الفوز والشعور بالانتصار وكأنك حصلت أخيراً على الدرع الذهبي بعد سنين طوال قضيتها في العدو والركض وراء هدف معين واستطعت تحقيقه في النهاية، بغض النظر عن الطرق التي سلكتها للوصول إلى ذلك الدرع، حتى لو تحالفت مع الشيطان للوصول إلى هدفك.
كان هذا شعور نسرين بعدما سمعت بأذنيها صوته الرخيم وهو يطلب يدها للزواج أمام الجميع. تماماً كما فعل من عام مضى في نفس المكان وأمام نفس الأشخاص وطلب يد غريمتها للزواج. وما أشبه اليوم بالبارحة.
فأمس كانت تشعر بالغيرة والحقد والغل لأنه لم يخترها هي. أما اليوم فهي تشعر أنها تحلق فوق السحاب بعدما أخيراً، وبعد عذاب، اختارها هي. هي نسرين الحوفي اختارها عاصي الجارحي. اختارها لتكون في مكانها الصحيح، في المكان الذي من المفترض أنه حقها. اختارها وقد تأخر اختياره كثيراً ولكنه وصل إليه أخيراً.
ستكون زوجته، زوجة عاصي الجارحي. المكانة التي حلمت بها وتحالفت مع الشيطان حتى تصل إليها. المكانة التي ستفعل أي شيء من أجل الحفاظ عليها، حتى لو اضطرت أن تحارب عاصي نفسه لو فكر في أن يقصيها من حياته مرة أخرى مثلما فعل من قبل. صدح صوت درية من خلفها أخرجها من شرودها وهي تتحدث بسعادة: ياااااه يا عاصي أخيراً... أخيراً وفقت وعرفت مين اللي تناسبك وتليق لك. بجد أحسن قرار أخذته في حياتك. ألف مبروك يا حبيبي.
قالتها وهي تنهض من جلستها وتقترب منه تضمه إلى حضنها بسعادة. ابتسم عاصي بجاذبية وهتف يجيبها: بتباركي على إيه بس يا أمي؟ مش لما العروسة توافق الأول. شكلها مش موافقة على طلبي والدليل على كده إنها لسه ما ردتش. هتفت درية وابتسامتها تتسع من الأذن للأخرى: مش موافقة إزاي؟ دي بس مش متوقعة. أنت عارف نسرين طول عمرها بتحبك مش كده ولا إيه يا نيسو؟ قالتها وهي تنظر إلى نسرين بفرحة شديدة.
صدح صوت الجد منصور من خلفهم هاتفاً بنبرة جادة متسائلاً: كلام إيه اللي بتقوله ده يا عاصي؟ استراح عاصي في جلسته واضعاً قدماً فوق الأخرى متحدثاً بنبرة مؤكدة: اللي حضرتك سمعته يا جدي. أنا قدامكم كلكم بطلب إيد نسرين للجواز ومستني أسمع رأيها. حركت كل من نسرين ودرية أنظارهم بين الجد وحفيده في قلق خشية من وقوف الجد عقبة في تحقيق هدفهم. قطب الجد جبيبه بعبوس قائلاً بنبرة مستنكرة: تتجوز ومن مين؟ من نسرين؟ وغفران...
