الفصل 5 | من 31 فصل

رواية غفران العاصي الفصل الخامس 5 - بقلم لولا

المشاهدات
219
كلمة
5,763
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

أشرق الصباح وتوسطت الشمس في كبد السماء، وهي لازالت على نفس جلستها منذ أن أخبرها بحقيقة زواجهم المزعوم. فقط الذي زاد عليها هي دموع عينيها التي أغرقتها وأغرقت الأرض القاحلة من حولها، ولكنها فقط دموع دون صوت، دون نحيب، دون صراخ… دموع… مجرد دموع! نظرت إلى ضوء الشمس الظاهر من خلف ستائر الشرفة تتمعن به، فقد أتى النهار بعد الليل، والنور بعد الظلام، إذاً فلكل بداية نهاية، وحياتها التي انتهت قبل أن تبدأ!

تدحرجت عيناها إلى الفراش المزين بالورود الذي كان من المفترض أن يشهد على ليلة من أجمل الليالي التي طالما حلمت بها وتخيلتها. ابتلعت غصة مؤلمة تسد حلقها حزناً على حالها، ولكنها نفضت عنها هذا الحزن. هي أبداً لن تستسلم. سوف تعيش الحياة التي تريدها وتأخذ حظها من الدنيا، فهي تستحق. ستقف، ستواجه، ستحارب من أجل حقها حتى لو اضطرت أن تحاربه هو شخصياً.

ستحاربه وستنتصر عليه، فإن كان قد أُجبر على الزواج منها فهي لن تُجبر على أن تستسلم له، وإن كان هو ابن الجارحي فهي أيضاً ابنة الجارحي وتحمل نفس دماؤه، التي تجري فيها دماء العصيان والقوة وعدم الاستسلام! *** يجلس في مقعده ينظر إلى البحر أمامه بشرود، هذه هي حالته بعدما اختفى خلف الستار، ستواري خلفه منها ومن مواجهتها. لم يغمض له جفن، عقله يعمل ويفكر كالمكوك، غاضب من نفسه ومن الظروف ومن كل شيء حوله.

يعرف أنه كان قاسياً وغليظاً معها، ولكن لم يكن أمامه حل آخر سوى الحقيقة. ماذا عساه أن يفعل، هذا هو وهذه طريقته، لم يعرف انصاف الحلول أو اللف والدوران، الخط المستقيم هو أقصر الطرق بين نقطتين! تنهد بقوة، تنهيدة أخرج بها بعض مما يعتريه. بريد الاطمئنان عليها بعد ما حدث، فهي لم يصدر منها أي رد فعل على حديثه، لم تثور أو تغضب أو تعترض؟

سخر هازئاً من نفسه وتساءل كيف تثور وتغضب وهي مجبرة مثله ولا تريده، ويبدو أن حديثه لقي صدى مرضياً لديها! ولكنه لم يتركها. حسم أمره وتقدم باتجاه الجزء الآخر من الجناح ليطمئن عليها، فهي ابنة عمه في الأول والآخر. فتح الستار وبعده فتح الباب الزجاجي، فوجدها تجلس على الفراش تنظر أمامها بشرود وعيناها منتفخة من أثر البكاء والكحل الأسود سائل على وجنتيها البيضاء.

شعر بقبضة قوية تعتصر قلبه، فحالتها مذرية للغاية، وشعر بقلبه يتمزق حزناً عليها، فهي رقيقة للغاية، لا تستحق ذلك، ولكن ما عساه أن يفعل وهو مجبر هو الآخر؟ تقدم إلى الداخل بخطوات حثيثة، فهو لا يعرف ماذا يقول لها وكيف؟ وقف على بعد خطوات منها وحاول أن يجذب انتباهها إليه منادياً باسمها بصوته الأجش: "غفران! شعرت بوجوده عندما استمعت لصوته وهو ينادي عليها.

حركت رأسها نحوه ونظرت له مطولاً، نظرة تحمل في طياتها الكثير من المشاعر، الألم، الحزن، الخذلان، والتحدي؟ عندما نظرت له، هانت منظر عينيها، ولكن أكثر ما آلمه تلك النظرة التي تناظره بها، نظرة لم ولن ينساها! هذه ليست نظرة صغيرته التي دائماً ما تنظرها له، هذه نظرة حزينة مجروحة!

