تحميل رواية «غفران العاصي» PDF
بقلم لولا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد القصور العريقة المطلة على شاطئ البحر المتوسط في أرقى أحياء مدينة الإسكندرية، وتحديدًا في قصر الجارحي، أحد أهم وأكبر وأشهر رجال الأعمال في الإسكندرية خاصةً ومصر عامةً، منصور الجارحي. كانت هناك حالة من الهرج والمرج داخل القصر والكل يعمل على قدم وساق من أجل استقبال الحفيد الأول لمنصور الجارحي والرجل الثاني بعده في إدارة إمبراطورية الجارحي، عاصي الجارحي. بعد عودته أخيرًا من العمل في الخارج في فرع الشركة الثاني في مدينة الضباب "لندن"، واستقراره في مصر بعد سفر دام لخمس سنوات لم يأتِ خلالهم ولو...
رواية غفران العاصي الفصل الأول 1 - بقلم لولا
في أحد القصور العريقة المطلة على شاطئ البحر المتوسط في أرقى أحياء مدينة الإسكندرية، وتحديدًا في قصر الجارحي، أحد أهم وأكبر وأشهر رجال الأعمال في الإسكندرية خاصةً ومصر عامةً، منصور الجارحي.
كانت هناك حالة من الهرج والمرج داخل القصر والكل يعمل على قدم وساق من أجل استقبال الحفيد الأول لمنصور الجارحي والرجل الثاني بعده في إدارة إمبراطورية الجارحي، عاصي الجارحي.
بعد عودته أخيرًا من العمل في الخارج في فرع الشركة الثاني في مدينة الضباب "لندن"، واستقراره في مصر بعد سفر دام لخمس سنوات لم يأتِ خلالهم ولو لمرة واحدة منذ وفاة والده وشقيقه في حادث مأساوي.
تقف وسط بهو القصر تتحدث إلى العاملين فيه، تعطي لهم الأوامر بعجرفة وتعالٍ. فلا أحد من العاملين في القصر يحبها بسبب غرورها ومعاملتها القاسية لهم. إنها دريه الجارحي، زوجة أحمد الجارحي، الابن الأكبر لمنصور الجارحي، التي تزوجته طمعًا في ثروة ونفوذ والده.
هتفت بعجرفة: نعمات، انتي يا نعمات.
أجابتها مديرة المنزل باحترام: أفندم يا دريه هانم.
دريه بعجرفة: عملتي كل اللي أمرتك بيه، مش عاوزة حاجة ناقصة، عاوزة كل حاجة عاصي بيحبها تكون على السفرة. ولو لقيت حاجة مش عاجباني هطين عيشتك انتي واللي في المطبخ. مفهوم؟
أجابتها باحترام: مفهوم يا هانم.
ياللا امشي من قدامي، روحي شوفي شغلك وهاتيلي القهوة بتاعتي فوق في أوضتي.
قالتها وتحركت مغادرة إلى أعلى حيث غرفتها، بينما أخذت الخادمة تتمتم بصوت منخفض: حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة، ربنا يريحنا منك ومن شرك. مش كنتي انتي اللي تموتي بدل أحمد بيه الرجل الطيب السكرة، ولا حبيبي منصور اللي راح في عز شبابه. بقى بالزمن ده منظر واحدة جوزها وابنها ماتوا؟ ده إحنا مقهورين عليهم لحد دلوقتي ومقلعناش الأسود إلا من سنة، مش هي اللي قلعته بعدها بكام شهر. يالا هقول إيه، الحنية ما بتتشحتش. أما أروح أعمل لها القهوة بدل ما تسمعني موشح كل يوم.
دَلفت الخادمة إلى غرفتها تحمل في يدها صينية عليها قدح من القهوة، وضعته على المنضدة الصغيرة التي تتوسط كرسيين بجانب الشرفة، والتفتت مغادرة بصمت كما تفعل دائمًا. بينما تقف دريه أمام المرآة تتطلع إلى هيئتها وهي ترتدي أحد مجوهراتها الثمينة كعادتها، فهي تعشق اقتناء المجوهرات. ابتسمت برضا على هيئتها، ثم جلست ترتشف قهوتها باستمتاع.
ثوانٍ وهبت عاصفة هوجاء تقتحم غرفتها متمثلة في ابنة شقيقتها نسرين، النسخة المعدلة والأكثر خبثًا ودهائًا منها، والتي تعيش معها بعد انفصال والديها وزواج كل منهم وسفرهم خارج البلاد.
يا طنط دريه، إيه رأيك في اللوك بتاعي؟ حلو مش كده؟ وتسريحة شعري حلوة ولا أرفعه؟ والميكب حلو ولا أخففه شوية؟ ولا أقولك كده أحسن، أنا عاجبني كده. بس الأهم من ده كله هيعجب عاصي. انتي مش بتردي ليه يا طنط؟
هو انتي مديني فرصة عشان أرد؟ عمالة تتكلمي وتتحركي بسرعة.
اهدّي شوية خليني أشوف انتي عاملة إيه في نفسك.
قامت من جلستها ودارت حولها تقيمها بنظراتها المتفحصة من أعلاها إلى أسفلها، وعلقت باستحسان: قمر يا روح طنط، تجنني.
نسرين بسعادة ولهفة: بجد يا طنط؟ يعني هعجب عاصي وهلفت نظره أول ما يشوفني؟
أجابتها دريه بثقة: طبعًا هتعجبيه، هو هيلاقي زيك فين في جمالك وفي حلاوتك وفي شياكتك؟ طالعة لخالتك.
قالتها بغرور منقطع النظير وهي ترتخي في جلستها وتضع ساقًا فوق أخرى.
جلست أمامها نسرين وتحدثت بلهفة ووله: يا رب يا طنط يحس بيا بقى. أنا بحبه أووووي أوووي وبحلم باليوم اللي هكون مراته وعلى اسمه.
قالتها بحالمية وهي تتخيل نفسها عروسًا ترتدي الثوب الأبيض لفارس أحلامها يخطفها على حصانه الأبيض.
اعتدلت دريه في جلستها وتحدثت بجدية: اسمعي كلامي وانتِ تكسبِ. عاوزاكي تلزقي لعاصي، تبقي زي ضله، ما تفارقيهوش لحظة. ومش عاوزة شغل الجنان بتاعك ده، تركزي وتبقي هادية. عاصي مش بيحب الدوشة ووجع الدماغ. وتعدلي طريقتك مع جده ومع غفران، مش عاوزين مشاكل معاه. انتي عارفة عاصي بيحب جده وبيحترمه قد إيه وبيخاف على زعله إزاي، ده غير إن الست غفران نقطة ضعف جده. يعني لو ضايقتيها زي عادتك، عاصي هو اللي هيقف لك وساعتها انتي الخسرانة.
امتعضت ملامح نسرين عند ذكرها لغفران وهتفت بقرف: يا ساتر، أنا مش بكره في حياتي قد غفران دي، رخمة وباردة دمها يلطش. إزاي واحدة زي دي تبقى حفيدة الجارحي بجلالة قدره وتدخل المطبخ وتقف مع الشغالين تتكلم وتضحك عادي كده، كأنها واحدة منهم؟ لأ وبتساعدهم كمان. ولا لبسها بلدي أوووووي، ما يليقش بواحدة زيها أبدًا، ده أنا صحابي لما بيشوفوها بيفتكروها شغالة من الشغالين. فاكرة إنها كده متواضعة. معرفش الكل بيحبها على إيه!
جزت دريه على أسنانها وهتفت بغل: طالعة زي اللي خالفتها!
المهم اسمعي كلامي ونفذيه بالحرف، وأنا من ناحيتي هفاتح عاصي في موضوع جوازكم، وأنا واثقة إنه مش هيرفض لي أي طلب أطلبه منه.
انتهى الجد منصور الجارحي من ارتداء ملابسه استعدادًا للنزول إلى غرفة مكتبه بالأسفل، ينتظر قدوم حفيده الغالي. ارتدى ساعته الأنيقة التي تتناسب مع بدلته الغالية ذات الماركة العالمية، فهو بالرغم من بلوغه الخامسة والسبعين من عمره، إلا أنه لا يتخلى عن أناقته.
تناول عصاه المصنوعة من الأبنوس الخالص ولها رأس على شكل صقر مصنوعة من الذهب الخالص التي لا يتخلى عنها أبدًا. تحرك مغادرًا غرفته، ولكنه وقف ينظر إلى الصور المعلقة على حائط غرفته بنظرات حزينة مكسورة. ينظر إلى صورة عشقه وعشرة عمره وأم أولاده، زوجته الراحلة، وبجانبها صورة تجمع أولاده الراحلين أحمد ومصطفى الجارحي. وصورة أخرى لحفيده الراحل أيضًا، عمر الجارحي، شقيق عاصي الأصغر.
تنهد بحزن وهو يطالع صورهم مثل كل يوم، ويلقي عليهم تحية الصباح ويتحدث معهم كأنهم يعيشون معه ولم يفارقوه أبدًا.
"انهارده يوم مختلف، عاصي راجع بالسلامة وهينور دنيتي من تاني. الحمد لله إن ربنا مد في عمري وهشوفه وأملي عيني منه من تاني، ده هو اللي فاضل لي من ريحتكم هو وغفران."
غفرااااان! قالها ووجهه يبتسم دون إرادته عند ذكر اسمها، فهي حفيدته الغالية الأقرب إلى قلبه، شبيهة جدتها في كل شيء، جمال وجهها وجمال روحها. نظر إلى صورة زوجته وتحدث بعشق: "غفران كل ما بتكبر بتبقي شبهك أوي يا ملك روحي. كان نفسي تكوني موجودة وتغرقيها في حبك وحنانك، بس هي طالعة زيك طيبة وحنينية على الكل."
ثم نظر إلى صورة أولاده وتحدث بغصة مؤلمة: "عاوزاكم تطمنوا وترتاحوا، الأمانة اللي سبتوهالي هفضل صاينها طول ما أنا عايش، وهعمل كل اللي أقدر عليه عشان أحافظ عليها وأوصلها لبر الأمان، عشان لما أقابلكم في دار الحق أكون وفيت بوعدي ليكم."
أخذ نفسًا عميقًا يهدئ من روعه ومسح دمعة تساقطت على وجنته، وقرأ لهم الفاتحة داعيًا الله أن يتغمدهم برحمته. استجمع نفسه وخرج من غرفته، ولكن قبل أن يهبط للأسفل، ذهب إلى غرفة حفيدته كعادته يوميًا.
طرق على باب غرفتها وانتظر السماح له بالدخول، ولكن لم يأتِه رد منها. فتح الباب ودلف إلى الداخل يتطلع إلى الغرفة يبحث عنها بعينيه، فلمحها تقف في شرفة غرفتها تسقي زرعها كما تفعل دائمًا. ابتسم بلطف وناداها بصوته الرخيم الحنون: غافي!
التفتت بجسدها عندما استمعت إلى نداء جدها الحبيب، وتركت ما بيدها. تقدمت منه وهي تبتسم باتساع قائلة: صباح الفل على أحن وأطيب جدو في الدنيا. ثم طبعت قبلة فوق وجنته وأخرى فوق كف يده.
طبع الجد قبلة حنونة فوق جبينها قائلاً: صباح الورد والفل والياسمين وكل حاجة حلوة على أحلى عيون في الدنيا كلها.
