كانت غفران تمشي ذهاباً وإياباً في غرفتها، تقضم أظافرها وتفكر في طريقة للتقرب إليه. مرت سنة تقريباً منذ رحيل غريمتها واكتشاف براءتها، وانفرط عقد الأمور من يدها. بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق هدفها وسحقها تحت قدميها ونفيها من حياتها نهائياً وإلى الأبد، استطاع عاصي أن يحكم شباكه من جديد وأن يصل إلى الحقيقة وينقذها ويثبت براءتها. "عاصي!!! إلى متى سيظل لا يراها ولا يشعر بها، وهي التي تعشقه حد الهوس؟
نعم، هي مهووسة بعاصي. عاصي الجارحي، رجل الأعمال وصاحب أقوى إمبراطورية اقتصادية، رجل النفوذ والسلطة المحدود، الذي بإشارة منه تفتح أمامه كل الأبواب المغلقة. آه، وكم تتمنى أن تنعم هي بلقب "حرم عاصي الجارحي". لمعت عيناها ببريق خاطف وهي تتخيل نفسها وهي تتأبط ذراعه وتمشي بخيلاء بجانبه، وهو يعرفها على الجموع الغفيرة أمامهم، والذين ينحنون احتراماً وتوقيراً لها. وهي تناظرهم بعلو وغرور.
ابتسامة منتشية ارتسمت على ملامحها الحادة من مجرد تخيلها لتلك الحياة التي تتوق إليها. ولكن يجب أن تفكر في طريقة أخرى تجذب أنظار عاصي إليها. فهي لا تزال على وضع اللامبالي له، وتتعامل معه على أنه ابن خالتها فقط، وأنها لم تعد تفكر فيه كما السابق، حتى بعد طلاقه من غفران. ولكن عليها التفكير في خطة جديدة تجذب انتباهه إليها.
أخرجها من تفكيرها رنين هاتفها. فأخرجت الهاتف من جيبها الخلفي، تنظر للرقم غير المسجل والذي يبدو أنه من خارج البلاد. "private number".
في نفس الوقت، كان هناك من يجلس نفس جلستها، يشرب من زجاجات الخمر المتناثرة حوله، يتجرع مرارة الفقد والفقر والخسارة. لقد خسر كل شيء. وكل ذلك بسبب شخص واحد فقط. شخص واحد استطاع أن يهدم حياته ويأخذ منه كل شيء. أخذ الإنسانة الوحيدة التي استطاعت أن تقف أمامه وترفضه، وهو الذي لم يجرؤ مخلوق على الوقوف أمامه وتحديه كما فعلت هي. ومن يومها وهي أصبحت شغله الشاغل. حاول معها بكل الطرق حتى يوقعها في شباكه، ولكنها دائماً ما كانت تصده وتنهره. وحينما اعترف لها بعشقه، صدمته بعشقها لذلك العاصي.
عاصي، الذي انتقم منه شر انتقام وخسره كل ما يملك. فلم يكتفِ بخسارته لأمواله وممتلكاته فحسب. عندما استخدم كل قوته للإطاحة بتجارة والده وخسارته لأمواله في البورصة، وإغراقه في الديون، وشراء كل أصول وممتلكات الدالي.
وهو الأمر الذي لم يتحمله قلب والده وتوفي في الحال، وتبعته والدته بعدها بأسبوع واحد من شدة حزنها على زوجها وعلى ما آل إليه حالهم. وبقي هو وحده، وحيداً منبوذاً، وقد تخلى الجميع عنه، فهو لم يعد يملك المال مثل السابق الذي كان يجعلهم يركضون خلفه ويكون تحت أمره. وحيداً مفلساً، لم يمتلك حتى ثمن أجرة الحجرة التي يعيش فيها، أو حتى ثمن تذكرة الطائرة التي تعيده إلى بلاده.