مراتك وابن ابنك؟ هتفت درية مسرعة تجيبه: ما هو طلقها خلاص وما بقتش على ذمته. نظر لها الجد نظرة قوية آخرستها. ثم وجه أنظاره إلى عاصي الذي أجابه بنبرة جامدة موجهاً نظراته في عمق عينيه: غفران! وهي فين غفران؟
هي خلاص اختارت حياتها وشايفة إنها مرتاحة وهي بعيد. وبعدين هي كانت مرحلة في حياتي وانتهت خلاص. النصيب انتهى بينا لحد كده. وكل اللي يربطني بيها بعد صلة الدم اللي بينا هو ابني. وابني أنا هعرف ألاقيه وأوصل له وساعتها هوصل لاتفاق مع أمه إنه يتربى بينا. هكون كريم معاها ومش هعمل زيها وأحرمها منه زي ما هي حرمتني منه. ثم تابع مضيفاً بنبرة ذات مغزى وهو يوجه نظراته نحو نسرين التي تتابع بترقب:
وبعدين أنا من حقي أعيش حياتي بالشكل اللي أنا عاوزه. أنا رجل ليا اسمي ووضعي ولازم أتزوج الإنسانة اللي تليق ليا وينفع تشيل اسم عاصي الجارحي. صمت ينظر إليها يرصد رد فعلها على حديثه والذي ظهر بوضوح على لمعة عينيها. ثم تابع موجهاً حديثه لجده: أنا سمعت كلام حضرتك قبل كده لما طلبت مني أتزوج غفران وفي النهاية إيه اللي حصل؟
ولا حاجة. كل واحد منا في ناحية عشان إحنا مش مناسبين لبعض. ودلوقتي جه الوقت اللي أختار أنا فيه شريكة حياتي بنفسي. صمت طويل بينهم في انتظار رد الجد على حديث حفيده والذي جاء مخالفاً لتوقعاتهم:
عموماً يا ابني أنا مش هقدر أقف في طريق سعادتك. لو أنت شايف إن سعادتك هتكون مع نسرين، فـ ألف مبروك ربنا يسعدك ويهنيك. أنا كل منايا في الدنيا دي كلها إني أشوفك سعيد ومتنهني في حياتك. أنت حفيدي اللي ماليش غيره في الدنيا. أنت امتدادي وامتداد إمبراطورية الجارحي من بعدي. ابتسم عاصي باتساع ونهض يقبل يد جده هاتفاً بامتنان: ربنا يخليك لينا يا جدي ويديمك فوق راسنا.
على الرغم من الدهشة المرتسمة على وجه دريه ونسرين من موافقة الجد ومباركته لاختيار عاصي، إلا أن سعادتهم بموافقته لا توصف. اقترب عاصي من نسرين حتى وقف أمامها وهتف بنبرة رجولية جذابة داعبت أوتار قلبها: ها يا نيسو مش هتقوليلى رأيك في طلبي؟ اتسعت ابتسامة نسرين وهتفت تجيبه دون خجل: طبعاً موافقة يا عاصي. أنت عارف إني بحبك من يوم ما وعيت على الدنيا وكنت مستنية اللحظة اللي قلبك يحس فيها بقلبي وبمشاعري ناحيتك.
اتسعت ابتسامة عاصي وهو يناظرها بنظرة لن تفهم مغزاها. ثم تابع قائلاً: تمام. يبقى إحنا كده متفقين. هتفت درية بسعادة وهي تقف تتوسط عاصي ونسرين وتحيط كل منهم بذراعيها: ألف مبروك يا أولاد أخيراً فرحتوا قلبي. تحدثت موجهة حديثها لعاصي: بقولك إيه أنا عاوزة فرح مصر كلها تحكي وتتحاكى عنه. ده المرة دي الفرحة الحقيقية وجوازة العمر إن شاء الله. مش كده ولا إيه يا نيسو؟
