يقف في شرفة غرفته ينظر إلى منظر البحر الممتد أمامه وأمواجه المتلاطمة في قوتها وعنفوانها، والتي تشبه الصخب الذي يدور داخل رأسه. فاليوم هو اليوم الذي من المفترض أن يكون أسعد أيام حياته، مثله مثل باقي البشر، فاليوم هو يوم زفافه على ابنة عمه. ولكن على العكس، هو لا يشعر بشيء سوى بالاشمئزاز والنفور من نفسه ومن ما فُرض عليه.
فهو منذ ذلك اليوم الذي أعلن فيه رغبته في الزواج منها أمام الجميع وما حدث بعدها يكاد يصيبه بالجنون. لقد اتخذ قراره بعد تفكير طويل، وكان هذا هو الخيار المناسب، حتى ينفذ وصية والده ورغبة جده ويحميها ويحمي أموالهم، وفضل مصلحة العائلة على مصلحته الشخصية وأجبر نفسه على تقبل الأمر.
وأيقن أن الله كتب لهم أن يجتمعوا معًا، وعلى ذلك قرر أن يتزوجها ويعاملها كما أمره الله، ويرعى الله فيها. ولكن رد فعلها الغريب هو ما أصابه بالإحباط وأعاده إلى نقطة الصفر، وأيقن تمام اليقين أنها لا تريده ومجبورة عليه مثلما أُجبر هو عليها في بادئ الأمر.
ويبدو أن القدر يعانده، فهو في صباح اليوم التالي اضطر إلى السفر للندن لحدوث بعض المشاكل في فرع شركته الثاني، مما جعله يسافر على الفور. وكان يعتقد أنه سيعود في خلال يومين، ولكنه اضطر أن يمكث لأسبوعين، كان يواصل فيهم الليل بالنهار لإنقاذ حلم عمره من الضياع، واستطاع بفضل الله أن ينجو من كارثة كادت أن تنهي ما وصل إليه.
وفي خلال الأسبوعين لم يتسن له الحديث معها، فقد قرر جده تحديد موعد زفافهم بعد أسبوعين، وهي بدورها انشغلت في ترتيبات العرس. وها هو عاد في صباح يوم زفافه، ومن المفترض أن يكون في خلال الساعات القادمة جالسًا أمام المأذون عاقدًا قرانه عليها.
شرد أمامه وتذكر حالتها ذلك اليوم، فهي بمجرد أن انتهى من حديثه وإعلان جده موافقته على الزواج، أخذت تبكي وتضحك في نفس الوقت ثم فقدت الوعي. حملها وصعد بها إلى غرفتها وطلبوا لها الطبيب، الذي شخص حالتها على أنها انفعال زائد أدى إلى حدوث زيادة في ضربات القلب أكثر من معدلها وارتفاع ضغط الدم مما سبب لها الإغماء.
وكأن دلوًا من الماء البارد سقط فوق رأسه. فأدرك حقيقة أنها لا تريده ولا تراه زوجًا لها، يعلم ذلك، فهي تراه شقيقها الأكبر فقط. وهي أضعف وأرق من أن ترفض وتعصي أمر جدها، فقبلت الزواج منه رغماً عنها. زفر بحرقة عندما استمع للطرق على باب غرفته، وصوت نعمات التي تخبره بأن العروس قد انتهت من زينتها وفي انتظاره.