توحشت نظراته وهو ينفض عنه شعور الضعف والعجز. فهو أبداً لم يكن ضعيفاً أو مهزوماً. وعليه أن يعود كما السابق، مازن الدالي، ابن الملياردير محمد الدالي. وحتى يعود إلى سابق عهده، لابد أن ينتقم من الشخص الذي سلبه كل شيء. ولكن هناك شخص واحد فقط هو الذي قادر على مساعدته، أو بمعنى أدق، هو الملزم بمساعدته. تناول هاتفه الموضوع أرضاً بجانبه، وبحث في سجل مكالماته، ضاغطاً على رقمها، منتظراً ردها. أجابت نسرين على
الرقم الغريب الذي هاتفها: "الو... جاءها صوته الخشن من الطرف الآخر: "أيوة يا نسرين... عرفته نسرين على الفور، ولكنها تظاهرت بعدم معرفتها به، فهي كانت قد أسقطته من حساباتها بعد رحيله وتناست أمره. "مين معايا؟ ضحكة متهكمة خشنة صدرت من مازن قبل أن يقول: "إيه نسيتي صوتي قوام كده؟ تؤ تؤ تؤ، في حد برضك ينسى صوت شريكه؟ عرفته على الفور، ولكنها تصنعت عدم معرفته، فهي قد تناست أمره منذ رحيله، ولم يحدث أي تواصل بينهم منذ وقتها.
هتفت تجيب وهي تدعي عدم معرفتها به: "لو ما قلتش إنت مين، أنا هضطر أقفل الخط في وشك." هتف بنبرة خشنة أجفلتها: "تقفلي الخط في مين يا روح أمك؟ بت انتي اقفي عوج واتكلمي عدل وبلاش استهبال. أنا عارف كويس أوي إنك عرفاني، فبلاش أمور الاستهبال دي اللي ما تدخلش على عيل صغير علشان ما أزعلكيش. وأنا بصراحة زعلي وحش أوي." هتفت نسرين بنبرة ساخرة: "وهي مستمرة في ظاهرها بعدم معرفته: "والمفروض بقى إنّي أخاف منك ولا إيه؟
اسمع يا بني آدم انت لو ما قلتش انت مين، أنا هقفل الخط وأعمل لك بلوك. ولو حاولت تتصل بيا من نمرة تانية، ساعتها أنا هبلغ عنك." ضحك مازن بخشونة معقباً بنبرة خطرة: "حلو الكلام... بلغي عني زي ما انتي عاوزة، وأنا كمان هبلغ عنك اللي يفصصك تحت جزمته زي الحشرة. وساعتها بقى وريني هتعملي إيه لما حبيب القلب يسمع بودانه صوتك الجميل وإنتي بتتفقي معايا علشان نخلص من غفران ونزيحها من طريقك علشان يخلي لك الجو."
شحب وجه نسرين وارتعدت أوصالها، وأدركت أنها أمام خصم لا يستهان به. ولكنها تظاهرت بالقوة أمامه حتى لا يشعر أنها ضعيفة وأنه استطاع إخافتها. فهتفت تدعي الثبات والقوة: "تقصد إيه؟
هدر مازن بشر: "أقصد إني مسجل كل المكالمات اللي كانت بينا، ورسالة صغيرة من رقم مجهول لحبيب القلب فيها كل المكالمات وصوتك فيها بيجلجل وإنتي بتبدعي في رسم خطتك علشان تنتقمي من مراته الغلبانة وتشوهي سمعتها وتخليه يطلقها. شوفي بقى هيعمل إيه ساعتها لما يكشفك على حقيقتك ويعرف إنه مخلي حياة عايشة معاه في بيته وهي السبب في كل اللي حصل." هتفت بتهديد مبطن: "ومش خايفة إني أقول لعاصي على مكانك؟ ضحك مازن بسخرية
ثم تابع يضيف باللامبالاة: "أنا كده كده مش فارق معايا ولا عندي حاجة أخسرها، أنا خسرت كل حاجة والبركة في ابن الجارحي. الدور والباقي عليكي انتي. هتقوليله إنتي عرفتي مكاني إزاي وإيه علاقتك بيا. أعتقد إنك أذكى من كده يا نسرين."
