الفصل 3 | من 31 فصل

رواية غفران العاصي الفصل الثالث 3 - بقلم لولا

المشاهدات
221
كلمة
5,191
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

كانت تجلس بجانبه على الفراش تطعمه بيدها، فهي لم يغمض لها جفن ولم تشعر بالراحة طوال الأسبوع الماضي منذ أن استيقظت من نومها تلك الليلة على صراخ عاصي، قلبها العالي منادياً باسمه. "كفاية بقي يا غفران مش قادر، شبعت." هتف بها الجد بتعب. "يا جدو يا حبيبي أنت مش بتاكل كويس ومش مهتم بصحتك، والدكتور مشدد علينا إنك ترتاح كويس وما تعملش مجهود وتتغذى كويس، وكمان تاخد أدويتك بانتظام."

"أنا الحمد لله بقيت أحسن بفضلك بعد ربنا، إنتي من يوميها وإنتي مش سيباني وواخدة بالك مني كويس أوي." طبعت قبله على جبينه وعلى كفه، الموضوع فوق صدره وهتفت بحنو وحب صادق: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي وما يحرمنيش منك أبداً." ملس

على شعرها الأسود الطويل: "ويخليكي ليا يا روح قلب جدك. ااااه يا غفران بتفكريني بجدتك الله يرحمها، فولة واتقسمت نصين، أخدتي منها كل حاجة، شكلها وطيبة قلبها وروحها الحلوة. كل ما أبص لك ببقى شايفها هي وهي بتبص لي." "ربنا يكرمك يا بنتي ويريح بالك ويديكي طول العمر، ويخليك لينا يا رب." ثم تابعت تضيف بشقاوة محببة إلى قلبه: "قول كده بقي يا سي جدو الحب ده كله مش لله في لله، ده علشان أنا شبهه ملك روحك فانت بتحبني."

تابعت حديثها تضيف بتمني: "آه يا جدو نفسي ألاقي واحد زيك كده في كل حاجة ويحبني زي ما أنت بتحب نانا الله يرحمها كده." ابتسم الجد بحنو قائلاً بنبرة ذات مغزى ولكنها لم تفهم معناها: "موجود يا روح جدو موجود."

أجابته نافية: "زيك أنت يا جدو استحالة يكون موجود، شباب اليومين دول مش بيعرفوا يحبوا ولا بيقدروا البنت اللي بتحبهم، كلهم بيتسلوا أو بيرتبطوا علشان المصلحة غير كده مفيش. ولو حصل وكان في حب بجد مش بيكمل، يا بتحصل حاجة تخلي ما يكملش يا أما أهاليهم بيقفوا قصادهم ويحاولوا يفرقوهم عن بعض زي ما حصل مع ندى صاحبتي الله يرحمها." "الله يرحمها." غمغم الجد مترحماً عليها بحزن. عقب الجد على حديثها مضيفاً

بمغزى: "الحب موجود في كل وقت وكل مكان وساعات بنكون مش واخدين بالنا إنه موجود أصلاً، وأحياناً بننكر وجوده، بس لو الحب ده قوي هينتصر وهيظهر ويقف قدام أي عاصفة تحاول إنها تهده، وقبل كل ده النصيب هو اللي بيحكم في الآخر. بس أنا واثق ومتاكد إن ربنا شايلك الخير ونصيبك هتلاقيه أحسن مما كنتي تتخيلي وهتلاقي الحب اللي تستاهليه، والقلب اللي يحبك ويخاف عليكي، لأنك تستاهلي ده وأكتر كمان."

كان يقف على باب غرفة جده يراها وهي تعتني به، فقد اكتشف منذ تعب جده الأخير، جانب جديد في شخصيتها لم يعهده من قبل. فقد كبرت صغيرته وأصبحت أكثر نضجاً وأكثر إحساساً بالمسؤولية ولم تعد تلك الصغيرة المدللة.

كاد أن يدلف إلى الداخل ولكنه توقف يستمع إلى حديثها مع جده. شعر بالاختناق كلما استمعها تسترسل في الكلام. هي محقة فيما تقول، هي تستاهل أن ترتبط بشخص يعشقها لذاتها وليس شخص مجبور على الارتباط بها، وهذا ما يعزز موقفه أكثر وأكثر. فهو لا يريد أن يظلمها معه، فهو لا يراها إلا طفلته وصغيرته وليس امرأته.