هتفت نسرين بفرحة وهي تنظر لعاصي بهيام تكاد تخرج قلوب من عينيها وقلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها من شدة السعادة: اللي يقول عليه عاصي أنا موافقة عليه. يا سيدي على الحب، كده سلمتي ورفعتي راية الاستسلام من أولها. قالتها درية وهي تبتسم ابتسامتها المستفزة. تحدث عاصي مؤكداً على حديثها: كل اللي نسرين عاوزاه هيتعمل وأكتر. أسرعت درية تضيف بحماس: خلاص إحنا نعمل الفرح الخميس اللي بعد اللي جاي. إيه رأيكم؟
ويبقى كله مرة واحدة الشبكة وكتب الكتاب والفرح كله في يوم واحد. تعالت دقات قلب نسرين بقوة حتى كادت أن تخرج من صدرها وتحطمه من فرط السعادة كلما اقتربت من تحقيق حلمها. تحدث عاصي بنبرة جادة قاطعة: لا فرح. لا. تبدلت ملامح نسرين وشعرت بالإحباط ظناً منها أنه لا يريد أن يقيم لها حفل زفاف مثلما فعل مع غفران. سألته درية مستفهمة: ليه يا عاصي مش عاوز تعمل فرح؟ ولا نسرين مش زي غفران؟ كز عاصي على ضروسه يطحنها كاتماً ضيقه:
الموضوع مش كده يا أمي. أنا هعمل فرح وكل حاجة. بس الأول محتاج فترة أنا ونسرين نقرب فيها من بعض. مش عاوز أتسرع وأعمل زي المرة اللي فاتت. ده غير إن الجناح بتاعي محتاج أغيره وأغير كل حاجة فيه وده أكيد هياخد وقت. فإحنا ممكن نعمل خطوبة هنا في القصر الخميس اللي بعد الجاي زي ما حضرتك قلتي ولما الجناح يخلص نبقى نحدد معاد الفرح. هتفت نسرين مسرعة بفرحة: وأنا موافقة يا عاصي. هتفت درية باستسلام:
خلاص يا حبيبي اللي تشوفوه. أنا أهم حاجة عندي سعادتكم. تعالي معايا يا نيسو ده إحنا ورانا حاجات قد كده عاوزين نلحق نخلصها قبل معاد الخطوبة. قالتها وهي تسحب نسرين من يدها وتصعد بها إلى أعلى حيث غرفتها الأخيرة حتى تبدأ في الإعداد والتجهيز للحفل.
وقف عاصي واضعاً يديه في جيب بنطاله يتابع انصرافهم من أمامه وقد تبدلت ملامح وجهه إلى ملامح غير مقروءة. ثم تبادل نظرات ذات مغزى مع جده والذي أخذ يهز رأسه بهدوء داعياً الله أن يحسن لهم تدبير أمرهم. بعد أسبوعين... عدلت غفران من وضع صغيرها في عربة الأطفال المتحركة وأحكمت الغطاء حوله جيداً خوفاً عليه من برودة الجو في الطائرة.
لقد حسمت أمرها وقررت العودة مرة أخرى دون انتظار موافقة أي أحد. لقد قررت منذ اليوم الذي رحلت فيه ستكون هي سيدة قرارها، ستدير حياتها بالشكل الذي تراه مناسب لها ولن تسمح لأي أحد مهما كان التدخل في شؤونها حتى ولو كان هذا الحد جدها. جدها الذي أخذ يراوغها ويحاول إقناعها بعدم الرجوع في الوقت الحالي وهو الذي كان يتلهف لعودتها بفارغ الصبر.
وعندما ضيقت عليه الخناق لمعرفة السبب تحجج بأنه مشغول في صفقة كبيرة ولم يكن متفرغ لها ولولدها عند عودته. وهو الأمر الذي لم تقتنع به على الإطلاق مما جعلها تشك أن هناك شيء خطير يحدث معهم ولم يرض الجد أن يعلمها بشيء. والذي أكد ظنونها موقف آدم وحديثه المطابق لحديث جدها. مما جعلها تتخذ قرارها بالعودة دون الرجوع لأحد. فقط أرسلت رسالة إلى آدم تخبره بموعد وصولها ورقم رحلتها وأغلقت هاتفها.