صمتت تفكر في كلامه. لا تنكر أنه محق. هي لا تقدر أن تشي به عند عاصي. من جهة عاصي لن يتركها قبل أن يعرف كيف وصلت إليه، وربما افتضح أمرها. ومن جهة أخرى، مازن وتهديده لها، فهو ممكن في لحظة تهور أن ينهيها. لذلك عليها مجاراته فيما يريد حتى تستطيع بحنكتها أن تحصل على التسجيلات منه، وساعتها ستتخلص منه للأبد. تحدثت بنبرة ثابتة: "والمطلوب يا مازن؟
أجابها مازن دون تردد: "عاوزك تساعديني. أنا عرفت مكان غفران وعاوز أوصل لها قبل ما بسلامته يعرف مكانها. عاوزك تحوليلي 500 ألف على رقم الحساب اللي هبعتهولك." أجابته هادرة باستنكار: "نعمممم، 500 ألف إيه؟ إنت مجنون وأنا هجيب لك الفلوس دي منين إن شاء الله؟ أجابها هادراً
بعنف: "ماليش فيه، تتشقلبي وتتعدلي وتحوليلي الفلوس. قدامك أسبوع بالكتير والمبلغ يكون في حسابي. لأن أسبوع وساعة زيادة هيكون صوتك الجميل بيرن في رسالة على تليفون عاصي. سلام." قالها وأغلق الخط معها وسط زهولها ورعبها منه ومن جدية تهديده.
صوت وصول رسالة على أحد التطبيقات نبهها. فتحت الرسالة فوجدت أنه بالفعل أرسل لها رقم حساب خاص به. ضغطت على الهاتف تعتصره بين قبضتها بغل وهي توعد مازن، ولكن عليها أولاً أن تجاريه وتنفذ له طلبه، وبعدها يكون لكل حادث حديث. بخطوات سريعة متوترة كانت نسرين تقتحم غرفة نوم خالتها، والتي كانت تتوسط فراشها استعداداً للنوم. اعتدلت درية على الفراش تناظرها بغضب: "يا بنتي حرام عليكي قلبي هيقف مرة من كتر ما بتخضيني."
تحدثت نسرين مسرعة: "مش وقت خوفك ده يا آنطي، اسمعيني كويس أنا واقعة في مصيبة." استرعت انتباه خالتها وهتفت تسألها بتوجس: "مصيبة إيه تاني؟ هببتي إيه المرة دي؟ اعتدلت نسرين في جلستها على الفراش أمام خالتها: "هحكي لك كل حاجة بس لازم تساعديني، وإلا هنضيع كلنا." ثم أخذت تقص عليها مكالمتها مع مازن والمبلغ الكبير الذي طلبه منها.
في نفس الوقت، دلف عاصي إلى داخل القصر بجسد منهك. فهو أصبح يمضي اليوم كله في المجموعة يعمل بكل طاقته ويعود آخر الليل منهكاً متعباً، ويغرق في النوم فور أن يصعد إلى غرفته. فهو يشغل وقته كله بالعمل حتى لا يتسنى له التفكير في غفران، حتى أنه ترك جناحهم منذ رحيلها ولم يدخله، وعاد إلى جناحه السابق قبل زواجه منها. ومع ذلك لا يستطيع منع عقله من التفكير فيها، وإن حدث وفعلها نهاراً، تزوره في أحلامه ليلاً. استقبلته
نعمات هاتفه باحترام: "حمد الله على سلامتك يا باشا، تحب حضرتك أحضر لك العشاء؟ أجابها بارهاق وهو يتوجه نحو الدرج صاعداً لأعلى: "لا متشكر يا نعمات، أنا هنام على طول." ثم سألها وهو يطلع أولى الدرجات: "الحج اتعشى وأخذ أدويته قبل ما ينام ولا لأ؟ أجابته نعمات بتقرير: "طبعاً يا باشا، وأنا بنفسي اللي عطيتها الدواء." "تمام، روحي انتي يا نعمات، تصبحي على خير."
