عاد زين إلى الفيلا ليلاً، وجدها ساكنة كأن ليس بها أحد. تنهد طويلاً وحمد ربه أنه لم يجد أحداً ينتظره. دخل مكتبه وجلس على كرسيه مسنداً جبهته على سطح المكتب. دخلت ياسمين لتجده على هذه الحالة، فهتفت بغضب: "إيه اللي أنت قلته ده؟ جواز إيه وخلود مين دي اللي عايز تتجوزها؟ رفع زين رأسه بهدوء ثم تحدث غاضباً: "ملكيش دعوة يا أمي بخصوصياتي، وأنا مش ملزم أُعطيكي مبررات." تفتت ياسمين باهتمام: "إزاي يا زين أنا أمك؟
الناس هتتكلم وهتقول إن زين السرجاني بسبب موضوع رجله اتجوز أي واحدة والسلام وهيشمتوا فينا. أنا نفسي هتحرج لما دي تبقى مرات ابني. ده أنا بتكسف لما بركب أمها معايا العربية ويفكروني صاحبتي. وللأسف أمها دي حتة خدامة عندي." صرخ زين في وجهها قائلاً: "أمي خلاص خلصنا من الموضوع ده، ومش عايز نقاش فيه تاني." أخذت ياسمين تحدثه برجاء: "خلصنا إزاي يا زين؟ ارجوك اهدي وفكر تاني في الموضوع. خبر زي ده ممكن يهد الدنيا فوق دماغنا."
زفر زين حانقاً وقام من على كرسيه وهم بالخروج من المكتبة، معطياً لها ظهره قائلاً بقسوة: "أنا طالع أنام يا أمي، لأن من بكرة لازم أبدأ في ترتيبات جوازي من خلود." حاولت ياسمين تصنع الهدوء لكي لا تخسره: "طيب يا زين اللي يريحك، تصبح على خير." وبعد أن خرج زين من مكتبه، استدارت حول المكتب وجلست على كرسي زين، وقالت بشر:
"مبقاش أنا ياسمين أما أنفيكي من على وش الدنيا يا خلود. مش عارفة هو اتعرف عليكي إزاي. أكيد دي لعبة من ألعاب هاجر، وطبعاً تنفيذ باهر."
بعد خروج زين من المكتب، صعد إلى غرفته وقام بتغيير ملابسه. ثم جلس على سريره وحاول خلع ساقه الصناعية. تذكر كلام والدته، فود أن يحطم تلك الساق ويفرغ فيها غضبه، لأن احتياجه لها سبب كافٍ لأن ترضى به فتاة مثل خلود بشخصيتها التافهة والطماعة التي لا تخجل من أي شيء. كل الذي يهمها هو الوصول إلى المال. أخذ ينظم أنفاسه ويتذكرها وهي في مكتبه بملابسها المثيرة والفاضحة، فيزيد سخطه وغضبه منها. فكيف لمثلها أن تكون زوجته؟
ولكن مهلاً... لمعت عينيه بشر، فخلود الشخص الوحيد الذي سيفرغ فيها غضبه. استيقظت خلود ترتسم عليها ملامح الإجهاد من سهرها طوال الليل تنتظر حازم ليفتح هاتفه. قامت بغسل وجهها وارتدت ملابسها وخرجت من غرفتها، ووجدت أمها شارده. اندهشت خلود من وجود والدتها، فبالعادة في هذا الوقت تكون بالجمعية. هزت كتف أمها بحنان قائلة: "مامي منزلتيش ليه؟ في حاجة؟ أفاقت هاجر من شرودها على هزات ابنتها وقالت:
"مش عارفة، اتصلت بمدام ياسمين قفلت السكة في وشي." خلود بسخرية ولا مبالاة: "عادي، فكك منها. أنا راحة المعهد، سلام." ذهبت خلود إلى المعهد وجاءتها رسالة بأن هاتف حازم متاح. قامت فوراً بمهاتفاته. كان واقفا في حديقة فيلته الصغيرة التي اشتراها فور طرده من الشركة. جائها الرد بالإيجاب. خلود بلهفة: "حازم... كنت فين امبارح؟ طمني عليك." تنهد حازم قائلاً: "كنت بجيب عمي ومراته وبنته عندي بعد ما زين طردهم من بيته."
شهقت خلود قائلة: "طردهم من البيت كمان؟ قطب حازم جبينه قائلاً: "هو انتي عرفتي أنه طرد عمي من الشركة ومقولتليش ليه؟ بررت وقالت: "أنا كنت بتصل بيكي بس موبايلك كان مقفول." حازم بنفاذ صبر: "خلاص، أنا حلتها." خلود بتذمر: "وهيقعدوا عندك لامتى؟ حازم بابتسامة: "ياريت العمر كله." خلود بغيظ: "طب واحنا؟ حازم باستغراب: "احنا إيه؟ مش فاهم." خلود بخجل: "لما نتجوز... هنقعد فين؟ تلجلج حازم قائلاً: "آه ربنا يسهل...
