دخل زين لجناحه سعيداً لفوزه بالصفقة ولبراءة خلود، عازماً أمره أن يستعمل معها أسلوباً جديداً يشمل القليل من الرفق واللين. تفاجئ بحضورها الطاغي وهيئتها الجديدة، حيث كانت ترتدي قميص نوم أبيض عاري الظهر وأكمامه كأجنحة ملاك. جحظت عيناه من منظرها وهي تتمايل وتتراقص على أنغام، ولكنه لم يسمع شيئاً لأنها كانت تضع سماعات الهاند فري في أذنها.
أسرع بإغلاق باب الجناح حتى لا يراها أحد، ثم تقدم إليها وكانت تعطيه ظهرها، وكانت تتقدم برقصاتها إلى الأمام وتتراجع إلى الخلف. شرد في أنوثتها ورشاقتها، ثم أفاق من شروده على ارتطام ظهرها بصدره، ليمسك بها بقوة ويقعا سوياً على الأريكة. صدمت خلود مما حدث وفتحت عينيها رويداً والتفتت إليه ببطء، فشهقت وكادت أن تنهض من بين أحضانه إلا أنه تمسك بها جيداً.
توترت خلود من محاصرته لها بأحضانه وظلت تفتح أعينها وتغمضها، وتتخيل أنها ما زالت تحلم حلم اليقظة الخاص بها، حيث أنها أقدمت على إغماض عينيها وهي ترقص لتحلم بزين يحتضنها ويداعبها. أيعقل أن هذا زين القاسي؟ كيف لحلم أن يتحول لواقع ملموس؟ ولكي تتأكد أنها في الواقع، نظرت إلى ساعة الحائط الموضوعة فوق الأريكة لتجدها الواحدة ظهراً. معنى ذلك أنه حلم.
حاولت النهوض لتنفض تخيلاتها كأنها سقطت من أثر الدوخة من الرقص، لكن زين منعها من النهوض وابتسم لها ورفع لها حاجبه. هنا عزمت أمرها على التحدث معه حتى تسمع صوته لتفيق، تنحنحت وقالت: = هو أنت جيت بدري ليه... ولا الساعة غلط؟ بدأ يمرر أصابعه على شعرها الناعم المبلل من أثر الاستحمام والذي لم تمهل نفسها فرصة لتمشيطه. يبدو أن الرقص كان أهم بالنسبة لها.
ومرر يده على رموشها التي ترمش بهم كثيراً غير مصدقة وجوده، وشفتيها التي كانت ترتعش كثيراً. ثم أمالها أكثر له حتى تسارعت نبضات قلبها، خاصة عندما نظر إلى صدرها، ذكرها بنظرته لها في المكتب، ولكن هذه النظرة تختلف تماماً عن نظرته لها في المكتب. حاولت خلود إفاقته وإفاقة نفسها من هذا الوضع فقالت: = هو احنا هنفضل كده؟
كترفهم زين أن خلود تحاول فصله فابتسم ليها وقربها له أكثر حتى تلاصق جبينه بجبينها وأمال وجهه حتى وظل إلى أذنها، ولكنه غير رأيه عندما وجد عنقه ينبض بسرعة، فقبل ثنايا عنقها حتى تأوهت من قبلاته. ثم حرك شفتيه على خديها الناعم متجهاً إلى شفتيها ليقبلها ببطء قبلات رقيقة. رفعت خلود رأسها لتستنشق الهواء، ولكنه أحاط رأسها بيديه وأمالها إليه دفعه واحدة والتهم شفتيها في قبلة قوية جعلتها تفتح أعينها من الصدمة.