اتسعت ابتسامتها وقالت بشقاوة: الله الله، إيه الروقان ده كله يا سي جدو. ثم دارت حوله تتطالعه بنظراتها المعجبة وأطلقت صفيرًا معجبًا: وإيه الشياكة دي كلها يا حج منصور، انت رايح تتجوز من ورايا ولا إيه؟
تعالت ضحكات الجد على مزحتها وهتف موبخًا إياها: يا بت يا بكاشة، أنا طول عمري شيك. وبعدين هو أنا بعد جدتك الله يرحمها في ست في الكون تقدر تملي عينيا وقلبي؟ ده أنا بدعي ربنا إنه يعجل بأجلي عشان أقابلها في دار الحق، بس بعد ما أطمن عليكي وعلى عاصي.
هتفت مسرعة: بعد الشر عليك يا جدو، ربنا يخليك لينا وما يحرمناش منك أبدًا. وأضافت بنبرة حالمة: يا ما نفسي ألاقي واحد زيك كده يا جدو يحبني ربع الحب اللي بتحبه لنانة الله يرحمها.
قفزت صورة معذب قلبها وعشقها المستحيل إلى مخيلتها، وتمنت أن يشعر بعشقها له وبقلبها الذي ينبض فقط من أجله. آآآه، ألتاعت، كتمتها داخل صدرها وهي تدرك حقيقة بعده عنها، فهي الشرق وهو الغرب، هي الأرض وهو السماء. هو يراها ابنة عمه الطفلة ذات العشر سنوات، وهي تراه رجلها وفارسها الأوحد، سيد قلبها.
فاقت من شرودها على صوت جدها: إيه؟ روحتِ فين؟ بكلمك مش بتردي عليا.
أبداً يا جدو، افتكرت نانة الله يرحمها، أجابته كاذبة.
الله يرحمها. غم بها الجد بعشق حزين. ثم أضاف: إيه ده؟ انتي لسه مجهزتيش نفسك؟ عاصي على وصول خلاص ولازم كلنا نكون في استقباله لما يوصل.
تعالت دقات قلبها تدوي بصخب داخل صدرها فور ذكر اسمه، وهتفت تجيب جدها بنبرة مرتبكة: لسه بدري يا جدو، أنا كنت بسقي الزرع وبعد كده هجهز. هو قدامه حوالي ساعة وعشر دقايق ويوصل.
قالتها وهي تنظر إلى ساعة معصمها.
ضحك الجد وهتف بخبث: ده انتي حاسباها بالدقيقة!
احمرت وجنتاها خجلًا وأطرقت برأسها أرضًا تتهرب من نظرات جدها المتفرسة في ملامحها، ولا تقوى على النظر إليه.
طبع الجد قبلة حانية فوق جبينها وهتف داعيًا: ربنا يطمني عليكم يا حبيبتي ويقدرني وأقدر أسعدكم وأحقق لكم كل اللي بتحلموا بيه وأكون قد الأمانة.
ربنا يخليك لينا يا حبيبي. أنا هنزل تحت وانتي خلصي اللي وراكي بسرعة وحصليني. زمان دريه ونسرين قالبين الدنيا تحت. ربنا يسترها.
قالها بنبرة ذات مغزى مبتسمًا، فبادلته الابتسامة وهي تشيعه بنظراتها حتى خرج وأغلق الباب خلفه.
تلاشت ابتسامتها وحل محلها القلق والتوتر، وأخذت تربت على صدرها موضع قلبها تهدئ من صخب دقاته، محدثة نفسها: اهدي، اهدي، ده لسه موصلش وانت عمال تدق كده، اومال لما تشوفه وتملي روحك منه هتعمل إيه؟
ثم تحركت نحو الحمام الملحق بغرفتها لتأخذ حمامًا سريعًا وتتجهز استعدادًا لمقابلة عشقها المستحيل.
بعد حوالي ساعة، كانت انتهت أخيرًا من ارتداء ملابسها بعد تردد وحيرة كبيرة في انتقاء شيء جميل ومناسب وفي نفس الوقت بسيط، فهي لا تفضل البهرجة على عكس نسرين التي تفضل الأشياء الملفتة والجريئة. وقفت تلقي نظرة رضا أخيرة على مظهرها قبل أن تنزل للأسفل.
ولكن تعالت نبضات قلبها تقصف بقوة داخل قفصها الصدري، تكاد يخرج قلبها من موضعه عندما استمعت إلى صوت بوق السيارة معلنًا عن وصوله! هرولت مسرعة تنظر من خلف ستائر شرفتها. رأت السيارة وهي تدلف من باب القصر مسرعة تسير وسط الممر المخصص للسيارات حتى وقفت أمام البوابة الداخلية للقصر. ولكنها لم تعد ترى شيئًا بعد أن اختفت السيارة من أمامها. لم تلمحه ولا حتى طرفًا من خياله بسبب زجاج السيارة المعتم اللعين!
تهاوت على أقرب مقعد لها. جلست بجسد ينتفض فرحًا، شوقًا، وتوترًا!
اهدّي، اهدّي، حرام عليكِ هتقف من كتر الدق!
ابتسامة عاشقة خجلة ملأت وجهها عندما تيقنت من حقيقة عودته وأصبح يفضل بينهم طابقًا واحدًا، فقط بضعة درجات من السلم الرخامي وتكون معه. تنظر إليه، تملي عينيها منه، تشبع شوقها إليه.
ترجل من السيارة بهدوء ووقار لا يليق إلا به، بعدما فتح له السائق الباب الخلفي. مرتدياً حلة سوداء واضعاً نظارة سوداء على عينيه. وقف يتطلع إلى قصر جده العريق. ذلك القصر الذي ولد وعاش فيه طفولته وصباه. كل شيء كما هو لم يتغير كما تركه آخر مرة منذ خمس سنوات. ولكن هو الذي تغير كثيرًا. أصبح أكثر قوة وشراسة. أصبح عاصي لكل ما تحمله الكلمة من معنى!
أغلق زر بدلته وتقدم إلى داخل القصر بخطوات رزينة واثقة. دلف إلى داخل القصر وكانت والدته أول من رآه. تقدمت منه مسرعة فاتحة ذراعيها إليه تضمه داخل صدرها بعاطفة أمومية صادقة، لطالما كان عاصي مميزًا ومفضلًا لديها في كل شيء.
ألف حمد الله على سلامتك يا عاصي يا حبيبي، نورت بيتك والدنيا كلها.
الله يسلمك يا أمي. قالها وهو يضمها إلى صدره بشوق طابعًا قبلة على جبينها.
عاااااصي!
قالتها نسرين بفرحة وهي تهرول إليه، تزيح خالتها من داخل حضنه والتي أفسحت لها المجال وهي تبتسم بسعادة.
تعمقت نسرين بعنقه تضمه في عناق مشتاق. وحشتني أووووي يا عاصي أوووي، أنا كنت هتجنن عليك.
لم يبادلها عناقها. أزاح يديها من حول عنقه وربت على كتفها بأخوة مبتسمًا بلباقة: الله يسلمك يا نسرين.
ثم التفت حوله باحثًا بنظراته عن جده، والذي خرج بدوره من غرفة مكتبه عندما علم بوصوله.
أومال فين الحج منصور؟ مش شايفه؟
أنا هنا أهو يا قلب جدك. قالها بابتسامة عريضة فاتحًا ذراعيه له.
جدي! قالها عاصي بشوق وهو يتقدم منه قاطعًا الخطوات الفاصلة بينه وبين جده وارتمى داخل أحضانه يضمه بشوق كبير. فهو يعشق جده بشكل كبير، فهو الذي قام بتربيته وتعليمه كل شيء في حياته. شدد الجد عليه داخل أحضانه وأخذ يربت على ظهره بقوة: نورت بيتك يا قلب جدك وعكازك. أنا كده خلاص اطمنت وأقدر أموت وأنا مرتاح مدام انت رجعت لنا من تاني!
ألف بعد الشر عليك يا جدي، متقولش كده، ربنا يخليك لينا ويديمك فوق راسنا. ثم انحنى على كف يده يقبلها بمحبة واحترام كبير.
تعالوا أقعدوا واقفين ليه. صدح صوت دريه من خلفهم وهي تشير إليهم للجلوس في غرفة الصالون الرئيسية. تقدمهم الجد وبعده دريه وخلفهم عاصي ونسرين التي تعلقت بذراعه كالعلكة!
سحب عاصي ذراعه منها وخلع جاكيت بدلته ووضعه على المقعد خلفه. جلست نسرين بجانبه تتطلع إلى جسده الرياضي المعضل وجذعه القوي بانبعاث والذي ظهر بوضوح من قميصه الأبيض الذي أبرز قوة جسده الرجولي الصلب.
عاوزاك تحكيلي على كل حاجة عملتها وحصلت لك من ساعة لما سافرت وسبتنا لحد ما رجعت بالسلامة. قالتها نسرين برقة ودلال أثار استغرابه.
على مهلك عليه يا نسرين، ده لسه واصل. الأيام جاية كتير والعمر لسه قدامكم، يبقى يحكيلك على مهله، هو هيروح منك فين ولا وراه إيه غيرك؟ مش كده يا عاصي؟ قالتها دريه بنبرة ذات مغزى.
ابتسم الجد بسخرية على حديثها ولم يعلق، فهو يعرف دريه جيدًا ويعرف ما تخطط له. أجابها عاصي ببرود: أنا مش فاضي للرغي والكلام الفاضي ده، أنا ورايا شغل. شغل وبس!
آه طبعًا. قالتها دريه بحرج من رده الجامد بعدما لاحظت تبدل حال نسرين من كلماته. ثم تابعت تضيف بلؤم: ربنا يعينك ويقويك، ماهو مفيش غيرك هيقدر يدير إمبراطورية الجارحي غيرك، انت الوريث الوحيد بعد عمر طويل لعمي، ربنا يديله الصحة والعمر.
وغفران؟ ولا نسيتها يا دريه. قالها الجد بنبرة صارمة وهو ينظر لها بقوة.
هي فين صحيح؟ أنا ماشوفتهاش من ساعة ما وصلت. هي مش هنا ولا إيه؟
لا طبعًا موجودة وزمانها نازلة حالًا. أجابه الجد وعلامات السعادة بادية على وجهه.
بصراحة وحشاني جدًا. يا ترى لسه زعلانة مني عشان سافرت وسيبتها؟ أنا فاكر يوم سفري كانت مموتة نفسها من العياط وقعدت قبلها بأسبوع مقطعاني عشان هسافر لدرجة إني كنت فاكر إني همشي من غير ما تسلم عليا، بس ماهونتش عليها في الآخر وجت سلمت عليا وكانت عينيها وارمة ومناخيرها حمرا من كتر العياط. يا ترى شكلها بقى عامل إزاي دلوقتي؟ لسه قصيرة وقليلة زي ما هي ولا اتغيرت.
امتعضت ملامح دريه عند ذكر غفران ولم تعلق. بينما احتقنت ملامح نسرين بالغل والحقد منها. فهي لا تزال مدللته كما كانت. فقد تغيرت ملامحه وانفرجت أساريره من مجرد الحديث عنها. أما هي فتتحدث معها هي ببرود وسماجة.
ردت عليه بغل: لسه زي ماهي، دراما كوين.
جدحها الجد بنظرة صارمة أخرستها وجعلتها تبتلع باقي حديثها. ثم نظر إلى عاصي وهتف مبتسمًا: انت عارف غفران طول عمرها رقيقة وبريئة، مش بتاعة لوع وحركات البنات بتوع اليومين دول، عشان كده أقل كلمة بتأثر فيها. بس لما تشوفها مش هتعرفها دلوقتي، بقت عروسة زي القمر، أنا مش ملاحق على العرسان اللي بيتقدموا لها.
