في أحد المستشفيات، فاقت شهيرة من غيبوبتها وهي تتمتم باسمه. = زين روحت فين يا زين متسبنيش وانتفضت صارخة بذعر. سارعت تفيدة بأخذها بين أحضانها لتربت على ظهرها قائلة: = اهدي يا شهيرة متخفيش… زين كويس والله العظيم كانت حادثة وعدت… والحمد لله. وفاق وهو في الأوضة اللي جنبك كمان. سارعت شهيرة لقيام ولكن المحاليل المركبة لها منعتها. طلبت من أمها برجاء: = ممكن تساعديني وتجيبيلي حد يفك المحاليل عشان أروح أشوفه. تفيدة بحيرة:
= مينفعش يا بنتي تروحيله. شهيرة بخوف: = يعني إيه مينفعش… أنا لازم أطمن عليه يا ماما. صمتت أمها لا تدري ما تقوله لها، خصوصاً بعد أن صرح الطبيب المختص بضرورة بتر ساق زين اليمنى ليصبح عاجزاً. ومن بعدها قام بطردهم جميعاً من غرفته. وحتى لو رحب بوجودهم، فهذا لا يتم بعد رفض ياسمين اعتلالاً منها أنهم مصدر شؤم لها ولأبنائها. عجباً لهذه المرأة… ابنها بهذا الوضع وما زالت تتحكم بكل شيء وتكيل لهم الاتهامات الباطلة.
وبالفعل حدث ما أمرت به ياسمين. صمت تفيدة وشرودها أدى إلى وقوع شهيرة في قمة الانهيار. إلا أن دخل خليفة ونهى مطأطئين الرأس. تفاجأت نهى بإفاقة شهيرة وسارعت باحتضانها قائلة: = حمد الله على سلامتك يا شهيرة. شهيرة وهي مستمرة في البكاء: = أرجوك يا خليفة طمني على زين… كويس صح؟ كان خليفة يحاول السيطرة على أعصابه وهو يسرد لها ما حدث: = والله هو كويس وبخير… بس… شهيرة بذعر: = بس إيه؟ خليفة بتوتر:
= زين لما عرف إن العربية مفيهاش فرامل نط من شباك العربية، بس النطة كانت كلها على رجله اليمين واتسببت في بترها. هنا صرخت شهيرة: = لا زين لا مستحيل ده يحصل لزين… أنا عايزة أشوفوا… أرجوك يا خليفة خدني عنده… أنا لازم أكون جنبه. خليفة برجاء: = اهدي يا شهيرة… زين رافض إن أي حد مننا يدخله… أرجوكي اعذريه اللي حصل مش سهل عليه.
لكن لم تهدأ شهيرة أبداً، هي تريد أن تراه بأي حال من الأحوال وظلت تصرخ في أرجاء الحجرة منادية بضرورة رؤيته. أخذتها أمها بين أحضانها لتهدئتها: = معلش يا شهيرة… والله العظيم هو كويس ولما تتركبله الساق هيسمحلنا نشوفوه… هو بس مش عايز حد يشوفوه وهو بالحالة دي… ده حتى لما فاق سأل عليكي لأنه يا حبة عيني كان عارف إنك أول واحدة عرفتي بالحادثة وخاف على مشاعرك وإحساسيك ومش عايز يتعب نفسيتك الفترة دي. استكانت شهيرة
بين أحضان أمها قائلة: = لا يا ماما هو أساساً مبيحبنيش ولا عمره اعتبرني جزء من حياته… أنا مجرد إضافة ليه مش تكملة له… أنا كان نفسي يطلب إني أكون معاه وهو في ظروف زي دي. نظرت تفيدة إلى خليفة ونهى بقله حيلة، فهي ترى ابنتها محقة فيما تقوله ولكن ماذا تفعل، فهي ليس بيدها شيء. حاول خليفة أن يقلب الأمور إلى مرح كعادته، ولكن هذه المرة كان مرح مصطنع منه:
= لا والله كده كتير أنا هسميكم عيلة النكداوي مش السرجاني… ده انتو واخدين توكيل في النكد… تعرفي يا بت يا شاهي اختك نهى لو جرالي حاجة هتروح تدورلها على واد مز وتفلسع. نهى ببراءة: = أنا يا خليفة إزاي تفكر في كده. غمز لها خليفة بخبث لتجاريه الحوار لإضفاء البسمة على وجه شهيرة. أخيراً نهى فهمته وقالت: = لو كنت عايزة واحد مز كنت دورت من زمان. خليفة وقد نسي أمر الخطة: = قصدك إيه يا نهى؟ نهى باستمتاع:
= افهمها زي ما تفهمها يا خلوفة. تفيدة في محاولة منها لمجاراتهم في المرح: = يا أهلاً بالمجانين… صدق اللي قال المجانين في نعيم. ابتسمت شهيرة بصعوبة، فهم حقاً من يهونون عليها المصاعب. أراد خليفة أن يترك لهم مساحة من الفضفضة لبعضهم وفرصة منه للاطمئنان على زين والتحدث معه في ضرورة وجود شهيرة بجانبه. استأذن منهم بحجة قائلاً: = أنا هروح أجيب عصير من الكافتيريا عشان ريقي ناشف.