قام زين وهو ما زال يحملها في أحضانه وعدل جلسته على الأريكة، حاولت أن تتملص منه لتنهض من شدة خجلها، ولكنه ثبتها على رجله اليسرى متمسكاً بها كطفل صغير يخاف أن يسقط منه. ظل ينظر لها نظرات شغفه وقربها إليه مرة أخرى وقبلها قبلات متفرقة حول شفتيها لدرجة أنها ارتعشت منها ومن لمساته الناعمة على ظهرها العاري. حاولت خلود أن تفيقه مرة أخرى مما يفعله لأنها متأكدة أنها بدافع الرغبة فقالت: = زين أنت كويس... ولا تعبان من الشغل؟
تنهد زين وزفر حانقاً وأغمض عينيه، فهو يحاول أن يحسن علاقته بها وهي دائماً تفصله. فتح عينيه ببطء وظل ينظر لها بجمود، فخافت خلود من نظراته وعلمت أنها قالت كلاماً غير مناسباً فأسرعت باحتضان يديه بين يديها بعد تركه يده لها وقالت: = مقصدش... أنت تيجي وقت ما تحب... أنا قلقت عليك... مش عايدك تيجي بدري... وأنا كمان لسه محضرتش الغدا... كنت ناوية أعمل أكل حلو النهاردة وتتغدى هنا في الجناح. رفع يديها إلى شفتيه وقبلها وقال:
= تسلم إيدكي مقدماً. اندهشت خلود من فعلته فقالت: = بس برضو... عايزة أعرف جيت بدري ليه... أنا طبعاً مبسوطة... بس قلقانة عليك. ابتسم زين وقال: = النهاردة كسبت صفقة مهمة توقف عليها كتير من الأمور في حياتي. ابتسمت ونظرت له بثقة وخبث وقالت: = أها... اللي كان ورقها على الكوميدينو؟ نظر لها بنصف عين وبمكر قال: = أنتي قريتيه ليه؟ رفعت أكتافها وقالت: = حب استطلاع مش أكتر. نظر لها نظرة قوية وقال: = مفكرتيش تلعبي بالورق زي زمان.
ازاحت يده عنها، نهضت بغضب وضربت رجلها في الأرض بعصبية وقالت: = تاني يا زين... شكيت فيا تاني... قلتلك من يوم ما اتجوزنا... المواضيع دي انتهت بالنسبة ليا... ومن قبل جوازنا كمان. شدها مرة أخرى لتسقط في حضنه واحتضنها وأحس بدموعها تتناثر على عنقه، فربت على ظهرها بنعومة وقال: = خلاص يا خلود... أنا عارف أنك بدأتي تتغيري... أنا كمان هحاول أتغير عشانك. رفعت رأسها من على صدره وجحظت عينيها وقالت: = بجد يا زين توعدني؟
ابتسم لها وقال: = أوعدك. ثم استطرد قائلاً: = إنما إيه الحاجات دي مبشوفهاش وأنا موجود... شكلك بتاخدي راحتك في غيابي... أنا كده هجي كل يوم بدري. خجلت منه وقالت: = لا أبدا... أنا احتريت فقلت أدخل أخد شاور ولقيت القميص ده قلت أجربه. هز رأسه يميناً ويساراً بمرح وهو يبتسم وقال: = احترتي فرقصتي عشان تحتري أكتر. ضحكت وقالت: = أصل شغلت أغنية حلوة أوي فعجبتني قلت أرقص. ابتسم لها وبفضول قال: = ويا ترى بقى إيه الأغنية الحلوة دي؟
خجلت من سؤاله وأخفضت رأسها وقالت: = أغنية عادية... مش ضروري تعرفها. رفع حاجبيه وبإصرار قال: = مش ضروري ليه... هو أنا قلتلك غنيها... أصلاً أخاف أقولك غنيها لأن أكيد صوتك وحش. نهضت خلود ووضعت يدها في خصرها وقالت: = نعم... مين دي اللي صوتها وحش... أنا كنت في فريق الموسيقى بتاع المعهد. فرج زين شفتاه وحمد ربه أنه أبعدها عن المعهد حتى لا تقيم حفلات فيجن جنونه. أخرج من تفكيره وأراد استفزازها قائلاً: = بصراحة مش مصدقك...
غنيلي الأغنية عشان أصدقك. اغتاظت خلود من تحديه وعزمت أن تغني الأغنية وهي ترقص وتغمض عينيها.
عايم في بحر الغدر شط الندالة مليان بقلوب مليها الشر والبر ماله أمان نجي الخسيس منه أما الأصيل غرقان والقوي في قوته بس على الغلبان شيطان ضحك ع الكل والذل كان عنوان نشر الفجور والظلم ما بين بني الإنسان ولما قبضوا التمن الكل باع وخان واللي عامل حبيبي على حقيقته بان شايف الوشوش ألوان بلياتشو وبهلوان بيصنعوا الضحكة وبيصدقوا الأوهام يا قلوب بلا مأوى جبل الهموم أقوي فيها القوي ع الضعيف جاي بيستقوي دنيا فيها الفاعل مبني على المفعول الفرح فيها ماضي بابه صبح مقفول مركب في بحر غريق والبحر موج عالي مبيفرقش ما بين عزيز ولا غالي.