على الرغم من أن حديثها هذا يصب في مصلحته إلا أنه يحشره في الزاوية ويضيق عليه الخناق. فهو أصبح بين نارين، فهو لا يقدر على مواجهتها بحقيقة الوصية ويجرح مشاعرها، وفي نفس الوقت لا يقدر على عصيان جده، فحالته الصحية لا تسمح له بأن يواجه عصيانه. شعر بالغضب يتفاقم بداخله فهو أصبح مقيداً بقيود من نار، لا هو قادر على حلها ولا قادر على تحمل نيرانها.

أخذ نفساً عميقاً يهدئ من النيران المستعرة بداخله وتنحنح يجلي حنجرته وهي يدلف إلى داخل الغرفة وكأنه وصل للتو ولم يستمع لحديثهم معاً. "صباح الخير." تحدث بصوته الرخيم. ثم اقترب من جده وطبع قبلة حانية على جبينه: "عامل إيه النهاردة يا حج منصور." أجابه الجد بجمود: "صباح النور. الحمد لله أحسن." ثم نظر إلى غفران التي كانت تختلس النظرات إليه، فهي منذ اليوم الذي صرخ عليها فيه وهي تتعمد عدم الالتقاء به أو الحديث معه.

"صباح الخير يا غافي. عاملة إيه؟ رفرف قلبها فرحاً عندما خصها بالحديث. إذاً هو مهتم بها وبحالها. بللت طرف شفتيها وأجابته برقتها المعتادة: "صباح النور. أنا الحمد لله كويسة." ثم صمتت لثوانٍ وسألته بتردد عن حاله: "وإنت أخبارك إيه." "أنا الحمد لله تمام طول ما الحج منصور بخير." ثم تابع بمرح ملقياً الأجواء من حولهم: "وهكون أحسن لو خليتي نعمات تعملي قهوتي علشان لسه ما شربتهاش." نهضت من على الفراش وحملت صينية الطعام

الخاصة بجدها وتحدثت بحماس: "هعملهالك أنا." ثم غادرت الغرفة مسرعة لكي تعد له أطيب فنجان قهوة. تابعه بنظراته حتى غادرت الغرفة، ثم توجه بعدها وجلس على طرف الفراش بجانب جده، الذي كان ينظر له بحزن ولوم. هتف عاصي بحنان: "لسه برضه زعلان مني وواخد على خاطرك مني؟ طب ما أنا أهو خلاص مسافرتش ولسه قاعد معاك أهو."

تحدث الجد بضيق: "ما أنت مستني لما أخف وهتنفذ اللي في دماغك وتسافر وتسبني. وأنا اللي قلت خلاص هرتاح وجيه اللي يشيل عني ويبقي سندي، لكن لقيتك عاوز ترمي كل ده وراك وتسافر وتسبني لأمك علشان تبهدل فيا وتفضحني قدام اللي يسوى واللي ما يسواش." هتف عاصي بشراسة: "متخلقش لسه اللي يفكر يمس شعرة منك يا جدي وأنا عايش على وش الدنيا. اللي يفكر بس يقرب منك أو من أي حد من عيلة الجارحي أنا أمحيه من على وش الدنيا من غير ما يرف لي جفن."

هتف الجد بامتنان: "أنا عارف يا حبيبي من غير ما تقول، بس أنا مش قادر على الفراق من تاني، كفاية اللي فارقوني زمان، مش هتبقى إنت كمان." ربط عاصي على كف جده مطمئناً إياه: "اطمن يا حج منصور أنا مش مسافر، أنا هفضل هنا مش هقدر أتخلى عن مسؤوليتي أكتر من كده." دلفت درية إلى المطبخ تشرف على الخدم مثل كل يوم، ووجدت غفران تقف تعد القهوة وسمعتها

تتحدث مع نعمات قائلة: "خدي بالك من القهوة لا تفور يا نعمات على ما أحضر لعاصي ساندوتش خفيف وعصير يفطر بيهم، ما أنتِ بتقولي مفطرش وكمان عاوز يشرب قهوة سادة على الريق، كده غلط على صحته." قالتها وهي تتحرك هنا وهناك تحضر له وجبة إفطار خفيفة، غافلة عن نظرات درية الكريهة التي تكاد تفتك بها. هتفت درية بغضب: "في إيه بيحصل هنا بالظبط؟ أجابتها غفران بعفوية: "أنا بحضر فطار خفيف لعاصي علشان مفطرش."