نهضت من على الفراش ببطء ورفعت طرف فستانها وتحركت بخطوات بطيئة متجهة نحو المرحاض، حتى أنها تخطته وهو واقف أمامها ينظر لها منتظراً منها أن تصدر أي رد فعل غير ذلك. ما إن تخطته حتى أمسكها من مرفقها يوقفها أمامه يمنعها من الحركة! تفاجأت من لمسته لها والتي اهتز جسدها على أثر تلك اللمسة، فهي كانت قريبة منه بشكل كبير، ورائحته التي تعشقها تغزو رئتيها وتعبث بكيانها! أغمضت عينيها تستنشق رائحته بشوق.

ماذا تفعل في قلبها الذي شب على عشقه ويتمنى وصاله، ولكنه لا يريدها ومجبر عليها؟

فاقت من نشوة قربه عند هذه النقطة ونظرت إلى يده التي تمسك ذراعها، ثم حركت عينها صاعدة إلى أعلى على طول ذراعه وجذعه القوي، مروراً بمقدمة صدره العريض التي تود أن تضع رأسها عليه ويحتويها بحنانه، إلى لحيته الكثيفة التي طالما حلمت أن تلمسها بأناملها، ثم شفتيه الغليظة التي أطلقت منها قذائف مدوية فتت قلبها إلى أشلاء، وأخيراً وصلت إلى عينيه، تلك العيون الشرسة التي طالما وجدت الأمان والاحتواء والحنان.

ظلت تنظر له بصمت تريد معرفة ما يدور بخلده نحوها وما يخفيه بصدره تجاهها! بعدما نهضت وسارت مبتعدة عنه، أمسكها من ذراعها يوقفها ويمنعها من الرحيل. لاول مرة يكون قريب منها إلى هذا الحد، تفحصها بنظراته القوية من رأسها إلى أخمص قدميها، لقد تغيرت! هناك شيء بها مختلف، هل الحزن الذي يكسو ملامحها، أم حقيقة أنها أصبحت زوجته لها تأثير مختلف؟

عندما رفعت عينيها إلى عينيه شعر بشعور غريب نحوها لم يستطع تفسيره، شعور جعل قلبه يهتز داخل صدره! ابتلع لعابه بصعوبة مما جعل تفاحة آدم تتحرك والتي لفتت نظر غفران، ولكنها أعادت عينيها كما كانت. تحدث بنبرة مضطربة مهزوزة: "غ غفران… غفران… أنا… أنا…" وقفت الكلمات في حلقه، لم يعرف ماذا يقول، نظرة عينيها السوداء تشتت تركيزه! أفلتت غفران يدها من يده بهدوء وتحركت بصمت، وولجت إلى المرحاض وأغلقت الباب خلفها دون أن تنطق بحرف.

أما هو ظل يتطلع إلى الباب المغلق لفترة وشعر أنه تلقى منها صفعة على وجهه! *** أغلقت الباب ووقفت خلفه تستند عليه مغمضة العينين تحاول أن تسيطر على دقات قلبها الهادرة بحبه. يجب أن تقوى ولا تظهر أي ضعف أو استسلام أمامه. خلعت فستانها وألقته بإهمال تحت قدميها وعبرت من فوقه وهي تدعس عليه كما دُعس على أحلامها. وقفت تحت المياه الساخنة وغصب عنها انهمرت دموعها بقهر.

فهي كانت تتخيل أن تحظى بحمام صباحية زواجها وهي محمولة بين ذراعي زوجها حبيبها وهي يغازلها بوقاحة ويجبرها على أخذ الحمام معها كما كانت تقرأ في روايتها الرومانسية وتتخيل نفسها وعاصي معاً! سخرت من سذاجتها ورومانسيتها التي أوصلتها لهذه الحالة وأقسمت أنها ستجعله يتلظى بنار عشقها كما اكتوت هي بنيران عشقه!

أغلقت المياه وخرجت من المرحاض وكلها عزيمة وإصرار على الثأر لنفسها ولكرامتها منه وستبدأ باستخدام أول وأهم سلاح يكرهه الرجل وخصوصاً لو كان مثل عاصي الذي يشعر بنفسه أنه محور الكون. أما عاصي كان يزرع الغرفة ذهاباً وإياباً بغضب. هو يكره صمتها، يودها أن تصرخ، تتحدث، تلومه، تسأله، لا أن تظل صامتة هكذا. استدار على صوت فتح باب المرحاض. وجدها تخرج منه بعد أن ظل حوالي نصف ساعة يدور حول نفسه.