جن جنون زين من صوتها فقد كان سيمفونية رغم انحطاط الأغنية فهي لا تناسب ذوقه أبداً. أيضاً رقصها الذي من الممكن في يوم ما يطيح بهيبته أمامها، حيث كانت تتمايل بطريقة جنونية. انتهت من الأغنية ومن رقصها ثم تنهدت وجلست على الفراش تلتقط أنفاسها وغمزت له قائلة بانتصار: = إيه رأيك... بعرف أغني؟ ضحك عليها وقال: = بتعرفي طبعاً... بس إيه الهبل اللي بتغنيه ده؟ اختفت الابتسامة من على وجهها وباقتضاب قالت:
= هبل دي أغنية حلوة جداً وماشية ومطرقعة ده مبتروحش من وداني. هز رأسه بيأس وقال: = ممكن أعرف مين الظريف اللي بيغنيها؟ ردت بفخر وقالت: = علي سمارة. وضع زين يده على وجهه يخبئ ضحكاته قائلاً: = مين... علي سمارة... بقى مرات زين السرجاني اللي بيسمع فيروز... تقوم هي تيجي وتسمع علي سمارة. عبست خلود وقالت: = كده يا زين... أنا مكنتش عايزة أقولك من الأول عشان متتريقش عليها.
توجه إلى السرير ببطء ووضع يده عليه ليحاصرها من الجانبين قائلاً: = عارفة الأغنية حلوة ليه... عشان أنتي كنتي بترقصي عليها... خلود أنا عمري مش شفت حد بيرقص... ولو شفت هتبقي أنتي أحلى واحدة. تراجعت خلود للخلف وهبطت برأسها على السرير كالمغيبة تدوب من كلماته الحنونة. نظر إليها وهي نائمة كالملاك الناعس... وحاول أن يفيقها فقال: = هو أنتي مش وعدتينا نتغدى هنا النهاردة؟
نهضت بسرعة وأفاقت من غيبوبتها وأسرعت إلى الباب لتفتحه لتهبط وتحضر الغداء. صرخ زين ليلحقها قائلاً: = خلووودد... هتنزلي كده؟ نظرت خلود إلى ملابسها وقالت: = نسيت هغير هدومي وأنزل بسرعة. تذكر زين أمر الحفلة التي سيقيمها للاحتفال بفوزه بالصفقة فقال: = خلود... أنا هعمل حفلة بكرة في فندق وهتحضري معايا. فرحت خلود كثيراً وقالت: = بس أنا معنديش حاجة ألبسها... وتذكرت أمر ملابسها. طمأنها زين قائلاً: = ولا يهمك...
هبعت أجيبلك بكرة أحلى حاجة تلبسيها. اقتربت منه خلود بدلع وقالت: = زين عشان خاطري... سيبني أنا أنزل أشتري على ذوقي... وتعالى معايا... بس خلي لبسي يبقى مفاجأة ليك. عبس وجهه وقال: = وبعدين يا خلود. وضعت خلود يدها على صدره قائلة: = أديني بس الثقة مرة واحدة وهكون قدها. هز رأسه بالموافقة وابتسم وقال: = ماشي يا خلود. ثم استطرد قائلاً: = خلود... في موضوع عايز أفكرك بيه... موضوع مامتك طول أوي... وأنا مش عايز أنفذ تهديدي...
خاصة بعد ما بقينا كويسين مع بعض. أخفضت رأسها قائلة: = اطمن يا زين... هيتحل بكرة إن شاء الله... أنا بس قفلت موبايلي اليومين اللي فاتوا... فأكيد اتصلت بيا... هافتبه وهكلمها حاضر... هغير هدومي أنا بقى وأنزل أعملك الغدا... ثم طبعت قبلة على وجهه ودخلت غرفة الملابس. ظل يتحسس مكان قبلتها ويتذكر رقصها وجنونها... حقاً هو لم يتوقع في يوم ما أن يشعر بهذه الإحساس تجاه أي فتاة حتى لو كانت زوجته فما بالك بخلود.