أسندت رأسها على النافذة بجانبها تتطلع في منظر السحاب أمامها وشردت تتذكر حديث آسر معها قبل أسبوعين. Flash back تحدث آسر مسرعاً دون تفكير: غفران أنا بحبك وعاوز أتزوجك. انعقد لسانها ولم تعرف كيف تجيبه، فهي بالرغم من إحساسها أن آسر يكن لها مشاعر، وحاولت بقدر الإمكان التلميح له أكثر من مرة أنها لم ولن تتزوج مرة أخرى أو ترتبط بأي رجل بعد عاصي. إلا أن حديثه الصريح صدمها وألجم لسانها.
حاولت أن تصيغ كلماتها حتى لا تتفوه بشيء يجرحه، فهي رغم كل شيء تحمل له جميل مساعدتها هي وابنها والوقوف بجانبها. حاولت التحدث بطريقة لبقة ولكن نظرة التلهف في عينيه أرّقته وشعرت بالشفقة عليه، فهي أكثر الناس معرفة بشعوره. شعور أن تعشق شخص لا يشعر بك ولا يراك نصفه الثاني، تعشق عشق مستحيل تحقيقه. ابتلعت غصة تسد حلقها وهتفت تحدثه بهدوء: آسر! ممكن تسمعني أرجوك وتفهمني كويس. هتف آسر بنبرة حانية:
أنا مستعد أسمعك وأسمع صوتك العمر كله. بس بالله عليكي ما تقولي كلام يوجع قلبي أكتر من كده. صمتت ولم تعرف كيف تتحدث وهو يشعرها بالذنب والشفقة عليه أكثر وأكثر. تحركت من أمامه وجلست على إحدى الأرائك وجلس هو في الأريكة المقابلة لها متلهفاً لسماعها. استجمعت غفران شجاعتها وتحدثت محاولة بقدر الإمكان اختيار عباراتها بدقة: شوف يا آسر...
أنا مقدرة مشاعرك كويس أوي ومش هكدب عليك وأقولك إني اتفاجئت بمشاعرك. الحقيقة أنا كنت حاسة إن في مشاعر منك ناحيتي من فترة. بس للأسف يا آسر أنا مستاهلش مشاعرك دي. انقبض قلب آسر بين ضلوعه وسألها بنبرة متألمة: ليه يا غفران؟ لو انتي ما تستاهليش مشاعري أومال مين اللي يستاهلها. أجابته غفران بصراحة:
واحدة تانية غيري. واحدة تانية قلبها ومشاعرها يكونوا ملكك أنت، مش ملك رجل تاني غيرك. واحدة تكون أنت الأول والأخير في حياتها. مش واحدة زيي قلبها ومشاعرها لسه بتدور في نفس الدايرة ومهما حاولت تخرج منها بتفشل بجدارة. همس يسألها بنبرة مرتعشة حزينة: ياااه يا غفران بعد كل ده لسه بتحبيه؟ ابتسمت غفران بمرارة وأجابته بصدق:
عرفت ليه بقولك أنا مستاهلش حبك. لأن ببساطة قلبي مش ملكي. مهما حاولت أقاوم وأنكر وأقول إني هنسى وأطلعه من قلبي، بلاقيه بيحتل قلبي أكتر من الأول. أخرجت تنهيدة مثقله من قلبها وأضافت:
حتى وأنا عارفة إن رجوعنا لبعض مستحيل ومفيش فيه أمل. لأن أنا مجروحة منه أوي ومع ذلك مش هقدر أنساه ولا هقدر أطلعه من قلبي. زي ما برضه مستحيل إني أقدر أرتبط بحد غيره. لأن ببساطة حبه اتولد معايا وعاش جوه قلبي عمري كله وللأسف مش هقدر أعيش من غيره. نظر لها آسر بملامح حزينة وقلب يبكي حزناً وألماً عليها وعلى نفسه. هتف بنبرة متحشرجة: وأنا مش هأيس إني في يوم أكون موجود مكانه في قلبك. بس انتي ساعديني واديني فرصة.