كانت ترتدي روب الاستحمام وتحكمه بالحزام الخاص حول خصرها بقوة، وتلف شعرها حالك السواد بمنشفة، كانت بحق غفران صغيرته ذات الخمس سنوات عندما كانت تجري من مربيتها وتلعب معها وهي ترتدي مثل ذلك الروب بعد استحمامها. ابتسامة شوق وحنين لتلك الأيام ارتسمت على شفتيه دون إرادة منه، واسترخت ملامحه التي كانت متجهمة قبل قليل. دلفت إلى غرفة الملابس وأغلقتها خلفها بعدما لمحته يقف وسط الغرفة ينظر لها ويبتسم تلك الابتسامة المستفزة.

ارتدت بيجاما من الساتان الأزرق ذات أكمام طويلة ومشطت خصلاتها السوداء الرطبة وتركتها حرة خلف ظهرها. خرجت من غرفة الملابس وتوجهت نحو ستائر الغرفة وأغلقتها بإحكام حتى غرقت الغرفة في الظلام الدامس إلا من ضوء بسيط من لمبات الإنارة الجانبية جانب الفراش. توجهت إلى الفراش وأزاحت الغطاء من عليه، ثم جلست على الفراش واستعدت لكي تنام! كل هذا وهو يتابع حركاتها بنظرات محتارة مغتاظة! "غفران…" نداها بنبرة قوية غاضبة.

لم تجبه بل أكملت ما بدأته وكأن لم يكن له أي وجود. اقترب من الفراش حتى أصبح واقفاً بجانبها ونداها بنبرة أكثر حدة وغضب: "غفران أنا بكلمك، ردي عليا… اطلع بره…! "هتفت بها بنبرة هادئة ولكنها حاسمة! "اطلع بره…" قطب عاصي جبينه من كلمتها المفاجئة وتساءل بعدم فهم وكأنه أخطأ السمع: "انتي قولتي إيه؟ جاءه الرد الحاسم القاطع: "بره… قلت لك اطلع بره… نعم يا أختي! "انتِ بتقوليلي أنا اطلع بره! هتف بها باستنكار وغضب شديد. قالت بتأكيد:

"آه اطلع بره… أظن أنت شايف إني ظلمت الأوضة ودخلت السرير يعني عايزة أنام، فاتفضل من غير مطرود اطلع بره علشان مش بعرف أنام وفي حد غريب معايا في الأوضة! قالتها وهي تضع رأسها على الوسادة وتغمض عينيها دليل على استعدادها للنوم. كان ينظر لها بفاه مفتوح. هل طردته من غرفته ونعته بالغريب بل وأنها لم تعرف أن تنام وهناك أحد معها وهي التي كانت تتسلل إليه في غرفته تنام داخل أحضانه وهي ذات الست سنوات؟!!!!

فتح فمه وأغلقه أكثر من مرة يحاول أن يجد الرد المناسب على ما تفوهت به ولكنه لم ينطق بكلمة خاصة بعدما لاحظ استرخاء ملامحها وانتظام أنفاسها دليلاً على أنها غرقت في النوم بمجرد ما أغمضت عينيها كما كانت تفعل في صغرها. وقف ينظر إليها قليلاً وقرر أنه سوف يتحدث معها عندما تستيقظ، فهي أكيد متعبة وأعصابها متوترة وغاضبة مما حدث. فلينتظر قليلاً وبعدها يحلها الحلال.

ثم توجه هو الآخر إلى المرحاض لينعم بحمام مثلها ويحاول أن ينام قليلاً هو الآخر، فهو لم ينام منذ الأمس. وطبعاً لن يجرؤ على النوم في الفراش مثلها، فهو لن يتحمل طردها له مرة أخرى، سينام في غرفة المعيشة على الأريكة! والله عال على آخر الزمن عاصي الجارحي يطرد من أوضة نومه وينام على الكنبة! أما هي فكانت ترتجف من الخوف. فهي ادعت النوم هرباً منه حتى تتجنب بطشه، فهي تعرفه عند الغضب، لا يرى أمامه ويحرق الأخضر واليابس.