هتفت درية بشراسة: "مين سمح لك تعملي كده وازاي تدخلي في حاجة مش بتاعتك أصلاً. البيت ده له نظام أظن إنك عرفاه كويس أوي، وعاصي طالما مفطرش معانا يبقى مش هيفطر، ومدام طلب قهوة يبقى قهوة وبس." ثم تابعت بغيظ وحقد وهي تقترب منها حتى أصبح لا

يفصل بينهما سوى أنفاسهم: "ولا أنتِ لقيتيها فرصة وقلتي استغليها كويس وارسمي وخططي براحتي. لااااااا يا بنت جميلة، أنا مفتحة عينيا وواخدة بالي من حركاتك اللي زي حركات أمك، ومش هسمح لك تكرري تاني اللي كانت هي بتعمله زمان، إنتي فاهمة." صرخت في آخر كلمة بقوة، ثم وجهت كلامها إلى نعمات الخادمة: "نعمات سيبي اللي في إيدك ده وحصليني على أوضتي، بسرعة."

غادرت المطبخ بخطوات تدك الأرض غضباً وحقداً، بينما غفران وقفت تنظر إلى طيفها بحزن وأخيراً سمحت لدموعها التي كانت محبوسة داخل مقلتيها أن تسقط على وجنتها البيضاء الرقيقة. فهي قد اعتادت على أسلوب زوجة عمها القاسي والحاد ولكنها تريد أن تعرف سبباً واحداً لهذا الكره الذي تكنه لها ولوالدتها. فوالدتها رحمها الله الكل يحبها ويذكرها بالخير، وهي لم تفعل ما يجعلها تكررها وتحقد عليها هكذا.

اقتربت منها نعمات وعلى وجهها ترتسم معالم الحزن على تلك الجوهرة الرقيقة وما تلقاه من معاملة سيئة من زوجة عمها باستمرار، ولكنها اليوم كانت أشد قسوة. همت أن تقترب منها ولكنها استمعت إلى صراخ العجوز الشمطاء درية عليها من الخارج، فأسرت تلبي ندائها بعد أن أعطتها غفران نظرة مطمئنة معناها "لا تقلقي، أنا بخير."

سارت بخطوات ثقيلة إلى الموقد تغلقه بعد أن فارت القهوة وانسكبت عليه وشرعت في إعداد واحدة أخرى بدلاً منها، ولكن سرعان ما قذفت ما بيدها داخل حوض المطبخ عندما لمحت طيفه من نافذة المطبخ وهو يستقل سيارته مغادراً القصر. خرجت من القصر قاصدة غرفتها تغلق على نفسها حتى لا يرى أحد ضعفها وانكسارها، فحتى هو لم يشغل باله بها أو بما طلبه منها ورحل دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عنها أو حتى الاعتذار منها على طلبه.

تجلس مع صديقاتها في النادي تتناول معهم الإفطار بعيداً عن جو القصر الكئيب الذي بات يخنقها. سألتها إحدى صديقاتها: "مقولتيش يا نيسو أخبار الموز ابن خالتك إيه؟ مشوفناهوش يعني من ساعة ما رجع من لندن؟ نهرتها بحدة طفيفة: "بقولك إيه مالكيش دعوة بيه، عاصي ده بتاعي أنا وبس."

تحدثت أخرى: "لا بجد يا نيسو هو مش إنتي كنتي بتقولي إنكم في حكم المخطوبين، إزاي ولا مرة خرجتم سوا أو سهرتم مع بعض، إنتي حتى بتخرجي وتساهري معانا لوحدك من غيره." كتمت غيظها منهم وأجابتهم وهي

تزيف ابتسامة على وجهها: "أصل هو مشغول في تظبيط الـ business بتاعه هنا وكمان تعب جده هو اللي خلانا نأجل إعلان خطوبتنا، بس أول ما حاله جده تتحسن هنعمل big party ونعلن فيها خطوبتنا وانتوا هتكونوا أول المعزومين أكيد. أسيبكم بقى علشان رايحة لعاصي الشركة، أشوفكم بعدين، بااااااي."