شعرت غفران بالأسف عليه والحرج منه، وهتفت تجيبه بتسويف: ربنا يعمل اللي فيه الخير. كل واحد بياخد نصيبه. End of flashback فاقت من شرودها على صوت المضيفة تطلب منها ربط حزام الأمان استعداداً لهبوط الطائرة في أرض الوطن. بعد نصف ساعة كانت تخرج من مطار برج العرب في الإسكندرية تجر حقيبة سفرها وعربة صغيرها، وكان آدم في استقبالها.
بعد قليل كانت تجلس بجوار آدم في سيارته، نظرت له وهو يقود السيارة مركزاً نظراته على الطريق أمامه وملامح وجهه لا تفسر. سألته مستفهمة: مالك يا آدم أنت مش مبسوط إن أنا رجعت ولا إيه؟ أجابها آدم نافياً: إيه اللي بتقوليه ده يا غافي، انتي عارفة أنا كنت مستني اليوم اللي ترجعي فيه انتي وعمر بفارغ الصبر. هتف تتابع بنبرة مستنكرة: اومال شكلك بيقول غير كده ليه. حاسة إنك مضايق أو مش مبسوط. ابتسم آدم ورد بمراوغة:
أبداً. شوية مشاكل في الشغل شاغلة دماغي. ماشي هعمل نفسي مصدقاك. ثم نظرت أمامها ودققت في الطريق حولها ووجدت أنه طريق غير طريق القصر. سألته بحيرة: انت رايح فين ده مش طريق القصر. نظر لها آدم ولا يعرف كيف يجيبها. هل يقول لها ليتها ما جاءت اليوم بالذات؟ هل يقول لها إنها اختارت أن تعود في يوم خطوبة عاصي على نسرين؟ أجفله صوتها العالي: ما تقول يا آدم أنت موديني على فين! أجابها آدم بنبرة مهمومة:
رايحين عندي البيت، ومن غير أسئلة كتير لما نوصل هفهمك على كل حاجة. قالها وهو يدعس على دواسة البنزين والأفكار تعصف برأسه خائفاً من مواجهتها بالحقيقة ولكن ليس أمامه خيار آخر سوى إخبارها بنفسه بدلاً من أن تعلم من غيره. بعد بعض الوقت كانت تجلس أمام آدم في شقته بأعصاب مشدودة والظنون تلعب بها. هناك شيء يخفوه عنها وهي متأكدة من ذلك، كل الشواهد حولها تؤكد حدسها. هتفت تسأله بقلق:
ممكن بقي أعرف في إيه وأنت مخبي عني إيه بالظبط علشان كده جبتني على هنا ومرجعناش القصر. صمتت تتفرس في ملامحه قليلاً ثم تابعت مضيفة بنبرة ساخرة حزينة: ولا عاصي باشا لسه رافض رجوعي للقصر وهو ده اللي مخليك مش عارف تتكلم من ساعة ما وصلت. عموماً، أنا عاوزاك تطمنه إن قعدي في القصر هيبقى بشكل مؤقت لحد ما آخد بيت ليا ولابني. أنا مش هعيش معاه تحت سقف واحد مرة تانية. وقوله كمان... انهارده خطوبة عاصي يا غفران.
قالها آدم مسرعاً كمن يلقي بحمل ثقيل من على كتفيه حتى يرحمها من تخيلاتها وظنونها التي تكاد تذبح روحها حتى لو ادعت هي غير ذلك. هل شعر أحد في يوم ما أن هناك من يشق صدرك ويخرج منه قلبك يعتصره بيده بقوة دون رحمة دون إعطائك مخدر للتحمل هذه الآلام الرهيبة. هذا هو شعورها عندما سمعت ما تفوه به آدم.