انهارت شهيرة مجدداً فور مغادرته وظلت تلعن حظها وخوفها من عدم إتمام زين أمر الزواج بسبب هذه الإعاقة، فهي تعلم جيداً أن زين سيعتقد زواجها منه شفقة وهو لا يقبل بمثل هذه الشفقة. مرت أيام وكتب الطبيب لشهيرة على خروج، أما زين فلم يخرج حتى يتم تركيب الساق الصناعية له. كانت تود أن تذهب إلى غرفته لرؤيته ولكن كانت خائفة من ردة فعله.
ذهبت إلى الفيلا وبعد مرور أسبوع تم تركيب الساق الصناعية لزين وعاد على المشي بها ورجع إلى منزله بدون أن يخبر أحداً. أثناء دخوله إلى الفيلا كانت شهيرة تقف حزينة بجانب حوض الورد، إلا أنها رأته بوسامته المعهودة وبمجرد أن رأته انسكب منها دلو الماء على الأرض وركضت سريعة إليه لتحتضنه قائلة: = زين أخيراً رجعتلي الحمد لله أحمدك وأشكر فضلك يارب. ولكنها صدمت من ردة فعله عندما أزاح يديها من على كتفيه ورد عليها ببرود:
= الله يسلمك. شعرت شهيرة بالدماء تغلي في رأسها وهي تراه بعد هذه الغيبة والآلام التي كانت سبب غيبته يتعامل معها مثل لوح الثلج. عندما سمع أفراد العائلة تهليل شهيرة برجوع زين، جرى جميعاً لاستقباله واحتضانه وهو كأنه غافل عن وجودهم حوله. ظلت شهيرة تبكي من خلفهم لسوء استقباله. كور زين قبضة يده وازدادت عصبيته قائلاً: = أظن إني ممتش… أنا موجود وزي ما أنا… ووجه نظره إلى عمه شرف قائلاً بسخرية لاذعة: = ولا إيه يا عم.
رفع شرف حاجبيه فهو يعلم الكثير عن مستقبل زين بعد هذا الحادث من الطبيب المختص، ولكن ليست هذه الحقيقة، إنما هي اشتباهات. رد شرف ببرود: = حمد الله على سلامتك. زين بجمود: = الله يسلمك… يا ريت بقى تفهم بنتك إن زين منتهش عشان تعيط عليا. شرف بتركيز: = طبعاً أكيد. كل هذا يحدث تحت أنظار ياسمين المبتسمة بانتصار لسوء معاملة زين لعمه وشهيرة بعد الحادثة. الحادثة التي جاءت من رب العباد لقطع آخر خيط في هذه الزواج. نهى ببلاهة:
= تعالي اقعد الوقفة غلط عليك. لكزها خليفة في كتفها لتصمت، فهي بأقوالها تزيد البله طينة. وبسرعة منه لإنقاذ الموقف: = تعالي نتكلم عن العربية وعرفت منين إن مفيهاش فرامل. ولكن ياسمين كان لها رأي آخر: = سيبوا يا خليفة يطلع أوضته يرتاح ويغير هدومه وينام كفاية عليه شهر بحاله مش بيعرف ينام. تنهد خليفة قائلاً: = ماشي يا ماما اللي تشوفيه حضرتك… اطلع ارتاح يا زين. زين بنظرة قوية لأمه لتدخلها في كل شيء قال لخليفة:
= لا يا خليفة أنا هقعد هنا لازم أستفسر من عمي عن شوية حاجات. شرف بجمود: = اسأل وأنا أجيب. هز زين رأسه وبعدها تحدث بصلابة قائلاً: = عربيات الشركة بتتفحص أول بأول ولا لأ؟ شرف بنفاذ صبر من طريقة ابن أخيه في الاستجواب: = أنا هجيبلك من الآخر… العربيات بتتفحص والعربية اللي كانت معاك كانت لسه جاية من التوكيل… والحركة مقصودة ومن حازم اللي كل أما أجيب أطرده تقولي لأ يا عمي ده مهما كان ابن أخوك. هنا قامت ياسمين باندفاع