تبدلت ملامحها فور أن غادرتهم إلى الغل والغيظ من عاصي ومن خالتها التي لا تعرف ما الذي يشغل بالها منذ مرض الجد والتي لا تساعدها في أخذ خطوة جادة في علاقتها مع عاصي. وصلت نسرين إلى الشركة وتوجهت إلى مكتب رئيس مجلس إدارة مجموعة الجارحي، مكتب منصور الجارحي سابقاً، وعاصي الجارحي حالياً.

دلفت إلى مكتبه بعد أن طلبت من مديرة مكتبه أن لا تبلغه فهي تريد أن تفاجئه بوجودها. كان منكباً على المكتب يراجع بعض الملفات، وقفت تتطلع إليه بملامح عاشقة بها لمحة من الهوس. نعم فهي مهووسة به، تعشقه ولا ترى غيره، لقد اختصرت كل رجال العالم في شخصه. تعشقه بكل ما فيه ولكنها تعشق أيضاً النفوذ والأموال التي يمتلكها، فهو بالنسبة لها المصباح السحري الذي سيحقق لها كل أحلامها وطموحاتها. هو لها ولن يكون لغيرها، ستفعل المستحيل لتكون زوجته. حرم عاصي الجارحي. الاسم واللقب وحده يكفيها.

تنهدت بحالمية وسارت بخطوات متمهلة نحوه، فهو يبدو أنه لم يشعر بوجودها. اقتربت منه حتى وقفت بجانبه ومالت عليه وطبعت قبلة على وجنته وهي تبتسم باتساع: "مفاجأة مش كده؟ اتفضل." قالتها وهي تمد يدها إليه تقدم له باقة من الزهور كانت قد جلبتها معها، كلفة رومانسية منها نحوه. أجفل عاصي من حركتها المفاجئة ونهرها بحدة: "إيه اللي إنتي بتعمليه ده؟ وداخلة كده إزاي؟ والهانم اللي برة دي إزاي تدخلك من غير إذني؟

انتفضت في مكانها من صراخه عليها وهتفت بخوف وهي تحاول تهدئته: "اهدأ يا عاصي مفيش حاجة حصلت تستاهل عصبيتك دي. أنا اللي طلبت من البنت إنها ما تقلكش إني عاوزة أقابلك علشان عاوزة أعمل لك مفاجأة." أكمل بغضب أكبر: "وهي أي حد يقولها عاوز أعمل له زفت مفاجأة تقوم مدخلاه من غير إذن، هي وكالة من غير بواب، ده أنا هطلع عينها على إهمالها ده."

تابعت تسترضيه: "يا عاصي هي ملهاش ذنب ماهي عارفة إني بنت خالتك وبشتغل هنا معاك، ثم أنا مش أي حد علشان يدخل لك كده." رفع إصبعه في وجهها وهتف بتحذير: "أول وآخر مرة تدخلي عليا مكتبي بالطريقة دي، بنت خالتي دي في البيت مش في الشغل، ده أولاً. والحركة اللي عملتيها دي ما تتكررش تاني فهماني، مش هعيد كلامي مرتين." مالت بجسدها للأمام واستندت بذراعيها على حافة المكتب فأصبحت قريبة منه للغاية،

وهتفت تسأله بمكر: "حركة إيه دي اللي مش عاوزني أعملها تاني؟ نظر لها بغضب ولم يجيبها، ثم أخذ يراجع الأوراق أمامه وكأن لا وجود لها. اغتاظت من لامبالاته وإهماله المتعمد لها وهتفت تلومه بنبرة حاولت جعلها منكسرة بعض الشيء علها تستميل قلبه العاصي: "انت ليه يا عاصي بتعاملني بالطريقة دي. إنت اتغيرت أوي. أنا كنت فاكرة إنك لما هترجع من السفر هنقرب من بعض أكتر، لكن لقيتك بتبعد أوووي. إحنا طول عمرنا واحنا مع بعض من وإحنا صغيرين."

ليه بعدت عني كده؟ ثم تابعت بلؤم: ده حتى خالتو بتشتكي منك ومن طريقتك، وإنك مش عاوز تريحها وتسمع كلامها وتتجوز وتفرحها بيك وتجيب لها عاصي جونيور!