ظنت في الأول أنها ربما لم تسمع جيداً أو ربما يقصد أحد غيره، ولكن نظراته الحزينة المتعاطفة معها أكدت لها ما سمعته. نعم حقيقة، عاصي خطب غيرها، عاصيها أصبح لامرأة أخرى غيرها. امرأة أخرى ستنعم بقلبه وعشقه ودلاله، امرأة أخرى ستأخذ ما هو حقها، قلبه وعقله وجسده سيكون ملكاً لأخرى غيرها. ابتلعت غصة مؤلمة مرة كالعلقم في جوفها وتحدثت بثبات زائف رغم جرح قلبها النازف في صدرها:
طب وإيه يعني ما يخطب ولا يتجوز. ده شيء متوقع يعني هو هيعيش عمره كله راهب. ربنا يسعده ويهنيه. وعشان كده أنت وجدو ما كنتوش عاوزني أرجع علشان الباشا عريس وبيخطب. شعر آدم بالشفقة عليها وهتف بنبرة حانية: مش القصد. يعني جدي كان قصده إنك يعني ترجعي بعد ما يخطب مش نفس اليوم يعني. علشان ما تضايقيش. هتفت تتحدث بسخرية مريرة:
لا اطمنوا. مفيش حاجة هتضايقني من هنا ورايح. وعاصي كل اللي بينا وبينه ابنه وبس. وكل واحد فينا له حياته يعيشها زي ما هو عاوز. كاذبة، تعلم أنها كاذبة، وآدم يعلم أنها كاذبة وتتعذب بسبب عاصي وتتحدث بتلك القوة الواهية لتوري خلفها ألم قلبها وجرح كرامتها. هتفت تسأله بنبرة مرتعشة ولم تستطع منع فضولها لمعرفة هوية من سرقت حقها: ويا ترى بقى مين العروسة؟ أجابها آدم بعبوس: نسرين. نسرين بنت خالته.
ظلت لدقائق كي تستوعب صاحبة الاسم الصادم. نسرين! نسرين التي كانت تسعى إليه طوال عمرها ولم تكف عن ألاعيبها لتحصل عليه حتى بعد زواجهم. وهو كيف استطاع أن يفعلها. والله لو كانت واحدة أخرى ما كانت ستشعر بتلك الآلام التي تذبح روحها وكانت ستتمنى له السعادة من قلبها حتى وهو ليس لها. ولكن أن يختار نسرين دوناً عن غيرها، هذا هو ما يجرحها ويؤلمها. مسحت دمعة خانتها ونزلت على وجنتها وهتفت بنبرة متحشرجة:
ربنا يتمم له على خير. يلا أنت قوم ارجع على القصر أكيد وراك حاجات هتعملها علشان حفلة بالليل. وما تقلقش عليا أنا هاخد شاور وأنام من تعب السفر وبكرة نبقى نتكلم. قالتها وهي تنهض تجر حقيبة سفرها خلفها متجهة إلى الغرفة التي وضعت فيها صغيرها عند وصولها تهرب من عينيه المشفق عليه، وتجرجر خيباتها وجراحها خلفها كما تجر حقيبتها.
وقف آدم يتطلع في ظهرها المولي له شاعراً بالعجز والشفقة عليها، ولا يعرف كيف يتصرف معها ومع عاصي وهو مكبلاً ومقيداً بوعد قطعه مع جده وعليه الالتزام به حتى يحين وقته. في المساء... كانت حديقة قصر الجارحي مزينة بالأضواء المبهجة التي تعكس جمال وروعة القصر.
وكانت الجموع من المدعوين منتشرين داخل الحديقة ملتفين حول الطاولات المتنوعة ما بين الطاولات العالية ذات المقاعد الطويلة العالية والمزينة بالتل الذهبي والورود، وبين الطاولات المستديرة ذات المقاعد العادية والمزينة أيضاً بنفس الشكل مما أعطاها مظهراً راقياً وجذاب. كان الجد منصور الجارحي يجلس على طاولة مستديرة تتوسط الحديقة ويجلس معه كبار رجال الدولة وبعض الوزراء ورجال الأعمال.
