ظلت تبكي وتزرف دموعاً كثيرة، تجري أنهاراً على وجنتيها، وقلبها ينزف حزناً على موت ابنها. ولكن دموعها، حتى وإن كانت صادقة وحقيقية، إلا أنها لم تؤثر في أي منهم بمثقال ذرة. هدرت درية بعنف وهي تمسح دموعها، مخاطبة مازن بشراسة: "اديك عرفت كل حاجة أهو. ممكن تقولي انت ناوي على إيه؟ ولا هو سحب فلوس وخلاص؟
نظر لها مازن بنفور وملامح ازدراء من خلف غمامة دخان سيجارته الكثيف. اعتدل في جلسته، مستنداً بمرفقيه على ساقيه، مشبكاً أصابعه معاً، ثم تحدث بملامح شيطانية مفصحاً عن خطته للانتقام من عاصي: "فتحوا لي مخكم كده وركزوا في اللي هقوله، علشان كل واحد منا له دور معين هيقوم بيه علشان نخلص من أم الحوار ده ونفضها سيرة، وكل واحد ياخد حقه ومع السلامة." ثم بدأ في سرد خطته وتفاصيلها عليهم، دون أن يفصح عن أهم جزء في خطته.
هتف بنبرة متفاخرة وهو يعتدل في جلسته، مشعلاً سيجارة أخرى: "ها، إيه رأيكم؟ تبادلت درية ونسرين النظرات معاً برعب. وهتفت درية متحدثة بنبرة متوجسة: "انت متأكد من إنك هتقدر تنفذ اللي قلت عليه ده؟ القصر في جيش بيحرسه، إزاي هتقدر تفلت منهم وتدخل القصر انت والرجالة اللي معاك؟ تحدث مازن بنبرة واثقة:
"لأ، من جهة هقدر، فـ هقدر. اطمئني. بس الأهم من كده إنكم تنفذوا دوركم كويس. نسرين تعطل كاميرات المراقبة بتاعة القصر من بره ومن جوه. وانتِ تتأكدي بنفسك إنك حطيتي المنوم في الأكل بتاع الحرس، والأكل بتاع غفران وعاصي ومنصور الجارحي. وساعتها أنا أدخل أضرب ضربتي وآخد غفران وأمشي. وعلى بال ما عاصي باشا يفوق هو والحرس بتاعه يفوقوا، أكون أنا وغفران في وسط البحر، طالعين على اليونان، ومن اليونان على أمريكا." ثم همس داخل نفسه:
"بس مش همشي قبل ما أخلص عليكم كلكم واحد واحد، وأولكم عاصي الجارحي. وساعتها كل اللي يملكه عاصي هيكون ملكي أنا... ملك مازن الدالي." ***
بوجنتين مخصبتين بحمرة الخجل، وقفت غفران تتطلع إلى انعكاس صورتها في مرآة الحمام، وهي ترى آثار هجومه الكاسح على جانبي عنقها ومقدمة صدرها، المزينين ببقع حمراء داكنة. عضت على شفتيها خجلاً، والحرارة تغزو جسدها من جديد، وهي تتذكر لقاءهم الساخن الملتهب منذ قليل، وكيف واتتها الجرأة للتحرر من كل قيودها وخجلها معه، مطلقة العنان لمشاعر الأنثى بداخلها لإسعاده وتعويضه عن شهور من الحرمان. استقبلها هو منها بعاطفة أكثر جرأة وأكثر سخونة.
تأكدت من إحكام المنشفة جيداً حول جسدها العاري، ثم سحبت نفساً عميقاً وزفرته مرة واحدة، لكي تستجمع شجاعتها قبل أن تخرج من المرحاض وتواجه عينه الثاقبة الماكرة.
كان عاصي جالساً على الفراش، مستنداً بظهره إلى ظهر الفراش خلفه، واضعاً ذراعه خلف رأسه بانتشاء أسد كسول التهم فريسته للتو، شاعراً بالامتلاء والاكتفاء، ولكنه أبداً لم ولن يكتفي منها. اتسعت ابتسامته العابثة عندما وجدها تخرج من الحمام محمرة الوجنتين، تعض على شفتيها خجلاً. من يرى خجلها الآن كطفلة صغيرة، لن يصدق أنها كانت منذ قليل بين يديه امرأة جامحة، متطلبة، معطاءة بسخاء.