كما أنها لم تعرف كيف واتتها الجرأة وحدثته بتلك الطريقة! كتمت ضحكة كادت أن تفلت من بين شفتيها عندما سمعته يتمتم بجملته الأخيرة اعتراضاً على نومه فوق الأريكة. ……………………………….. في المساء. على طاولة السفرة كان الجد يترأس الطاولة كعادته وتجلس معه درية ونسرين التي كانت تتأكل من الغيظ والغيرة! هتفت من بين أسنانها تتحدث بغل: "مش كنا بعتنا نعمات علشان تنادي للعرسان علشان يتعشوا معانا؟! قاطعها الجد معارضاً بحسم:

"محدش هيطلع لهم، دول عرسان، يعني المفروض يبقوا على راحتهم من غير إزعاج." وبعدين طلباتهم هتطلع لهم لحد جناحهم فمالوش لزوم الزن والإزعاج على الفاضي." أغاظته نسرين بشدة وأخذت تضغط على سكين الطعام التي بيدها حتى كادت أن تقطمها من شدة الضغط عليها! وكزتها درية في قدمها من تحت الطاولة وعَلّقت موافقة على حديث عمها: "طبعاً يا عمي، مظبوط كلامك، هي بس نيسو مش واخدة على الوضع الجديد للعاصي." صمت قليلاً وأضافت بامتعاض: "وغفران."

نظر لها الجد وهتف بتهكم: "بكرة تتعود." *** قبل قليل في جناح العرائس. استيقظت غفران من النوم بعد عدة ساعات، وجدت الجناح يغرق في الظلام. قطبت جبينها وأضاءت مصباح الإنارة بجانبها وأخذت تتلفت حولها باستغراب وعدم استيعاب! حتى تذكرت أنها تنام في جناحهم الجديد مع زوجها! سخرت من تلك العبارة. نفضت عنها الغطاء وقامت تسير بخفة تبحث عنه حتى وجدته نائم في غرفة المعيشة على الأريكة وتارك الباب والستائر مفتوحين.

أغاظته فعلته كيف له أن يفعل ذلك؟؟ ذهبت إليه كي توقظه وتنهره على فعلته ولكنها تراجعت عندما وجدته غارقاً في النوم ويبدو عليه التعب! أشفقت عليه ولم يطاوعها قلبها أن توقظه. وقفت ثواني تنظر إليه بعشق ممزوج بالألم. ثم عادت أدراجها للخلف باتجاه غرفة الملابس وأخذت منها ثيابها وتوجهت للمرحاض لتغتسل وتنزل لأسفل. *** استيقظ عاصي على صوت إغلاق باب المرحاض.

نظر في ساعة معصمه الموضوعة بجانبه على المنضدة التي تتوسط الغرفة ووجد أن الساعة تشير إلى التاسعة مساءاً. "إيه ده أنا نمت كل ده؟ ثم أخذ يحرك جسده ويطقطق رقبته التي تشنجت من نومته الغير مريحة على الأريكة.

بعد قليل خرجت غفران من المرحاض وتوجهت إلى مرآة الزينة تصفف خصلاتها السوداء ورفعت إحدى جانبي شعرها وأطلقت بعض الخصلات على وجهها مما أعطاها مظهراً ساحراً واكتفت بوضع لمسات تجميل خفيفة أبرزت جمالها الهادئ وتتناسب مع فستانها الأحمر المحتشم. كل ذلك وهو ينظر إليها من خلف الباب الزجاجي بتمعن ويتفحص كل شيء تقوم به بدقة. هب من مكانه مسرعاً عندما وجدتها تتوجه إلى باب الجناح تنوي الخروج. نداها بصوته القوي: "استني عندك؟!