عرسان! هتف عاصي مستنكرًا. هي كبرت لدرجة العرسان؟ ده أنا غبت كتير قوي وأنا مش واخد بالي.
مساء الخير. صدح صوتها الرقيق من خلفهم. استدار عاصي إلى مصدر الصوت. قام من جلسته يطالع صاحبة الصوت ذات البحة الرقيقة بعينين مدهوشتين. ظل واقفًا متخشباً مكانه لا يظهر عليه أي رد فعل. فقط نظراته هي التي تتحدث. يطالع الواقفة أمامه بانبهار. هل هذه هي غفران؟ طفلته ومدللته؟ ابنة عمه الصغيرة؟ من كان يلاعبها ويأتي لها بالحلوي؟ كبرت ونضجت وأصبحت أنثى! وأي أنثى! إنها مزيج من البراءة والإغراء. لها هالة غريبة تحيط بها تجعلك لا تستطيع أن تزيح بنظراتك عنها.
كانت ترتدي فستانًا محتشمًا من اللون الأزرق أظهر بياض بشرتها الحليبيه، ولكنه مجسم بعض الشيء فاظهر إغراء جسدها الأبيض بطريقة غير مقصودة، وأطلقت العنان لشعرها الأسود الطويل الذي يضاهي في سواده سواد الليل الحالك. واكتفت بوضع ملمع شفاه وردي أبرز جمال شفتيها الصغيرة الرقيقة. فكانت كتلة من البراءة ممزوجة بالإثارة!
اغتاظت نسرين من تخشبه أمامها بتلك الطريقة ووقفت خلفه تنظر إليها بغل وكره!
كانت غفران ترتجف بشدة وتفرك يديها بتوتر من نظراته المتفحصة لها. يا إلهي! إنه هنا، يقف أمامها، حبيبها وعشقها الأوحد. لقد تغير كثيرًا. إنه أكثر وسامة على الحقيقة من الصور التي تجمعها له يوميًا من على مواقع التواصل الاجتماعي. أصبح أكثر جاذبية بلحيته التي استطالت عما قبل، أعطته سحرًا فوق سحره. هل عليه أن يكون وسيماً إلى هذه الدرجة؟ هل عليها أن تعشقه عشقًا فوق عشقها له؟
غفرااااان! قالها بصوته الرخيم ذو البحة المميزة. هل هذا اسمها أم أنه ازداد حلاوة عندما نطقه بهذه الطريقة؟
حمد الله على سلامتك. قالتها بخجل وحرج من نظراته.
تقدم منها حتى وقف أمامها ينظر لها بتلك الطريقة التي تذيب عظامها وتجعل صخب قلبها ودقاته يكاد يصل إليه.
إيه الحلاوة دي؟ أنا مش مصدق! ثم مد يده وجذب كف يدها يديرها أمامه ليتاكد من حقيقة ما يراه! أوقفها ولا يزال قابضًا على كف يدها الرقيقة بين قبضته القوية، موجهًا حديثه لجده يسأله باندهاش: مين دي؟
أجابه الجد مبتسمًا بسعادة: مش قلت لك؟ إيه رأيك؟
قمر! قالها بإعجاب شديد.
أطرقت رأسها وتوردت وجنتاها بحمرة الخجل من إطرائه عليها. ارتجفت يدها بين يديه فقلبها الصغير لم يتحمل كل هذا. شعر برجفة يدها الصغيرة بين يديه فتركها بهدوء وهو ينظر لها مبتسمًا بسعادة.
تبادلت نسرين النظرات الحانقة مع خالتها وحثتها على التدخل لإنهاء تلك المهزلة، فهي لم تعد تستطيع السيطرة على أعصابها أكثر من ذلك. فهمت دريه عليها وصدح صوتها منهيًا ذلك المشهد السخيف بالنسبة لها: يلا يا جماعة، السفرة جاهزة.
ترأس الجد طاولة الطعام الكبيرة وجلس على يمينه عاصي وغفران، والتي أصر عاصي على أن تجلس بجانبه كما السابق. وعلى يساره تجلس دريه ونسرين، التي تستشيط غيظًا من غفران وعاصي الذي أحرجها عندما جاءت لتجلس بجانبه هاتفًا: ده مكان غفران، هتقعد جنبي زي زمان!
يالا يا عاصي يا حبيبي، أنا عاوزاك تاكل كويس. أنا أمرتهم يعملوا لك كل الأكل اللي بتحبه.
ربنا يخليكِ يا أمي، بس ده أكل يأكل قبيلة بحالها.
ألف هنا يا حبيبي. تساءل الجد مستفسرًا: ناوي على إيه في شغلك الفترة اللي جاية يا عاصي؟
أجابه عاصي بهدوء: إن شاء الله ناوي أدمج شركتي مع مجموعة الجارحي. أنا خلاص عينت مدير ممتاز لفرع الشركة في لندن وهخلي الفرع الرئيسي هنا. ولو الفرع هناك احتاجني هبقى أسافر يومين تلاتة بالكتير.
تمام، خير ما عملت يا ابني. أنا عاوزك كمان تتفرغ لإدارة المجموعة هنا. أنا خلاص كبرت وتعبت وعاوزك تشيل عني شوية.
ربنا يديك الصحة يا حج ويخليك لينا.
ربنا يخليك يا حبيبي. أنا قررت إنك تبقى رئيس مجلس إدارة المجموعة، معاك كل الصلاحيات، وأنا رأيي هيبقى استشاري، لكن انت ليك حق الإدارة والتوقيع واتخاذ القرارات المهمة.
تهللت أسارير دريه وهتفت بفرحة واضحة: عين العقل يا عمي، عاصي هو اللي لازم يشيل كل حاجة من بعدك.
أكيد يا دريه، أكيد. بس كمان غفران هتنزل المجموعة وتتدرب عشان هي هتبقى المدير التنفيذي للمجموعة.
غص حلق دريه بالطعام وسعلت بقوة. ناولتها نسرين كوب الماء لتشرب منه وهي تكاد عينيها تخرج من مقلتيها بسبب كلماته.
اهدّي يا دريه، بالراحة على نفسك. قالها الحد بنبرة ذات مغزى.
هتفت غفران تتساءل في استغراب: بجد يا جدو؟ هنزل اشتغل في المجموعة؟
أيوه يا روح جدو، بجد. أنا هكتب المجموعة بالنص بينك وبين عاصي زي ما كانت بالنص بين عمك وأبوك الله يرحمهم، وعاصي له حق الإدارة وأنا زي ما قلت مجرد رأي استشاري.
الله يرحمهم. هتف بها عاصي بنبرة حزينة بوفاة متأثرًا برحيل والده وعمه.
هتفت نسرين بحقد: وهي غفران تفهم حاجة في شغل المجموعة؟
رد عليها الجد بصرامة: وما تفهمش ليه يا نسرين؟ غفران دارسة إدارة أعمال في الجامعة الأمريكية. وبعدين دي فلوسها وورثها وهي اللي لازم تديرهم بنفسها. وبعدين زي ما انتي اتعلمتي واشتغلتِ في المجموعة هي كمان هتتعلم وتشتغل زيك بالظبط، رغم إنك مش خريجة جامعة أمريكية زيها.
احتقنت معالم نسرين من شدة الغيظ ولم تعد تستطيع أن تتفوه بحرف واحد بعد كلمات ذلك العجوز الداهية الذي أحرجها وقلل من شأنها أمامهم، وخصوصًا عاصي وغريمتها غفران!
نظر لها عاصي بعدم رضا من أسلوبها الجاف وتدخلها فيما لا يعنيها. وتابع بلامبالاة وكأن الأمر لا يعنيه: اللي حضرتك شايفه صح اعمله، دي فلوسك وحضرتك حر فيها.
يبقى اتفقنا، بعد الغدا المحامي هيجي عشان نمضي العقود ونوثقها في الشهر العقاري.
نظر عاصي إلى غفران وهتف يسألها: انتي مش بتاكلي ليه؟
أجابته بخجل شديد وهي تنظر داخل صحنها: بـ باكل أهو.
فين ده؟ ثم حدثها بصوت منخفض: ولا عاوزاني آكلك بأيدي زي زمان؟
رفعت نظراتها الخجلة إليه تنظر إليه بعشق وحنان يفيض من عينيها وسألته: انت لسه فاكر؟
طبعًا. أجابها بشكل قاطع وصريح.
تهللت أساريرها فرحًا من كلمته البسيطة. إذن هو يحبها مثلما تحبه. لا يزال يذكر ما كان يفعله معها. وضع بعض الطعام في صحنها وآمرها بأن تأكله، وأخذ يتحدث ويضحك معها وهي تتجاوب معه بسعادة تحت مراقبة ثلاث أزواج من العيون التي تطالعهم بنظرات حانية راضية، وأخرى حاقدة كارهة.
بعد الانتهاء من الطعام بفترة، حضر المحامي وقاموا بتوقيع العقود وأصبح عاصي وغفران أصحاب إمبراطورية الجارحي رسميًا.
بعد مغادرة المحامي، جلسوا ثلاثتهم في غرفة المكتب، وسرعان ما ولجت دريه ومن خلفها نسرين التي كانت تجلس على صفيح ساخن في الخارج تريد معرفة ماذا يحدث معهم. جلست دريه ونسرين على الأريكة الجلدية في أحد أجنحة الغرفة، بينما كان عاصي وغفران يجلسون أمام المكتب الذي يترأسه الجد بهيبته المعتادة.
تحدث الجد موجهاً حديثه لعاصي: انت تاخد لك يومين راحة على ما العقود تكون اتوثقت وتبدأ بعدها الشغل.
عقب عاصي على حديثه: لا راحة إيه؟ أنا مش بتاع راحة، أنا إن شاء الله بكرة هنزل المجموعة مع حضرتك. ثم وجه نظراته نحو غفران وأضاف: وانتي كمان يا غافي هتنزلي معانا من بكرة.
غفران بارتباك وخجل: إن شاء الله.
صدح صوت الجد يقول باستحسان: على بركة الله. ودلوقتي اتفضلوا كلكم، عاوز عاصي لوحدنا في موضوع مهم.
ركز عاصي انتباهه بالكامل لجده وسأله بنبرة يشوبها القلق: خير يا حج، في إيه؟ قلقتني.
أجابه الجد بابتسامة مطمئنة: كل خير إن شاء الله.
تبادلت نسرين ودريه النظرات فيما بينهما متوجسين من ذلك الاجتماع المغلق بينهم.
نهضت غفران من مقعدها واستأذنتهم بالانصراف، وقبيل أن تصل إلى باب الغرفة استوقفها صوته القوي: غافي! يا ريت تستنيني في التراس، أنا ملحقتش أقعد معاكي. هخلص مع جدي وأحصلك.
ابتسامة خجلة ظهرت على شفتيها الرقيقتين وآماءت برأسها موافقة على حديثه. أجابته بكلمة واحدة تحوي في طياتها الكثير والكثير وهي تنظر إليه بعشق خالص: هستناك! وانصرفت تجري من أمامه وهي تحلق في الهواء، تكاد تصل للسماء من سعادتها، فحبيبها يرغب بالجلوس معها ويطلب منها انتظاره، وهي انتظرته عمرًا مضى وعلى استعداد للانتظار عمرًا آخر ويكون معها ولها في النهاية.
كانت نسرين تزرع بهو القصر جيئة وذهابًا وهي تقضم أظافرها بتوتر وغل.