ثم صعد درجات وهو يعلق جاكيت بدلته على كتفه. وصل إلى الدور العلوي وكاد أن يكمل طريقه إلى أعلى، ولكنه غير رأيه وقرر أن يذهب إلى غرفة والدته حتى يطمئن عليها، فهو لم يرها منذ ثلاثة أيام. يخرج مبكراً ويعود متأخراً. في الداخل، شحب وجه درية بشدة وهتفت تتحدث وقلبها يكاد ينخلع من موضعه: "يا نهارك أسود ومنيل، إنتي عارفة ده معناه إيه؟ معناه إنك ضيعتي. عاصي لو عرف مش هيرحمك! هتفت نسرين تحدثها بنبرة خطرة
رافعة إحدى حاجبيها بشر: "تقصد ضيعنا يا آنطي. أنا لو حصل وعاصي كشفنا، أنا مش هضيع لوحدي وهقوله على كل حاجة أعرفها، القديم والجديد. وهقوله إنك شريكتي في كل حاجة، وكل خطوة كنت بخطيها كانت بعلمك وموافقتك!
ناظرتها درية بغل، فهي تعرف ابن شقيقتها مجنون و متهور، ولا يتورع عن إنهاءها معها إذا اكتشف عاصي حقيقة الأمر. فكرت بخبث أنها يجب عليها أن تجاريها فيما تريد، وبعدها ستتخلص منها ومن مازن في ضربة واحدة، وتبلغ عاصي عنهما في الوقت المناسب. هتفت تجيبها بغضب حاولت مداراته
خلف قناع من الجمود: "ماشي يا نسرين هساعدك، بس إحنا لازم نتصرف وبسرعة، علشان الواد ده لو نفذ تهديده يبقى روحنا في خبر كان، وساعتها عاصي مش هيهمه إحنا بالنسبة له إيه، ولا هتفرق معاه إني أمه وإنتي بنت خالته." أجابتها نسرين مفكرة: "ما هو علشان كده بقولك لازم نلاقي حل، خصوصاً إنه عرف مكان الزفتة غفران وهيخلصنا منها أخيرًا." تحدثت درية تسألها: "طب وابن عاصي؟
إنتي ناسيه إن منصور قالنا إنها ولدت من حوالي شهرين. هيعمل إيه في الواد؟ أجابتها نسرين بقرف وهي تشيح بيدها في وجهها: "يعمل اللي يعمله بقى، إن شاء الله يموتوا حتى. مش لازم يبقى فيه رابط بين غفران وعاصي أبداً." هتفت درية وقد وخزها ما تبقى لها من ضمير: "بس ده طفل صغير وابن عاصي مهما كان. إحنا نتفق معاه إنه يبعت لنا الولد مع حد."
ثم تابعت تضيف بشيطنة: "وبكده نبقى ضربنا عصفورين بحجر واحد، بعدنا غفران عن عاصي وكسرنا قلبها ببعد ابنها عنها. وفي نفس الوقت الولد يتربى مع أبوه ومعانا." انتفضت نسرين واقفة وهتفت بنبرة تحذيرية خطرة وهي تقرب وجهها من درية وملامح وجهها تزداد بغل أسود: "لأ... قلت لك مش هسمح يكون فيه رابط بين عاصي وغفران. مش هسمح لابنها يعيش معاه علشان يفكره بيها ليل نهار كل ما يبص له. عاصي لو هيخلف فهيخلف مني أنا وبس."
انفتح باب الغرفة فجأة بقوة وعاصي يطل عليهم بجسده القوي، ممسكاً بمقبض الباب بيده بقوة تكاد تعصره، ويناظرهم بملامح وجه غير مقروءة. شحب وجه دريه ونسرين وانتفضوا مفزوعين مع صوت فتح الباب وظهور عاصي من خلفه. ارتعدت أوصالهم من مظهره وخشوا أن يكون قد استمع إليهم، فهي فيها نهايتهم. ابتلعت درية حلقها الذي جف منها فجأة وهتفت تسأله بتلعثم: "ع... عاصي... واقف عـ... عندك كده ليه؟
صمت عاصي يتفرس في ملامحهم الشاحبة طويلاً، مما جعلهم يموتون رعباً من رد فعله. وقد أيقنوا أنه استمع إلى حوارهم، مما جعلهم ينفضون هلعاً مترقبين انفجاره الذي سيطيح بهم لا محالة. اتسعت ابتسامة عاصي وهو يدلف إلى الداخل مقترباً من والدته، ثم انحنى بجسده عليها، مما جعلها ترجع بجزعها إلى الخلف في حركة دفاعية خوفاً منه. إلا أنه طبع قبلة على رأسها: "أنا قلت أجي أطمئن عليكي يا درية هانم علشان بقالي يومين ما شوفتكيش."