لما نيجي لوقتها هاتصرف." خلود بدلع: "طب مش هاشوفك قريب؟ حازم بتملص: "ربنا يسهل... هبقى اتصل بيكي... سلام." بعد انتهاء المكالمة، استدار حازم ليجد شهيرة أمامه. سألها بنعومة: "نمّتي كويس؟ هزت رأسها وابتسمت وقالت: "آه... ماما بتقولك تعالي عشان الفطار جاهز." ذهبا سوياً ليجدا شرف وتفيدة حول مائدة الطعام. تناولا فطورهما في صمت. نهض شرف وقال لحازم: "حازم تعال نتكلم شوية."
نهض حازم ليذهب معه إلى حجرة الصالون، وتبقت شهيرة وتفيدة. شهيرة بتوتر: "يا ترى بابا عايز إيه من حازم؟ أنا خايفة تحصل مشكلة جديدة." كانت تفيدة شارده في اتجاه الصالون ولم تجيبها. رجع شرف وحازم إليهم. شرف بصوت أجش: "حازم طلب إيدك مني يا شهيرة." صدمت شهيرة مما سمعته وقالت: "إيه يا بابا؟ شرف بنفس صلابته: "حازم طلب إيدك وأنا وافقت."
تضايقت شهيرة من قرارات والدها، ومن طلب حازم فهو يعلم جيداً أنها تحب زين وهو الوحيد الذي يملك قلبها. ركضت إلى الحديقة بدموعها وانهارت عند أقرب مقعد بها. ذهب خلفها حازم ليوضح الأمر لها وليوعدها أنه سيكون مخلصاً لها ويساعدها على تخطي هذه المحنة. وضع يده على ظهرها وأخذ يمسد عليه بحنان. نظرت شهيرة لحازم من بين دموعها قائلة: "هو إحنا ممكن ناجل الموضوع ده شوية؟ ابتسم حازم وقال: "طب خليها خطوبة على الأقل...
وأنا متأكد إن هيبقى جواز وسريع كمان... أوعدك مش هتندمي أبداً." أخفضت رأسها قائلة: "طب مش يمكن أنت اللي في يوم من الأيام تندم على طلبك ده؟ وضع يده أسفل ذقنها ورفع وجهها وابتسم لعيونها وقال: "بالعكس... الندم الحقيقي هو إني ماخدتش الخطوة دي معاكي... إنتي حلم عمري من زمان... آه وعلى فكرة أنا من بكرة هفتح شركتي... وهتكوني معايا المهندسة المشرفة عن المشاريع."
انشرح قلب شهيرة لأنه بذلك سوف يحقق حلمها المكبوت. ووافقت على الخطبة، لعل هذه الخطبة تُنسيها أمر عشقها الطاغي لزين. في الشركة، دخل زين مكتبه وتبعه أسر لمتابعة أعماله المتوقفة على توقيعه منذ الحادثة. ليجد زين أنه ترك مكانه صديقاً مخلصاً. نظر لأسبر بامتنان قائلاً: "تمام... الواحد ياخد إجازة وهو مطمن إن وراه صاحب مخلص زيك." ابتهج أسر لمدح زين قائلاً: "لا إجازة إيه... أنا مش هقبل إلا لو كانت إجازة عسل." تنهد زين قائلاً:
"بس خلاص، أنا طردت شهيرة وعمي امبارح وقبل ما أطردهم افتكرت كلامك عن خلود وقلت لهم هتجوزها." تهللت أسارير أسر وقال: "خلاص يا زين، تبقى خلود تكسب." زفر زين وأخرج من جيبه سيجارة ليدخنها حتى يستطيع التفكير في الأمر، مما أثار قلق أسر. لأن يصرف زين نظره عن الزواج من خلود، استطرد قائلاً: "زين، إيه اللي مخليك متردد من جوازك من خلود؟ أطفأ زين سيجارته ومسح على وجهه قائلاً بصوت عالٍ: "إنت إيه مش شايف لبسها عامل إزاي؟
إزاي عايزني أربط اسمي بواحدة كل اللي يهمها الفلوس؟ جاءت إلى أسر فكرة شيطانية لإقناع زين: "زين، متخليش عمك شرف يشمت فيك ويطلع عليك إشاعة إنك متجوزتش عشان عندك مانع وهو اللي رفضك مش أنت اللي رفضت بنته." ابتسم زين بسخرية وقال: "وهيا خلود بقي اللي هتوقف شرف عن الإشاعة؟ أسر بهدوء: "ماشي، أنا معاك إنها مش مناسبة...