لتمسك بخناق شرف قائلة: = ولما هو حازم ليه مابلغتوش البوليس… أقولك أنا ليه… عشان لما تضيع ابني يجي حازم ويلم بنتك بداله… ده اللي عايز توصله يا شرف إنك تاخدنا كلنا تحت رجلك… لكن لأ دا بعدك… نجوم السما أقربلك مني ومن أولادي… إنت فاهم. انهارت شهيرة من كلام ياسمين واندفعت قائلة: = لا يا طنط ياسمين… انتي عارفة كويس إني بحب زين ولا ممكن بابا يعمل كده فيا… ده بيحب زين أكتر مننا. كل هذا وزين ينظر لهم نظرة ثاقبة، إلا أن
ذهبت إليه شهيرة بدموعها: = قول لمامتك يا زين إن عمر بابا ماهيعمل فيك كده… بابا بيعاملك كأنك ابنه. تجاهلها زين كالمعتاد قائلاً بصرامة لأمه: = أمي لو سمحتي متدخليش في الأمر ده… أنا مش صغير وأقدر أجيب حقي مش مستني ولي أمري يجيبهولي. خليفة من بكرة تطلع أمر بطرد حازم من الشركة… أنا صبرت عليه كتير… لكن خلاص طفح الكيل. خليفة بصدمة:
= إيه اللي بتقوله ده يا زين مش لما نتأكد الأول وبعدين حازم مش ممكن يعمل كده إحنا ولاد عمه يعني زي إخواته. زين باستهزاء: = إنت صحيح أخويا الكبير بس بتحركك مشاعرك ومعندكش القدرة تصدر قرارات مصيرية زيي. امتعض خليفة من نظرة أخوه له خصوصاً عندما رأى في عيون ياسمين وشرف نظرة شماتة، فهما أيضاً كان هذا رأيهم في شخصية خليفة التي لا يؤمنون بها. بعد ما ألقى زين قراره الصارم لخليفة على حازم، تركهم وصعد إلى غرفته لكي يرتاح.
نظرت ياسمين إلى خليفة ووجدته عابس الوجه. تحدثت إليه بغلظة: = أنا مش فاهمة إنت إيه اللي مضايقك في موضوع طرد حازم… يكونش هو اللي أخوك. هنا زفرت نهى بحنق وقالت: = والله كده كتير وحرام… حازم مش ممكن يعمل كده… أكيد فيه… = غلط. تذكرت فجأة وجود والدها فاخفضت رأسها وصمتت. ضحكت ياسمين ضحك ساخرة: = والله عال ما فاضلش إلا اللي ابني متجوزها تدافع عن عدو. سارع خليفة بالدفاع عن نهى قائلاً: = لا يا ماما نهى مش قصدها تدافع عن…
أشارت له ياسمين بيدها ليكف عن دفاعه عن نهى قائلة: = بس اسكت إنت كمان… مش عايز حد فيكم يتكلم. كل هذا وهاتف شهيرة لا يكف عن الرنات والاتصالات والرسائل. حولت ياسمين أنظارها إلى شهيرة لتفرغ عليها شحنة الغضب المكبوتة لديها قائلة: = وإنتي يا ست شهيرة من يوم ما رجعتي وتليفونك ما بيسكتش. توترت شهيرة ونظرت إلى أمها لتنقذها من الموقف، لأن أمها تعلم بكل شيء. وهنا اندفعت تفيدة في وجه ياسمين:
= قصدك إيه يا ياسمين… مالك ومال بناتي؟ ابتسمت ياسمين بسخرية: = مقصدش حاجة… بس اللي على راسه بطحة بيحسس عليها. هنا ارتفع صوت شرف ليخرسهم جميعاً بحده: = خلصنا كل واحد يروح يشوف وراه إيه. أخذت تفيدة ابنتيها وخرجوا إلى الحديقة للحديث في أمر مكالمات حازم المستمرة وإصراره على رؤية شهيرة لتوضيح أمر الحادثة. وصعد خليفة بمفرده لغرفته ليكفر كيف سيقدر غداً على طرد حازم… إلا أنه حسم قراره أنه سوف يترك الأمر لـ"آسر" لأنه يكرهه.