ثم نظر إلى نسرين هاتفا بنفس الابتسامة: "عاملة إيه يا نيسو، وحشتيني انتي كمان! ارتفع حاجبا نسرين إلى أعلى حتى كادوا أن يصلوا إلى منابت شعرها، هاتفاً بعدم تصديق: "وحشتك!!! أجابها عاصي وهو يجلس بجانب والدته واضعاً ذراعه على كتفها يضمها إلى صدره: "طبعاً وحشتيني، إيه الغريب في كده؟ هتفت درية بابتسامة واسعة بعدما تنهدت بارتياح وقد تأكدت من ملامحه أنه لم يستمع إلى حديثهم: "مالك يا نيسو مستغربة كده ليه؟
هو عاصي عنده أغلى منك، مش كده ولا إيه يا عاصي؟ هتف عاصي ضاحكاً: "طبعاً يا ست الكل، أنا ماليش غيركم في الدنيا، محدش بيحبني ولا بيخاف عليا غيركم. ربنا يخليكم ليا." اتسعت ابتسامة نسرين، هاتفاً بسعادة وهي تكاد تطير من الفرحة: "إنت عارف يا عاصي إنت غالي عندنا قد إيه وبنحبك إزاي." نظر لها عاصي داخل عينيها بقوة هاتفاً بغموض: "عارف يا نسرين."
ثم حول نظراته إلى والدته يسألها مستفسراً: "فلوس إيه اللي كنتوا بتتكلموا عنها دي قبل ما أدخل؟ تعالت ضربات قلب نسرين ودريه هلعاً حتى ظنوا أنها وصلت إلى عاصي الذي ينظر إليهم بترقب. هتفت درية تجيبه بخبث وهي تنتفض من شدة الخوف: "دي... ده مبلغ كده نسرين كانت عاوزاه علشان تتبرع بيه لجمعية خيرية بترعى الأيتام." أومأ عاصي برأسه وهو يحول نظراته الجامدة إلى نسرين، والتي تقسم أنها تبولت في سروالها من شدة الخوف: "اممممممم...
والمبلغ ده قد إيه يا نسرين؟ هتفت نسرين تجيبه بتلعثم: "هاااا... يعني مش مهم يا عاصي، ما تشغلش دماغك، أنا هتصرف." هتف عاصي بلوم وهو يضع يده على يدها المستريحة بجوارها على الفراش: "معقولة يا نيسو تقولي كده، أومال لو مش هشغل دماغي بيكي وبطلباتك هشغلها بإيه." نظرت نسرين إلى يده الموضوعة على يدها بعدم تصديق، ثم عادت تنظر إليه وهي تكاد تخرج قلوب من عينيها: "بجد يا عاصي؟ أنا بشغل تفكيرك؟
أجابها بتأكيد: "طبعاً يا نيسو، ودي عايزة كلام." ثم تابع وهو يخرج دفتر الشيكات من جيب سترته، ثم حرر الشيك على بياض وأعطاه لها: "خدي يا ستي ده شيك على بياض، حطي فيه الرقم اللي انتي عاوزاه سواء مصري ولا بالدولار واتبرعي بيهم للجمعيات اللي انتي عاوزاها. ما هو الواحد ما يقدرش يقول لا لعمل الخير." قالها وهو يمد يده لها بالشيك وسط زهول كلاهما. ثم استقام واقفاً هاتفاً
بنبرة ناعسة: "أسيبكم بقى علشان أنا تعبان وهموت وأنام. تصبحوا على خير." قالها وأولاهم ظهره خارجاً من الغرفة، تاركاً إياهم يحلقون في ظهره بذهول وأفواههم تكاد تلامس الأرض من شدة زهولهم. في صباح اليوم التالي، دلف عاصي بخطوات جامدة إلى مكتب جده في مجموعة الجارحي، متحدثاً بجدية: "عاوز أتكلم معاك." رفع الحج منصور أنظاره من على الأوراق أمامه، واستغرب حاله حفيده وملامح وجهه غير المقروءة، وأجابه: "خير يا عاصي...