تحرك بخطوات ثقيلة للداخل، ووقف أمام مرآة الزينة يلقي نظرة سريعة على مظهره قبل أن يخرج لهم. فهو اتخذ قرارًا وعليه تحمل تبعاته، فهو لن يتراجع عنه، ولكنه أيضًا لن يعيش مجبرًا على شيء ولا يقبل على نفسه وكرامته أن تعيش معه رغماً عنها. لذلك عليه أن ينفذ الخطوة التالية الفاصلة في حياتهم والتي تضمن لهم العيش بكرامة دون إجبار. ***
ولجت دريه إلى غرفة نسرين، فوجدتها تجلس على فراشها تضم ركبتيها إلى صدرها وتستند بذقنها عليها، تنظر أمامها في شرود بعيون حمراء منتفخة من أثر البكاء. هتفت دريه مستنكرة حالتها: "هتفضلي قاعدة كده، قافلة على نفسك وهاتك يا عياط لحد امتى؟ نظرت لها نسرين بكره وهتفت ساخرة بغل: "وانتي هيفرق معاكي حالي في إيه، ما انتِ سعيدة ومبسوطة بجوازت ابنك المحروس من الهانم بنت عمه ولا على بالك حاجة؟
وبقالك أسبوعين بتجري ورا نفسك بتنفذي أوامر منصور باشا الجارحي وبتجهزي لهم جناح seven stars! وأنا… أنا بنت اختك آخر همك ولا كأنك كنتي بتحلمي إني أكون مرات ابنك في يوم من الأيام." تابعت ساخرة: "اللي يشوف فرحتك دي يصدق إنك فرحانة بجد، ده أنا بنفسي صدقت إنك فعلاً فرحانة لهم! بس أنا بقي مش هسكت والله لخالي حياتهم جحيم هما الاتنين وابنك ده هدفع ثمن لعبتي معايا وضحكتي عليا غالي أوي."
كانت دريه تستمع إليها وهي جالسة أمامها عاقدة ذراعيها حول صدرها. تحدثت بهدوء ما أن انتهت نسرين: "خلصتي اللي عندك؟ أول مرة أعرف إنك غبية وما بتفهميش." صاحت نسرين صارخة: "أنا غبية! فعلاً عندك حق أنا غبية علشان صدقتك وصدقت حركات ابنك في يوم من الأيام، ده مش بعيد تكونوا متفقين عليا علشان تنيموني وبعدين تضربوا ضربتكم، بس يكون في علمك اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل وعاخد حقي منكم تالت ومتلت." اغتاظت منها دريه ومن
جنانها وهتفت تنهرها بعنف: "اتهدي بقي واسمعيني، أنا مكانش قدامي حل غير إني أمثل إني موافقة على الجوازة دي، علشان حاجات كتيرة أوي… أهمها وأولها إني ما أخسرش عاصي ابني، ولا أخسر الثروة اللي ضيعت أحلى سنين عمري عشانها وعملت حاجات عمري ما كنت أتخيل أعملها في حياتي عشان الثروة دي تبقى من حقي أنا… أنا وبس. وكمان عشان عمي يقتنع إني ندمت على كلامي اللي قلته قبل كده وإني خلاص اتغيرت والدليل إني مش معترضة على جواز ابني من بنت جميلة اللي عارف أنا قد إيه بكرهها. والأهم من ده كله إني هعرف أذل غفران كويس وأعمل فيها اللي مقدرتش أعمله في أمها زمان، هعمله فيها هي وهي بقت مرات ابني. فهمتي ولا أقول كمان؟
"وعلشان كل ده يحصل لازم تكوني جانبي وتمثلي إنك خلاص رضيتي بالأمر الواقع وإن كل شيء قسمة ونصيب زي ما بيقولوا، وإنك مش أول ولا آخر واحدة حبت ابن خالتها وهو محبهاش." صرخت نسرين بجنون: "ما تقوليش ما حبنيش! هو.. هو مكانش عارف يشوفني علشان غفران طول الوقت كانت واقفة ما بينا. عارفة لو هي مش موجودة أكيد كان حبني، لأني أحلى وأشيك وأجمل منها. صح مش كده يا طنط؟ تحدثت دريه بمهادنة
كأنها تتحدث مع طفل صغير: "صح يا قلب طنط، هو عاصي هيلاقي زيك فين، بس الظروف هي اللي وصلتنا لكده. بس إحنا هنصبر شوية وهنعرف نغير الظروف دي لصالحنا وننتقم من اللي بعدكم عن بعض. بس الأول كده لازم نهدي ونخطط صح علشان إحنا اللي نكسب في الآخر. اسمعي كلامي وحطي إيدك في إيدي وإنتي تكسبِ وعاصي في الآخر هيكون ليكي. بس اصبري شوية. يلا قومي خدي شاور واجهزي وانزلي وإنتي رافعة راسك علشان الكل يعرف إنك قوية وإن مفيش حاجة تقدر تهزمك والبسي أشيك وأغلى حاجة عندك. علشان الكل يعرف مين هي نسرين الحوفي!