تبقى ياسمين وشرف في بهو الفيلا. انتظر شرف ليكونوا بمفردهما. تحدث شرف بغلظة: = إنتي عايزو إيه بالظبط يا ياسمين؟ نهضت من مقعدها بكل برود وقالت: = عايزة اللي إنت بتفكر فيه… وهاخده برضاك أو غصبن عنك… مش هتفرق بالنسبة ليا. ثم نظرت له من رأسها إلى أسفل قدميه وتركته وصعدت لغرفتها. تحدث شرف مع نفسه: = عايزة ترميني يره البيت والشركة يا ياسمين زي ما كنت عايز أرميكي زمان؟ شعر بالاختناق من التفكير في هذا الأمر وزفر حانقاً وقال:
= بس لأ وألف لأ… مش شرف السرجاني اللي بيعلم على كل الناس هتيجي واحدة زيك وابنها يعلموا عليه… مسكينة يا ياسمين. في الحديقة جلست شهيرة تفرك يدها بتوتر بسبب طلب حازم المستمر لمقابلتها من وقت خروجها من المستشفى. حاولت تفيدة تهدئتها قائلة: = يا بنتي اهدي متعمليش في نفسك كده كل مشكلة وليها حل… العياط والتوتر مش حلال. حست شهيرة بصداع شديد من كثرة البكاء.
وظلت نهى تفكر لها في حيلة لمقابلة شهيرة لحازم ومعرفة منه الحقيقة وأن تتم هذه المقابلة بدون معرفة أحد وخصوصاً ياسمين، تلك المرأة التي تغتنم أي فرصة لتوقع بين زين وشهيرة. إلا أن وجدتها فهبت مسرعة: = وجدتها… بكرة الاجتماع الشهري لجمعية المرأة وطبيعي مرات عمي مبتجيش إلا بعد العشا… ده أنسب وقت تقابلي فيه حازم… يلا كلميه بسرعة. خرجت شهيرة هاتفها من جيب بنطالها وقامت بالاتصال بحازم ليأتيها الرد بمنتهى الحنان.
= شهيرة… إزيك عاملة إيه؟ طمنيني عليكي… إنتي بخير؟ بكت شهيرة من رده… كيف يسأل وهو المتسبب في كل آلامها. كفكفت دموعها وقالت: = الحمد لله… أنا بخير… ينفع تستأذن من الشغل بكرة وتقابلني؟ تقطع قلبه من عرضها وقال: = ليه أستأذن من الشغل؟ ما تخليها بعد الشغل وفرصة نتغدى سوا. اغتاظت شهيرة من عرضه للغذاء وردت بحدة: = هو إيه اللي نتغدى سوا… إنت عايز تأذيني أكتر من كده؟ هاتفها برجاء:
= طب خلاص… متتعصبيش… اللي تشوفيه… أنا تحت أمرك. أحست شهيرة بالاختناق وتحدثت بصعوبة: = قابلني بكرة في الشارع اللي ورا الفيلا. حزن على حالها كثيراً ولعن حظه لأنها سوف تقابله خلسة… وتملك الصبر منه وقال: = حاضر يا شهيرة… أنا أساساً معنديش شغل كتير بكرة… أول ما أوصل للمكان هرن عليكي تيجي تقابليني… بس لازم تيجي لأني هقولك على حاجة مهمة.
= بعدها إنتي اللي هتقرري تشوفيني تاني ولا لأ… ومهما كان قرارك أنا هتمالك السعادة من كل قلبي. = تصبحي على خير. أنهى حازم الاتصال وركضت شهيرة إلى أحضان أمها وانهارت من البكاء. تتساءل كيف لهذا الحنون أن يقتل؟ في صباح اليوم التالي ذهبت ياسمين لحضور الاجتماع الشهري لجمعية المرأة. أما عن خليفة ذهب إلى الشركة على مضض لأن اليوم سوف يتم طرد حازم. وصل خليفة إلى الشركة واستدعى "آسر" لإسناد له أمر فصل حازم من الشركة.