هبطت خلود إلى المطبخ لإعداد وجبة الغذاء لزين. ظلت تتذكر أحداث ما دار بينهم في الجناح وهي سعيدة، ولكنها تحولت ابتسامتها إلى انقباضة عندما تذكرت أمر والدتها، فعزمت أمرها أن تهاتفها بعد الغذاء. انتهت خلود من إعداد الطعام وحملته على صينية وصعدت الدرج بحذر إلى غرفة زين. طرقت الباب برجلها ففتح لها وأخذ منها الصينية ووضعها على الطاولة وذهب ليغسل يده.
خرج زين من الحمام ولم يجدها، قطب جبينه وبحث عنها في الجناح وأيقن أنها ذهبت إلى المطبخ لأن الطعام المحضر في الجناح لفرد واحد. زفر حانقاً وأخذ هاتفه واتصل عليها. استغربت خلود من اتصاله وردت عليه بارتباك تقول: = خير يا زين... في حاجة ناقصة؟ تنهد زين وقال: = آه... أنتي يا هانم. قطبت جبينها وأزالت الهاتف من على أذنها وحدقت به ثم أعادتها مرة أخرى قائلة: = أنا... إزاي؟ زفر زين حانقاً وقال: = اطلعي... عايزك.
تركت خلود ما بيدها من طعام وركضت إليه ودخلت الجناح من دون طرق بابه تنهج وتقول: = أيوه... عايزني في إيه؟ توجه إليها وأغلق الباب وسحبها خلفه وأجلسها أمام الطعام ونظر إليها نظرة قوية وقال: = عايزك تاكلي معايا. فرجت شفتيها وقالت: = بس يا زين. جز زين على أسنانه مقاطعاً لها وقال: = لما أقول كلمة تتسمع... متجادليش معايا يا خلود. هزت رأسها ورفعت إصبعها في محاولة منها للتحدث فقالت: = بس أنزل أجيب أكلي من تحت...
عشان الأكل هنا مش هيكفي. ابتسم زين بسخرية وقال: = ليه أنتي حوت؟ هزت خلود رأسها بالنفي وردت ببلاهة قائلة: = لا أنا برج العذراء. طرق زين كفاً على كف من هبلها المصطنع وابتسم ضاحكاً وقال: = كلي يا خلود... رقص وأغاني هابطة وتخلف... أحمدك يا رب... مخلتش في نفسي حاجة... ده آخرة صبري يا رب. أخفضت خلود رأسها وكتمت ضحكاتها وتناولت الغذاء في صمت كما يفعل زين.
انتهى زين من طعامه فحملت خلود بقايا الطعام لتضعه في المطبخ ففتح لها زين الباب حتى لا تتعثر به وسألها قائلاً: = هتعملي إيه بعد كده؟ التفتت إليه وقالت: = هسقي حوض الورد وهقعد هناك لغاية ما تخلص شغلك هطلع أنام. ابتسم لها وقال: = ماشي... خلي بالك من الورد... وخصوصاً البنفسج... عشان أنا بحبه أوي... وغمز لها بعينيه الساحرة. خجلت خلود من تلميحه لأن معناه أن تدير بالها على نفسها.
كانت حجة خلود في الذهاب إلى حوض الورد أن تهاتف والدتها بدون أن يسمعها أحد، وبالفعل هاتفتها وأجابت عليها ولكن خلود لم تمهلها الفرصة في الرد فقد سارعت بدون سلام وقالت: = إيه يا ماما مش ناوية تعتذري لمدام ياسمين؟ = أنتي ناسية أنها أم جوزي ومقامها من مقامها. ردت عليها هاجر بحقد: = الظاهر معرفتش أربيكي... هي دي إزيك يا ماما وحشتيني... وسيادتك قافلة تليفونك بقالك تلات أيام... أنا قلت موتوكي وخلصوا منك.