اتكلم، أنا سامعك." سحب عاصي نفساً قوياً يملأ به رئتيه، قبل أن يهتف بنبرة جادة محاولاً السيطرة على أعصابه: "أنا عارف إنك إنت اللي ساعدت غفران إنها تمشي، وعارف كمان إنك إنت اللي خليت آدم يكلمني ويبلغني بمعاد ولادتها. وعارف كمان هي قاعدة فين وعند مين." قال جملته الأخيرة بغل وهو يضم قبضته بقوة محاولاً التحكم في غضبه. نظر له الجد طويلاً دون رد، وهو كان يعلم أن حفيده لن يهدأ له بال إلا إذا عرف مكان زوجته.
تحدث الجد بهدوء: "وإنت إيه اللي مخليك متأكد من إن أنا عارف مكانها؟ هتف عاصي بنفاذ صبر: "جدي...
من فضلك من غير لف ودوران. ماهو مش معقول يعني أنا هيدخل عليا إنك متعرفش مكانها وقاعد متماسك كده قدامنا. إنت فعلاً لو مش عارف مكانها كان زمانك راقد في المستشفى لا قدر الله. وبعدين أنا مش أهبل ولا عبيط علشان أصدق إن آدم يعرف مكانها وما يقولكش، وإنه علشان ولادتها كانت صعبة كلمني علشان أكون جنبها وجنب ابني. ده غير حكاية صاحبتها اللي قاعدة عندها في سويسرا. حاجة كده ما تدخلش على عقل عيل صغير، خصوصاً إن غفران شخصية مش
اجتماعية للدرجة. ولا إني هصدق إنها كلمتك بس لما ولدت تطمنك عليها. أنا عارف إنك خططت لكل ده علشان تحميها مني ومن غضبي قبل ما أعرف الحقيقة، وكمان تحميها من اللي عمل كده فينا. وبعد كده علشان تعاقبنا إحنا الاتنين علشان غلطنا في حق بعض. كل ده أنا مسامح فيه. بس الحاجة الوحيدة اللي مش مسامح فيها إنك تقعدها في بيت آسر الراوي، حتى لو كان مش بيهوب ناحيتها، وإن فيه خدم وحراسة في البيت. ده اللي مش هسامحك عليه أبداً يا جدي."
هتف الجد بحنو: "يا ابني أنا كنت خايف عليها أسيبها في بلد غريبة لوحدها، وإنت عارف غفران طيبة وساذجة وممكن أي حد يضحك عليها. علشان كده فكرت في آسر الراوي لأنه هيخاف عليها ويحميها زي أخته بالظبط. وهو شخص أنا بثق فيه وعارف إن هيكون قد المسؤولية. والصراحة الراجل مش مقصر، وما شوفتش منه أي حاجة وحشة، ولا غفران اشتكت منه أو إنه اتجاوز حدوده معاها." صاح عاصي هادراً بانفعال
ونيران الغيرة تنهشه: "مهما كان ده بيت راجل غريب، وأنا مقبلش إن مراتي وأم ابني تقعد في بيت راجل غريب." هتف الجد بمكر: "طليقتك مش مراتك! نظر له عاصي بشراسة وأطلق سبة نابية بخفوت، ثم تابع مضيفاً بجنون: "أيا كان، دي أم ابني وبنت عمي." ابتسم الجد وهو يقرأ ما بداخل حفيده بوضوح: "والمطلوب... مسح عاصي على وجهه أكثر من مرة حتى يهدئ من غضبه: "المطلوب إن غفران لازم ترجع مصر في أول طيارة."
رفع الجد حاجبه وناظره بشك: "كل ده علشان هي في بيت الراوي؟ أجابه عاصي وعينه تومض بمويض شرس: "ده أولاً، لكن ده اللي عاوز أتكلم معاك فيه وتساعدني على تنفيذه." نظر له الجد مدققاً: "وأنا كلي آذان صاغية." بعد مرور أسبوع...