وقفت مكانها وتحدثت وهي توليه ظهرها دون أن تلتفت له: "أفندم! سألها بنبرة غليظة: "لابسة كده ونازلة رايحة فين؟ أجابته باقتضاب وهي على نفس وضعها: "نازلة تحت." أغاظه برودها وعدم نظرها إليه وهتف بغضب مكبوت وهو يجز على أسنانه: "يعني إيه نازلة تحت لوحدك، وبعدين لما أكون بكلمك تبصيلي مش تكلميني وانتِ مديةني ظهرك." أخذت نفس عميق تهدئ به من حنقها وهي تحدث نفسها: "اهدي… اهدي…" ثم استدارت له وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها وهتفت بملل:

"اتفضل قول اللي انت عاوزه…" شتم في سره من طريقتها فهي تنجح في استفزازه ببراعة. اقترب منها خطوتين وتسأل مستفهماً: "ممكن أعرف سيادتك كنت نازلة تحت تعملي إيه لوحدك؟ قلبت عينيها بملل وأجابته بامتعاض: "نازلة تحت علشان أتعشى مع جدو، وبعدين إيه لوحدك لوحدك دي اللي عمال تقولها لي هو أنا عيلة صغيرة نازلة الشارع وخايفة عليها لا تتوه." قطع الخطوات الفاصلة بينهم حتى أصبحوا متقابلين ونظر إليها بغضب هاتفاً من بين أسنانه المطبقة:

"غفراااان… عدلي طريقتك معايا… أنتي عمرك ما اتكلمتي معايا بالطريقة دي، بلاش تستفزيني وتعصبيني علشان أنتي عارفة إني لما أتعصب ببقى غبي وأنا مش عايز أتغابي عليكي." ثم تابع يضيف بتحذير: "وبعدين ما ينفعش تنزلي تحت لوحدك من غيري علشان المفروض النهارده صباحية جوازنا يعني المفروض الأكل يطلع لنا هنا لوحدنا، ولو عاوزين ننزل نتعشى معاهم يبقى ننزل سوا واحنا مع بعض مش كل واحد لوحده. فهمتي بقى قصدي بكلمة لوحدك ولا لأ."

ردت باقتضاب: "والمطلوب! مسح على وجهه بعصبية واستغفر ربه حتى لا يتهور عليها بسبب برودها وأجابها: "إن سيادتك تستنيني لما آخد شاور وأغير هدومي وأنزل معاكي تحت." نظرت له ثواني وكأنها تفكر في الأمر ثم أردفت تقول بفتور: "اممممم وماله، بس يا ريت تنجز وتخلص بسرعة علشان أنا مش بحب أستنى كتير. وبعدين الوضع ده مش هيطول علشان أنا مش بحب أتقيد بحد، يعني هنزل وهطلع براحتي من غير ما أستنى حد أو آخد إذن من حد." اقترب منها

حد الخطر وهسهس بنبرة خطرة: "مش أنا اللي تملي شروطك عليه يا هانم، أنا جوزك وليا حكم عليكي وطول ما أنتي على ذمتي الكلمة اللي هقولها هتتنفذ من غير تفكير حتى لو جوازنا ده بشكل مؤقت! وابقي فكري تعصيني وتعصي كلامي وساعتها هتشوفي مني وش عمرك ما تتمني تشوفيه." كانوا يحدقون في بعضهم البعض بنظرات قوية شرسة من جانبه ونظرات مهزوزة تتعدى القوة من جانبها.

ثم أولاها ظهره دون أن ينتظر ردها على كلامه واتجه إلى المرحاض صافعاً الباب خلفه بقوة مما جعل بدنها يهتز بقوة أجفلتها. وهي تدعو الله في داخلها أن يجعلها تتحلى بالقوة لكي تجابهه، فهي لن تستطيع الصمود كثيراً أمام قوته وشراسته من جانب وأمام عشقها له من جانب آخر. *** صمتت درية ونسرين بعد كلمة الجد ولم يتحدثوا بل ظلوا يتناولون طعامهم بصمت حتى استمعوا إلى صوت عاصي القوي وهو يلقي عليهم تحية المساء وغفران تقف بجانبه.

"مساء الخير…" كانت نسرين أول من انتبه له. تهلل وجهها بابتسامة عريضة ونطقت اسمه بلهفة: "عااااصي! وكزتها خالتها في ذراعها ونهرتها بنظراتها تحذرها من أي خطأ قد يصدر عنها ونهضت ترحب بولدها وانتظرت حتى ينتهي الجد من الترحيب بهم. رحب بهم الجد بسعادة هاتفاً بفرحة: "مساء الخير والهنا على أحلى عرسان في بر المحروسة كلها." اقترب عاصي منه وقبل كف يده ثم ومن بعده غفران التي ضمها الجد إلى صدره بقوله، وأخذ يربت على ظهرها بحنان:

"ألف مبروك يا نور عين جدك ألف مبروك." اقتربت دريه من عاصي تضمه بحب: "حبيبي، مساء الهنا على عيونك يا قلب أمك. مبروك يا حبيبي." قبل عاصي جبينها وأجابها باحترام: "الله يبارك فيكي يا أمي." ألقى تحية عابرة على نسرين: "إزيك يا نسرين." ثم تحرك وجلس على مقعده دون أن يدع لها فرصة للحديث! مما جعل الفرحة التي كانت مرتسمة على وجهها تتلاشى ويحل محلها الغيظ والغيرة.