جاءه "آسر" مسرعاً: = صباح الخير يا خليفة. خليفة بعبوس: = صباح النور… أسند إليه ورقة الفصل بعد توقيعه عليها ليقدمها لحازم وقال برجاء: = "آسر" معلش ده أمر بفصل حازم من الشركة… يا ريت توصله ليه ولو سأل عليا قوله إني مشيت… لأني مش هقدر على مواجهته. تبتهج وجه "آسر" وعلت أساريره وخرج مسرعاً ووصل إلى غرفة حازم ودخل بدون استئذان. امتعض حازم لرؤيته وقال: = خير… إيه اللي جابك لعندي؟ ابتسم "آسر" بسخرية قائلاً: = القدر يا عزيزي…
أمد إليه ورقة فصلها. غمض حازم عينيه لأنه كان يتوقع هذا الإجراء ولكنه صدم من وجود إمضاء خليفة أسفل الورقة. "آسر" باستمتاع قائلاً: = خليفة بيبلغك يا ريت متروحش ليه المكتب لأنه شايف إن ده القرار المناسب. تنهد حازم وقال: = طيب أنا هلم حاجتي وهمشي. رن جرس أعلى مكتبه ليأتيه باهر مستفهماً: = خير يا حازم بيه. حازم باستسلام: = يا ريت تلم كل حاجتي وتبعتهالي على البيت. اضطرب باهر وقال: = ليه يا حازم بيه؟ هنا سارع "آسر"
بالرد ليثير غيظه: = لأننا استغنينا عن خدماته يا باهر. اغتاظ حازم وخرج مسرعاً من الشركة. بعد خروج حازم توتر باهر وقال: = طب وأنا يا "آسر" بيهم. قال "آسر" بشيء من اللامبالاة: = وإحنا مالنا بيك… اتصرف مع نفسك… المهم قبل ما تمشي تنضف المكتب لأنه هيبقى مكتبي بعد كده. خرج حازم من الشركة واتصل على شهيرة. كانت ما زالت نائمة من شدة التعب والتفكير طوال الليل. استيقظت على صوت هاتفها ونظرت إلى شاشته ووجدته حازم.
زفرت حانقة لأن الوقت ما زال باكرًا. ردت بصوت ناعس: = أيوه يا حازم للدرجة دي مستعجل… مش قادر تصبر للضهر حتى. رد بصوت مبحوح: = شهيرة حصل حاجة جديدة النهارده… ولازم أشوفك الوقتي… ولو مجتيش أنا هجيلك… ومضمنش رد فعلهم إيه. فاقت شهيرة وركزت في تهديده وصرخت قائلة: = إنت اتجننت يا حازم… عايز تيجي وتهد الدنيا فوق دماغي. حازم محاولاً تهدئتها: = اهدي يا شهيرة… إنتي عارفة إني مقدرش أتسبب في أذيتك. شهيرة بابتسامة باهتة:
= حاضر يا حازم هغسل وشي وأغير هدومي وهنزل أقابلك… بس بلييييز يا حازم متتأخرنيش… خايفة حد منهم يرجع. حازم في محاولة لطمأنتها: = أوعدك مش هاخرك… منتظرك. على الجانب الآخر، وصلت ياسمين إلى الجمعية ولم تجد هاجر المنظمة للاجتماع. زفرت حانقة واتصلت عليها قائلة بعنجهية: = إنت فين يا هاجر.. أنا مش قولتلك تيجي تجهزي قبلي بساعة. هاجر بأسف:
= آسفة يا مدام ياسمين كنت نازلة بس باهر رجع فجأة من الشغل وكنت هتصل بيكي يا مدام ياسمين لأن النهارده حصلت مصيبة في الشركة… حازم فصلوه من الشركة. ياسمين بعدم اهتمام: = ما يفصلوه أنا مالي. هنا تذكرت ياسمين أنها عندما أصرت على تعيين باهر في الشركة وخصوصاً عند حازم ليأتيها بكل صغيرة وكبيرة تخص حازم. سارعت هاجر بالرد: = أصل باهر طردوه كمان والضغط والسكر علوا عليه ووقع في الأرض. ياسمين بنفاذ صبر:
= خلاص يا هاجر أنا هاأجل الاجتماع وهكلم أولادي يرجعوا باهر الشغل. هاجر بامتنان: = مش عارفة أودي جمايل حضرتك فينا. ابتسمت ياسمين بسخرية: = عدي الجمايل يا هاجر وخليكي فاكراهم كويس… سلام. أنهت ياسمين اتصالها وقامت بتأجيل الاجتماع وقادت سيارتها متوجهة إلى الفيلا. خرجت شهيرة من بوابة الفيلا وذهبت للشارع الخلفي إلى أن وصلت عند حازم. نظر إليها وجد عينيها ذابلة من البكاء واحتضنها بين أضلعه ولكنه اكتفى بمصافحتها قائلاً:
= إزيك يا شهيرة. ردت ببرود: = بخير… يا ريت تخلصني وتقول اللي عندك. تنهد حازم وقال: = حاضر يا شهيرة… أنا كان عندي سفرية في يوم الحادثة و"آسر" صمم يسافر بدالي… وقبل ما يسافر هو اللي بعت العربية لزين… أنا بس مضيت على خروجها. شهيرة بذهول: = تقصد إيه؟ نظر إليها نظرة ثاقبة: = أقصد يا شهيرة إن "آسر" هو اللي دبر موت زين. صرخت شهيرة في وجه حازم: = كداب… "آسر" صديق "آسر" ولا يمكن يعمل كده أبداً. امتعض حازم لما قالته:
= يعني تصدقي إني أنا اللي عملت كده لكن "آسر" لأ؟ ضربت شهيرة حازم في صدره: = أيوه "آسر" بيحب زين وبيخلصله لاكن إنت ديما بتغير منه عشان عايز تاخدني منه بأي وسيلة. شدها حازم إلى أحضانه وربت على ظهرها بحنان وهمس لها قائلاً: = لا يا شهيرة… أنا مقدرش آخدك من أي بني آدم إلا برضاكي… وتكوني مبسوطة وإنتي معايا. أثناء رجوع ياسمين إلى الفيلا كان الجو شديد الحرارة. شغلت تكييف سيارتها وجدته معطلاً.
فتحت شباك السيارة واضطرت الدخول من الشارع الخلفي للسيارة لأنه لا يوجد به شمس فهو شارع بحري. ولكن أوقفت سيارتها عندما لمحت شهيرة بين أحضان حازم. انتهزت ياسمين الفرصة وصورت شهيرة عدة صور وهي بين أحضان حازم. لتكون المسمار الأخير في نعش شرف السرجاني. ياسمين بانتصار: = أخيراً يا بنت شرف هخلص منك ومن أبوك يا حلوة. عند حازم وشهيرة. شهيرة بحرج خرجت من بين أحضان حازم ومسحت دموعها وقالت:
= لو هنفترض إن كلامك صح… ليه "آسر" يعمل كده؟ حازم بيأس: = مش عارف يا شهيرة… وكنت ناوي أدور وراه… بس خلاص فرصتي راحت لما طردوني النهارده. زاغت بعينيها يميناً ويساراً وقالت: = آه ما أنا عارفة… زين أصدر قراره امبارح بكده. تنهد حازم قائلاً: = على العموم يا شهيرة… أنا قلت كل اللي عندي… وطبعاً أنا قلتلك قبل كده… أي كان قرارك أنا هحترمه. أحست شهيرة بتأخرها وقالت:
= طيب يا حازم… أنا همشي دلوقتي… ويا ريت متتصلش بيا إلا لما الدنيا تهدى… وأنا هحاول أحكي لخليفة موضوع شكك في "آسر"… يمكن يعرف للحقيقة… سلام. حازم باستسلام: = سلام يا شهيرة وخلي بالك من نفسك. بعد رؤية ياسمين لهما عزمت أمرها الذهاب إلى الشركة لمقابلة زين. وصلت إلى الشركة ودخلت مكتبه وقد كانت في وقتها لأنه قد نشب عاصفة بينه وبين خليفة أصر قراره الصارم بطرد حازم. غضبت منهم وقالت بصوت مرتفع:
= خليفة، زين بس كفاية أنا عايز أتكلم معاكم في حاجة حصلت ولازم تعرفوها. انجذب زين وخليفة لها وهدأت وجلسوا ليستمعوا إليها. خليفة بحنق: = يا أمي إحنا كان المفروض نفكر قبل ما نطرد حازم. رفعت ياسمين حاجبه قائلة: = سيبونا من موضوع طرد حازم ونركز شوية مع شهيرة بنت شرف. زفر خليفة حانقاً: = ماما أرجوكي شهيرة ملهاش دعوة بحازم. تعصبت ياسمين من دفاع خليفة عن شهيرة وأخرجت هاتفها من حقيبتها وفتحتها وقالت باستهزاء:
= ويا ترى يا خليفة بعد الصور دي هتفضل تدافع عنها لحد دلوقتي. أخذ خليفة الهاتف من والدته وهو لا يصدق أن شهيرة بين أحضان حازم. رأى زين تغير وجه أخيه فجذب الهاتف من يديه وتفحص الصور جيداً وهنا غلى الدم في عروقه. ابتسمت ياسمين عندما رأت زين بهذه الحالة، فهذا دليل قاطع على تصديقه لخيانة شهيرة له. أرادت ياسمين تزويد الأمور فقالت:
= لأ وإيه دا من نص اللقاء الله أعلم كان بيحصل إيه قبل كده… ودي المرة الكام اللي اتقابلوا فيها من وراك. اندفع خليفة قائلاً: = يا ماما حرام على الأقل نتكلم معاها ونسيبها تدافع عن نفسها… أكيد في حاجة غلط. هزت ياسمين رأسها بالرفض قائلة: = استحالة… أنا كنت شاكة فيها من يوم ما خرجت من المستشفى… وموبايلها مبطلش رن… ولا مسجات نص الليل. لاحظت ياسمين شرود زين فخافت أن يسأل شهيرة ويصدقها.
سارعت ببث السم في أذنه حول أن هذا من المتوقع من شرف وابنته وخصوصاً أنه قرب موعد العرس وإلى الآن لم يتحدث شرف مع زين عن تفاصيل الزفاف مثلما فعلا بأيام زفاف نهى وخليفة. فوجهت نظرها لزين قائلة: = زين أنا نفسي أفرح بيك… ومليش مصلحة أنا أبصق جوازتك… أنا صحيح بكرهها وبكره شرف بس ده مش من فراغ… شرف زمان كان عايز يخلص منك ومن أخوك زمان ويطردني ويكوش على الثروة.
جلس زين يفكر في حديثها وخافت مجدداً من عدم تصديقه لها لأنها دائماً أم مهملة لأولادها. لما هذا الاهتمام في هذا الوقت بالتحديد؟ هتفت ياسمين بقوة: = لازم تاخد موقف يا زين. تضايق خليفة من إلحاح أمه المستمر. رد زين بمنتهى الثبات: = أنا هتصرف… وسبق قبل كده قلت إني مش صغير… وأعرف أجيب حقي… تقدرى تمشي دلوقتي وإنتي مطمنة. ابتسمت ياسمين بابتسامة نصر وقالت: = عارفة يا حبيبي… ربنا يعينك ويقدرك عليهم ونخلص منهم بقا.