كان ينظر لها وهي تتحدث، يقرأ ما بين السطور في حديثها. هو يعرفها جيداً ويعرف شخصيتها. على الرغم من أنها تربت معه منذ صغرها، إلا أنه لم يشعر نحوها بالمسؤولية والالتزام مثلما يشعر نحو غفران. دائماً ما كانت غفران مميزة لديه. بالرغم من تشابه ظروف حياة نسرين وغفران، إلا أنه كان يميل إلى غفران أكثر منها. فنسرين عاشت معهم بعد انفصال والدته وكانت ذات العشر سنوات، وغفران ولدت على يده وفقدت والديها وهي في سن الخامسة. لكن غفران بريئة، نقية، عاطفية وحساسة، رقيقة منذ نعومة أظافرها، عكس نسرين التي كانت عدوانية، لئيمة وشرسة وأنانية وكانت تتعمد إيذاء غفران باستمرار، ولكنه كان يتصدى لها دائماً.

هتفت بنبرة مرتفعة بعض الشيء أخرجته من شروده: هاااي، روحت فين؟ أجابها باقتضاب: معاكِ. سألته مستفسرة: هااا، مش أنا عندي حق في كل اللي قلته؟ لم يسمع أي شيء من حديثها، ولكنه أجابها كاذباً حتى ينتهي من ثرثرتها: طبعاً عندك حق. تهللت أساريرها وهتفت تسأله بلهفة: بجد!!! بجد يا عاصي اقتنعت بكلامي وهتسمع كلام خالتو وتتجوز زي ما قالت لك؟ زوى ما بين حاجبيه باستغراب وسألها باستنكار: أتجوز!!! هتفت مسترسلة بلهفة:

أيوه طبعاً تتجوز، انت دلوقتي رجل مسؤول وسنك مناسب، محتاج واحدة تقف جانبك، تكون واجهة ليك تشرفك وسط مجتمع رجال الأعمال؛ تكون شيك وبنت ناس ومن مستواك، واحدة تعرف تكون زوجة لواحد من أهم رجال الأعمال في البلد. سألها عاصي متعجباً: بس كده؟ سألته بعدم فهم: بس إيه، مش فاهمه؟ أجابها ساخراً: ولا عمرك هتفهمي يا نسرين. ثم اعتدل في جلسته وعاود النظر إلى الأوراق التي أمامه مرة أخرى وهتف بجمود: المهم...

اتفضلي روحي دلوقتي علشان عندي شغل كتير وابقي أشوفك في القصر. تابعت تسأله بإلحاح: حاضر همشي، بس انت ما قلتش اقتنعت بكلامي ولا لأ وهتسمع كلام أنطي درية ولا لأ. أجابها بسأم: طبعاً طبعاً اقتنعت، بس خالي ده سر بيني وبينك ومش لازم تعرفي درية هانم بالكلام ده، وأنا هبقى أتفاهم معاها بعدين علشان يبان إني اقتنعت بكلامها هي مش بعد ما انتي أقنعتيني علشان انتي عرفاها بتضايق من الحاجات دي.

تهللت أساريرها فرحاً وشعرت بقرب ارتباطهم بعد حديثه هذا، فابتسمت باتساع وتحدثت بفرحة: تمام، وأنا هستناك ما تتأخرش عليا. تشاااو. نفخ خديه بزهق بعد رحيلها وعاود النظر في الأوراق أمامه فقد أهدر الكثير من الوقت في حديث غير مجدي. *** وصلت نرمين إلى القصر وهرولت تجري نحو خالتها تعطيها البشارة. أنطي... أنطي درية... يا أنطي انتي فين؟

كانت تنادي عليها بصوت عالٍ وهي تجري هنا وهناك حتى وجدتها تجلس في غرفة المعيشة تحتسي قهوتها بهدوء وذهنها شارد في البعيد. دلفت نسرين إلى الداخل وأوصدت الباب خلفها حتى لا يستمع أحد إلى حديثهم أو يزعجهم. جلست أمامها وحدثتها: انتي مختفية هنا يا أنطي وأنا بدور عليكي في القصر كله. أفزعتها من صوتها العالي وحدثتها بزهق: في إيه يا نسرين، ما أنا قاعدة هنا أهو، هروح فين، إيه اللي حصل لكل الغاغة اللي انتي هملاها دي.

هتفت نسرين بعيون لامعة: حصل، حصل يا أنطي. عاصي. سألتها دريه باهتمام: ماله عاصي، في إيه؟ أجابتها نسرين بتحذير: هقولك بس توعديني إنك ما تقوليش لعاصي إنك عرفتي مني حاجة أو إنك عرفتي الموضوع من أساسه! تنبهت حواس دريه بالكامل وأجابتها موافقة: اتفقنا مش هقوله، بس قولي بقي في إيه. هقولك. اسمعي يا ستي... *** في المساء.