كانت تستمع لها بإنصات شديد وقد وجدت كلمات خالتها صدى داخلها، فكانت تتسع ابتسامتها ويزداد غرورها كلما تحدثت عنها ويلمع بريق الجشع والطمع داخل مقلتيها، مما جعلها تتحرك كالدمية بين يديها وتنفذ أوامرها. "حاضر يا طنط.. انتِ صح! " قالتها وهي تنهض لتستعد وتتجهز وتكون نجمة الحفل تحت نظرات خالتها الشيطانية والتي استطاعت التلاعب بها وتوجيهها كيفما تشاء. ***
تجلس أمام المرآة تنظر إلى انعكاس صورتها بانبهار، تكاد لا تصدق نفسها. فقد تحقق حلمها المستحيل في طرفة عين، وأصبحت بين ليلة وضحاها ملكة وعلى اسمه، فقط بعض الإجراءات الشكلية وتصبح زوجته وأمرأته لآخر العمر. لا تزال تتذكر نبرة صوته الأجشة القوية وهو يطلب يدها من جدها، تقسم أنها أعذب ما سمعته في حياتها. سطر مكون من عدة كلمات بسيطة تعني لها الدنيا وما فيها عندما خرجت من بين شفتيه.
ابتسمت بخجل من نفسها عندما تذكرت رد فعلها الغريب يومها، ضحكت وبكت من شدة فرحتها في آن واحد ومن فرط تأثرها لم تتحمل الفرحة وسقطت فاقدة الوعي بين يديه، وكانت صورته آخر ما رأته عينها قبل أن تستسلم للظلام الذي لفها في طياته. صورته التي عاشت عليها طوال الأسبوعين الماضيين وهو بعيدًا عنها.
تشعر بالضيق منه لأنه لم يحادثها طوال هذه المدة مثلهم مثل حال كل المخطوبين، يسهرون الليل يتحدثون في أمور العشق والهوى. يحكي لها عن مشاعره نحوها، متى وكيف أحبها؟ هل يعشقها منذ زمن مثلها أم من فترة قريبة؟ هل كان يسهر يناجي طيفها في لياليه مثلها أم ماذا؟
لكنها لم تظهر له ذلك، فهي يجب عليها أن تقدر مسؤولياته، فهي تتزوج رجلًا من أكبر رجال الأعمال في البلد، وعليه يجب أن تكون على قدر كبير من الوعي والمسؤولية، وتشعر أنه تزوج من فتاة تقدره وتقدر مشاغله وليس مجرد فتاة صغيرة مدللة. لا بأس، فالأيام والعمر أمامهما طويل يقضيانه معًا ويعرفون كل شيء معًا، ويكتشفون مشاعرهم وحقيقة ما في قلوبهم معًا. أفاقت من شرودها على صوت خبيرة التجميل
تخبرها بانتهاء عملها: "إحنا كده خلصنا شغلنا يا آنسة غفران، ما شاء الله طالعة زي القمر، ألف مبروك وربنا يتمم لحضرتك على خير." حيّتها برقة: "الله يبارك فيكي، تسلم إيديكي تعبتك معايا." "تعبك راحة يا هانم، وألف مبروك مرة تانية." قالتها وانصرفت خبيرة التجميل وتركتها بمفردها. وقفت تتطلع إلى هيئتها أمام المرآة بسعادة بالغة وهي تتساءل في نفسها: هل سيعجب بها؟ هل ستسحره بطلتها الآسرة ويعبر عن عشقه لها في الحال؟
أم هل سيحملها ويدور بها صارخًا بسعادته وعشقه لها كما تقرأ في الروايات وتشاهد في الأفلام؟ ابتسمت بخجل وشعرت بالحرارة تغزو وجنتيها عندما تخيلته وهو يحملها ويدور بها أمام الناس. قطع تخيلاتها دخول جدها عليها. تقدم الجد منها يسير بخطوات متمهلة مستندًا على عصاه ويطالعها بنظرات تلتمع بها الدموع من شدة الفرح. حمحم، جلا حنجرته وتحدث بنبرة متحشرجة من فرط التأثر وهو يقاوم