ردت خلود بنفس الحقد قائلة: = أيوه معرفتيش تربيني... ولولا زين كان زماني نسخة مصغرة منك. وأكملت حديثها قائلة: = زين خلاني إنسانة محترمة وأجبرني أحترمها وأحترم كل اللي حواليا. ثم نهضت من مكانها وضربت قدميها في الأرض وقالت: = صحيح مدام ياسمين ست قاسية... بس في الأول وفي الآخر أم جوزي... وليها احترامها. ثم تابعت بغيظ قائلة: = وبعدين أنا مش تكشفت لحضرتك ومكنتش حابة تشوفي جسمي لأن دي حاجة خاصة بيا... أنتي مش فضحتيهم...
أنتي فضحتي بنتك. وبكت وتعالت شهقاتها قائلة: = ده أنتي حتى روحتي قلتيلها على القلم اللي ادتهولي عشان رفضته... حرام عليكي... أنتي أكيد مش أمي... منتظرة يعاملوني إزاي؟ كانت هاجر تستمع لها بحقد وغل وسخط عليها وعلى زين وياسمين وأخيراً ردت قائلة: = أنا مش هاعتذر لحد... أنتي المفروض تجبريهم يعتذروا ليا... يحمدوا ربنا أني رضيت أجوزك المعاق... مش ده كلامك برضو يا خلود؟
أغمضت خلود عينيها وعزمت أمرها على البوح بتهديد زين والذي كانت تخشى أن تبوح به حتى لا يمرض والدها، زفرت حانقة وقالت: = طب اسمعيني بقى يا ماما... أنتي كنتي مفكرة أني الفرخة اللي هتبيضلك بيضة دهب... للأسف تخمينك غلط... زين قالي لو مامتك ما اعتذرتش من أمي اعتبري أبوكي مفصول من الشغل... وهياخد مني الفيزا كارد... وبكده مش هيبقى معاكي ولا مليم... أنا مش شايلك همك... أنا شايلة هم بابا... أنا قلت اللي عندي... سلام يا ماما.
صدمت هاجر مما سمعته وظلت تنظر إلى الهاتف وقذفته على السرير وخرجت من غرفتها إلى الصالة حيث يجلس باهر. ودخلت عليه كالعاصفة تقول: = شايف بنتك يا باهر... البيه جوزها بيهددني لو ما اعتذرتش لأمه هيطردك من الشركة. أخفض باهر رأسه وقال: = أنا كنت حاسس من ساعة ما خسرنا الصفقة... واسر لمح ليا بكده... ده غير أن شرف السرجاني هيرجع... وده مبيطيقنيش خاصة أنا بنتك في مكان بنته.
شهقت هاجر بذعر ثم لمعت فكرة شيطانية برأسها وعزمت على تنفيذها بالغد. في المساء صعدت خلود إلى الجناح لتنام فوجدت زين شارداً فتوجهت إليه وأشارت بيدها يميناً ويساراً حتى أفاق من شروده ونظر لها بجمود فاندهشت وقالت له: = سرحان في إيه؟ رد باقتضاب: = مفيش. استغربت ردها وقالت: = هو أنا عملت حاجة غلط وأنا مش واخدة بالي؟ نظر لها بصلابة ورد بحدة قائلاً: = ساعة بتسترجي أمك عشان تعتذر لوالدتي... ليه؟ ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
= أنت كنت بتراقبني؟ مسح على وجهه من الغيظ وقال: = ... مش محتاج أراقبك... صوتك كان واصل عندي يا هانم. أغمضت خلود عينيها من الحزن وتنهدت قائلة: = عموماً بعد تهديدك أكيد هتروح لمامتك بكرة وتعتذرلها... عن إذنك.
انصرفت خلود تحبس الدموع في مقلتيها وما أن ذهبت إلى المطبخ انفجرت من البكاء من حياتها المتعبة من الألم من ركبتها المجروحة من ذو قبل وفتحت درجاً مخصصاً لها في المطبخ وأخذت منه المسكن لأنها لا تريد أخذه أمامه لأنها لتخفي ألم ركبتها عنه. أخذت المسكن وصعدت لتنام. دخلت الجناح وجدته مظلماً وزين مستغرقاً في النوم لأنه مضى على الموقف الأخير ساعة من الزمن. اتجهت إلى الحمام بحزن لتتحمم وترتدي بيجامتها وذهبت إلى الأريكة لتنام.