أما عاصي فكان متألقاً ومتأنقاً كعادته بحلة رمادية أنيقة أبرزت جسده العضلي بشكل واضح، وصفف شعره البني الطويل نسبياً كعادته للخلف، وكانت لحيته الكثيفة المنمقة تعطيه مظهراً رجولياً جذاب. وكذلك نسرين التي كانت السعادة تشع من عينيها وهي تتألق في ثوب عاجي اللون بكتف واحد ذو طبقات منتفخة من القماش وتركت الكتف الآخر عاري وصففت شعرها في تسريحة جانبية أسدلتها على جانب كتفها العاري.
كانت تتعلق نسرين بذراع عاصي والفرحة تكاد لا تسعها وهي تتلقى التهاني من الحضور بمناسبة تحقيق حلمها أخيراً. وكذلك درية التي كانت تسير بين الحضور بسعادة غامرة وهي ترحب بهم وتتلقى منهم التهاني والتبريكات. تعالى التصفيق والتهليل بعد أن ألبسها عاصي الشبكة الماسية والتي عبارة عن طقم ألماس باهظ الثمن والتي انعكست لمعته على عين نسرين الجشعة، والتي لم تكن تتخيل في أحلامها أن ترتدي مثله من قبل.
في نفس الوقت ترجلت غفران من سيارة ليموزين أمام البوابة الخارجية للقصر تحمل صغيرها. وقفت تنظر للقصر الذي تضوي أنواره في السماء. ابتسمت بالم وهي تتذكر لحظات حياتها داخل هذا القصر وكيف عاشت فيه سنوات عمرها معززة مكرمة وكيف خرجت منه مطرودة بعدما اتهمت في شرفها واتهمت بالخيانة. نفضت عنها شعورها بالمرارة وهي تخطو بخطواتها إلى داخل القصر. فهي عادت اليوم غفران أخرى غير التي خرجت من هنا، غفران أقوى وأشجع.
دلفت من بوابة القصر الجانبية وكان في انتظارها خادمتها نعمات بعد أن هاتفتها قبل مجيئها وأخبرتها أن تنتظرها وأن لا تخبر أي أحد بمجيئها. هتفت نعمات بسعادة وهي تقترب منها تضمها بعاطفة أمومية صادقة: غفران يا حبيبتي. ألف حمد الله على سلامتك. وحشتيني يا غالية يا بنت الغاليين. ضمتها غفران بقوة فهي تكن لنعمات محبة ومعزة خاصة، فهي من قامت بتربيتها بعد وفاة والدتها. هتفت غفران بحشرجة تغالب دموعها:
وانتي كمان يا دادة وحشتيني أوي. أخرجتها نعمات من حضنها ونظرت إلى صغيرها بحنان وهي تأخذه منها تضمه لحضنها: ما شاء الله هو ده عمر. يا حبيبي شبه أبوه الخالق الناطق. تابعت مضيفة بنبرة حزينة: ربنا يهديه وينور له بصيرته. شوفتي وصل بيه الحال لفين بعدك. مين كان يصدق إن ده يحصل. بقي عاصي باشا يتجوز بعدك ومين... نسرين. أنا والله ما مصدقة نفسي. كاني بحلم. أجابتها غفران تغالب دموعها:
مالوش لزوم الكلام ده يادادا خلاص كل واحد فينا أخد نصيبه. ثم تابعت قبل أن تسترسل نعمات في حديثها: عاوزاكي تاخدي عمر تنيميه في أوضتي. أوضتي القديمة يا دادة. أومأت لها نعمات وهي تتحرك تصعد إلى أعلى تتابعها نظرات غفران حتى اختفت عن أنظارها. وقفت غفران تأخذ نفساً عميقاً تهدئ به من روعها وتستجمع شجاعتها قبل أن تدلف إلى الحديقة. وقفت تلقي نظرة أخيرة على نفسها في مرآة جانبية تتأكد من هيئتها.