مشط جسدها بنظراته الجريئة، وتوقف عند عنقها المرمري المزين بعلاماته. انتفخ صدره بفخر ذكوري، وذكري اللقاء المتوهج تشعل النار في جسده المشتعل من الأساس، فتزيد من لهيبه. وضعت يدها تقبض على مقدمة المنشفة حتى لا تسقط أرضاً، وهرولت بخطوات مسرعة تدلف إلى غرفة الملابس، تختفي بداخلها هاربة من نظراته العابثة التي تلتهمها. بأصابع مرتجفة، كانت تبحث بين الملابس التي أحضرها لها. همست بصوت خفيض:
"هما كلهم قمصان نوم ومايوهات، مفيش حاجة تنفع تتلبس بره أوضة النوم! "لأ، مفيش." همس بها عاصي بخفوت وإثارة في أذنها من الخلف، بعدما طبع قبلة حسية على عنقها، وأنفاثه الساخنة تضرب مؤخرة عنقها من الخلف، ويديه تلتف حول خصرها تتحسس جسدها ومفاتنها بجرأة لم تعهدها به من قبل. همست بتقطع ولهيب صدره العاري يحرق ظهرها: "ع... عا... صي! أجابها من وسط قبلاته الملتهبة التي يوزعها على جسدها الذي يعتصره بين ذراعيه: "عيون... عاصي...
قلب... عاصي... عمر... عاصي! هتفت بأنفاس مسروقة: "ابعد! تابع مجيبها بنفس الهمس: "أموت لو بعدت عنك." وأدار جسدها في لحظة، مطبقاً شفتيه الجائعة على شفتيها الرقيقتين، ملتهمها في قبلة جائعة متطلبة سلبت أنفاسهم. حملها ولف ساقيها حول خصره دون أن يفصل قبلته. لم يصبر حتى يذهب إلى فراشهم، بل توجه نحو طاولة الزينة وأزاح ما عليها، وأجلس غفران عليها منفرجة الساقين، وحاشراً جسده بين ساقيها. فصلت غفران قبلته، هاتفة بلهث:
"انت بتعمل إيه يا مجنون؟ بجسد مشتعل، منتصب الأعصاب، أجابها وهو ينزع عن جسدها المنشفة التي تحجب عنه ممتلكاته، وفعل المثل مع نفسه، هامساً بجوع أمام شفتيها: "فيه بند في العقد محتاج أراجعه قبل ما أمضي عليه." قالها، والتهم شفتيها بقبلة عنيفة سحق فيها شفتيها. وكانت تلك القبلة هي شرارة البداية للغرق بها وفيها، في رحلة غرام وعشق ملتهب في بحر عشقه المجنون صاخب الأمواج، حتى رسى أخيراً على شاطئها، مرتاح البال، قرير العين. ***
في مساء اليوم التالي. كان عاصي يقف أمام المرآة، يمشط شعره الكثيف، ناظراً إلى انعكاس صورة زوجته التي تلاعب صغيرهم في المرآة، والسعادة تكسو ملامحهم. اقترب منهم، وانحنى بجسده، طابعاً قبلة حنونة فوق جبين كلاهما، هاتفاً بحب: "أنا مش هتأخر عليكم، هطلع أشوف جسار عاوز إيه، وهرجع لكم على طول." ثم تابع مشدداً بحسم: "ومش عاوز ألمح طرفك بره الجناح طول ما جسار موجود هنا في اليخت."
ابتسمت غفران بحلاوة وأومأت برأسها موافقة، ثم هتفت بشقاوة وهي تغمز له بطرف عينها: "يسلم لي الشرس! *** توحشت نظرات عاصي واشتعلت براكين غضبه الأسود داخل صدره، وهو يرى ويسمع اعتراف أمه بقتل والده وشقيقه. قبض على الهاتف في يده بقوة حتى كاد أن يحطمه. وصوتها المقيت وصورتها الكريهة أمام عينيه، وهو يراها تزرف دموع التماسيح مدعية الحزن. لقد كرهها! حقاً ما يشعر به الآن نحوها هو الكره!
حتى وإن كانت أمه التي أنجبته، إلا أنه كرهها كما لم يكره إنساناً من قبل. قتلت والده وشقيقه عن عمد، عرت زوجته وانتهكت عرضه عن قصد، اتفقت مع رجل خسيس وحقير مع العاهرة ابنة شقيقها على خطف زوجته وسرقة أمواله قاصدة متعمّدة! هل هذه هي أمه؟ هل يطلق عليها لقب أم من الأساس؟ لا! لم ولن تكون أم في يوم ما، فالأصل في الأم الحنان، الاحتواء، العطاء، التضحية.. وكلها صفات بعيدة كل البعد عنها ولا تمت لها بصلة.