العبرات اللامعة في مقلتيه: "ما شاء الله ولا قوة إلا بالله، قمر يا روح جدك. ألف حمد وشكر ليك يا رب إني عشت لحد ما شفت اليوم ده، وأنا بسلمك لعريسك اللي هيقدرك ويصونك ويحافظ عليكي." طبع قبلة حانية على جبينها وضمه إلى صدره بحنان جارف. لم تتحمل غفران كل ذلك الحنان الذي يغدقها به، فسقطت الدموع من عينيها غصبًا عنها. ابتسم الجد بحنان وهو يمد يده المجعدة
يمسح دموعها وهتف بحنان: "لا، أنا مش عاوز أشوف دموعك الغالية دي، أنا من هنا ورايح مش عاوز أشوف غير ضحكتك الحلوة اللي بتنور لي دنيتي وبتفكرني بحبيبة قلبي ملك روحي." ابتعدت عنها قليلاً وأخرج من جيبه علبة من القطيفة الحمراء وقام بفتحها وأخرج منها خاتمًا من الألماس القديم خاطفًا للأنفاس على هيئة قلب، كان ملكًا لجدتها رحمها الله. أمسك يدها وأدخل الخاتم في بنصرها الأيمن. ربط بحنان
على كف يدها وهتف بحنو: "الخاتم ده بتاع جدتك الله يرحمها، ومعنديش أغلى منك علشان أهاديها بيه، عاوزك تحافظي عليه زي عينيكِ ويوم ما ربنا يكرمك ببنت إن شاء الله تبقي تلبسيهولها يوم فرحها زي ما أنا عملت كده بالظبط." ارتمت في أحضانه الدافئة التي طالما كانت ملاذها الآمن والتي كانت تحتويها دائمًا وهتفت بنبرة متحشرجة بالدموع: "أنا بحبك أوي يا جدو، أوووي."
ربط على ظهرها بحنان قائلاً: "وأنا أكتر يا روح قلب جدو. يلا بقي علشان ننزل اتأخرنا على الناس والعريس زمانه مستني على نار." قالها وهو يثني ذراعه كي تتأبطه وتضع ذراعها فيه ليأخذها ويسلمها إلى عريسها. ***
كانت حديقة قصر الجارحي مزينة بشكل خاطف للأنفاس، فقد أشرف على تصميمها فريق من أشهر مصممي الحفلات والأعراس في الشرق الأوسط، حضروا بناءً على رغبة منصور الجارحي لتصميم حفل زفاف يليق باسم عائلة الجارحي. فهو حفل زفاف أحفاد الجارحي أصحاب أقوى كيان اقتصادي في البلاد.
"عاصي وغفران الجارحي". كان يقف وسط الحديقة يستقبل الحضور من الشخصيات السياسية البارزة ورجال أعمال مصريين وعرب. يستقبل هذا، ويرحب بذلك وهو يرسم ابتسامة عريضة على شفتيه يحاول أن يخفي بها ما يعتمل داخل صدره. تعالت أصوات الموسيقى الصاخبة والتي تشير إلى قدوم العروس. اتجهت الأنظار إلى مصدر الضوء الساطع أعلى الدرج الذي ظهر من خلفه منصور الجارحي معانقًا ذراع حفيدته في ذراعه، ينزل معها الدرج حتى يسلمها إلى عريسها.
وقف أسفل الدرج ينتظر وصولها إليه وهو يراها تتأبط ذراع جده بفستانها الأبيض ذات التصميم الرقيق مثلها، ووجهها مخفي عنه بطبقة رقيقة من التل الأبيض. وصل الجد إليه، وفتح ذراعيه يحتضنه بفرحة حقيقية. أخذ يربط على ظهره بقوة وهو يوصيه على غفران قبل أن يسلمها إليه. وقف أمامها وقام برفع الطرحة من على وجهها، كانت مطرقة برأسها أرضًا وترتجف من شدة الفرحة والتأثر.