هتفت بحقد وغيره: شايفه؟ شايفه ابنك وعمايله. من ساعة ما وصل وهو مش شايفني وبيتعامل معايا بمنتهى البرود والسخافة. لكن الهانم هي اللي على الحجر، واخده الاهتمام والدلع زي زمان ولا كان حاجة اتغيرت. أنا قلت لما بعد واتغير هيبقى كده مع الكل، حتى هي! لكنه اتغير وبقى بارد وسخيف مع الكل إلا هي! حتى انتي معاملته متغيرة معاكي مش زي الأول. انتي مش بتردي عليا ليه؟
استدارت بجسدها تنظر إلى خالتها التي كانت تنظر إلى باب غرفة المكتب المغلق بنظرات مبهمة والأفكار تدور برأسها عن سر هذا الاجتماع المنفرد؟ تُرى ما الذي يفكر فيه هذا العجوز الداهية؟
طنط، طنط دريه!
بس، بس كفاية زن ودوشة. انتي بترغي في حوا تافهة وأنا دماغي مش فاضية للهبل بتاعك ده. أنا عاوزة أعرف إيه اللي بيحصل عندهم جوه وانتي تقوليلي غفران وزفت!
أنا قلت لك اسمعي كلامي تكسبي واهدي شوية عشان نعرف نظبط الدنيا والأمور تفضل تحت سيطرتنا، لكن بجنانك ده ما أوعدكيش إن حاجة هتمشي زي ما احنا عاوزين.
يا طنط، ماهو...
بترت عباراتها عندما وجدت باب المكتب يفتح بقوة ويخرج منه عاصي بملامح وجه محتقنة، وسرعان ما كان يعدو خارج باب القصر واستقل سيارته التي أصدرت إطاراتها صوتًا قويًا دليلًا على قيادته المتهورة، والتي تدل على أنه في شدة غضبه.
هو في إيه؟ سألت نسرين بفم مفتوح.
بينما دريه زاغت نظراتها ولم تعد تعرف بعد ماذا حدث. أما غفران فكانت تنتظره كما طلب منها في حديقة القصر ولمحته وهو يخرج غاضبًا من القصر. هرولت إليه تجري خلفه وهو يتحرك بالسيارة مغادرًا القصر، ووقفت تناديه حتى تطمئن عليه وتعرف ما به، ولكنه اختفى من أمامها.
عاااااصي... عاااااصي... وآخر ما شاهده في مرآة السيارة الداخلية وجهها الجميل ذو الملامح القلقة وهي تنادي عليه. وأخذ يبعد بسيارته والمسافة بينهم تتسع وتتسع حتى اختفت صورتها من مرآته.
رواية غفران العاصي الفصل الثاني 2 - بقلم لولا
يقف علي شاطيء البحر ينظر إلى ثوران أمواجه المتلاطمة والتي تشبه ثوران مشاعره، بل إن غضبه أشد قوة وأعنف من المنظر أمامه. فهو يكاد عقله ينفجر من شدة الضغط العصبي جراء ما سمعه من حديث جده الذي لا يمت للمنطق بصلة. كيف يفكر ذلك العجوز؟ هل يفكر في لي ذراعه؟ لا والف لا. لن يكون عاصي الجارحي إذا رضخ لمطلبه. هو الذي عاش عمره كله صاحب قراراته ولم يسمح لأحد أن يتدخل بها حتى لو كان جده. شرد أمامه يتذكر حديثه معه وكيف استطاع أن يتحكم في غضبه أمامه بكل ما يمتلك من قوة.
"خير يا جدي، حضرتك قلقتني!"
"كل خير يا عاصي، ما تقلقش. أنا بس عاوزك تسمعني للآخر من غير ما تقاطعني وبعد كده أنا هسمع رأيك في اللي هقوله. بس لازم تعرف إن أي قرار أنا باخده بيكون بعد تفكير طويل، ومصلحتك ومصلحة العيلة وبالخصوص مصلحة أحفادي هي الأهم من أي حاجة عندي في الدنيا كلها."
أخذ الجد نفسًا عميقًا ثم تابع حديثه بهدوء ورزانة.
"انت عارف إن أبوك وعمك الله يرحمهم هما اللي كبروا إمبراطورية الجارحي وخلوها واحدة من أهم الكيانات الاقتصادية في البلد، وأنا كنت مجرد ممول مش أكتر. علشان كده كتبتها باسمك انت وغفران بالتساوي وخرجت نفسي وأمك منها، رغم إن لينا حق فيها بحكم الشرع. بس أنا اتنازلت عن نصيبي في ورث ولادي ليكم لأني مش محتاج فلوس ولا محتاج حاجة من الدنيا. أنا خلاص اللي عدي من عمري مش قد اللي جاي. وأمك أنا قدرت نصيبها في الشركات وعملت لها وديعة باسمها في البنك."
تحدث عاصي بهدوء.
"كل ده أنا عارفه، فين المشكلة؟"
أجابه الجد.
"مفيش مشكلة ولا حاجة. بس علشان تقدر تستلم نصيبك اللي انت مضيت عليه لازم تنفذ الجزء التاني من الوصية!"
"وصية!" قالها عاصي متفاجئًا.
"أيوه يا عاصي، وصية أبوك الله يرحمه ورغبتي أنا كمان. أبوك الله يرحمه كان حاسس إن آجله قرب، رغم إنه كان زي الفل ومش بيشتكي من حاجة. بس لقيته قبل وفاته بكام يوم جاي لي ويديني ظرف وقالي الظرف ده متفتحهوش إلا لو حصل له حاجة. وأنا احترمت رغبته ومفكرتش في كلامه لأني كنت مستبعد فكرة إني أدَفِّن أبوك بإيدي زي ما دَفنت عمك ومراته الله يرحمهم."
ابتلع الجد غصته وأخرج الظرف من أحد أدراج مكتبه ووضعه أمامه.
"الظرف ده وصية أبوك. بعد وفاته بأسبوع وتحديدًا يوم سفرك أنا فتحته وعرفت اللي فيه. أبوك كان كاتب كل فلوسه اللي في البنوك وحصته في المجموعة بالنص بينك وبين أخوك عمر الله يرحمه ومش كاتب لأمك ولا مليم. وأكد في وصيته إن أمك ما تورثش ولا مليم من فلوسه! وبما إن عمر اتوفى مع أبوك في الحادثة، فكده كل حاجة اتنقلت لك أنت. الجزء التاني من الوصية إنك مش هتقدر تستلم ولا قرش من الثروة دي إلا..."
"إلا إيه يا جدي؟" هتف عاصي بريبة.
صمت الجد قليلاً يتفرس في ملامح وجهه يحاول قراءتها وتابع يضيف برزانته المعتادة.
"إلا إذا اتجوزت غفران بنت عمك. ولو رفضت الثروة كلها تكون من نصيب غفران!"
هب عاصي من مقعده صارخًا باستنكار.
"نععععععم! اتجووووززز! أتجوز غفران يا إما يحرمني من ثروتي! وكمان حرم أمي من حقها في ورثه! ده جنان! أكيد حصلت له حاجة في مخه خلته عمل الهبل ده!"
"ولد! انت اتجننت! انت إزاي تتكلم على أبوك الله يرحمه كده قدامي!"
صاح عاصي معتذرًا.
"أنا آسف يا جدي مقصدش.. بس اللي حضرتك بتقوله ده ما يدخلش دماغ عيل صغير."
رمى الجد المظروف في وجهه صائحًا بغضب.
"اتفضل يا محترم وصية أبوك أهيه اقراها. هتلاقيها قبل وفاته بشهر ومتسجلة في الشهر العقاري وعال يد محامي. وأظن انت كنت كبير وواعي لحالة أبوك قبل وفاته كان عامل إزاي. يعني لا كان مجنون ولا فاقد للأهلية علشان تشكك فيه."
أمسك عاصي المظروف يفتحه ويقرأ ما به وملامح وجهه تزداد قتامة وعبوسًا.
القي عاصي المظروف على المكتب وأخذ يدور حول نفسه بغضب وجسده ينتفض من شدة العصبية.
"مش ممكن ده تخريف! إزاي فكر في حاجة زي كده. أنا وغفران... إزاي... دي عيلة صغيرة... دي أختي اللي مربيها... دي زيها زي عمر الله يرحمه... إزاي ممكن أفكر إني ممكن أتجوزها."
"وإيه المشكلة؟" هتف الجد ببرود مستفز.
"غفران كبرت وبقت عروسة ألف من يتمناها. ثم أنا موافق على كده ومش هلاقي أحسن منكم لبعض. غفران هي اللي هتقدر تصونك وتصون اسمك وتكون أم ولادك. وانت الوحيد اللي هتقدر تحميها وتحمي فلوسها. بدل ما تتجوز أي واحد يكون طمعان فيها وفي ثروتها."
هدر عاصي بعنف.
"انت بتقول إيه يا جدي... ده لا يمكن يحصل أبدًا. هو أنا عيل صغير هتجوزوه على مزاجكم؟ أولاً أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي خااااالص. ثانياً اللي هتجوزها لازم أختارها بنفسي وأكون بحبها وتكون مناسبة ليا في كل حاجة وفي بينا حاجات مشتركة."
"طب ما انت بتحب غفران؟" قالها الجد بخبث ودهاء.
"زي أختي! بحبها زي أختي مش مراتي!"
"مش مهم... المهم إنك بتحبها وبعد كده لما يتقفل عليكم باب واحد وتبقى مراتك كل حاجة هتتغير. هتبقى مراتك وأمك وأختك وحبيبتك وكل حاجة."
"مستحييييييل! اللي بتقوله ده مستحيل يحصل. على جثتي لو حصل. أنا عاصي الجارحي أتجوز بالطريقة دي! ومن مين؟ من آخر واحدة ممكن أفكر فيها إنها تكون مراتي. وبعدين انت بتتكلم بمنتهى الثقة أوي كده ليه. افرض هي مش موافقة أو بتحب حد ومرتبطة بيه وشايفاني إني أخوها زي ما أنا شايفها أختي."
"لا من الناحية دي اطمن على الآخر. غفران مفيش حد في حياتها." ثم تابع بمكر ودهاء.
"معنى كلامك كده إن لو غفران موافقة عليك وبتحبك انت هتوافق."
سخر مستهزئًا.
"بتحبني زي أخوها يا جدي. أخوووها."
قال الجد بمراوغة.
"أنا بقول لو..."
أجابه رافضًا بشكل قاطع.
"حتى لو هي بتحبني أنا برضه مش موافق. مش هتجوزها!"
نظر إليه الجد مطولًا وتحدث منهيًا النقاش الآن ومعطيًا إياه مساحة للتفكير، فعاصي عنيد والعند معه والضغط عليه سيأتي بنتيجة عكسية.
"عمومًا، انت عرفت كل حاجة وأنا هديك فرصة تفكر في اللي قلناه وتعيد حساباتك على راحتك وهستنى منك الرد النهائي. علشان لو رفضت تنفذ وصية أبوك ورغبتي، كل حاجة هتتنقل باسم غفران. تقدر تتفضل، الكلام انتهى."
خرج عاصي من المكتب مغادرًا كالإعصار وكأن شياطين الأرض تلاحقه.
فاق من شروده على زخات المطر الذي بدأ يتساقط فوق رأسه. نظر في ساعته ووجد أن الليل قد انتصف فتحرك نحو سيارته عائدًا إلى القصر. يبدو أنه لم يشعر بالوقت، فهو قضى وقتًا طويلًا جالسًا أمام البحر يصارع أفكاره، ولكنه لم ولن يستسلم. فهو أخذ قراره ولن يحيد عنه.