عاد عاصي إلى القصر مساءً بعد يوم عمل طويل وشاق. استقبلته نسرين بسعادة واضحة على تقاسيمها، وقد كانت متألقة على غير عادتها، كما لو كانت ذاهبة لحضور حفل ما بفستانها الأسود القصير ذي الأكتاف العارية. رسمت ابتسامة عريضة على شفتيها وهي تستقبله بحفاوة وتأبطت زراعه قائلة: حمد الله على سلامتك يا عاصي، اتاخرت كده ليه؟ أنا وأنطي ما رضيناش نتعشى من غيرك وقلنا نستناك نتعشى سوا.

نظر لها باستغراب شديد وجذب ذراعه من يدها وسار مبتعداً عنها هاتفاً بجمود: أنا متأخرتش، ده معادي. كان قد وصل إلى غرفة الطعام ووجد والدته تجلس على السفرة بمفردها. فسأل مستفسراً: وفين جدي وغفران مش معاكم على العشاء ليه؟ قلبت نسرين عينيها بملل ولم تعقب. أما دريه فأجابته باقتضاب: جدك قال مش عاوز ينزل وطلب العشاء في أوضته. وغفران؟ سألها مستفسراً بوضوح. توترت نظراتها من جمود ملامحه وهتفت تجيبه بعدم معرفة:

معرفش، هي من الصبح في أوضتها قافلة على نفسها. نظر إليها مطولاً بغموض، وكلما طالت مدة نظره بها زاد من توترها، مما أكد له ظنونه أن هناك شيء حدث مع غفران متعلق بوالدته. هز رأسه بهدوء وهتف بنبرة جامدة: تمام. أنا هطلع لجدي أشوفه، وانتي يا أمي حصليني علشان تعتذري لجدي عن اللي حصل منك. ثم نظر إلى نسرين وتحدث موجهاً حديثه لوالدته: انتي بس يا أمي اللي تحصليني. مفهوم؟ حاولت دريه الاعتراض: بس يا عاصي... أصل. تحدث بنبرة

جامدة لا تسمح بالنقاش: انتهى! وغادرهم وتحرك حيث جده. تبادلت دريه ونسرين نظرات التوجس والقلق فيما بينهما. وهتفت دريه وهي تتحرك من مقعدها تلحق بابنها منفذة أوامره: ربنا يستر. تاركة نسرين وحيدة خلفها تقضم أظافرها غلاً وغيظاً منهم. أثناء صعوده إلى أعلى، قابل نعمات الخادمة وهي تنزل من ناحية غرفة غفران وتحمل معها صينية العشاء والتي رفضت غفران أن تلمس أي شيء منها. سألها عاصي مستفسراً عن سبب حالتها تلك:

أيوه يعني إيه اللي حصل لكل ده مخليها قاعدة طول اليوم في أوضتها ورافضة الأكل؟ هتفت نعمات بتلعثم: م م معرفش بصراحة يا عاصي بيه. نظر لها نظرة أفزعتها وهتف من بين أسنانه: نعماااات! ارتعش بدنها من نظرته وصوته الغاضب، وتحدثت بصوت منخفض وهي تسحبه من يده إلى جانب مخفي عن أنظار دريه الحقودة: هقول لحضرتك كل حاجة يا بيه، بس سايقه عليك حبيبك النبي ما تقول إنّي قلت لك حاجة. هتف بغضب مكبوت: اخلصي يا نعمات وقولي حصل إيه.

حاضر يا بيه... اللي حصل إن الست دريه... ثم أخذت تسرد عليه كل تفاصيل ما حدث معهم في الصباح. ***

دلف إلى جناحه أخيراً، يسير بخطوات متمهلة وجسد منهك. فقد استطاع أخيراً تخفيف حدة التوتر بين جده ووالدته، بعد أن اعتذرت منه عن ما بدر منها في حقه وعن كلامها الجارح. وبعد تدخلات منه اقتنع الجد وصالحها على مضض، ولكنه يعلم أن جده لم يعد قلبه صافياً من جهة والدته كما السابق، وهو يعطيه كل الحق في شعوره نحوها. ولكن جده سيظل الكبير الذي يحمي الكل تحت جناحه، فقبل باعتذارها، فهي في الأخير ابنة أخيه وأم حفيده.