رفع وجهها إليه، فرأى البدر في تمام اكتماله. كانت فاتنة بحق، رقيقة، جميلة، ناعمة. اتسعت ابتسامته رغماً عنه انبهارًا بحسنها. وهي كانت تحلق في السماء وهي تراه أمامها بهيئته المهلكة لقلبها بوسامته التي تزداد يومًا عن آخر. تعلقت عيناها بعينيه وهي تنظر له تلك النظرة وكأنها تقول "أخيرًا أصبحت ملك لك وأصبحت ملك لي". رفع يديه الاثنين وأحاط بوجنتيها طابعًا قلبه رقيقة فوق جبينها. ارتجف قلبها على أثرها.
شبك أصابعه مع أصابع يدها وسار بها نحو طاولة كتب الكتاب الموضوعة وسط الحديقة، وسط تعالي الصيحات والتصفيق والتهليل من الحضور. وضع يده في يد جده وكيل العروس وأخذ يردد خلف المأذون، وهي تردد خلفه في سرها، ويكاد يتوقف نبض قلبها من السعادة، فأخيرًا بعد سنوات من العشق، الشوق، والفراق تحقق حلمها وأصبحا معًا. حلم حياتها وعشقها المستحيل أصبح زوجها، لها وحدها.
انتبهت على قول المأذون "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير". آمَنت على قول المأذون وهي تبتسم باتساع، وقلبها يدوي داخل صدرها بصخب وهي تخط إمضائها على وثيقة زواجهم.
كانت نسرين تقف بجانب دريه وحالهما لا يختلف عن بعضهما، فكلاهما تنظر إليهما بكره وحقد وغل ولكن لاختلاف الأسباب. فدريه ترى التاريخ يعيد نفسه من جديد عندما كانت تقف في نفس الموقف منذ عشرين عامًا وهي ترى مصطفى ابن عمها وشقيق زوجها وعشقها الوحيد وهو يعقد قرانه على أكثر إنسانة كرهتها وحقدت عليها في الحياة "جميلة". غريمتها التي سرقت منها حلم حياتها وحرمتها من عشقها الوحيد، ترى فيها غفران وهي تسرق منها ابنها الوحيد كما سرقت والدتها منها عشقها وعمرها قبل ذلك.
أما نسرين فكانت نيران الكره والغيرة تكاد تفتك بها وتحرق كل ما حولها، فهي على الرغم من حديثها مع خالتها قبل قليل وإصرارها على الصمود والمواجهة، إلا أن رؤيتهما معًا بتلك الصورة والسعادة الظاهرة عليهما تكاد تقسم أنهم يعشقون بعضهم البعض وقد تحقق حلمهم أخيرًا. وهو ما زادها غلاً وحقدًا وعزمت على أن تفرق بينهما وتحصل على حقها في عاصي مهما كلفها الأمر.
افتتح العرسان فقرات الحفل برقصتهما الأولى معًا. وقفوا أمام بعضهم، ينظرون إلى بعضهم بتوتر. اقترب منها عاصي ووضع يديه حول خصرها النحيف يقربها منه وهو يرسم ابتسامة صافية على شفتيه. رفعت غفران ذراعيها على استحياء تلفهما حول عنقه والخجل والتوتر يكادان يفتكان بها. أخذ عاصي يتحرك معها على أنغام الموسيقى الهادئة وهو يكاد لا يصدق كل ما يحدث حوله. همس بابتسامة قرب أذنها حتى يتسنى لها سماعه: "مبروك يا غفران."
أجابته برقة: "الله يبارك فيك." تابع يضيف: "طالعة زي القمر." رمشت بعينيها بخجل وشعرت بالحرارة تغزو جسدها، فهو يثني على جمالها. لمعت دموع الفرحة داخل مقلتيها وهي تجيبه بخجل فخرج صوتها مهزوزًا من فرط التوتر والخجل: "ميرسي." صمتت ولم تعرف ماذا تقول، كانت تريد أن تقول له "وأنت أيضًا سحرتني وخطفت قلبي منذ وعيت على الدنيا" ولكن خجلها وحياؤها يمنعها.
نظر لها ولصمتها ولدموع عينيها التي تحاول أن تخفيها عنه وأخذت الأفكار تتصارع داخل رأسه. صغيرته كبرت وأصبحت عروسًا. بل عروسه!