بعد انتظام أنفاسها نهض زين لأنه لم ينم أبداً. جلس نصف جلسة وتأملها كثيراً فقد كان عازماً أمره الليلة أن تنام بجانبه ولكن لم يحالفه الحظ. جاءته فكرة أن يأخذها لتنام بجانبه لتشعر مثل أمس أنها جاءت لتنام من تلقاء نفسها. لبس ساقه وتوجه إليها وحملها ووضعها بالفراش وجلس بجانبها يتأملها ويملس بأصابعه على شفتيها ليميل ويطبع قبلة رقيقة عليها وأخذها بين أحضانه وخلع ساقه ونام.
استيقظت خلود تتململ تنظر باستغراب إلى الغطاء فوجدته غطاء الفراش، مالت بوجهها في الاتجاه الآخر ووجدت نفسها بين أحضانه، شهقت شهقة خفيفة وتملصت منه وجلست نصف جلسة وقطمت أظافرها تتذكر ما حدث، أحست أن المسكنات كالمنوم يجعلها تتحرك وهي نائمة. نهضت سريعاً وأخذت حمامها وأحضرت له حمامه وخرجت ووجدته كأنه استيقظ منذ زمن فقد كان يبتسم لها بشدة. توترت من ابتسامته وقالت: = الحمام بتاعك جاهز... هانزل أحضر الفطار. توجهت إلى الباب
وتوقفت ثم التفتت له قائلة: = آسفة إني قمت بليل ونمت على السرير= أوعدك مش هتتكرر تاني. غادرت خلود الجناح وطرق زين كفاً على كف يضحك من أفعالها فهي مسكينة لا تعلم أنه اعتاد على سماع أنفاسها ووجودها بين أحضانه، ولكن لا بأس فهذا لن يحدث من أول مرة وهو المخطئ من البداية وعليه إصلاح أخطائه معها ليكسر حاجز الخوف لديها منه.
بعد فطار زين وخلود الذي كان يسوده الصمت اتفق معها أن يأتيها من الشركة مبكراً ليصطحبها إلى إحدى المولات التجارية لتبتاع شيئاً مناسباً لحفلة الليلة. وصل زين شركته سعيداً ودخل مكتبه وما أن رآه أسر حتى ذهب إليه ليعدوا ترتيبات الحفلة. والتي اعتذر فيها أسر عن عدم وجوده لوجود حازم وشهيرة في الحفل قائلاً: = آسف يا زين... أنا مش هقدر أحضر الحفلة دي. تفاجئ زين من أسفه وقال: = ليه يا أسر... وراك حاجة مهمة؟ رد أسر باقتضاب:
= مقدرش أحضر حفلة وفيها واحد زي حازم... وجوده بيستفزيني. تذكر زين أفعال حازم وزفر حانقاً وقال: = وأنا كمان... بس هعمل إيه لازم يحضر... كل اللي شاركوا في الصفقة أنا عزمتهم... أنا حتى كمان هاخد خلود معايا. ابتسم أسر ابتسامة خبيثة وقال: = أوووه... خلي بالك من مراتك يا صاحبي... أنا مش بخوفك منها... أنا خايف عليها لأنها مرات صاحبي... وخصوصاً من حازم. شرد زين كثيراً في هذا الأمر حتى أنه لم يشعر بأسر وهو يغادر المكتب.
أفاق من شروده على صوت هاتفه، نظر إلى الشاشة فوجدها خلود فكانت تعلمه أنها بانتظاره. أغلق هاتفه ونهض عازماً أمره أن هذا اليوم أيضاً اختباراً جديداً لخلود. ذهب زين إلى الفيلا... وجدها تنتظره في الحديقة وما أن رأت سيارته حتى ركضت إليه وفتحت الباب وجلست بجانبه تقول بقلق: = اتأخرت ليه؟ مكنتش عايز تيجي؟ هز رأسه بالنفي قائلاً: = لا أبداً... أصل الطريق زحمة. قالت بقلق: = لو مش فاضي مش مهم.
زفر زين حانقاً وهز رأسه يميناً ويساراً وانطلق بسيارته مسرعاً فتتطايرت خصلات شعرها من الهواء حتى لفحت رموشه معلنة التمرد عليه لتجبره على الحديث قائلاً: = تحبي تروحي مول معين؟ هزت رأسها بالنفي وقالت: = المول اللي تحبه... بصراحة ذوقك بيعجبني. اندهش إليها وقال: = طب لما هو بيعجبك نازلة معايا ليه؟ توترت وقالت: = حبيت أختار حاجة بنفسي تعجبك أنت. وصل زين إلى نفس المول الذي اشترى منه ملابسها.