كانت ترتدي فستاناً باذنجانياً بدون أكتاف على شكل قلب من الصدر وأطلقت العنان لشعرها مسدلاً على جانبي وجهها مع زينة خفيفة. كانت هيئتها تجمع بين البساطة والجرأة تناسب شخصيتها الجديدة. دلت من بوابة الحديقة تتهادى في خطواتها حتى لمحته أخيراً. واقفاً بهيئته الجذابة كما هو بل أشد وسامة من ذي قبل. تحركت بخطوات رشيقة تقترب منه وعينيها لا تتزحزح عنه هو وغريمتها التي تبتسم بسعادة.
وقفت أمامه تنظر إليه بقوة وترسم على وجهها ابتسامة واسعة تخفي خلفها غيرتها وألمها وجرحها منه وهي تراه أمامها واقفاً بهيئته الرجولية الوسيمة والذي ازدادت أضعافاً عن آخر مرة رأته فيها. يقف بجانب امرأة أخرى غيرها، امرأة أخرى غيرها كتبت على اسمه. ابتلعت غصة مسننة تسد حلقها وزيّفت ابتسامة واسعة على ثغرها أتقنتها ببراعة. سارت تتهادى في خطواتها حتى وصلت ووقفت أمامه.
شعر برجفة في قلبه وتسارعت دقات قلبه بشكل غير مسبوق لم يحدث له منذ رحيلها. لم يدوي قلبه بمثل هذا العنف إلا لها وفي حضرتها، ولكن أين هي؟ ابتلع غصة في حلقه ومرارتها لازالت عالقة في جوفه. هوى قلبه بين قدميه وارتجفت أطرافه عندما استمع إلى نبرة صوتها التي لا يخطئها أبداً. ظن أنه يهلوس من شدة اشتياقه إليها ولكن تأكدت ظنونه عندما استمع إلى صوتها الذي أصبح أوضح من قبل حتى أنه طغى على أصوات الموسيقى العالية حولهم.
أدار رأسه نحو مصدر الصوت وقد تأكدت ظنونه عندما وجدها تقف أمامه في كامل حسنها وبهاءها. جميلة هادئة رقيقة ولكن ثمة شيء بها مختلف. التهامها بنظراته المشتاقة والتي جاهد ألا تفضحه ولكنه فشل بجدارة في إخفاء مشاعره وشوقه لها. جاء صوته الرقيق وهي تمد يدها إليه تتحدث برقة ممزوجة بقوة: مبروك يا عاصي ربنا يتمم لك بخير. اتسعت عيناه على وسعهما وهو يراها أخيراً أمامه في هيئة خطفت أنفاسه.
إنها هنا. أخيراً. لماذا اليوم تحديداً اختارت أن تعود؟ هل عادت اليوم تحديداً لكي تزيد من عذابه؟ هتفت تتحدث وهي تناظره بقوة داخل عمق عينيه: إيه يا عاصي مش عاوز تسلم عليا؟ فاق من سرحانه في حسنها البهي ونظر إلى يدها الممدودة إليه. ثم مد إليها يداً مرتعشة يضع يده في يدها، وهتف بنبرة أجشة يخفي خلفها اشتياقه إليها: الله يبارك فيكي. حولت نظراتها إلى نسرين التي ترمقها بغل والجنون يلمع داخل مقلتيها بعدما وجدتها أمامها.
رمقتها غفران بنظرة متعالية وهي تنظر لها من أعلى إلى أسفل ثم هتفت دون أن تمد يدها إليها: مبروك يا نسرين. أتمنى تكوني حققتي اللي كنتي طول عمرك بتسعي له. ثم رمقتهم هما الاثنان معاً بنظرة ممتعضة: لايقين على بعض أوي. قالتها وتحركت مغادرة توليهما ظهرها وعلى وجهها ترتسم ابتسامة ساخرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!