زفر خليفة حانقاً. ونظرت له ياسمين وتجاهلته ورحلت. كادت أن تخرج من المكتب ولكن تذكرت أمر باهر، ذلك الرجل التي قامت بالتوسط له عند زين لتعيينه مدير مكتب حازم لمعرفة أخبار حازم منه، فرجعت مرة أخرى وقالت: = آه يا زين عايزة منك طلب الراجل اللي اسمه باهر الجويلي سكرتير حازم ياريت ترجعه الشغل ويكون تحت عينين "آسر" لأنه في يوم من الأيام كان راجل من رجالتنا وأكيد هيفيد. تنهد زين وقال: = حاضر… أي أوامر تانية؟
ابتسمت ياسمين وقالت: = لا كده تمام أوي… سلام يا حبيبي. وبسخرية لاذعة نظرت إلى خليفة وقالت: = سلام يا خليفة. بعد خروج ياسمين من مكتبه. قام بالتوجه إلى عمه. ود خليفة الذهاب معه ولكنه رفض متعللاً أن هذا الشيء يخصه وحده. ذهب زين إلى مكتب شرف وطرقه. استغرب شرف من زيارته وقال: = خير يا زين. ابتسم زين بسماجة وقال: = كل خير يا عمي. جلس زين وتحدث بثبات: = عمي… هو مش المفروض نتكلم في تفاصيل الفرح ولا حضرتك ليك رأي تاني؟
صمت شرف للحظات ثم استطرد قائلاً: = آه طبعاً… بس مش ده المكان المناسب… خليها لبليل في الفيلا. هز زين رأسه موافقاً: = أوكيه… اللي تشوفه حضرتك… عن إذنك. رجعت خلود من المعهد ووجدت أمها وأباها في حالة لا يراثى لها. سردت لها أمها ما حدث لأبيها ولحازم. حزنت جداً وأصرت على الاتصال بحازم للاطمئنان عليه. حازم في منزله رن هاتفه نظر إليه فوجدها خلود. زفر حانقاً ورد عليها: = إزيك يا خلود. خلود بحزن:
= إيه اللي حصل وخلاهم يطردوك يا حازم؟ اغتاظ حازم من تعبيرها ورد بثبات: = أنا كنت متوقع كده. قالت بتوتر: = طب هتعمل إيه دلوقتي وتلعثمت قائلة: = وبابا. تنهد حازم قائلاً: = متقلقيش أنا كنت عامل حساب اليوم ده وبأسس لشركة صغيرة وهعين باباكي فيها. فرحت خلود كثيراً لأنها تريد رؤيته دوماً: = طيب يا حازم لو احتاجت تشوفني أو جالي أخبار عن الفيلا هاتصل بيكي ونتقابل. مسح على وجهه من التعب وقال:
= ماشي يا خلود مضطر أقفل الوقتي علشان هنام سلام. احتضنت خلود هاتفها بسعادة فهي تعشق حازم وتتمناه. رجع خليفة إلى الفيلا وجد شهيرة تنتظره بلهفة. قابلها ببرود وجلس معها وقصت عليه ما قاله حازم. عنفها خليفة وقال: = ليه يا شهيرة تقابليه من غير حتى ما تقوليلي؟ شهيرة بأسف: = والله يا خليفة كنت هقولك… بس نهى منعتني. فرك شفتيه وقال: = نهى! دي وقعتها سودة. أمسكته شهيرة من ذراعه قائلة:
= أرجوك يا خليفة سيب نهى هيا مضغوطة وكانت خايفة عليك تيجي معايا وساعتها لو عرفوا هيفكروا إن انت بتتآمر عليهم. مسح خليفة على وجهه وقال بنفاذ صبر: = ماشي يا شهيرة… أنا هتصرف في الموضوع ده… بس أوعدني إن لازم أعرف كل حاجة… أنا مهما كان في منزلتي أخوكي الكبير. ابتسمت شهيرة له وقالت: = حاضر يا خليفة… أوعدك. حل المساء على أفراد عائلة السرجاني. منهم من نجحت خططه… ومنهم خططه قيد التنفيذ. كانوا يتناولون العشاء في صمت.
كسر حاجز الصمت زين عندما قام موجهاً حديثه لعمه قائلاً: = عمي خلص عشا وأنا منتظرك في المكتب. أومأ شرف رأسه بالموافقة. سارع خليفة قائلاً: = استنى يا زين… في موضوع مهم لازم أكلمك فيه الأول. جز زين على أسنانه لعدم صبر خليفة وقال: = موضوعك يتأجل بعد موضوعي مع عمي. نظر خليفة إلى شهيرة بخيبة أمل. وقام شرف وذهب إلى ابن أخيه. دلف شرفه إلى غرفة مكتب زين سريعاً فليس لديه صبر: = زين إنت كنت عايزنا نتكلم في تفاصيل الفرح صح.
زين بجمود: = صح يا عمي… طلباتك. اندهش شرف من زين… فكيف له أن يعلم أن له طلبات. رفع حاجبيه وبكل برود قال: = وعرفت منين إن ليا طلبات؟ نهض زين من مقعده واستدار حول مكتبه ليكون في مواجهة عمه وقال: = أبداً… بس لقيت حضرتك مش مستعجل زي أيام نهى وخليفة فقلت أكيد ليك طلبات. ابتسم شرف. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!