تجلس أمام المدفأة تحضن صغيرها الغافي داخل أحضانها، تتأرجح على الكرسي الهزاز بحركات رتيبة هادئة، والأفكار تعصف داخل رأسها. تسترجع كل ما حدث معها، كيف كانت فتاة بريئة رقيقة خجولة منغلقة على نفسها، تهيم عشقاً في الشخص الوحيد الذي اقتحم عذرية قلبها ومشاعرها دون استئذان وتربع على عرش قلبها. وكيف أصبحت بين ليلة وضحاها زوجته، وشعرت وقتها بأنها امتلكت الكون كله رغم جموده معها وعدم تقبله لزواجهم، ثم ضحكت لها الدنيا وشعر بها وعشقها، أو هكذا ظنت. وكيف انقلبت حياتها رأساً على عقب وانفصلت عنه وأصبحت في لحظة مطلقته.
هل حقاً أخطأت عندما أخفت عنه ذهابها للطبيبة؟ يعلم الله أن نيتها لم تكن سيئة، ولا تريد أن تخفي عنه شيئاً، وفعلت ما فعلت بدافع عشقها له.
تنهدت بثقل وهي تقرر أنها يجب عليها أن تعود، يجب أن تواجه، يكفي هروب وبعد. يجب أن تعود حتى ولو انتهت قصتها مع عاصيها، يجب أن تعود إلى وطنها وأهلها. يجب أن تعود حتى يعيش ابنها في كنف والده، فهي قد وعدت جدتها أن لا تحرمه من أبنه. يكفي أنها لا تريد لابنها أن يشعر مثلها بشعور اليتم، والذي بالرغم من حنان جدها عليها إلا أنها تفتقد لحنان والديها.
نهضت وهي تحمل ابنها على ذراعيها تضمه بحماية، وقد عزمت على أن تهاتف جدها وتخبره برغبتها في العودة. قطع آسر عليها طريقها عندما دلف إلى حجرة المعيشة فجأة، بعدما كان يقف يتابعها بنظراته العاشقة من على باب الحجرة ولم يرغب في قطع خلوتها مع نفسها. وقف يتأملها وقلبه ينبض بعنف داخل صدره شوقاً وحباً لها، وقد قرر بعد فترة طويلة من التفكير أن يصارحها بحقيقة مشاعره ورغبته الحقيقية في الارتباط بها.
هتف غفران مجفلة عندما وجدته يقف أمامها يطالعها بنظرات تعرفها جيداً، وحدث الأنثى بداخلها يخبرها أنه يكن مشاعر لها، وهو الأمر التي ترفضه وتحاول التهرب منه بأي شكل. "آسر حمد الله على السلامة، وصلت إمتى؟ حمحم يجلي حنجرته وأجابها: "لسه واصل من شوية. أخبارك إيه؟ طمنيني عليكي وعلى عمر." أجابته برقة: "إحنا الحمد الله كويسين." ثم تابعت تقول متعمّدة
حتى تقطع عليه أي أمل: "كويس إنك جيت، أنا قررت إني أرجع مصر. كفاية كده، عمر لازم يعيش مع باباه." هوى قلب آسر بين قدميه وشعر بأن قلبه يكاد يتوقف بسبب رحيلها وعودتها إلى عاصي، ومعناها بعدها عنه للأبد. فـتحدث بدون تفكير هاتفاً: "غفران... نظرت له بتدقيق، فاكمل يتابع وعيناه تلمع بتصميم رغم توتره: "أنا بحبك وعاوز أتزوجك... شهقت غفران بقوة تضع يدها على فمها وقد تأكدت من ظنونها نحو آسر. في نفس الوقت، في قصر الجارحي...
كان نفس المشهد يعاد مع اختلاف الأشخاص وبنفس ردة الفعل، ولكن بسعادة أكثر من جانب دريه ونسرين عندما صدح صوت عاصي موجهاً حديثه إليهم: "نسرين... تقبلي تتجوزيني...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!