زفر بحنق مما وصل إليه الحال بهم. هو وضع بين اختيارين أحدهما أصعب من الآخر. ولكنه فضل مصلحة الكل على مصلحته، ولكن أكثر ما يثير غضبه وحنقه أنه يفعل ذلك مجبرًا. وهو الذي لم يجرؤ أحد في يوم ما فرض رأيه عليه. كما أنه لا يريد أن يجرحها أو يخسرها، فهي ابنة عمه وصغيرته التي تربت على يديه. والتي لم يتخيل في يوم من الأيام أن تكون في زوجته، هي شقيقته، أخته، وفوق ذلك أنه لا يرغب أصلًا في الزواج منها أو من غيرها. كما أن سقوطها بين يديه، أكد له رفضها للأمر مثلها هي الأخرى. وأكبر دليل على ذلك هو ارتجاف جسدها بين يديه الآن ولمعان الدموع في عينيها خير دليل على رفضها ونفورها منه.
هذا ما كان ينقصه! سخر من نفسه وإلى ما وصل إليه حاله. عاصي الجارحي يجبر على الزواج ومن تزوجها أُجبرت عليه. وهو العازب التي تتمنى أكبر العائلات في البلد أن يقترن اسمها باسمه. زوجته مجبورة عليه! كبت غيظه وحنقه بداخله مؤقتًا، فل تنتهِ هذه الليلة على خير ويصبح بعد ذلك لكل حادث حديث.
انقضى الحفل مع الساعات الأولى للفجر والذي أحياه عدد كبير من مطربي الوطن العربي وحضره العديد والعديد من الصحفيين والمصورين، ففرح عائلة الجارحي مادة دسمة ستتناولها صحف المجتمع والمشاهير والاقتصاد لفترة طويلة. ***
دلفا معًا إلى جناحهما الجديد. كان جناحًا كبيرًا يضم غرفة نوم واسعة ذات سرير ضخم ملحق بغرفة ملابس كبيرة وحمام خاص، إلى جانب حجرة معيشة داخل الجناح ولكنها منفصلة عنه بباب زجاج ضخم يسمح برؤية من داخل الغرفة والعكس ولكن توجد له ستائر خاصة ممكن أن تفصل هذا الجزء عن الجناح.
تركها وولج إلى شرفة الجناح المطلة على شاطئ البحر دون أن يتفوه بحرف واحد. فقط الصمت والجمود هما المرتسمان على ملامحه، فهو يحتاج إلى استجماع نفسه وأفكاره قبل أن يتحدث معها عن شكل حياتهم القادمة. أما هي فقد ارتاحت إلى فعله ذلك، فهي تريد أن تستجمع شتات نفسها وتهدئ من توترها. جلست على الفراش الضخم والذي من المفترض أن يجمعهما معًا.
لا تزال لا تستوعب ما حدث بين ليلة وضحاها، فقد أصبحت منذ سويعات قليلة زوجته. تزوجت من عشقها المستحيل كما كانت تصفه دائمًا بينها وبين نفسها. شعرت بالحرارة تغزو جسدها من مجرد تخيلها أنها ستشارك معه نفس الغرفة ونفس الفراش. حبست أنفاسها داخل صدرها وهدرت دقات قلبها بعنف داخل صدرها عندما وجدته يدلف من الشرفة بجسده القوي وطوله المديد وهيبته التي طالما خطفت قلبها.
أطرقت رأسها تداري توترها عن عينيه الثاقبة التي تتفرس فيها بنظرات قوية جعلت وجهها يشتعل بحمرة الخجل وقشعريرة غريبة تجتاح جسدها ترقبًا لما هو قادم.
وقف أمامها يشرف عليها بطوله المديد واضعًا يديه في جيب بنطاله يطالعها بنظرات قوية جامدة، ضاغطًا على أعصابه بقوة حتى لا يجرحها ويهينها، فهي في الأول والآخر ابنة عمه الصغيرة الرقيقة، صغيرته. التي تربت على يديه وكان يعاملها مثل شقيقته في الماضي ولكنه أصبح في وضع مفروض عليه ومجبور أن يعاملها على أنها زوجته.