بس أنت ذكرت اسمها قدام عمك، وهو منتظر جوازك منها. ده غير إنك لازم تثبت له إنك يوم ما تفكر تشتري بتشتري اللي على مزاجك مش مجبر." نظر زين إلى أسر بعدم اقتناع، ولكنه لم يستطع مقاومة إلحاح أسر. فقال بتردد: "أسر، عايزك تجيبلي باهر، خليني أخلص من المشكلة دي." أسر باهتمام: "ثواني ويكون عندك... وصدقني مش هتندم على أي حاجة قلتها لك." دخل باهر إلى مكتب زين بقلق، لا يعلم لماذا استدعاه. أيعقل أنه ارتكب خطأ؟
أم أنه سيحاسبه على أخطاء حدثت في عهد حازم؟ ألقى باهر التحية على زين بخفوت وقال: "أفندم يا زين باشا." نظر إليه زين وقال: "اقعد يا باهر... وإزيك وإزاي مراتك؟ ابتلع باهر ريقه خوفاً وقال: "بنبوس إيدك." أمال زين رأسه للأمام ودقق النظر في عيون باهر قائلاً: "طب وخلود؟ توتر باهر قائلاً: "بخير... صممت امبارح تجيب لك بوكيه الورد بعد ما عرفت إنك بتحب زهر البنفسج زيها." قست ملامح زين وقال: "يستحسن معدتش تيجي الشركة تاني...
لأنها هتبقى مراتي وأنا مبحبش مراتي تتنطط في شركتي كل شوية... حتى لو كان أبوها شغال عندي." اضطربت نظرات باهر عند سماعه لتلك الكلمات ليقول بفرحة: "حاضر يا زين باشا... أنت تأمر... ده يوم المنى... ده يوم السعد بالنسبة لنا." ابتسم زين بسخرية قائلاً: "بس يا باهر، مش المفروض تاخد رأيها الأول؟ باهر ببهجة: "أكيد موافقة... أنا هطير وهبلغها الخبر... وأكيد هتفرح... عن إذن حضرتك."
خرج باهر مسرعاً إلى بيته لكي يزف لهم الخبر. أخذ زين ينظر إلى أسر بعد مغادرة باهر متسائلاً بقلق: "يا ترى اللي عملته ده صح ولا غلط؟ وآخرته إيه؟ دخل باهر إلى منزله مسروراً منادياً على زوجته، فهو بحالة مزاجية جيدة، فقد تحقق مراده. خرجت هاجر من غرفتها مهمومة. باهر بفرحة: "لو تعرفي اللي حصل النهارده يا هاجر... قلبك هيقف من الفرحة." كانت تنظر إليه بجمود، فاثارت قلقه وهزها قائلاً: "مالك يا هاجر؟ مين زعلك؟ "رفعت هاجر
عينها وقالت بصوت منخفض: "مفيش، أنت جاي فرحان ليه؟ فرحني معاك." تابع باهر فرحته قائلاً: "النهاردة عيد يا هاجر... زين استدعاني في مكتبه وطلب إيد خلود." تفاجأت هاجر مما سمعته، فانتبه لها القلق لأنها ربطت هذا بعدم رد ياسمين على اتصالها، فارتبكت وقالت: "لو ده حقيقي يبقى عشان كده ياسمين قفلت السماعة في وشي النهارده." لم ينتبه باهر لكلامها وردد قائلاً: "تعرفي إني فرحان أوى يا هاجر... أخيراً هنرتاح ونقف على رجلينا."
هاجر بنفس شرودها: "يعني هو عايز خلود وياسمين مش موافقة؟ انتبه إليها باهر وقال: "إيه؟ مين قالك إنها مش موافقة؟ إنتي هتتخيلي أوهام؟ ردت هاجر بصوت منخفض: "طيب ليه النهارده قفلت في وشي السكة؟ أفاقت من شرودها على دخول خلود إلى المنزل. ذهب باهر إلى خلود وجذبها بين أحضانه قائلاً: "حبيبة بابي." ابتسمت خلود وقبلت والدها قائلة: "عيون خلود." ابتسم باهر وقال: "النهاردة أحلى يوم في حياتنا... زين طلبك للجواز." صدمت خلود وتسمرت
بمكانها وتلجلجت مرتبكة: "زي... ن طلبني أنا للجواز؟ رد باهر بفرحة: "آه ياحبيبتي وده أحلى طلب لأحلى خلود." ارتعدت أوصالها من تأكيد والدها للخبر وصرخت قائلة: "مستحيل... أنا لا يمكن أوافق." هنا فاقت هاجر من شرودها وقالت بغضب: "إنتي اتجننتي؟ إنتي متعرفيش اليوم ده أنا خططتله إزاي؟ خلود بغضب: "لا يا ماما... مستحيل ولو هتغصبوني ههرب وهعمل لكوا فضيحة." صفعتها هاجر على وجهها وقالت: "ده أنا كنت قتلتك وشربت من دمك...