فاق من تحديقه في الهاتف على يد جسار التي وضعت على كتفه أجفلته، وصوت جسار متحدثاً بنبرة مشفقة حزينة: "أنا آسف يا باشا، بس مفيش قدامي حل غير إن حضرتك تعرف." ابتلع عاصي غصة مسننة تسد حلقه وهز رأسه موافقاً على حديثه دون رد. تابع جسار متسائلاً بنبرة قلقة: "هنعرف إيه دلوقت؟ سحب عاصي نفساً عميقاً من هواء البحر النقي داخل صدره، محاولاً ترتيب أفكاره: "جهز نفسك وجهز رجالتك، وأنا هقولك هنتحرك إمتى."
"أوامر معاليك يا باشا." قالها جسار باحترام وتحرك مغادراً، دون إضافة كلمة أخرى، تاركاً عاصي خلفه سارحاً في سواد البحر أمامه، والذي يماثل سواد قلبه في تلك اللحظة، والجحيم مستعر داخل عينيه الشرسه الغاضبة.
مر وقت طويل وهو جالس نفس جلسته، محدقاً في الظلام المحيط، والأفكار الانتقامية البشعة تسيطر على تفكيره، تجعله يختار منها الأبشع والأفظع. حتى نخر الهواء البارد عظامه، مما جعله يقوم يتحرك بخطوات متثاقلة مهمومة، ذاهباً إليها.. إلى ملجئه ومأواه.. إلى غفرانه.
دلف إلى الجناح الغارق في الظلام، إلا من ضوء خافت من المصباح بجانب الفراش منعكساً على وجهها الملائكي البريء، منيراً عتمة الغرفة مثلما تنير هي عتمة حياته. تحرر من ملابسه واندس تحت الغطاء جانبها، مقرباً جسدها من جسده، مطبقاً ذراعيه حول خصرها، متشبت بـها بقوة.
شعرت بيديه حول خصرها، فأصدرت صوتاً مستمتعاً كمواء القطة، وهي تندس داخل أحضانه أكثر وأكثر. ولكن لسعتها سخونة جسده العاري الذي ضرب ظهرها من شدة حرارته، مما جعلها تفتح عينيها على وسعها، وهي تستدير بجسدها ناظرة إليه، هاتفة بقلق: "عاصي، انت كويس؟ جسمك مولع كده ليه؟ انت تعبان؟ لم يرفع عينه إلى عينيها، وكأنه يخشى أن ترى به ضعفه وانكساره. فدفن رأسه داخل صدرها، مزيداً من ضم جسدها إلى جسده، هامساً بنبرة تقطر وجعاً:
"تعبان يا غفران.. تعبان أوي." ضمته إلى صدرها بقوة، وأخذت تربت على ظهره وتشدد من ضمه إليها، وكأنه صغيرها التي تخشى عليه وتحميه من الخطر المحدق به. "مالك بس يا حبيبي؟ جسار قالك حاجة ضايقتك؟ شعرت بتشنج عضلاته تحت ذراعيها، وهتف بنبرة موجعة مترجية، مقاوماً رغبة ملحة في الصراخ: "احضنيني يا غفران.. احضنيني أوي."
لم يحتاج إلى تكرار حديثه مرة أخرى، فزادت من ضم جسده داخل أحضانها، وأخذت تعبث في خصلاته وتمشطها بحنان، حتى شعرت باسترخاء عضلاته تحت يديها. شعرت بهزة خفيفة في اليخت، دليلاً على حركته. فسألت عاصي بنبرة مجفلة: "هو اليخت اتحرك ولا أنا بيتهيألي؟ أجابها عاصي بخفوت: "أيوه اتحرك." تابعت تسأل باستفهام: "هنروح فين؟ تنهد تنهيدة طويلة متعبة: "بعيد... عاوز أبعد على قد ما أقدر."
صمتت تستوعب مغزى كلماته، وهي تدرك تمام الإدراك أنه يقصد بها شيئاً آخر غير بُعد المكان. طال بهم الصمت، حتى ظنت أنه ذهب في ثبات عميق بسبب هدوء أنفاسه. إلا أنه تحدث فجأة بعبارة جمدت الدماء في عروقها وشلت أطرافها لبرهة: "درية قتلت أبويا وأخويا مع سبق الإصرار والترصد." جحظت عيناها مما سمعته، وظنت أنه يهذي بسبب سخونة جسده. ولكن باقي حديثه أدركت منه أنه يعي كل كلمة وكل حرف ينطق به.