توجه إلى الحمام لأخذ حمام ساخن يزيل به إرهاق اليوم وينعش جسده المتشنج من شدة التوتر والعصبية. بعد قليل من الوقت كان يفرد جسده على الفراش نائماً على ظهره، ناظراً إلى سقف الغرفة. يفكر في كل شيء حدث معه من قدومه من الخارج، جده، الشركات، الوصية، والدته ونسرين، وغفران. غفراااااااان!!!!!

زفر مطولاً وهو يفكر فيما حدث معها اليوم من والدته، وأيضاً حديثها مع جدها عن فارس أحلامها، وقارن بين كلامها وكلام نسرين عن الارتباط والزواج. وأخذ يفكر ويحلل حتى غلبه النعاس ومازال شعور التخبط والإحساس بالمسؤولية مسيطراً عليه. *** في صباح اليوم التالي. كان الجميع ملتف حول سفرة الطعام، وهذا أول إفطار يحضره الجد معهم بعد مرضه الأخير، فحرص الجميع على الحضور احتراماً لعودته مرة أخرى.

دخل عاصي عليهم بطلته المهيبة وحضوره القوي كعادته ملقياً عليهم تحية الصباح وجلس في مقعده على يمين جده وبجانب غفران وأمامه نسرين ودريه. تحدث بابتسامة صادقة: حمد الله على سلامتك يا حج منصور، نورت مكانك. أجابه الجد بحنانه المعهود: الله يسلمك من كل شر يا غالي يا ابن الغالي. تنحنح عاصي وتحدث موجهاً حديثه إليهم: بالمناسبة دي بقي أنا عندي خبر هيفرحكم كلكم.

تهللت أسارير نسرين فرحاً ونغزت قدم خالتها من تحت الطاولة ونظرت لها نظرة بمغزى "مش قلت لك إنه اقتنع بكلامي". وبادلتها دريه نظرة الفرح والانتصار. أما غفران فقد شعرت بانقباضة في قلبها من حديثه وشعرت أن ما يقوله سيكون سطر النهاية في قصة حبها الوهمية التي نسجتها وعاشتها في خيالها. فركزت نظراتها على صحنها ولم تجرأ على النظر إليه، حابسة دموعها داخل مقلتيها.

كان عاصي ينظر إليهم يتفرس في ملامحهم ليرصد رد فعلهم على حديثه، فاستوقفه حال غفران الغريبة وجهها الأحمر وارتعاش يدها وهي تقبض على ملعقة الطعام. لم يستطع أن يفهم حالها وظن أنه ربما لا تزال متأثرة بما حدث أمس مع والدته. تحدث الجد أخيراً يسأله باهتمام: خير يا ابني، إيه الخبر الحلو اللي عاوز تقوله؟ صمت عاصي قليلاً ملقياً نظرة سريعة عليهم، ولكنه استجمع شجاعته في الأخير ملقياً قنبلته في وجوههم:

أنا بعد إذنك يا جدي أنا قررت اتجوز. صمت معلقاً باقي جملته يرصد رد فعلهم بعيون كعيون الصقر المتربص لفريسته. وجد نسرين ودريه قد انتفخت أوداجهم فرحاً وانتصاراً بذلك الخبر. بينما غفران كانت تقاوم وتحارب دموعها بضراوة حتى لا تسقط منها أمامهم. تحدث الجد بشيء من التوجس: ومين دي اللي أمها داعية لها اللي هتكون من نصيب عاصي الجارحي؟ نفشت نسرين صدرها ورفعت كتفيها واشرأبت بعنقها كالطاووس في انتظار سماع اسمها يخرج من بين شفتيه.

وغفران تقود حرباً ضارية داخلها، تحارب السقوط مغشياً عليها من شدة الضغط العصبي والنفسي التي تتعرض له، وألم قلبها الذي ينخر عظامها وهي تجد حلمها يتسرب كالماء من بين يديها، ودموعها التي أغلشت الرؤية أمامها. وقد كان. حدث ما جعلها تبكي وتبكي محررة دموعها أخيراً عندما سمعت صوته وهو يقول: أنا بطلب منك يا جدي إيد غفران على سنة الله ورسوله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...