بعد أسبوع
كانت نسرين تجلس في بهو القصر برفقة خالتها وأعصابها تكاد تنهار من فرط العصبية والتوتر. فحالة عاصي أصبحت غريبة منذ حديثه الأخير مع جده.
تحدثت نسرين بعصبية وهي تقضم أظافر يديها من فرط التوتر.
"برضه لسه معرفتيش يا آنطي إيه اللي مشقلب حاله كده؟ ده بينزل واحنا نايمين ويرجع برضه واحنا نايمين، ولا بيكلم جده ولا بيقابله على غدا أو عشاء. حتى الزفتة غفران برضه ولا بيكلمها ولا بيشوفها. أكيد في مصيبة حصلت علشان يتقلب القلبه دي."
وافقتها خالتها في الرأي.
"عندك حق يا نيسو، الموضوع في آن! أنا مش عارفة أتلم عليه ولما بتصل بيه علشان أكلمه يقولي اقفلي، عندي شغل مش فاضي. حتى عمي لما سألته قالي مفيش حاجة وعاصي عنده شغل كتير هو اللي بيخليه يخرج بدري ويرجع متأخر. بس أنا واثقة ومأكدة إن الرجل العجوز الداهية ده بيدبر لحاجة ومش عاوز يقولي."
سألتها نسرين بتوجس.
"تقصدي إيه بكلامك ده؟"
أجابتها بملامح غير مقروءة.
"ربنا يسترها."
لمحت نسرين عاصي وهو يدلف من باب القصر بخطوات سريعة وبملامح وجه متجهمة متجهاً لأعلى دون حتى أن يلقي نظرة واحدة نحوهم.
هتفت نسرين باسمه تناديه بسعادة وهي تهرول ناحيته.
"عااااصي... أخيرًا... أخيرًا شوفتك وهعرف أتلم عليك شوية. انت أكيد راجع بدري علشان كده صح؟ علشان تشوفني وتقعد معايا مش كده!"
كانت تتحدث بسرعة ولهفة وهي تناظره بنظرات وله. نظر لها عاصي باستغراب ثم تابع صعوده إلى أعلى ولم ينبس بحرف واحد.
نظرت نسرين بحزن إلى خالتها التي رأت ما حدث. ربّتت على كتفها تواسيها. نادت على عاصي تستوقفه.
"عاصي... عاوزة أتكلم معاك."
أجابها بجمود.
"بعدين، أنا هغير هدومي وراجع المكتب على طول."
أنهى كلماته وصعد الدرجات الباقية في خطوتين مسرعًا حتى لا يعطيها فرصة لاستكمال حديثها التي يعلم فحواه. اختفى من أمامهم في لمح البصر.
تحدثت نسرين إلى خالتها بقهر.
"شايفه ابنك وعمايله مش معبرني خالص."
واستها خالتها بلطف.
"معلش يا روحي ولا تزعلي نفسك. أنا النهارده مش هسيبه غير لما أعرف إيه حكايته بالظبط."
ولج إلى جناحه بخطوات غاضبة. خلع معطفه تبعها بسترته بدلته ورابطة عنقه التي تضغط عليه وتشعر بالاختناق. فتح زجاج شرفته يستنشق الهواء فهو بالفعل يكاد يختنق ويشعر بحاجته للهواء. وقف ينظر إلى حديقة القصر الواسعة أمامه الممتلئة بمختلف أنواع الأشجار وأحجامها من كل صنف ولون. ولكن معظمها قد ذبل وتساقطت أوراقه بسبب طقس الشتاء السيء. كانت السماء الرمادية ملبدة بالغيوم والمطر على وشك السقوط. كان المشهد أمامه كئيب لطالما كره الشتاء وكره كل ما يتعلق به. كاد أن يدلف إلى الداخل ولكنه لمحها تقف أمام إحدى أحواض الزهور تهتم بها بنفسها. تقوم بتنظيفها وسقيها بالمياه. كان مظهرها شاذًا وسط الجو الكئيب المحيط بها. كانت رقيقة ناعمة كزهرة متفتحة في عز الربيع مزروعة وسط حديقة قاحلة لا زرع بها. كانت تشع حياة وحيوية.
نظر إليها مطولًا وعقله يكاد يجن وغير قادر على استيعاب ما حدث. هو وغفران! يا إلهي كيف هذا؟ أغلق زجاج الشرفة بعنف وتوجه إلى الحمام يأخذ حمامًا باردًا لعله يطفئ من لهيب رأسه الذي يكاد ينفجر من شدة الضغط والتفكير.
رفعت غفران رأسها إلى أعلى نحو شرفته عندما سمعت صوت إغلاقها بعنف. لمحت ظهره وهو يدلف إلى الداخل. تهللت أساريرها فرحًا وعشقًا. فها هي ستستطيع أن تراه وتتحدث إليه أخيرًا. فهي منذ طلب منها أن تنتظره في تراس القصر ذلك اليوم وخرج وعاد متأخرًا ولم يقابلها، وهي كل يوم لا تنفك عن انتظاره في نفس المكان ولكنه لم يأت! أما اليوم فهو موجود وسوف تتحدث معه بأي طريقة مهما كانت. ألقت ما بيدها وأسرعت تجري إلى داخل القصر، صاعدة إلى غرفتها حتى تغتسل وتغير ملابسها سريعًا حتى تلحق به.
بعد ربع ساعة كانت تقف أمام مرآتها تصفف خصلاتها السوداء وتنثر عطرها المفضل لديها برائحة الزهور البرية. سمعت صوت فتح وإغلاق باب غرفته، فهما بنفس الطابق. فأسرت تلقي ما بيدها لكي تلحق به قبل أن يرحل.
كان يسير في آخر الرواق متوجهًا نحو الدرج وقبل أن يصل لأول الدرج سمع همستها الرقيقة باسمه تستوقفه.
"ع... عاصي!"
أغمض عينيه بنفاذ صبر، فهو لا ينقصه أن يتحدث معها هي الأخرى والآن وهو بتلك الحالة. فهي أرق من أن تتحمل نوبة من نوبات غضبه الذي يتحكم فيه بصعوبة. أخذ نفسًا عميقًا وأجابها باقتضاب وهو مولّيها ظهره.
"أفندم!"
عضت على شفتيها خجلًا من رده الجامد عليها وسألته بنبرة متوترة.
"هو انت زعلان مني؟"
زفر بحنق ورد بنفس الطريقة المقتضبة.
"لا."
اقتربت خطوتين منه وتحدثت بنبرة خجلة.
"أومال مالك متغير معايا ليه؟"
قالتها وهي تمد يدها بتردد تضعها على ذراعه تديره ليصبح في مواجهتها، فهي تريد أن تشبع شوقها إليه، فهو لا يزال بعيدًا عنها. معها في نفس البيت ولكنه بعيد بعد السماء عن الأرض.
أجفل عاصي من حركتها وتحدث بعصبية وهو ينفض يدها من على ذراعه بعنف.
"إيه في إيه لكل الدراما اللي انتي عاملاها دي. عندي شغل ومش فاضي. إيه الجديد في ده. وبعدين إيه متغير معايا دي. اللي يسمعك كده يقول إن في بينا حاجة وأنا متغير معاكي."
أغرورقت عينيها بالدموع من هجومه العنيف غير المبرر وهتفت بلجلجة.
"اا... صصل... ككننت...!!"
هدر بعنف.
"لا أصل ولا فصل. مفيش حاجة حصلت لكل ده بس انتي اللي حساسة زيادة على رأي نسرين دراما كوين!"
قالها وفر هاربًا من أمامها، فهو يعلم أنه أخرج عصبيته وصب جام غضبه عليها وهي ليس لها يد فيما يحدث معه. هي مثلها مثله في ذلك الأمر.
وقفت مكانها تنظر في أثره بذهول. لا تعرف بماذا أخطأت كي يعنفها ويصرخ عليها هكذا. وضعت كف يدها على فمها تكتم شهقة بكاء تكاد تخرج من جوفها وهرولت مسرعة إلى غرفتها تحتمي بجدرانها وتبكي فوق وسادتها كما تفعل دائمًا تشكو إليها حزنها منه كما كانت تشكو شوقها إليه.
"ليييه... لييييه يا عاصي لييييه!"
عاد عاصي إلى القصر مع منتصف الليل، فهو ظل يعمل في شركته لوقت متأخر حتى لا يدع لنفسه ولا لعقله فرصة للتفكير. صعد درجات السلم ببطء وإرهاق، فهو يكاد يغشى عليه من التعب. دلف إلى حجرتة وأغلق الباب خلفه بهدوء وأشعل النور في الغرفة ولكنه أجفل عندما وجد والدته تجلس على إحدى المقاعد أمام الشرفة في انتظاره.
سألها عاصي مستغربًا وجودها في غرفته في مثل هذا التوقيت.
"خير يا أمي. إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي ومقعدك في أوضتي في الضلمة كده؟"
قالها وهو يخلع عنه معطفه وجاكيت البدلة ورابطة عنقه.
أجابته درية بهدوء.
"مستنياك. محتاجة أتكلم معاك في موضوع مهم."
تحدث عاصي بإرهاق وهو يخلع ساعة معصمه ويحضر ملابسه البيتية لياخذ حمامًا مريحًا قبل خلوده للنوم.
"أمي مش وقته. أنا راجع تعبان ومش شايف قدامي. هاخد شاور وأنام. بكرة نبقى نتكلم زي ما انتي عاوزة."
نهضت درية من مقعدها ووقفت أمامه عاقدة فوق صدرها وهتفت بإصرار.
"لا هنتكلم دلوقتي. أنا بقالي أسبوع مش عارفة أتلم عليك. على طول مش موجود ولا بشوفك على الأكل. بتنزل واحنا نايمين وترجع برضه واحنا نايمين. أنا عاوزة أفهم إيه حكايتك بالظبط؟ إيه اللي مشقلب حالك كده؟"
زفر عاصي بحنق كاتمًا غضبه.
"ولا حكاية ولا رواية. الموضوع كله إني مضغوط في الشغل مش أكتر علشان فرع الشركة اللي بأسه هنا واخد كل وقتي مش أكتر."
تحدثت بشك.
"هو ده بس اللي شاغل بالك؟"
"أيوه يا أمي هو ده اللي شاغل بالي. اطمني."
أضافت وهي تجذبه من يده تجلسه على المقعد الذي أمامها.
"ماشي يا عاصي. تعالي بقى اقعد واسمع الكلام المهم اللي عاوزة أقولهولك."
كاد أن يقاطعها ويرفض الحديث، فهو رأسه تكاد تنفجر من شدة الصداع. ولكنها سبقته مقاطعة إياه.
"قبل ما تقاطعني وتقول أي حاجة. أنا عاوزاك تسمعني ووعد مش هطول."
أجابها مضطرًا.
"اتفضلي يا أمي سامعاك."
بللت درية شفتيها وتحدثت بلطف.
"شوف يا حبيبي من غير لف ودوران. أنا عاوزة أفرح بيك زي أي أم ما بتفرح بابنها الوحيد وتشوفه مرتاح ومتهني في بيته مع الست اللي تقدر تصونه وتحفظ اسمه وتخلف له الولاد اللي يتمناهم. وبما إني أمك وأكتر حد يخاف عليك وعلى مصلحتك، فـ أنا مش هلاقي لك عروسة تناسبك وتناسب وضعك غير نسرين بنت خالتك. ها إيه رأيك؟"
نظر لها عاصي قليلًا دون أن يظهر على ملامحه أي تعبير. وما هي إلا ثوانٍ وانفجر ضاحكًا بشدة حتى أدمعت عيناه. ضحك كأنه لم يضحك من قبل. ابتسمت درية بسعادة وظنت أنه يضحك سعيدًا باختيارها له، ولكن تلاشت ضحكتها عندما سمعته يضيف بتهكم بعدما هدأت ضحكته.