"فكت فرامل العربية عشان تقتلني وتتخلص مني، بعد ما عرفت سرها وكشفتها." ابتلع غصة مسننة تسد حلقه، وتابع بنبرة باكية: "بس ربنا أراد إنه يعاقبها، وحرمها من ابنها. عمر سافر مع أبويا ومات معاه، مع إن أنا اللي المفروض كنت أسافر بداله. يعني ربنا كان عاوز يحرق قلبها على أي حد من ولادها، بس أخد منها عمر الطيب، الحنين." ثم توحشت نظراته بشكل مخيف، يرعب من يراه، وهتف من بين أسنانه بشراسة:
"بس ساب لها اللي هيورّيها النجوم في عز الظهر، اللي هيخليها تتمنى الموت عشان تترحم من اللي هيعمله فيها، ومش هتطوله." استطاعت غفران أخيراً التحدث، وهتفت بنبرة مرتعشة: "ممكن تفهمني بالراحة عشان أنا مش فاهمة حاجة." قص عليها عاصي كل ما سمعه في التسجيل من اعترافات درية وعلاقة نسرين ومازن الآثمة. انخرطت غفران في بكاء مرير حزناً على فقدان عمها وشقيقها الروحي عمر ابن عمها. هتفت بنبرة باكية:
"ليه.. ليه ذنبهم إيه يموتوا بالشكل البشع ده؟ عملوا إيه عشان يحصل لهم كده؟ ضمه عاصي إلى صدره، يربت على ظهرها بحنو يخالف الشراسة المنبثقة من مقلتيه ونبرات صوته: "عمرهم وقدرهم يا حبيبتي. بس وحياة غلاوتهم في قلبي، لهندمهم كلهم على اللحظة اللي فكروا فيها يعملوا كده." خرجت غفران من أحضانه، ناظرة إليه بمقلتين محمرتين من أثر البكاء: "يعني إيه يا عاصي الكلام ده؟ انت عاوز تضيع نفسك ومستقبلك عشان تنتقم منهم؟
هدر عاصي بنبرة شرسة محتّدة: "أومال عاوزاني ألبس طرحة وأقعد أعيط جنبك زي النسوان؟ ده لا عشت ولا كنت يوم ما أقبل بحاجة زي كده. طار أبويا وأخويا، هاخده يعني هاخده، والموضوع ده منتهي ومش عاوز فيه أي نقاش! صرخت فيه غفران هادرة بغضب: "هتاخد تار أبوك من أمك! أجفل عاصي من كلماتها، ولكنه أسكت أي صوت للعقل أو المنطق الآن. فهو لا يرى أمامه إلا منظر جثة والده وشقيقه في المشرحة وقت استلامه لجثثهم. تابعت غفران
تتحدث بصوت العقل والمنطق: "عاصي يا حبيبي، أنا مقدرة شعورك وحاسة بيك، وكمان معاك حق تنتقم منهم بأبشع الطرق. بس هرجع وأقولك، قبل أي حاجة، هتضيع مستقبلك وحياتك في سبيل انتقامك منهم؟ طب بلاش مستقبلك، مفكرتش فيا أنا هعمل إيه من غيرك؟ بلاش أنا، عمر ابنك اللي لسه مفرحتش بيه ولا شبعت منه، عاوز تحرمه منك وتحرم نفسك منه؟ وجدو... جدو حمل مصايب تانية، مش كفاية لما يعرف الحقيقة كمان، عاوزه يتحمل فكرة بعدك عنه وضياع مستقبلك."
صمتت تلتقط أنفاسها، وهي تلمح صدى تأثير حديثها داخل مقلتيه. ثم تابعت تضيف: "اللي حصل حصل، وده عمرهم وقدرهم ونصيبهم، وربنا كاتب لهم الموت في اليوم ده والساعة دي." هدر عاصي بنبرة باكية وبقلب مجروح، وهو يدور في الغرفة حول نفسه بجنون: "ونعم بالله، بس مش مقتولين. وعلى إيد مين؟ مراته وأم ابنه اللي مات من غير ذنب! هتفت غفران بقوة مماثلة، وهي تمسح دموعها:
"وأمك أنت كمان.. اللي عاوز تنتقم منها دي أمك. أمك اللي ربنا أمر إنك تطيعها في كل حاجة ما عدا الشرك بالله. أمك اللي الرسول عليه الصلاة والسلام وصانا بيها تلات مرات، وبعدين قال أبوك! صمت عاصي بعجز، وهو غير قادر على اتخاذ القرار السليم. فهي محقة في كل حرف تنطق به. تابعت غفران بنبرة مترجية:
"بص، هقولك حاجة. أنت تقدم التسجيلات دي للبوليس، وهو هيقبض عليهم. ده اعتراف بالصوت والصورة، وساعتها هياخدوا العقاب اللي يستحقوه. بس من غير ما أنت توسخ إيديك بدمهم، أو ترتكب ذنب يفضل في رقبتك العمر كله وربنا يغضب عليك بسببه." اقتربت منه ووضعت رأسها على صدره، تربت على موضع قلبه الهادر بجنون تحت يدها: "سامح يا حبيبي واغفر، عشان تقدر تعيش مرتاح. فوض أمرك لربنا، وهو هيجيب لنا حقنا منهم في الدنيا والآخرة."