إنتي لسه صغيرة ومتعرفيش مصلحتك... إحنا أدرى بيها." خلود بدموع: "ومصلحتي إني أتجوز معاق." رفعت هاجر إصبعه إلى فمها بتنبيه قائلة: "إشششش... اخرسي... إياكي أسمعك تقولي كده... زين مش معاق... ده حادث اتعرضله وركب ساق وبقى زيه زينا... بل أحسن مننا بفلوسه اللي هتعيشك ملكة... وهتنقذنا من الفقر اللي إحنا فيه." نظرت خلود إلى باهر لتستعطفه. أشاح وجهه إلى الجانب الآخر قائلاً بجمود: "أمك عندها حق...
دي الجوازة اللي كان نفسنا فيها من زمان... احمدي ربنا إنه طلبك إنتي للجواز إنتي بالذات." تركتهما ودخلت غرفتها وهي تجر أذيال الخيبة. أسرعت بإخراج هاتفها من حقيبتها لتتصل بحازم. كان نائماً، فعلى رنين هاتفه حدق في شاشته وجدها خلود. زفر حانقاً وقال: "يووه، مش لسه مكلماني الصبح؟ مضطر أرد لأحسن مش هتبطل رن، ويمكن يكون عندها أخبار." رد بصوت ناعس: "أيوه يا خلود." أجابته بصوتها الباكي: "الحقني يا حازم، هيجوزوني غصب عني...
لازم تيجي تخطبني." تنهد حازم قائلاً: "أهدي يا خلود... أنا حالياً مقدرش أتقدم لك لأني اتخطبت." صدمت خلود وقالت: "خطبت؟ إزاي وإمتى وفين ومين؟ ... حازم أنا لسه مكلماك الصبح." حازم بأسف: "خطبت شهيرة... كل حاجة جت بسرعة... معلش اعذريني." قالت من بين شهقاتها: "آسف! اعذريني! ده اللي ربنا قدرك عليه؟ طب وأنا؟ حازم بنفاذ صبر: "أنا موعدتكش بحاجة." مسحت خلود دموعها بقوة وقالت: "طب مش حابب تعرف مين اللي اتقدملي؟ مط شفتيه وقال:
"أي إن كان، بتمنالك السعادة من كل قلبي... تصبح على خير." ظلت خلود تنظر إلى هاتفها بذهول، إلى أن حسمت أمرها بالموافقة على زواجها من زين لتنتقم أشد الانتقام من حازم وشهيرة. استيقظت خلود من نومها بتعب وباجفان متورمة من شدة البكاء، والذي انتهى باستسلامها التام للقدر مع الخوف من المستقبل. نهضت من الفراش متجهة إلى الخارج لتلحق بوالدها قبل ذهابه إلى الشركة. كاد أن يخرج من الشقة، نادته قائلة:
"بابا، أنا موافقة على الجواز من زين." شعر باهر بالاطمئنان وأغمض عينيه وحمد ربه، ثم استطرد قائلاً: "طيب، مش نقول صباح الخير الأول؟ ردت خلود بحزن: "صباح الخير." تنهد باهر وذهب إليها ليحتضنها قائلاً: "خلود، إنتي مش دايما بتثقي في اختياراتي؟ قالت باستسلام: "آه يا بابا." باهر بفرح: "يعني يا خلود اقتنعتي بكلامنا امبارح؟ ابتسمت ابتسامة باهته وقالت: "اقتنعت... بس ياريت يا بابا لو جيت في يوم ومرتحتش وعايزة أطلق توافق."
ربت باهر على كتفها ومسح على شعرها وقال: "وأنا أوعدك يا قلب بابا إنك هتكوني قوية بيا ديماً."