أوقف السيارة فنزلت خلود مسرعة دون أن تنتظره. غضب زين وقال: = أنتي هتدخلي لوحدك ليه؟ ردت بتوتر وقلق: = مش حابة أزعجك معايا وهخلص بسرعة وهخرجلك. زفر زين حانقاً وقال: = لا يا خلود... أنا هدخل معاكي... وهنخرج سوا. وأشار لها بيده: = اتفضلي قدامي. سارت خلود أمامه حزينة لمعاملتهم معها، دخلا معها قسم الملابس الكلاسيكية لأنه رفض ملابس السواريه رفضاً قاطعاً. تذمرت خلود من قراراته الصارمة والتفتت إليه قائلة:
= ممكن حضرتك تقعد في آخر المحل لأني مش ناوية أعرفك إن هشتري إيه إلا ساعة الحفلة ولو مش عاجبك مش مهم أحضر الحفلة. رفع لها حاجبيه وقال بيأس: = ماشي يا خلود... بس خليكي قد كلمتك. انتقت خلود ثلاث أشياء تايير باللون الأحمر الناري وفستان سماوي طويل ومبطن وفستان بلون المسترده. قاست جميعهم ولكنها وجدت نفسها أفضل بالتايير الأحمر الناري رغم أن لونه سوف يزعج زين ولكن أرادت إغاظته مجدداً وإن لم يوافق لم تذهب إلى الحفلة.
لا بأس فهي تشعر بانقباضه في قلبها من هذه الحفلة ولا تعلم أسبابها. خرجت من غرفة القياس وطلبت من البائعة وضع التايير في علبة مغلقة صعب فتحها حتى لا يراها زين وهو يحاسب. بالفعل حاول كثيراً فتح العلبة ولكن دون جدوى فابتسم على مكرها. طريق عودتهم قال لها بمكر: = مش ناوية تشتري إكسسوارات للفستان اللي اشترتيه؟ ضحكت على مكره وقالت: = لا... عندي إكسسوارات تناسب لون الفستان. هز رأسه يميناً ويساراً وقال:
= طب لون الفستان إيه طيب؟ نظرت له نظرة مكر وقالت: = لون أنت بتحبه. ابتسم زين بسخرية على كذبها الغير منتهي وانطلق بسيارته إلى الفيلا. في النادي كان ياسمين تحتسي فنجاناً من الشاي بمفردها فهي منذ فضيحة هاجر تتجنب صديقتها. ذهبت هاجر إلى النادي لتعتذر لها وتنفذ مخططها لاستمالة ياسمين إلى خلود والوقوف جانبها والدفاع عنها. اقبلت عليها وتصنعت الاستحياء وقالت: = مدام ياسمين... أنا بجد آسفة... مكنتش في وعيي ساعتها...
مش عارفة أنا كنت بقول إيه... وكنت عايزة أعتذرلك من يومها... بس كنت خجلانة. ردت عليها ياسمين بتهكم وقالت: = هو أنتي اللي زيك بيتحرج؟ أرادت هاجر تثبيتها لتقبل اعتذارها فنادت على جميع أصدقائها وجمعتها وقالت: = يا جماعة أنا من أسبوع في المكان زعلت مدام ياسمين مني وافتريت عليها وعلي زين باشا الراجل اللطيف اللي بيحب بنتي جداً... بليز يا مدام ياسمين اقبلي اعتذاري. زفرت ياسمين حانقة وقالت: = خلاص...