استسلم عاصي لأحضانها، وكأنها ألقت تعويذة سحرية عليه، فجعلته يهدأ ويستكين بين ذراعيها، مؤجلاً التفكير في ثأره منهم مؤقتاً، فهو يريد أن يرتاح ويبتعد عن أي ضغوط، هارباً من كل شيء بين أحضانها. *** بعد أسبوعين. صرخ مازن بجنون وهو يركل الطاولة الزجاجية بقدمه، مطيحاً بها أرضاً فتهشمت وتناثر زجاجها في المكان حوله، مما جعل نسرين ودرية يرتجفون بزعر من مظهره المخيف:
"أنا عاوز أعرف هما اختفوا فين بالظبط. أسبوعين مش معروف مكانهم فين، وكأن الأرض انشقت وبلعتهم! هتفت نسرين بغل وهي تنفث دخان سيجارتها: "عندك حق. ده حتى المجموعة مرحتهاش، وبيبعت لهم الشغل على الميل، ومحدش عارف مكانه." تحدثت درية بنبرة متوجسة: "أنا مش مطمنة. عاصي اختفائه ده مش بسهولة. ده عمره ما عملها. أنا خايفة يكون عرف حاجة، ويكون بيدينا الأمان عشان يضرب ضربته على غفلة. ابني وأنا عرفاه، حوت طالع لجده منصور."
هربت الدماء من وجه نسرين وشعرت بالرعب من انكشاف أمرها. ولكن حديث مازن جعلها تنفض عنها شعورها بالرعب. مازن بنبرة مغرورة غاضبة: "هيعرف منين؟ أنا كل حاجة ممشيها على الشعرة، والحكومة نفسها مكشفتنيش، ابنك بقى هيكشفني! بلاش تخريف وكلام ملوش لازمة. أنا حاسب حسباتي كويس، وأنا اللي هضرب عاصي على غفلة ومن غير ما يحس." ***
مضى شهر عليهم، وكل منهم يبذل ما في وسعه لاحتواء الآخر وتعويضه عما فات. كانت له الأم والزوجة والصديقة والعاشقة، باختصار كانت له السكن. وكان هو الأب والزوج والصديق والعاشق المدلل في حبها، باختصار كان هو الأمان. في سيارته وهما في طريق عودتهم إلى قصر الجارحي بعد شهر مر عليهم سريعاً. تحدث عاصي بنبرة هادئة وهو يضغط على كف يدها الرقيق بين يديه:
"زي ما اتفقنا يا غفران، كل حاجة هتم زي ما إحنا عاوزين، ومش عاوزك تحتكي بيهم على قد ما تقدري. وأنا من ناحيتي مش هخلي حد منهم يقرب منك، ولا هسمح لهم يضايقوكي بكلمة. اتفقنا؟ أجابته غفران وهي تدعو الله بداخلها على أن تمر تلك الأيام على خير، فهي تشعر بالقلق والخوف من القادم. هتفت بنبرة قلقة: "اتفقنا."
دلفوا من باب القصر محيطاً خصر غفران بذراعه بتملك وحماية، وبالذراع الآخر يحمل صغيرهم، مرسلاً إليهم رسالة واضحة أن أسرته خط أحمر. استقبلهم الجد بالترحاب الشديد وحمل الصغير يمطر بوابل من القبلات الحارة، فقد اشتاق إليه كثيراً. بينما تبادلت درية ونسرين النظرات الغاضبة فيما بينهما. هتفت درية متحدثة بنبرة غاضبة:
"حمد الله على سلامتك يا بيه. إيه نسيت إن لك أم المفروض تكلمها وتطمنها عليك وتعرفها مكانك فين بدل ما هي هتموت من قلقها وخوفها عليك؟ ثم تابعت بنبرة باكية وهي تمسح دموع وهمية من على وجنتيها: "ما أنت عارف إن لي غيرك بعد موت أبوك وأخوك الله يرحمهم." ضغطت دون قصد منها على جرحه النازف بشدة. ضغط عاصي على ضروسه يطحنها بقوة، وهو يحاول السيطرة على المارد المتوحش الذي عربد بداخله، يدفعه دفعاً إلى إزهاق روحها. هتف بنبرة غامضة:
"الله يرحمهم ويحسن إليهم، اتقتلوا غدر." شحب وجه درية حتى ابيض وأصبح في شحوب الموتى، وكلمته تضربها في مقتل. هتفت درية بنبرة متلعثمة: "تقصد إيه بـ 'اتقتلوا' دي؟ رمقها عاصي بنظرة مبهمة لم تفهمها، ثم تحدث وهو يأخذ صغيره من جده: "أنا طالع أرتاح فوق، ومش عاوز إزعاج." وقالها وتحرك ساحباً غفران من يدها صاعداً الدرج إلى أعلى. استدار بجسده موجهاً حديثه إلى نسرين، متحدثاً بنبرة حاسمة: "نسرين...