اقتربت دريه من غفران تضمها إلى حضنها وتقبلها وهي تمثل الفرحة والسعادة بزواجهم. "ألف مبروك يا غافي يا حبيبتي ربنا يسعدكم." أجابتها غفران برقة وهي تقبلها من وجنتيها: "الله يبارك في حضرتك. شكراً." ثم فعلت مثلما فعل عاصي مع نسرين وتوجهت لكي تجلس مكانها بجانبه، فهم أبداً لم يكونوا على وفاق! قبضت نسرين على قبضتيها بغل من طريقتهم الفظة معها وجلست مكانها تناظرهم بحقد وغل حتى أنها لم تشعر بأظافرها التي غرست في لحمها وأدمته.

هتفت دريه بسعادة: "أحسن حاجة عملتها يا عاصي إنك نزلت تتعشى معانا، بدل ما كنت تتعشى لوحدك." هتف صوت الجد بنبرة تحذيرية: "درييييه! أجابته بتلعثم: "ق قصدي يعني إننا مش متعودين على العشاء من غيرهم." نظر لها الجد نظرة آخرستها، ثم نظر إلى عاصي وتحدث مازحاً: "ها يا أسد طمني، رفعت راسنا؟ ثعل عاصي بحرج واحمرت أذناه من مغزى حديث جده.

أما دريه ونسرين فانتبهوا بكل حواسهم في انتظار إجابة عاصي، عدا غفران التي لم تفهم معنى كلام الجد ولكنها لم تحاول أن تسأل وانتظرت تستمع لإجابة عاصي لعلها تفهم. حاول عاصي يجلي صوته ورد باقتضاب: "الحمد لله يا جدي الحمد لله." تهللت أسارير الجد بفرحة حقيقية، بينما امتعضت ملامح دريه بغيظ واشتعلت النيران بقلب نسرين والتي تود في تلك اللحظة أن تنقض على عنق غفران تخنقها حتى تزهق روحها كلما تتخيل ما حدث بينهم في غرفة النوم!

هتف الجد بسعادة: "أسد يا ولد طالع لجدك." المهم علشان تكون عامل حسابك من دلوقتي أنا هعد تسع شهور من دلوقتي وتكون مسلمني جارحي صغير أنا بقولكم أهو." حاول عاصي بارتباك وهو يقول: "إن شاء الله." أما غفران فقد غرقت في خجلها واحمرت وجنتيها بشدة وقد فهمت على جدها وما يقصده ولم ترفع نظرها من الصحن أمامها إلا عندما وجه لها الجد حديثه:

"قوليلي يا روح جدك، الواد ده مريحك ومبسوطة معاه ولا زعلك في حاجة، قوليلي بس لو عمل حاجة ضايقتك وأنا أملص لك ودانه. ما يغركيش عضلاته اللي فرحان بيها دي، أنا آه رجل عجوز بس هعرف أجيب لك حقك منه ومن اللي يتشدد له." نظر لها عاصي ينتظر إجابتها على حديث جده. رفعت غفران نظراتها إلى عاصي تنظر له قليلاً. ثم نظرت إلى جدها وهتفت تجيبه وهي ترسم ابتسامة مزيفة على ثغرها: "ما تقلقش يا جدو، أنا كويسة." ثم عادت بنظراتها إليه

مرة أخرى وهي تتابع بمغزى: "هو في زي عاصي في حنيته وطيبة قلبه." شعر عاصي بغصة في قلبه من مغزى حديثها وشعر بالذنب نحوها. أما هي أخذت تنظر إلى دبلة زفافها وتعبث بها وفوقها خاتم جدتها. لفتت هذه الحركة نظرات دريه والتي اشتعلت كرهاً وحقداً ولم تستطع السيطرة على نفسها فسألتها بشك: "مش ده خاتم جوازك يا غفران اللي جابه عاصي." نظرت غفران إلى خاتم جدتها وأجابتها بعفوية:

"ده خاتم نانا الله يرحمها جدو لبسهولي امبارح قبل الفرح وقالي مقلعهوش من إيدي أبداً زي نانا." "أهااااا…" قالتها دريه باقتضاب وهي تموت من الغيظ والقهر. وجه الجد حديثه لهم يسألهم: "و ناويين تسافروا امتى شهر العسل يا ولاد. على فكرة ده هدية مني ليكم شوفوا حابين تسافروا فين وأنا هخلي مسؤل العلاقات العامة في المجموعة يخلص لكم كل حاجة." فتح عاصي فمه ليرد على جده، إلا أن غفران أجابته مسرعة:

"لا يا جدو مالوش لزوم، أنا وعاصي قررنا إننا مش هنعمل شهر عسل، علشان مش هنقدر نسيب حضرتك لوحدك وكمان عاصي عنده شغل." أنهت حديثها وهي تنظر لعاصي بتحدي أن يعترض! نظر لها رافعاً حاجبه باستنكار لحديثها! متى تحدثوا؟ ومن سمح لها أن تقرر شيئاً وتقوله عن لسانه وهي جالسة مكانه وكأن ليس له وجود؟ صبراً يا صغيرة صبراً. تحدث عاصي كابتاً غيظه منها: "فعلاً يا حج أنا مشغول الفترة دي." رد الجد معترضاً:

"مفيش الكلام ده هتسافروا يعني هتسافروا، أنا كويس والحمد لله ومش لوحدي معايا ربنا الأحسن من الكل ودرية موجودة. وأنت الشغل مش هيطير هتسافروا يعني هتسافروا." حاولت غفران الاعتراض: "بس يا جدو…" قال الجد بحسم: "مفيش بس، اللي أقوله يتنفذ ولا عايزني أتعب تاني؟ ضحك عاصي بشماتة وتحدث وهو ينظر لها بتشفي: "خلاص يا غافي بقى، علشان جدو ما يتعبش، هتسافر شهر العسل."

نظرت له غفران بإحباط فقد فشلت في أول جولة وانتصر هو عليها ونفذ رأيه كعادته المتسلطة. ردت باستسلام: "ماشي اللي تشوفه." أجابها بزهو وانتصار: "شطورة يا غافي." *** بعد العشاء. في غرفة دريه، كانت تزرع غرفتها ذهاباً وإياباً بغل ونسرين جالسة على أحد المقاعد تتابع حركتها بفتور. هتفت دريه بغل:

"شفتي الراجل العجوز، مش كفاية إن كل حاجة كتبها باسمها هي وعاصي، لا وكمان رايح يديها خاتم مراته اللي يعتبر ثروة تانية. وأنا… أنا بنت أخوه ومرات ابنه الكبير اللي المفروض ده يكون من حقي أنا. حتى مراته لما كانت عايشة ادته لجميلة تلبسه وأنا لأ ولما ماتت جميلة رجع لها الخاتم تاني. ولما ماتت مراته مفكرش يديهولي وجاي من تاني يديه لبنت جميلة. ااااه يا ناري هموت منهم عايزين يقهروني. بس لأ ما أكونش دريه الجارحي إن ما أخدت كل حاجة منهم وأحرق قلبهم زي ما حرقوا قلبي العمر كله."

نظرت لها نسرين بسخط وتحدثت بملل: "هو ده بس اللي فارق معاكي ومش فارق معاكي ابنك اللي تمم جوازه من الست هانم، لأ وكمان هياخدها ويسافروا شهر عسل. والهانم معترضة وبتقول: مش هنسافر علشان خاطرك يا جدو." قالتها وهي تقلد طريقة غفران. هتفت دريه معقبة: "مش سهلة وحرباية زي أمها، تتمسكن لحد ما تتمكن. بس أبداً مش هديها الفرصة إنها تتمكن وتبقى ست البيت والكل في الكل طول ما أنا عايشة." أشاحت نسرين بوجهها عنها وتحدثت باللامبالاة:

"أهو كلام بكرة تشوفي هتبقى هي الآمرة الناهي واحنا خدامين عندها. وابنك اللي انتي فرحانة بيه وهيعمل وهيسوي أهو من أول ليلة خلاها مراته وبكرة تخلف له حتة عيل يهبله وأنا أبقى أخدت أكبر خازوق في حياتي علشان صدقتك." تحدثت دريه تبخ سمها في أذنيها:

"يا هبلة، مفيش حاجة من دي هتحصل، عاصي متجوزها علشان رغبة جده وحوار الوصية وبس ما أنا مفهماكي على كل حاجة، يعني شوية ويطلقها بعد ما نصيبه في الورث يتسجل باسمه. وساعتها بقى أنا اللي كلمتي هتمشي على الكل وأولهم الراجل الخرفان ده." نظرت لها نسرين بتحذير: "طب وأنا؟ هادنتها دريه فهي وسيلتها في الانتقام من غفران: "أنتي هتبقي مرات ابني حبيبي." *** في جناح غفران وعاصي.

دلفت غفران بخطوات راكضة إلى الداخل تسبقه قبل أن يلحق بها ويصب غضبه عليها، فهي تعلم جيداً أنها نجحت في استفزازه وإثارة حنقه بما قالته في الأسفل. كادت أن تغلق الباب خلفها ولكنها وجدته يقف أمامها بطوله المديد ساداً مدخل الباب بجسده القوي. كان يقف واضعاً يديه في جيوب بنطاله، ينظر إليها بنظرات متفرسة. بينما هي تنظر إلى كل شيء عدا عينيه.

تقدم بخطواته يسير إلى داخل الجناح، وكلما تقدم خطوة، ترجع هي نفس الخطوة إلى الخلف، حتى وقفوا في منتصف الجناح بعدما أغلق الباب خلفه بقدمه! ظلوا يتبادلون النظرات بينهم حتى قطعت غفران حرب النظرات الدائرة بينهم. هتفت بنبرة مهزوزة: "إيه؟ حرك رأسه قليلاً ورفع حاجبه ينظر لها نظرة بمعنى إيه؟ ماذا؟ سألته بتوتر: "مالك بتبص لي كده ليه؟ نظر إليها قليلاً ثم أجابها:

"بصراحة بدور على الأسد اللي كان فارد عضلاته تحت وبيتكلم وبيقرر عن لساني وبقول هنسافر ولا لأ." صمت قليلاً ثم أضاف بنبرة هازئة: "بس للأسف مش لاقيه، أظاهر إنها كانت حلاوة روح." هتفت بتلعثم: "هي… هي مش حلاوة روح ولا حاجة، أنا… أنا قلت اللي المفروض يحصل." ثم تابعت بغضب وتهكم: "شهر العسل ده للمتجوزين بحق وحقيقي لكن أنا وأنتي متجوزين كده وكده فمالوش لزوم السفر من أصله."

كبت ضحكة كادت أن تفلت منه على طريقتها الطفولية التي لم تتغير مهما كبرت، لازالت صغيرة بريئة لم تغيرها السنوات. تحدث بنبرة حاول جعلها صارمة حتى لا تظهر الابتسامة عليه: "اسمعي بقى، جواز بجد جواز بهزار اللي حصل ده ما بيتكررش تاني، مفيش قرارات تتاخد من غير موافقتي وأنا اللي أقرر هنعمل إيه… واتفضلي يالله جهزي شنطتك علشان طيارتنا بكرة الصبح." هتفت تتحداه بعند فقد أثار حنقه بتسلطه وتحكمه: "طب إيه رأيك بقى أنا مش هسافر."

نظر لها ببرود فهو يعلم أنها تستفزه وهتف بلامبالاة: "براحتك الطيارة الصبح واحنا كده كده مسافرين. مهما تعملي مش هغير رأيي هنسافر يعني هنسافر." هتفت بعند أكبر: "مش هسافر يا عاصي." أجابها بغرور: "هنشوف." ثم تحرك من أمامها ودلف إلى حجرة المعيشة وأغلق الباب الزجاجي والستائر حتى لا يراها. أخذت تدب بقدميها في الأرض وتمتم بكلمات مبهمة تعبر عن غضبها وسخطها منه، بينما هو على الجانب الآخر يضحك باستمتاع على طفولتها التي لن تتغير.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...