من فضلكم كلكم سيبوني لوحدي معاها. وما أن انصرف الجميع وابتسمت هاجر ابتسامة نصر، نظرت لها ياسمين بمكر وقالت: = أوعي تفكري أنك هتضحكي عليا بالكلمتين دول... لا ده كان زمان يا حلوة... لما كنتي دراعي اليمين... الوقتي بقيتي تحت رجلي أنتي وبنتك. جلست هاجر ورفعت حاجبيها وقالت: = ماشي... بس كده هترجع شهيرة مكان بنتي وشرف مكانك يا مدام ياسمين. ضحكت ياسمين على كلام هاجر وقالت: = إزاي بقى... وأنا بايدي خليت كل حاجة فركش؟
أرجعت هاجر ظهرها للخلف ووضعت رجل فوق رجل وقالت: = زين باشا خسر صفقة كبيرة وشرف اللي كسبها وهيرجع الشركة عشان الشركة متخسرش كتير وهيرجع البيت كمان وهو اللي مربي زين باشا... وبيعد في جمايله فيتجوز شهيرة ويرد جمايل شرف وبكده نص التركة باي باي... إنما مع خلود أنتي الكسبانة يا مدام ياسمين. نهضت ياسمين من مكانها بفزع وقالت: = الكلام ده لو حصل هطربقها فوق دماغ الكل... أنا مصدقة خلصت منه ومن بنته.
نهضت هاجر ورفعت يدها لتربت على كتف ياسمين وتجلسها ومحاولة تهدئتها قائلة: = طب وليه العصبية... طالما خلود موجودة. نظرت لها ياسمين بحقد وقالت: = قصدك إيه؟ ابتسمت هاجر بنصر وقالت: = الموضوع بسيط وفي إيدك... اتعاملي مع البنت كويس هتديكي عينيها... حليها في عين زين... خليه ميقدرش يستغني عنها... خليكي في ضهرها... وبخلود لا شرف ولا غيره هيقدر يقربوا من أي حاجة تخصك. لمع الشر في عين ياسمين وقالت: = موافقة بس بشرط...
بنتك تعمل كل اللي أقولها عليه... لو منفذتش كلامي كله أنا لا يهمني شرف ولا غيره... متفكريش أنك ماسكاني من إيدي اللي بتوجعني... أنتي وبنتك مجرد حل مؤقت للمشكلة المقرفة دي. ثم نهضت من مكانها ورحلت وكان شعور هاجر فوق الوصف فهي بهذه اللعبة أجبرت ياسمين على قبول الاعتذار ومعاملة بنتها جيداً. وصل زين وخلود إلى الفيلا وسرعان ما نزلت من السيارة وأخذت علبة ملابسها وسبقتها في الدخول كالعاده.
شهقت عندما رأت ياسمين في استقبالهم لدرجة أن زين سمع شهقاتها واستغرب من وجود والدته في هذه الساعة وقال: = خير يا أمي مش عايدك ترجعي بدري من النادي... في حاجة حصلت؟ ردت بهدوء وبابتسامة: = بالعكس مامة خلود جت النهاردة النادي واعتذرت ليا... وأنا مبسوطة جداً. تمتم بكلمات غير مفهومة واستغرب قبولها للاعتذار بهذه السرعة وتنهد قائلاً: = طب الحمد لله. ابتسمت ياسمين وبفضول قالت: = أنتو كنتوا فين؟ رد زين بجمود قائلاً:
= بشتري هدوم لخلود عندنا حفلة النهاردة. انتهزت ياسمين فرصة الحفل لتتقرب من خلود وتجعلها في أحسن صورة في الحفل فقالت لها: = وريني جبتي إيه يا خلود. ردت خلود بتوتر وقالت: = طب مينفعش في مكان تاني عشان مش حابة زين يشوفني بيه دلوقتي. استغربت ياسمين من ردها ولكن قاطعها زين عندما قال لها: = اطلعي يا خلود... البسي معدش في وقت... تقدري تطلعي معاها يا ماما؟ رفضت ياسمين وقالت: = لا أنا هاخدها جناحي...
عشان لو في حاجة محتاجة تظبيط تظبطها عندي... وأنت متدخلش بينا... ورايا يا خلود. نظرت خلود إلى زين الذي رفع كفتيه باستغراب لعدم معرفته سر تحول والدته بهذا الشكل ولكن ما باليد حيلة أشار إليها لتصعد مع والدته لكي ترتدي ملابسها. دخلت خلود جناح ياسمين كأنها أول مرة تدخله، نسيت أنها دخلته سابقاً عندما تم إهانتها فيه من قبل زين. وجدته جناحاً ملكياً يليق بياسمين جداً. كادت أن تدوخ من جماله... وعلى أثر الدوخة تذكرت نهي
فسألت ياسمين عنها وقالت: = أخبار نهي إيه؟ مطت ياسمين شفتيها وقالت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!