اعملي حسابك جوازنا هيكون آخر الأسبوع. يوم الخميس بعد العشاء المأذون هييجي وهنكتب الكتاب والدخلة في نفس اليوم." أجفلت نسرين من كلماته وهتفت تسأله بنبرة متوترة: "الخميس! كتب كتاب ودخلة! تحدث عاصي متسائلاً بنبرة ساخرة: "إيه، المعاد مش مناسب ليكي ولا في حاجة تمنعك من الجواز؟ تلعثمت نسرين وهي تجيبه: "لأ، مفيش حاجة تمنع، بس... أصل يعني مش هلحق في يومين أجهز نفسي. ده الخميس ده بعد يومين." هتف عاصي بنبرة ذات مغزى:
"لأ، متقلقيش من حاجة. انتي لما تعرفي اللي أنا محضرهولك، هتبسطي أوي." ومن دون أن ينتظر ردها، أولاها ظهره صاعداً إلى جناحه ومعه أسرته الصغيرة، ولكن ملامح وجهه تنذر بغضب أهوج سيطيح بهم ويلقيهم بجحيمه. *** يوم الخميس. اليوم المنتظر.
كانت نسرين تدور حول نفسها في غرفتها بجنون، وهي تتصل بمازن الذي لا يجيب اتصالاتها منذ أكثر من أسبوع. فقط يراسها برسائل قصيرة ويختفي. ولكنه اتفق معها على اليوم لتنفيذ خطته بعد كتب كتابها على عاصي. فهي تشعر بالرعب كلما تتخيل أن مازن لا يتمكن من تنفيذ خطتهم اليوم. فكيف ستتصرف مع عاصي إذا أغلق عليهم باب واحد وطالبها بحقوقه الزوجية؟
فهي طوال اليومين الماضيين كان جسار يلازمها كظلها في كل خطواتها بأمر من عاصي، مما لم يمكنها من ذهابها للطبيبة النسائية لإجراء عمليتها. ألقت الهاتف من يدها صارخة بغل. سألتها درية هاتفة بقلق: "إيه برضه، ما بيردش؟ أجابتها نسرين بغيظ: "مش بيرد. هتجنن وأعرف مش بيرد عليا ليه، طالما بيبعت رسائل مش بيرد على مكالماتي ليه؟ هتفت درية تطمئنها وتطمئن نفسها:
"متقلقيش، طالما بيرد عليكي يبقى الدنيا تمام. تلاقيه بس مش فاضي عشان ينفذ النهارده. المهم أنا قبل ما أطلع لك، رشيّت، حطيت المنوم في الأكل زي ما مازن قال." أضافت نسرين بتوتر: "وأنا كمان عطلت كل الكاميرات. ربنا يسترها. يالا بس تعالي اجهزي عشان المأذون زمانه على وصول." ***
بخطوات متثاقلة، دلفت نسرين إلى غرفة الصالون، تتهادى في ثوب ذهبي اللون عاري الأكتاف، ضيق ملتصق بجسدها، قصير من الأمام وله ذيل طويل من الخلف. تتبعها درية بملامح سعيدة تخفي خلفها قلقاً وتوتراً كبيراً. نظرت إلى الجالسين في الداخل بنظرات مغترة سعيدة، خاصة غفران التي رمقتها بنظرة شامته. ولكن ما إن استدارت حتى ترى عاصي، حتى شحب وجهها عندما أبصرت آخر شخص تود رؤيته في حياتها. رجل كبير مهيب له طلة وهيبة كبيرة، يهابه الكبير قبل الصغير، رجل حاد صارم لطالما سمعت عن قسوته وجبروته. إنه هو كما عهدته دائماً، عمها "سليمان الحوفي"، الرجل الصعيدي الصارم، قاسي الوجه والطبع.
