسمت چدايل بقهقهه.
چدايل: أيوه يا بدرية، هعلمك يا حبيبتي، ومش إنتي لحالك، إنتي وأخواتك جميعاً، وكماني ليكي مفاجأة. مرتبك ماشي كيف ماهو بس نخلص وتشتغل المدرسة وتجيبي المطلوب وتبقي معانا ماشي؟ هلت الفتاة وحضنتها من أرجلها حيث هي التي طالتها وظلت تهلل. بدرية: هييه، هييه، حبيبتي يا ستي چدايل، أنا بحبك قوي يا ستي قوي. وطارت للداخل حتى تأتي بالشاي.
أما عن إبراهيم الذي وقف محتاراً يحدق بها من بعيد وكله حيرة ولوعة، وكأنه يريد أن يبدل تلك الرأس الحجرية برأس سلسة تستجيب لهواه. إبراهيم: هو جرى إيه عاد؟ يعني مكانتش دي من دون البنات كلهم اللي قعدت في جرعة أبويا! فيها إيه يعني لو كنت شفتها أنا لوحدي وكانت بقت مرتي! يا باه على الصبر؟ بجى حتة مربي على جشطة وبسكوت أكده تترمل ولساتها صغار! الصبر يا ربي، الصبر.
خبط على جلبابه وهو يتحدث بغلب متضايقاً ثم ذهب ليقف مع العمال حتى ينهوا ما بدأوه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!