فهو طوال سنوات عمره الثلاثين لم يفرض عليه أحد أمرًا، هو سيد نفسه وسيد قراره. هو عاصي الجارحي اسم على مسمى، لا أحد يجرؤ على عصيانه وفرض رأيه عليه ويأبى الرضوخ والخضوع لأي أمر مهما كان، حتى والده رحمه الله ووالدته لم يفرضا رأيهما عليه في شيء أبدًا. عدا جده الرجل العجوز الذي استطاع بحنكته مستغلًا حبه الشديد له في إقناعه بزواجه منها رغماً عنه، وهو الذي يرفض فكرة الزواج من الأساس وخصوصًا هي تلك الصغيرة.
زفر أنفاسه بحنق وجلا حنجرته متحدثًا بجمود وبنبرة قوية: "احممم، أنا عاوز أقولك كلمتين مهمين علشان كل حاجة تبقي واضحة من الأول." استطاع أن يجذب انتباهها فرفعت وجهها المشع بحمرة الخجل إليه وهتفت بنبرة رقيقة خافتة من أثر التوتر: "اتفضل." نظر إلى ملامحها الرقيقة بتردد ولكنه حسم أمره وأخرج ما في جعبته دفعة
واحدة في وجهها دون تردد: "الوضع اللي اتحطينا فيه ده اتفرض علينا بس مش هيستمر كتير، ده هيبقى وضع مؤقت لحد الوقت اللي أشوفه مناسب ونعلن فيه انفصالنا. إحنا قدامهم زوج وزوجة لكن بينا إحنا ولاد عم وأخوات وبس."
ثم أضاف بنبرة محذرة: "وطول ما إنتِ شايلة اسمي مش هسمح بأي تصرف غلط منك يقلل من احترامي أو مكانتي قدام الناس، لازم تعرفي إنك شايلة اسم عاصي الجارحي وأنا كمان هحترم إنك مراتي ومش هسمح لحد إنه يهينك أو يقلل منك، إنتِ في الأول والآخر بنت عمي وأختي وهتفضلي طول عمرك في المكانة دي وما تحلميش بأكثر من كده." هل شعرت يومًا بألم السقوط من سابع سماء إلى أسفل السافلين؟
هل شعرت بانكسار قلبك وتحطمه إلى أشلاء بعدما كاد قلبك أن ينفجر من شدة السعادة والفرح؟ ظللت غفران ترمش بعينيها أكثر من مرة دليلًا على توترها وعدم فهمها لما يقول، وكأن عقلها قد عجز عن فك طلاسم حديثه الجارح. ابتلعت غصة مسننة جرحت حنجرتها وشقت قلبها إلى نصفين وهتفت تسأله بصوت مجروح، مهزوز النبرة: "اا أنت.. ت تقصد إيه.. بكلامك ده؟
أجابها بجمود وهو يوليها ظهره، فهو لا يستطيع النظر إلى وجهها الرقيق الذي أصبح شاحبًا بشكل مخيف وكأن دماء الخجل التي كانت تكسوه منذ قليل كأنها لم تكن. هتف بنبرة قاسية جامدة: "اللي سمعتيه، أظن الكلام واضح ومالوش لزوم إنه يتعاد من تاني. بس اللي عاوزك تتأكدي منه إن الوضع ده مش هيستمر كتير."
أنهى كلماته وهو يسرع في خطواته ودلف إلى غرفة المعيشة يغلق بابها الزجاجي خلفه مسدلاً الستائر عليه لتحجب رؤيتهما لبعض ويختفي خلفها. ولا يعرف هل يختفي منها أم من نفسه.
بينما هي فسقطت جالسة فوق الفراش بانهزام، بروح مذبوحة ودموعها تجري على وجنتيها وقد تحطمت كل أحلامها على صخرة الواقع المرير الذي كُتب عليها أن تعيشه على يده. على يد من ظنت أنه يبادلها عشقها ولكنها أدركت أنها لا تزال تغرق في بحر من العشق المستحيل بعدما ظنت أنها وجدت مرساها أخيرًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!