فاقت من تحديقها فيه على صوت عاصي الساخر: "إيه، مش هتسلمي على عمك ولا إيه يا نسرين؟ ابتلعت نسرين حلقها الجاف، وتقدمت بخطوات مرتعشة، تقف أمامه مطرقة الرأس، هاتفة بنبرة خافتة: "إزيك يا عمي." رمقها الرجل المهيب بنظرة غاضبة، رغم جمود ملامحه: "إزيك يا بت أخوي. إيه مالك وشك مصفر أكده ليه أول ما وعيتي لي؟ كنت عاوزة تتجوزي من غير ما أعرف يا نسرين؟ إيه عدمتي ناسك ولا إيه؟
ياكش بس عريسك رجل على حق وولد أصول اتصل بيا وشدد عليا لازم أحضر عشان أحط إيدي في إيده وأكون وكيلك." نظرت إلى عاصي، فرمقها بنظرة غامضة لم تستطع تفسيرها، ولكنها تشعر برعب كبير من نظراته المصوبة نحوها بغموض. هتف عاصي بنبرة مرحبة: "وجودك وسطنا شرف لينا يا حج سليمان." اقترب جسار من عاصي يحدثه بهمس في أذنه: "تمام...
تمام. اتفضلوا يا جماعة استريحوا، المأذون على وصول. بس قبل ما المأذون ييجي، حابب أفرّجكم على حاجة هتعجبكم أوي. حاجة لا يمكن لعقل إنه يتصورها أو يتخيلها أو تخطر على عقل بشر." سألته درية بعدم فهم وهي تجلس بغطرسة واضعة قدماً فوق الأخرى: "حاجة إيه دي يا عاصي؟ هو ده وقت فرجة على أفلام بردك! رمقها عاصي بنظرة غامضة هاتفاً بغموض: "يا ريت كان فيلم، لكن للأسف ده واقع."
ثم تناول جهاز التحكم عن بعد، ضاغطاً على زر التشغيل، فعرض على الشاشة الكبيرة خلفه ما جعل العيون تجحظ، والقلب يُدمى، والعين تدمع حزناً وقهراً على أشخاص انتزعت من قلوبهم الرحمة، وتركوا أنفسهم لشيطانهم يسيرهم كيفما يشاء. شحب وجه نسرين ودريه وجحظت عيونهما حتى كادت أن تسقط من وجوههم. صرخت نسرين هستيريا: "كذب.. محصلش.. محصلش."
نهضت تجري، تحاول الخروج من غرفة الصالون، ولكنها وجدت يد من فولاذ تقبض على خصلاتها تشدها بعنف، ويد أخرى أشد وأقوى تحط على وجنتها بصفعة أصابت وجهها بالشلل. هدر الحج سليمان بغضب أسود: "كذب يا خاطية، يا زانية، يا بنت الكلب." وصفعة أخرى. "محصلش، وإنتي نايمة عريانة في سرير رجل غريب ما يحلش ليكي." وصفعة أخرى. "بتتفقّي معاه ومع المحروقة خالتك على قتل وخراب بيوت يا واكلة ناسك."
وصفعة أخرى وأخرى وأخرى حتى اختفت معالم وجهها. سقطت أرضاً تحت أقدام عمها، وعندما حاولت التحدث أو النهوض، عاجلها بضربة قوية من قدمه في معدتها جعلتها تبثق الدماء من فمها. "اخرسي يا خاطية." ثم نظر إلى عاصي هادراً بغضب: "وينه المحروق التاني؟
وقبل أن ينهي كلماته، انفتح الباب وظهر من خلفه شبح رجل يقال إنه في يوم من الأيام كان يدعى مازن الدالي. ملامحه مطموسة، جسده ينزف بالكامل، أصابعه مقطعة، رأسه حليق، مكسور الذراعين والقدمين، إحدى عينيه مفقوعة من شدة الضرب، منتهك الرجولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. شهقت غفران مفزوعة من مظهره، تخفي عينها في صدر عاصي الذي ضمها إليه بقوة، رابطاً على ظهرها بحنان.
عاجله الحج سليمان بركلة قوية من قدمه في مقدمة صدره أسقطته أرضاً، فاقداً إحساسه بالألم منذ اليوم الذي قبض عليه رجال عاصي. هتف الجد بنبرة عاتبة مخاطباً عاصي: "أكده يا عاصي باشا تخلص عليه قبل ما أشفي غليلي منه؟ أجابه عاصي وهو يرمق جثة مازن بنظرة محتقرة: "حقي وكنت هاخده يا حج. ولولا أحداث إن ليك تار معاه، أنا كنت خلصت عليه بأيدي. ربنا يعزك يا ولدي، رجل من ضهر راجل صوح." ثم ارتفع صوته منادياً بصوت عالٍ
على رجله وزراعه اليمين: "مناع..! انفتح باب الصالون وظهر من خلفه رجل ضخم الجثة عريض المنكبين، له شارب أسود كثيف معقود الحاجبين. تحدث الرجل بنبرة غليظة: "أوامرك يا كبير." تحدث سليمان بنبرة قوية: "جهز يا مناع... القبر انفتح وجاهز عشان يستقبل العرسان." أجابه مناع بطاعة: "جاهز يا كبير." "طب ازعق على الرجالة خاليهم يجوا يشيلوا الوساخة دي من هنا، خليهم الدنيا تنضف."