"ويا ترى اخترتي لي أسماء أولادي زي ما اخترتي لي أمهم ولا لأ!"
هتفت باستنكار.
"انت بتتريق حضرتك؟"
عقب مستهزئًا.
"أتريييييق... استغفر الله! وده معقول برضه. عاااااصي... بطل طريقتك دي وخلينا نتناقش بالعقل."
هب واقفًا وصرخ بها بغضب وشراسة.
"عققققل! هو انتوا خليتوا فيا عقل وانتوا عمالين ترسموا وتخططوا لحياتي على مزاجكم ولا كأن ليا أي وجود أو رأي في حياتي. قد كده أنا صغير في نظركم لدرجة إن كل واحد فيكم عمال يرسم لي حياتي زي ما هو عايز ونسيتوا إن دي حياتي أنا. أنا عاصي الجارحي اللي عمر ما في مخلوق خلقه ربنا قد يمشي رأيه عليه في حاجة أو يرغمه على إنه يعمل حاجة مش عاوزها حتى لو كانت الحاجة دي فيها روحه. عمره ما هيعملها حتى لو آخر يوم في عمره."
كان يتحدث بانفعال شديد وجسده ينتفض من شدة العصبية وصوت أنفاسه الثائرة كانت تطغي على أي صوت آخر. سألته درية بعدم فهم.
"تقصد إيه بكلامك ده؟ انتوا مين اللي بنخطط لحياتك؟ أنا مش فاهمة حاجة."
أجابها صارخًا.
"انتي وأبويا والوصية وجدي."
قالت بانتباه شديد.
"وصية وجدك! انت بتتكلم بالألغاز! ممكن تفهمني انت تقصد إيه بكلامك ده؟"
"حاضر هفهمك...!"
في نفس الوقت، كان منصور الجارحي مستيقظًا في غرفته بانتظار عودة حفيده الذي رفع راية العصيان منذ محادثتهم الأخيرة ولم يعد يراه أو يتحدث معه. لذلك قرر الجد أنه سوف ينتظره اليوم ليحادثه ويضع معه النقاط على الحروف. استمع الجد لهدير سيارته وهي تلج إلى داخل القصر، فعلم بعودته ولكنه فضل أن ينتظر قليلًا حتى يصعد إلى غرفته ويبدل ثيابه ثم يذهب إليه. وبالفعل بعد حوالي عشر دقائق، استند الجد على عصاه وتحرك خارجًا من غرفته قاصدًا غرفة حفيده. ولكن قبل وصوله إلى غرفة حفيده، استمع إلى صوته العالي وهو يتحدث مع والدته. علم من صوته العالي ما يحدث وما طلبت منه، كما استمع له وهو يخبرها عن الوصية وما يتعلق بها. قرر أن يعود إلى غرفته ويتحدث إليه في وقت آخر عوضًا عن اليوم، خاصة وهو بتلك الحالة. وما إن استدار حتى يعود إلى غرفته حتى وقف مبهوتًا مما سمعه وظل يستمع إليهم وشعور الغدر والخيانة من أقرب الناس إليه ينحر قلبه بسكين بارد.
وقفت درية تلهث بملامح وجه يتقد حقدًا وكرهاً وهتفت تهذي بكلام لم يدرك عاصي معناه بعدما قص عليها كل شيء بالتفصيل.
"مش ممكن... مش معقول...!"
"جميلة... جميلة... قهرتني وهي عايشة وعاوزة تقهرني تاني وهي ميتة. مش كفاية عمري اللي سرقته وهي عايشة. عاوزة كمان تسرق مني ابني. على جثتي!"
قطب عاصي جبينه وسألها بعدم فهم.
"انتِ بتقولي إيه وطنط جميلة الله يرحمها مالها ومال اللي قلتهولك ده؟"
استدارت تنظر إليه بملامح شيطانية ومدت يديها تجذبه من ياقة قميصه تهزه وهي تصيح.
"على جثتي يا عاصي إن ده يحصل. مش هتجوز غفران لو اطبقت السما على الأرض. لو هي آخر واحدة في الدنيا مش هسمح لها تاخدك مني وتعمل اللي أمها عملته زمان."
استغرب عاصي حالة والدته وأطبق على يديها فوق صدره وهتف بهدوء محاولًا تهدئتها.
"اهدي يا أمي. اطمني أنا مش هعمل كده. غفران أختي الصغيرة اللي مربيها على إيديه ومش هتكون غير كده. وعشان كده أنا راجع تاني لندن وطيرتي بكرة بالليل بس المرة دي مفيهاش رجوع. ومش عاوز حاجة أنا مكتفي بشركتي وبس."
توسعت عينيها بعدم تصديق وصرخت به بجنون.
"انت اتجننت! انت إزاي تعمل حاجة زي كده. عاوز تسيب ورثك وفلوسك لبنت جميلة. عاوز تضيع شقى عمري واللي عشت عمري كله أخطط له جاي تضيعه أنت على الجاهز. على جثتي إن ده يحصل. انت هتاخد ورثك ومش هتتجوز غفران."
قالتها بعزم وإصرار شديد. هتف عاصي ساخرًا.
"وده إزاي بقى إن شاء الله. إذا كان الورث مشروط بالجواز؟"
هتفت بغل وكره.
"قضية حجر!"
جحظت عينا عاصي وهتف بذهول.
"آآآآآآآي!"
تابعت تضيف بجمود.
"اللي سمعته. ترفع قضية حجر على جدك. جدك خلاص كبر وخرف وانت الوارث الوحيد له. حتى محامي بثلاث قروش يرفع لك القضية وهتكسبها من أول جلسة وأنا هشهد معاك بكده."
نظر لها عاصي بعدم تصديق وأضاف باستنكار شديد.
"انتي بتقولي إيه. انتي أكيد مش في وعيك. أنا لا يمكن أعمل كده في جدي حتى لو هاخد مليارات الدنيا بحالها. لا يمكن ضميري يسمح لي إني أعمل كده وأبهدل جدي في آخر أيامه واقف قدامه في المحاكم وعلشان إيه؟ علشان شوية فلوس. شوية فلوس ممكن يروحوا في غمضة عين. أقول على جدي مختل أو فاقد للأهلية وأفضحه قدام الناس! ده لو كان هو كده فعلًا عمري ما أعملها. بقيت هي دي نظرت ليا. عقلك صورلك إني ممكن أعمل كده في جدي. طب مفكرتيش فيه هو ممكن يحصل إيه. مفكرتيش في سمعتي وسمعة عيلة الجارحي هتبقى إيه في السوق. مفكرتيش فيا إني ممكن ولادي يعملوا فيا كده في يوم من الأيام."
نظر لها بازدراء قائلًا.
"أنا مش عارف أقولك إيه. بس ظاهر إن أبويا كان عنده حق لما حرمك من ورثك فيه. ظاهر كان شايف وعارف حاجات محدش غيره يعرفها علشان كده عمل اللي عمله."
هتفت بنبرة منخفضة تحاول بها تبرير موقفها المخزي.
"ع... عاصي... انت فهمتني غلط. أنا مش قصدي اللي انت فهمته... أنا..."
انفتح باب الغرفة على فجأة وظهر الجد من خلفه وملامحه يبدو عليها الحزن الشديد.
"أومال قصدك إيه يا بنت أخويا؟"
شحبّت ملامح درية وهربت الدماء من وجهها حتى أصبح في شحوب الموتى وتصنمت في وقفتها ولم تستطع النطق بحرف واحد. بينما هتف عاصي بذهول.
"جدي!"
نظر له الجد بنظرة لم يفسرها عاصي وهتف وهو يتقدم لداخل الغرفة حتى أصبح أمامهم.
"أيوه جدك. جدك اللي الهانم ولدتك وبنت أخويا عاوزاك ترفع عليا قضية حجر وتتهمني فيها بالجنون علشان تاخد فلوسي وفلوس ولادي وأحفادي. بنت أخويا اللي ربيتها مع أولادي وفي بيتي وعمري ما فرقت بينها وبينهم وكنت بعاملها أحسن معاملة. اللي جوزتها ابني الكبير وكنت أبوها مش عمها. حتى لما كان أبوك بيشتكي لي منها ومن طبعها الصعب كنت باجي عليه علشان خاطرها. اللي وقفت لابوك زمان وطردته من بيتي لما كان عاوز يطلقها. كل ده وبرضه لسه زي ما هي حقودة وغلاوية ومش بتحب حد غير نفسها ومش بتفكر غير في الفلوس. أوعى تكوني فكراني مش عارف انتي بتعملي كل ده ليه من يوم ما اتجوزتي أحمد الله يرحمه. أنا كنت فاكر إن الأيام هتغيرك ومعاملة أحمد وحبه ليكي هيغيروكي ويشيلوا الحقد والكره من قلبك الأسود. بس كنت غلطان. السواد اللي معشش جوه قلبك كان بيزيد كل يوم أكتر من اللي قبله. حتى لما ربنا عاقبك وأخد منك ابنك الصغير قلت هتتغيري وتعرفي إن الدنيا فانية وملهاش أمان، لكن لأ. الكره والحقد والغل زادوا أكتر. بس أنا مش هسمح لك يا درية تأذي أحفادي زي ما أذيتي ولادي. مش هسمح لك تعملي مع غفران زي ما كنتي بتعملي مع أمها الله يرحمها. زمان مصطفى وأحمد هما اللي كانوا بيقفوا لك وأنا كنت ساكت، لكن من اللحظة دي ومن بعد اللي سمعته أنا اللي هقف لك وانتِ عارفة منصور الجارحي يقدر يعمل إيه كويس أوي!"
هتفت بتلعثم.
"ع... عمي... أنا..."
صرخ هادرًا بها جعلها تنتفض مكانها من شدة الفزع.
"اخرسي مش عاوز أسمع صوتك."
تغضنت ملامحه بالألم ووضع يده على صدره موضع قلبه وهتف موجهًا حديثه لعاصي.
"وانت؟ عاوز ترجع تسافر تاني ومش همك جدك ولا عيلتك وورثك وشغلك. عاوز تهرب تاني! طب المرة اللي فاتت هربت علشان إحساسك بالذنب إنك كنت المفروض تسافر مع أبوك بدل عمر أخوك الله يرحمهم وحملت نفسك ذنب موت أخوك وإنك المفروض تكون بداله، رغم إن ده مقدر ومكتوب. بس أنا قدرت حالتك وما وقفتش قصاد رغبتك وسبتك تسافر علشان ترتاح وتنسى. رغم إن ساعتها كنت في أمس الحاجة ليك إنك تكون جنبي تقف في ضهري وأنا رجل كبير بيدفن ولاده واحد ورا التاني واخد عزاهم بدل ما هما اللي يدفنوني وياخدوا عزايا. إنما دلوقتي عذرك إيه؟ انطق ورد عليا. عذرك إيه؟"
أطرق عاصي رأسه أرضًا ولم يرد عليه.