ذهب باهر إلى الشركة وزف خبر موافقة خلود لزين، الذي لم يستغرب موافقتها لأنه يعلم أنها إنسانة جشعة مثل والديها. تصنع زين الفرح، واتفقوا على ترتيبات الزفاف على أن يتم بعد أسبوع من الاتفاق. وبعث لهم كبير الصاغة إلى المنزل لتنتقي مجوهراتها، وهذا الشيء أحزنها كثيراً. كانت تتمنى أن تقابله ولو لمرة قبل الزفاف، على الرغم من كرهها الشديد له وأن زواجها منه زواج قائم على المصلحة. لكن رفض زين الالتقاء بها، لأن مثل الأشياء ليست مهمة بالنسبة لها. ولم ينسَ أبداً أمر ثوب الزفاف، فقد بعث لإحضاره من أرقى بيوت الأزياء في باريس وصمم على اختياره بنفسه، لأنه لا يثق باختيارها، يخشى أن تختار فستاناً فاضحاً. وكل ذلك يعني أنه لم يقصر بأي شيء في ترتيبات الزفاف.
بعد مرور أسبوع، تجلس خلود في جناح العروس المخصص لها في فندق من أكبر الفنادق، تفرك يديها بتوتر وقلق مما هي مقبلة عليه. تتذكر المرتين اللتين قابلت زين فيهما ونظراته المستميتة لها، وتتعجب لما رفض مقابلتها في الأسبوع الماضي ولو حتى مرة واحدة قبل الزفاف. الذي زاد من غضبها أمره لأبيها أن تنزل من على درج الفندق لاستقباله بمفردها، بدون أن تتباطأ ذراع والدها مثل أي عروس.
أفاقت من شرودها على دخول والدتها للجناح. انبهرت والدتها بها، فقد كانت ترتدي فستاناً من أجمل فساتين العالم، على الرغم من استيائها لاحتشامه، فقد كان ذو أكمام طويلة ورقبة تغطي عنقها بالكامل، وظهر مغطى تماماً وليس به أي فتحات أو أشياء مثيرة. أخبرتها والدتها أن زين ينتظر في القاعة وعليها الإسراع بالهبوط حتى لا يتذمر من تأخيرها. خرجت خلود من الجناح وتوجهت إلى الدرج، ولم تظهر عليها أي ملامح للفرحة كعروس. هبطت الدرج تحمل
فستانها حتى لا تتعثر به، وتمسكت بالثوب جيداً وتمتمت بكلمات لعينة تخص بها زين. وما إن وصلت لآخر الدرج حتى رأته يتقدم إليها ببطء وبرود وثقة. مد يده إليها وقبلها قبلة مصطنعة من جبينها وسحبها معه إلى متعهد الدي جي وأخذ منه مكبر الصوت، مما أثار اندهاشها. نظر زين إلى المدعوين وتحدث ببرود قائلاً:
"طبعاً كلكم معزومين ومش عارفين مين العروسة... لأني تعمدت مكتبش اسمها في الدعوة... عشان أعرفكم عليها بنفسي." تعالت الهمهمات بين المدعوين شغفاً منهم لمعرفة هوية العروس. أما عن حال خلود، كانت مذهولة من حديثه. أفاقت من شرودها عندما قال: "عروستي تبقى خلود الجويلي... بنت السيد باهر اللي بيشتغل عندي ووالدتها الست هاجر بتشتغل مساعدة لأمي في الجمعيات الخيرية... شفتوا بقا أنا راجل متواضع إزاي... مش متكبر زي ما بتتكلموا عني."
ظهرت معالم الاستياء على وجه ياسمين، فحديثه بمثابة فضيحة أمام صديقاتها. أما عن خليفة فشعر بالحزن على أسلوب زين. أما نهى فشعرت بالأسف على خلود، فهي امرأة مثلها ترى أن أسلوب زين محرج وقاسٍ. صدمت خلود من حديثه عنها وأحست بالاختناق، خاصة مع فستانها الثقيل ونظرات المدعوين لها. أشار زين لمتعهد الدي جي ليبدأ الحفل وقال للمدعوين لإسكاتهم: "ودلوقتي أقدر أقولكم انجوووى." ونظر لخلود بخبث: "زي ما أنا هستمتع مع عروستي...