"أوامرك يا كبير." قالها مناع وهرول إلى الخارج منفذاً أوامر سيده. نظرت غفران إلى عاصي بهلع وهتفت تسأله بجزع: "قبر! قبر إيه اللي بيقول عليه الراجل ده يا عاصي؟ قصف صوت سليمان من خلفهم يجيبها بنبرة شرسة غاضبة: "ده عرفنا يا بتي... الخاطية اللي كيف الوسخة دي ملهاش دية ولازم تنقتل. وأنا مش هوسخ إيدي بدمها الزفر، أنا هدّفنها بالحياة عشان تعرف إن الجزاء من جنس العمل."
دقائق وكان يخرج من قصر الجارحي ومعه رجاله يحملون جوالين فيهما نسرين ومازن، بعد أن قاموا بتقييدهم وتكميم أفواههم، منطلقين إلى حيث مثواهم الأخير. كان الجد جالساً منكساً رأسه بحزن، يسبح على مسبحته مستغفراً ربه، وقلبه منشطر على ولده وحفيده، وكأنه يتلقى خبر موتهم من جديد. لله الأمر من قبل ومن بعد. لله الأمر من قبل ومن بعد. نظر عاصي إلى جده بحزن وأسف، واقترب منه هاتفاً بنبرة أسفة: "أنا آسف يا جدي، حقك عليا."
ربت الجد على يد حفيده هاتفاً بقلب مكسور: "الله يقويك ويعينك يا ابني على اللي أنت فيه." طبع عاصي قبلة على رأس جده، ثم استقام بظهر مشدود، ناظراً إلى والدته بنظرات محتقرة. كانت دريه جالسة بجسدها فقط معهم، ولكن عقلها كان يعيد الأحداث أمام ناظريها من جديد. زوجها ومعرفته الحقيقة. تطليقه لها. حبها لابن عمها. كرهها لجميلة. موت ابنها. عاصي. اكتشاف عاصي لحقيقتها المخزية. رفعت رأسها تنظر إلى عاصي بنظرات زائغة عندما سمعت صوته
القوي ذو النبرة المذدرية: "للأسف أنا صدمتي فيكي مش زي صدمة أي حد. للأسف الإنسانة اللي المفروض أركع تحت رجلها عشان أطلب منها السماح، هي الإنسانة اللي نفسي أقتلها وأشرب من دمها على اللي عملته فيا وفي مراتي، ومن قبلهم أبويا وأخويا. إنتي لا يمكن تكوني إنسان أبداً، إنتي شيطان في هيئة بشر!
"كل اللي أقدر أقولهولك إنّي كرهتك أكتر من أي حاجة في الدنيا دي كلها. كرهتك ومش عاوز أشوف وشك لآخر يوم في عمري. إنتي هتمشي من القصر ده نهائي. القصر اللي عملتي كل ده عشان ما تطعيش منه، أنا بقى اللي هرميكي بره منه ومش هتدخليه تاني طول ما أنا عايش على وش الدنيا. ومن اللحظة دي، انسى اسمي وانسى إن ليكي ابن اسمه عاصي، لأن أنا ما بيشرفنيش إنك تكوني للأسف أمي."
امتدت يده تجذبها من ذراعها بعنف، يلقي بها خارج القصر. ولكن ما إن نهضت واقفة، حتى نزفت الدماء من أنفها وسقطت أرضاً تحت قدميه. بعد قليل، خرج الطبيب المعالج من غرفتها في المستشفى الذي نقلت إليه، متحدثاً إلى عاصي بنبرة أسفة: "للأسف يا عاصي باشا، الهانم ضغطها ارتفع جداً، عمل لها نزيف في المخ وجلطة أثرت على مراكز الحركة والكلام. للأسف الهانم أصيبت بشلل رباعي تام." سأله عاصي بوجوم: "طيب مفيش أمل في العلاج؟
أجابه الطبيب بنبرة أسفة: "للأسف الأمل معدوم. ربنا يعفو عنها. عن إذنك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!