"أقولك أنا عذرك إيه. عذرك إننا فرضنا عليك إنك تتجوز. وإن مش انت اللي اخترت. عاصي وعندي طول عمرك. لو عينك على الحاجة وتفسك فيها بس مقلتش عليها واحنا اللي قولنالك عليها. ترفضها وما تقبلهاش وتحاربنا عشانها. عمومًا براحتك. أنا مش هفرض عليك حاجة. عاوز تسافر مع السلامة. الباب يفوت جمل بما حمل. أنا خلاص اتعودت إن مفيش حد يسندني غير ربنا سبحانه وتعالى."
ثم أعطاهم ظهره متحاملًا على الألم الذي يفتك بصدره وتحرك مغادرًا الغرفة بخطوات بطيئة وهو يردد.
"حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الله ونعم الوكيل."
نظر عاصي في ظهره بحزن شديد ولم يعرف بماذا يجيبه، فجده هو أعلم الناس به وبشخصيته العنيدة. فتح فمه وأغلقه أكثر من مرة محاولًا التحدث ولكنه لا يجد ما يقوله. وقبل أن يصل الجد إلى باب الغرفة شعر بالهواء يُسحب من رئتيه وقلبه يكاد يخرج من صدره من شدة الألم وما هي إلا ثوانٍ وسقط مغشيًا عليه على عتبة الغرفة.
صرخ عاصي برعب وهرول إلى جده ينقذه بقلب لهيف فهو لا يستطيع أن يتحمل خسارته هو الآخر.
"جدددددددي!"
بينما ارتسمت معالم الفرحة على وجه درية وهي تدعو بداخلها أن تكون هذه نهاية ذلك العجوز.
رواية غفران العاصي الفصل الثالث 3 - بقلم لولا
كانت تجلس بجانبه على الفراش تطعمه بيدها، فهي لم يغمض لها جفن ولم تشعر بالراحة طوال الأسبوع الماضي منذ أن استيقظت من نومها تلك الليلة على صراخ عاصي، قلبها العالي منادياً باسمه.
"كفاية بقي يا غفران مش قادر، شبعت." هتف بها الجد بتعب.
"يا جدو يا حبيبي أنت مش بتاكل كويس ومش مهتم بصحتك، والدكتور مشدد علينا إنك ترتاح كويس وما تعملش مجهود وتتغذى كويس، وكمان تاخد أدويتك بانتظام."
"أنا الحمد لله بقيت أحسن بفضلك بعد ربنا، إنتي من يوميها وإنتي مش سيباني وواخدة بالك مني كويس أوي."
طبعت قبله على جبينه وعلى كفه، الموضوع فوق صدره وهتفت بحنو وحب صادق: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي وما يحرمنيش منك أبداً."
ملس على شعرها الأسود الطويل: "ويخليكي ليا يا روح قلب جدك. ااااه يا غفران بتفكريني بجدتك الله يرحمها، فولة واتقسمت نصين، أخدتي منها كل حاجة، شكلها وطيبة قلبها وروحها الحلوة. كل ما أبص لك ببقى شايفها هي وهي بتبص لي."
"ربنا يكرمك يا بنتي ويريح بالك ويديكي طول العمر، ويخليك لينا يا رب."
ثم تابعت تضيف بشقاوة محببة إلى قلبه: "قول كده بقي يا سي جدو الحب ده كله مش لله في لله، ده علشان أنا شبهه ملك روحك فانت بتحبني."
ثم تابعت حديثها تضيف بتمني: "آه يا جدو نفسي ألاقي واحد زيك كده في كل حاجة ويحبني زي ما أنت بتحب نانا الله يرحمها كده."
ابتسم الجد بحنو قائلاً بنبرة ذات مغزى ولكنها لم تفهم معناها: "موجود يا روح جدو موجود."
أجابته نافية: "زيك أنت يا جدو استحالة يكون موجود، شباب اليومين دول مش بيعرفوا يحبوا ولا بيقدروا البنت اللي بتحبهم، كلهم بيتسلوا أو بيرتبطوا علشان المصلحة غير كده مفيش. ولو حصل وكان في حب بجد مش بيكمل، يا بتحصل حاجة تخلي ما يكملش يا أما أهاليهم بيقفوا قصادهم ويحاولوا يفرقوهم عن بعض زي ما حصل مع ندى صاحبتي الله يرحمها."
"الله يرحمها." غمغم الجد مترحماً عليها بحزن.
عقب الجد على حديثها مضيفاً بمغزى: "الحب موجود في كل وقت وكل مكان وساعات بنكون مش واخدين بالنا إنه موجود أصلاً، وأحياناً بننكر وجوده، بس لو الحب ده قوي هينتصر وهيظهر ويقف قدام أي عاصفة تحاول إنها تهده، وقبل كل ده النصيب هو اللي بيحكم في الآخر. بس أنا واثق ومتاكد إن ربنا شايلك الخير ونصيبك هتلاقيه أحسن مما كنتي تتخيلي وهتلاقي الحب اللي تستاهليه، والقلب اللي يحبك ويخاف عليكي، لأنك تستاهلي ده وأكتر كمان."
كان يقف على باب غرفة جده يراها وهي تعتني به، فقد اكتشف منذ تعب جده الأخير، جانب جديد في شخصيتها لم يعهده من قبل. فقد كبرت صغيرته وأصبحت أكثر نضجاً وأكثر إحساساً بالمسؤولية ولم تعد تلك الصغيرة المدللة.
كاد أن يدلف إلى الداخل ولكنه توقف يستمع إلى حديثها مع جده. شعر بالاختناق كلما استمعها تسترسل في الكلام. هي محقة فيما تقول، هي تستاهل أن ترتبط بشخص يعشقها لذاتها وليس شخص مجبور على الارتباط بها، وهذا ما يعزز موقفه أكثر وأكثر. فهو لا يريد أن يظلمها معه، فهو لا يراها إلا طفلته وصغيرته وليس امرأته.
على الرغم من أن حديثها هذا يصب في مصلحته إلا أنه يحشره في الزاوية ويضيق عليه الخناق. فهو أصبح بين نارين، فهو لا يقدر على مواجهتها بحقيقة الوصية ويجرح مشاعرها، وفي نفس الوقت لا يقدر على عصيان جده، فحالته الصحية لا تسمح له بأن يواجه عصيانه.
شعر بالغضب يتفاقم بداخله فهو أصبح مقيداً بقيود من نار، لا هو قادر على حلها ولا قادر على تحمل نيرانها.
أخذ نفساً عميقاً يهدئ من النيران المستعرة بداخله وتنحنح يجلي حنجرته وهي يدلف إلى داخل الغرفة وكأنه وصل للتو ولم يستمع لحديثهم معاً.
"صباح الخير." تحدث بصوته الرخيم. ثم اقترب من جده وطبع قبلة حانية على جبينه: "عامل إيه النهاردة يا حج منصور."
أجابه الجد بجمود: "صباح النور. الحمد لله أحسن."
ثم نظر إلى غفران التي كانت تختلس النظرات إليه، فهي منذ اليوم الذي صرخ عليها فيه وهي تتعمد عدم الالتقاء به أو الحديث معه.
"صباح الخير يا غافي. عاملة إيه؟"
رفرف قلبها فرحاً عندما خصها بالحديث. إذاً هو مهتم بها وبحالها. بللت طرف شفتيها وأجابته برقتها المعتادة: "صباح النور. أنا الحمد لله كويسة."
ثم صمتت لثوانٍ وسألته بتردد عن حاله: "وإنت أخبارك إيه."
"أنا الحمد لله تمام طول ما الحج منصور بخير." ثم تابع بمرح ملقياً الأجواء من حولهم: "وهكون أحسن لو خليتي نعمات تعملي قهوتي علشان لسه ما شربتهاش."
نهضت من على الفراش وحملت صينية الطعام الخاصة بجدها وتحدثت بحماس: "هعملهالك أنا." ثم غادرت الغرفة مسرعة لكي تعد له أطيب فنجان قهوة.
تابعه بنظراته حتى غادرت الغرفة، ثم توجه بعدها وجلس على طرف الفراش بجانب جده، الذي كان ينظر له بحزن ولوم.
هتف عاصي بحنان: "لسه برضه زعلان مني وواخد على خاطرك مني؟ طب ما أنا أهو خلاص مسافرتش ولسه قاعد معاك أهو."
تحدث الجد بضيق: "ما أنت مستني لما أخف وهتنفذ اللي في دماغك وتسافر وتسبني. وأنا اللي قلت خلاص هرتاح وجيه اللي يشيل عني ويبقي سندي، لكن لقيتك عاوز ترمي كل ده وراك وتسافر وتسبني لأمك علشان تبهدل فيا وتفضحني قدام اللي يسوى واللي ما يسواش."
هتف عاصي بشراسة: "متخلقش لسه اللي يفكر يمس شعرة منك يا جدي وأنا عايش على وش الدنيا. اللي يفكر بس يقرب منك أو من أي حد من عيلة الجارحي أنا أمحيه من على وش الدنيا من غير ما يرف لي جفن."
هتف الجد بامتنان: "أنا عارف يا حبيبي من غير ما تقول، بس أنا مش قادر على الفراق من تاني، كفاية اللي فارقوني زمان، مش هتبقى إنت كمان."
ربط عاصي على كف جده مطمئناً إياه: "اطمن يا حج منصور أنا مش مسافر، أنا هفضل هنا مش هقدر أتخلى عن مسؤوليتي أكتر من كده."
دلفت درية إلى المطبخ تشرف على الخدم مثل كل يوم، ووجدت غفران تقف تعد القهوة وسمعتها تتحدث مع نعمات قائلة: "خدي بالك من القهوة لا تفور يا نعمات على ما أحضر لعاصي ساندوتش خفيف وعصير يفطر بيهم، ما أنتِ بتقولي مفطرش وكمان عاوز يشرب قهوة سادة على الريق، كده غلط على صحته." قالتها وهي تتحرك هنا وهناك تحضر له وجبة إفطار خفيفة، غافلة عن نظرات درية الكريهة التي تكاد تفتك بها.
هتفت درية بغضب: "في إيه بيحصل هنا بالظبط؟"
أجابتها غفران بعفوية: "أنا بحضر فطار خفيف لعاصي علشان مفطرش."
هتفت درية بشراسة: "مين سمح لك تعملي كده وازاي تدخلي في حاجة مش بتاعتك أصلاً. البيت ده له نظام أظن إنك عرفاه كويس أوي، وعاصي طالما مفطرش معانا يبقى مش هيفطر، ومدام طلب قهوة يبقى قهوة وبس." ثم تابعت بغيظ وحقد وهي تقترب منها حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى أنفاسهم: "ولا أنتِ لقيتيها فرصة وقلتي استغليها كويس وارسمي وخططي براحتي. لااااااا يا بنت جميلة، أنا مفتحة عينيا وواخدة بالي من حركاتك اللي زي حركات أمك، ومش هسمح لك تكرري تاني اللي كانت هي بتعمله زمان، إنتي فاهمة."
صرخت في آخر كلمة بقوة، ثم وجهت كلامها إلى نعمات الخادمة: "نعمات سيبي اللي في إيدك ده وحصليني على أوضتي، بسرعة."
غادرت المطبخ بخطوات تدك الأرض غضباً وحقداً، بينما غفران وقفت تنظر إلى طيفها بحزن وأخيراً سمحت لدموعها التي كانت محبوسة داخل مقلتيها أن تسقط على وجنتها البيضاء الرقيقة. فهي قد اعتادت على أسلوب زوجة عمها القاسي والحاد ولكنها تريد أن تعرف سبباً واحداً لهذا الكره الذي تكنه لها ولوالدتها. فوالدتها رحمها الله الكل يحبها ويذكرها بالخير، وهي لم تفعل ما يجعلها تكررها وتحقد عليها هكذا.