" وسحبها لساحة الرقص ليفتتح الحفل برقصتهم السلو. وجدت نفسها بين أحضانه ترقص وهو لا ينظر إليها. فاستطردت قائلة: "ليه عملت كده؟ قاصدك إيه من ده كله؟ ليه مكتبتش اسمي في دعوة الفرح؟ ابتسم زين بسخرية ونظر إلى عينها نظرة ثاقبة وقال: "هو ده كل اللي يهمك؟ إن اسمك مش مكتوب؟ طب وبالنسبة لما طلبت إيدك في مكتبي؟ وشبكتك اللي جاتلك من غير ما تختاريها؟ وفستان فرحك؟ نزلتك من على السلم من غير أبوك زي أي عروسة؟ دول مش يهموكي؟
ازد قوله بقسوة: "لو كنتي اعترضتي على كل ده صدقيني كنت هحترمك ومكنتش هفكر أعمل معاكي أي حركة تقلل من قيمتك." اقترب منها أكثر وقال: "تمام يا حلوة؟ " قبل جبينها مرة أخرى وهمس قائلاً: "اللي يقوله زين السرجاني... مفيش مخلوق يحاسبه عليه." انتهت الرقصة وسحبها ليجلس سوياً لاستقبال التهاني. وفجأة ساد الصمت ليعلن عن دخول شهيرة وهي تتأبط ذراع حازم. صدم حازم عندما علم أن العروس هي خلود وتذكر سؤالها: "مش حابب تعرف مين العريس؟
" لعن نفسه لأنه لم يسألها. اتجه إليهم قائلاً ببرود: "مبروك." ردوا عليها بمثل البرود. أما عن شهيرة، هنأتهم بصوتها الرقيق وأضافت لتهنئتها وقالت: "أنا وحازم اتخطبنا." هنا نظر زين إلى خلود نظرة أثارت ارتباكها، فتوترت قائلة: "مبروك ليكم إنتوا الاتنين." بارك زين لشهيرة وتعمد عدم مصافحة حازم ومباركته. فهمهم حازم قائلاً: "بني آدم غبي." هنا سمعته خلود ونظرت له نظرة تحدي وقالت: "زين، مش هتبارك لحازم كمان؟
صدم زين من جراءتها ونظر لها نظرة نارية مضمونها أن تصمت. فاخفضت رأسها وصمتت. في حين نظر إلى شهيرة وقال: "يارب الفرح يكون عجبك. اتفضلوا نهى وخليفة منتظرينك... ومتشكر جداً على وجودك... والبيت بيتك لو حبيتي تزوري أختك في أي وقت." كل هذا تحت مسامع وأنظار خلود وحازم، تتاكل في صدورهما نار الغيرة. ولم تسلم شهيرة من تضارب أفكارها. هل زين يحبها وتزوج بهذا الشكل ليكسر والدها؟ وهل كلماته منذ أسبوع عن عودته لها صحيحة؟
كيف وهي خطبت الآن لحازم؟ هل تسرعت؟ جلس زين بجوار خلود بتذمر قائلاً: "ده أسلوب تتكلميني بيه قدامهم؟ ابتسمت خلود وقالت: "واحدة بواحدة والبادي أظلم." زين بتدقيق: "أيوه... يبقى نروح بس وأفهمك تقولي إيه ومتقوليش إيه." اضطربت خلود وقالت: "إزاي يعني؟ مسكها من يدها وضغطت عليها لتقف وقال: "طالما مستعجلة تعرفي يبقي الفرح انتهى والف مبروك يا عروستي... وبيننا على عرش الزين." خلود وهي تحاول أن تفلت يدها من قبضته: "إيه ده؟
هو إحنا مش أول ليلة لازم تكون في الفندق؟ رد عليها قائلاً: "لا، مبعرفش آخد راحتي في فنادق... أروح عرشي أحسن." ذهبت معه كالمغيبة إلى مكانه الذي يلقبه بعرش الزين. وصلا إلى الفيلا بسيارته، والتي أصر على قيادتها بنفسه بدون مرافقة أحد غيرها. نزل من السيارة واتجه إلى الفيلا وهي تتبعه. دلفا إلى الفيلا فوجدتها خلوص مظلمة وليس بها أحد، فخافت وقالت: "هو مفيش حد هنا؟ نظر لها زين من رأسها إلى أسفل قدمها باستهزاء وقال:
"إحنا جينا قبلهم... أنا بسوق بسرعة... زمانهم على وصول... تعالي ورايا... ومش عايز كتر كلام." صعد الدرج وتبعته مذهولة من أسلوبه، وظلت تتمتم بكلمات لعينة له، وآخرها قالت: "أووف." وصل لنهاية الدرج ونظر لها بسخرية وقال: "إيه لحقتي تزهقي؟ المشوار لسه كبير." شهقت مصدومة وقالت: "لسه في سلالم تاني... تعبت." أشار إلى جناحه الخاص وقال: "وصلنا يا حلوة." تنهدت بارتياح وقالت: "آه، بقه أخيراً... كان يوم صعب."
دخل زين إلى جناحه وهي وراءه، نظر لها وقال بصيغة أمر: "اقفلي الباب." فرجت شفتاها من طريقته. أيُعقل لعروس أن تعامل بهذه المعاملة؟ ولكن مهلاً أيها الزين... لنرى ما ستفعل بي بالأخير... أغلقت الباب والتفتت لتنظر إلى الجناح، وجدته كئيب، يوجد سرير باللون الأسود، وأريكة بنفس اللون. استغربت من كبر حجمها، ولكنها أيقنت أنها ستكون له ليريح بها فراغ رجله. أيضاً وجدت غرفة للملابس وحمام. نظر لها وقال: "عجبك جناحي؟ قالت باستهزاء:
"هو ده بقه عرش الزين؟ رد بثقة: "آه، عرش الزين، عندك مانع؟ رفعت كتفيها باشمئزاز وقالت: "مش حلو... معجبنيش." ابتسم زين بسخرية قائلاً: "ميهمنيش رأيك على فكرة. ده جناحي وأعمل فيه اللي يعجبني... مش اللي يعجبك. إنتي موجودة هنا مش عشان تقولي رأيك، لأ عشان تنفذي رغباتي فقط."
كادت أن ترد عليه إلا أن رنين هاتفه أعلن عن اتصال. نظر إلى شاشة هاتفه وجدها أمه. زفر حانقاً وفكر ألا يرد عليها، ولكنه اضطر للرد حتى لا تأتيه إلى الجناح بنفسها. رد بصوت بارد: "نعم." ردت بغضب: "زين، إنت ليه جيت قبلنا؟ مستعجل على إيه؟ أنا كان لازم أتكلم مع البني آدمة اللي معاك وأعرفها حدودها في الفيلا إيه." غضب زين من تدخلها المستميت في شؤونه وقال: "قلتلك مليون مرة... مبحبش حد يدخل في أشياء تخصني ولا يعدل عليا...
أنا هقفل موبايلي... ابعتيلي حد بالعشا." ارتعدت خلود من أسلوبه مع والدته، فكيف سيكون أسلوبه معها؟ رمى هاتفه على الأريكة وجلس، وقام بخلع ساقه الصناعية وهو ينظر إليها. شهقت خلود وأشاحت بوجهها للجانب الآخر، فتحدث بسخرية: "إيه يا حلوة؟ هو إنتي مكنتيش تعرفي؟ تلجلجت في حديثها قائلة: "لا... كنت عارفة... بس... ضحك زين وقال: "بس إيه؟ أووه نسيت... إنك حساسة جداً للمواقف دي... مبتستحمليش...
لذلك والدتك استعطفت ياسمين هانم وقالت لها بلييييز بلاش تخلي زين باش يقلع الساق قدام خلود لأنها ممكن تنهار... هااا... منهارتيش ليه بقا؟ اضطربت خلود وقالت: "لا أبداً... أكيد أنتي ياسمين فهمت... " ولم تكمل جملتها حينما ضحك ضحكة صاخبة وقال: "أنـتي ياسمين! لو سمعتك هترميك برا الفيلا... اسمها ياسمين هانم يا حلوة." فرجت شفتاها وقالت: "ياسمين هانم! إزاي دي حماتي." زين باشمئزاز: "حماتك! صحيح زي ما قالت أمي إنت واحدة لوكا."
خبطت خلود قدمها في الأرض ووضعت يدها في خصرها وقالت: "ولما أنا لوكا... اتجوزتني ليه؟ ابتسم زين بسخرية قائلاً: "عشان أعاقبك." اندهشت خلود من أي عقاب يتحدث؟ قالت: "عقاب؟ عقاب إيه؟ ابتسم ونظر لها قائلاً: "عقاب عن الأخبار اللي كنتي بتعرفيها من أمك وأبوكي عن الفيلا وبتروحي تنقليها لحبيب القلب حازم." شهقت خلود من الصدمة وحاولت إنكار ذلك وقالت: "محصلش." أغمض عينيه من إنكارها وفتحهما ببطء وقال:
"من البداية مبحبش الكذب، واللي بيكذب عليا مصيره تحت رجلي." غضبت خلود من أسلوبه وقالت بتحدي: "آه، كنت بنقل الأخبار... لأني كنت بحبه... بس كنت غبية... لأني ساعدته إنه يوصل لشهيرة حبيبة القلب... ياترى حبيبة مين فيكم؟ هنا لم يتمالك زين غضبه وقام بارتداء ساقه الصناعية وتوجه إليها ممسكاً لها من كتفها بقسوة قائلاً: "إياكي تجيبي سيرة شهيرة على لسانك القذر ده؟ ترك كتفها، ولكنها لم تتركه بلسانها اللاذع، فقالت: "يااااه...
كل ده عشان جبت سيرتها؟ لما أنت بتحبها أوى كده طردتها هي وأهلها ليه؟ آهو على الأقل كانت سابتلي حازم." استفزته مرة أخرى، فقام بسحب ذراعها للخلف لتصبح ملتصقة به قائلاً: "أنا بحذر مرة واحدة، لكن لو اتكرر الغلط متلوميش إلا نفسك." وصرخ في وجهها: "فااااهمة؟ بوجع شديد قالت: "فاهمة، بس سيب دراعي هيتخلع في إيدك، ارجوك." زين بقسوة: "لو عايزة حياتك معايا تبقى كويسة، اللي أقوله يتسمع، بعد كده." فرجت شفتاها قائلة: "حياتنا!
إحنا ملناش عيش ما بعض... إحنا لازم نتطلق." اقترب منها ببطء وهي تتراجع ببطء حتى اصدمت بالحائط خلفها وقال بهمس فحيح كالأفعى: "إنتي متعرفيش إن اللي يدخل عرش الزين ميخرجش منه إلا بالموت؟ شهقت قائلة: "موت! إنت هتقتلني؟ ابتسم بسخرية وقال: "مش يمكن إنتي اللي تموتي نفسك؟ قالت خلود بتحدي: "طب وإذا قلتلك إنك هتطلقني وقريب وبرضاك؟ ابتسم لتحديها قائلاً: "وأنا أموت في التحدي... بس أنا طول عمري الكسبان يا حلوة." كادت أن ترد عليه،
فانهى الحوار بأسلوبه: "إحنا اتكلمنا كتير، نتعشى وننام، كفاية عليكي كده النهارده... الحمام قدامك ده اللي المكان اللي هتغيري فيه ديماً، أما أوضة الملابس دي تخصني لوحدي." تذمرت خلود وقامت بجذب بيجامة للنوم ودخلت الحمام تزفر بحنق. وعندما فتحت البيجامة وجدتها مثيرة، فكانت ستغيرها، ولكنها لمعت براسها فكرة شيطانية. خرجت خلود من الحمام فوجدته يتناول العشاء متجاهلاً لها. قالت في سرها: "بالسم الهاري."
ابتسم لأنه سمعها ورفع رأسه لكي يعلمها أنه سمعها، ولكنه تسمر عندما وجدها بهذه الملابس، حيث كانت ترتدي بيجامة هوت شورت بلون الأصفر الكناري. تباً لهذه الوقحة، تعلم جيداً أنه لن يحدث بينهم شيء ومع ذلك تلبس هذه الملابس لإغرائه. تصنع التقزز منها قائلاً: "إيه صفار البيت اللي دلقاه نفسك فيه ده." مطت خلود شفتيها قائلة: "صفار بيض... ده كناري صوا صيو." قال باستهزاء: "إنتي مفكرة إنك بكده هتغريني؟
احترمي نفسك، إنتي مش لوحدك في الأوضة... أنا موجود." انحنت نحوه قائلة بهمس: "أنا مش شايفةك أصلاً... كأنك خيال." أمسكها من معصمها وجذبها حتى سقطت في حجره قائلاً بنفس همسها: "وكده برضه خيال." اضطربت خلود من حضوره الطاغي ونجحت في فك معصمها من يده وتوجهت نحو السرير ونزعت الغطاء لتنام. توجه نحوها قائلاً: "إنتي مش هتنامي هنا... إنتي مقامك على الكنبة دي... أنا اشتريتها واسعة عشانك مش عشاني... السرير ده بتاعي وملكي."
لوت شفتيها قائلة: "خليهولك... إشبع بيه." توجهت إلى الأريكة، ولكن مسكها من معصمها قائلاً: "كده على طول؟ منسيتيش حاجة." ارتبكت خلود وظنت أنه يريد منها قبلة، فأغمضت عينيها من قربه. فانحنى إلى أذنها قائلاً: "نسيت تقلعيني الساق يا حلوة." بعدت عنه مذعورة: "الساق لا لا... إلا دي ارجوك بلاش." ابتسم وقال: "أنا لسه قايل إنك موجودة لتنفيذ طلباتي... فمتزعلنيش منك."
استسلمت لواقعها الجديد وانحنت ببطء لنزع الساق. أخذ يتأملها كثيراً ويستنشق رائحة شعرها. أقسم لو راهب ورأى أنوثتها لكادت حصونه تحطمت. أما عنه... بدأ يلامس شعرها برقة وحنان، فأحست بأنامله الخشنة ورفعت عينها له وغرقت في بحورها الفيروزية. ولكن تراجع عن فعلته وشدد على شعرها بقسوة قائلاً: "برافو... ده إنتي طلعتي شاطرة أهو... روحي اطفي النور ونامي... عشان تصحي بدري تلبسيهالي يا حلوة... تصبحي على خير."
تركته وأطفأت النور ونامت تلعن حظها الذي أوقعها في هذا الزين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!