اقتربت منها نعمات وعلى وجهها ترتسم معالم الحزن على تلك الجوهرة الرقيقة وما تلقاه من معاملة سيئة من زوجة عمها باستمرار، ولكنها اليوم كانت أشد قسوة. همت أن تقترب منها ولكنها استمعت إلى صراخ العجوز الشمطاء درية عليها من الخارج، فأسرت تلبي ندائها بعد أن أعطتها غفران نظرة مطمئنة معناها "لا تقلقي، أنا بخير."
سارت بخطوات ثقيلة إلى الموقد تغلقه بعد أن فارت القهوة وانسكبت عليه وشرعت في إعداد واحدة أخرى بدلاً منها، ولكن سرعان ما قذفت ما بيدها داخل حوض المطبخ عندما لمحت طيفه من نافذة المطبخ وهو يستقل سيارته مغادراً القصر.
خرجت من القصر قاصدة غرفتها تغلق على نفسها حتى لا يرى أحد ضعفها وانكسارها، فحتى هو لم يشغل باله بها أو بما طلبه منها ورحل دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عنها أو حتى الاعتذار منها على طلبه.
تجلس مع صديقاتها في النادي تتناول معهم الإفطار بعيداً عن جو القصر الكئيب الذي بات يخنقها. سألتها إحدى صديقاتها: "مقولتيش يا نيسو أخبار الموز ابن خالتك إيه؟ مشوفناهوش يعني من ساعة ما رجع من لندن؟"
نهرتها بحدة طفيفة: "بقولك إيه مالكيش دعوة بيه، عاصي ده بتاعي أنا وبس."
تحدثت أخرى: "لا بجد يا نيسو هو مش إنتي كنتي بتقولي إنكم في حكم المخطوبين، إزاي ولا مرة خرجتم سوا أو سهرتم مع بعض، إنتي حتى بتخرجي وتساهري معانا لوحدك من غيره."
كتمت غيظها منهم وأجابتهم وهي تزيف ابتسامة على وجهها: "أصل هو مشغول في تظبيط الـ business بتاعه هنا وكمان تعب جده هو اللي خلانا نأجل إعلان خطوبتنا، بس أول ما حاله جده تتحسن هنعمل big party ونعلن فيها خطوبتنا وانتوا هتكونوا أول المعزومين أكيد. أسيبكم بقى علشان رايحة لعاصي الشركة، أشوفكم بعدين، بااااااي."
تبدلت ملامحها فور أن غادرتهم إلى الغل والغيظ من عاصي ومن خالتها التي لا تعرف ما الذي يشغل بالها منذ مرض الجد والتي لا تساعدها في أخذ خطوة جادة في علاقتها مع عاصي.
وصلت نسرين إلى الشركة وتوجهت إلى مكتب رئيس مجلس إدارة مجموعة الجارحي، مكتب منصور الجارحي سابقاً، وعاصي الجارحي حالياً.
دلفت إلى مكتبه بعد أن طلبت من مديرة مكتبه أن لا تبلغه فهي تريد أن تفاجئه بوجودها. كان منكباً على المكتب يراجع بعض الملفات، وقفت تتطلع إليه بملامح عاشقة بها لمحة من الهوس. نعم فهي مهووسة به، تعشقه ولا ترى غيره، لقد اختصرت كل رجال العالم في شخصه. تعشقه بكل ما فيه ولكنها تعشق أيضاً النفوذ والأموال التي يمتلكها، فهو بالنسبة لها المصباح السحري الذي سيحقق لها كل أحلامها وطموحاتها. هو لها ولن يكون لغيرها، ستفعل المستحيل لتكون زوجته. حرم عاصي الجارحي. الاسم واللقب وحده يكفيها.
تنهدت بحالمية وسارت بخطوات متمهلة نحوه، فهو يبدو أنه لم يشعر بوجودها. اقتربت منه حتى وقفت بجانبه ومالت عليه وطبعت قبلة على وجنته وهي تبتسم باتساع: "مفاجأة مش كده؟ اتفضل." قالتها وهي تمد يدها إليه تقدم له باقة من الزهور كانت قد جلبتها معها، كلفة رومانسية منها نحوه.
أجفل عاصي من حركتها المفاجئة ونهرها بحدة: "إيه اللي إنتي بتعمليه ده؟ وداخلة كده إزاي؟ والهانم اللي برة دي إزاي تدخلك من غير إذني؟"
انتفضت في مكانها من صراخه عليها وهتفت بخوف وهي تحاول تهدئته: "اهدأ يا عاصي مفيش حاجة حصلت تستاهل عصبيتك دي. أنا اللي طلبت من البنت إنها ما تقلكش إني عاوزة أقابلك علشان عاوزة أعمل لك مفاجأة."
أكمل بغضب أكبر: "وهي أي حد يقولها عاوز أعمل له زفت مفاجأة تقوم مدخلاه من غير إذن، هي وكالة من غير بواب، ده أنا هطلع عينها على إهمالها ده."
تابعت تسترضيه: "يا عاصي هي ملهاش ذنب ماهي عارفة إني بنت خالتك وبشتغل هنا معاك، ثم أنا مش أي حد علشان يدخل لك كده."
رفع إصبعه في وجهها وهتف بتحذير: "أول وآخر مرة تدخلي عليا مكتبي بالطريقة دي، بنت خالتي دي في البيت مش في الشغل، ده أولاً. والحركة اللي عملتيها دي ما تتكررش تاني فهماني، مش هعيد كلامي مرتين."
مالت بجسدها للأمام واستندت بذراعيها على حافة المكتب فأصبحت قريبة منه للغاية، وهتفت تسأله بمكر: "حركة إيه دي اللي مش عاوزني أعملها تاني؟"
نظر لها بغضب ولم يجيبها، ثم أخذ يراجع الأوراق أمامه وكأن لا وجود لها.
اغتاظت من لامبالاته وإهماله المتعمد لها وهتفت تلومه بنبرة حاولت جعلها منكسرة بعض الشيء علها تستميل قلبه العاصي: "انت ليه يا عاصي بتعاملني بالطريقة دي. إنت اتغيرت أوي. أنا كنت فاكرة إنك لما هترجع من السفر هنقرب من بعض أكتر، لكن لقيتك بتبعد أوووي. إحنا طول عمرنا واحنا مع بعض من وإحنا صغيرين."
ليه بعدت عني كده؟
ثم تابعت بلؤم:
ده حتى خالتو بتشتكي منك ومن طريقتك، وإنك مش عاوز تريحها وتسمع كلامها وتتجوز وتفرحها بيك وتجيب لها عاصي جونيور!
كان ينظر لها وهي تتحدث، يقرأ ما بين السطور في حديثها. هو يعرفها جيداً ويعرف شخصيتها. على الرغم من أنها تربت معه منذ صغرها، إلا أنه لم يشعر نحوها بالمسؤولية والالتزام مثلما يشعر نحو غفران. دائماً ما كانت غفران مميزة لديه. بالرغم من تشابه ظروف حياة نسرين وغفران، إلا أنه كان يميل إلى غفران أكثر منها. فنسرين عاشت معهم بعد انفصال والدته وكانت ذات العشر سنوات، وغفران ولدت على يده وفقدت والديها وهي في سن الخامسة. لكن غفران بريئة، نقية، عاطفية وحساسة، رقيقة منذ نعومة أظافرها، عكس نسرين التي كانت عدوانية، لئيمة وشرسة وأنانية وكانت تتعمد إيذاء غفران باستمرار، ولكنه كان يتصدى لها دائماً.
هتفت بنبرة مرتفعة بعض الشيء أخرجته من شروده:
هاااي، روحت فين؟
أجابها باقتضاب:
معاكِ.
سألته مستفسرة:
هااا، مش أنا عندي حق في كل اللي قلته؟
لم يسمع أي شيء من حديثها، ولكنه أجابها كاذباً حتى ينتهي من ثرثرتها:
طبعاً عندك حق.
تهللت أساريرها وهتفت تسأله بلهفة:
بجد!!! بجد يا عاصي اقتنعت بكلامي وهتسمع كلام خالتو وتتجوز زي ما قالت لك؟
زوى ما بين حاجبيه باستغراب وسألها باستنكار:
أتجوز!!!
هتفت مسترسلة بلهفة:
أيوه طبعاً تتجوز، انت دلوقتي رجل مسؤول وسنك مناسب، محتاج واحدة تقف جانبك، تكون واجهة ليك تشرفك وسط مجتمع رجال الأعمال؛ تكون شيك وبنت ناس ومن مستواك، واحدة تعرف تكون زوجة لواحد من أهم رجال الأعمال في البلد.
سألها عاصي متعجباً:
بس كده؟
سألته بعدم فهم:
بس إيه، مش فاهمه؟
أجابها ساخراً:
ولا عمرك هتفهمي يا نسرين.
ثم اعتدل في جلسته وعاود النظر إلى الأوراق التي أمامه مرة أخرى وهتف بجمود:
المهم... اتفضلي روحي دلوقتي علشان عندي شغل كتير وابقي أشوفك في القصر.
تابعت تسأله بإلحاح:
حاضر همشي، بس انت ما قلتش اقتنعت بكلامي ولا لأ وهتسمع كلام أنطي درية ولا لأ.
أجابها بسأم:
طبعاً طبعاً اقتنعت، بس خالي ده سر بيني وبينك ومش لازم تعرفي درية هانم بالكلام ده، وأنا هبقى أتفاهم معاها بعدين علشان يبان إني اقتنعت بكلامها هي مش بعد ما انتي أقنعتيني علشان انتي عرفاها بتضايق من الحاجات دي.
تهللت أساريرها فرحاً وشعرت بقرب ارتباطهم بعد حديثه هذا، فابتسمت باتساع وتحدثت بفرحة:
تمام، وأنا هستناك ما تتأخرش عليا. تشاااو.
نفخ خديه بزهق بعد رحيلها وعاود النظر في الأوراق أمامه فقد أهدر الكثير من الوقت في حديث غير مجدي.
***
وصلت نرمين إلى القصر وهرولت تجري نحو خالتها تعطيها البشارة.
أنطي... أنطي درية... يا أنطي انتي فين؟
كانت تنادي عليها بصوت عالٍ وهي تجري هنا وهناك حتى وجدتها تجلس في غرفة المعيشة تحتسي قهوتها بهدوء وذهنها شارد في البعيد.
دلفت نسرين إلى الداخل وأوصدت الباب خلفها حتى لا يستمع أحد إلى حديثهم أو يزعجهم.
جلست أمامها وحدثتها:
انتي مختفية هنا يا أنطي وأنا بدور عليكي في القصر كله.
أفزعتها من صوتها العالي وحدثتها بزهق:
في إيه يا نسرين، ما أنا قاعدة هنا أهو، هروح فين، إيه اللي حصل لكل الغاغة اللي انتي هملاها دي.
هتفت نسرين بعيون لامعة:
حصل، حصل يا أنطي. عاصي.
سألتها دريه باهتمام:
ماله عاصي، في إيه؟
أجابتها نسرين بتحذير:
هقولك بس توعديني إنك ما تقوليش لعاصي إنك عرفتي مني حاجة أو إنك عرفتي الموضوع من أساسه!
تنبهت حواس دريه بالكامل وأجابتها موافقة:
اتفقنا مش هقوله، بس قولي بقي في إيه.
هقولك. اسمعي يا ستي...
***
في المساء.
عاد عاصي إلى القصر مساءً بعد يوم عمل طويل وشاق. استقبلته نسرين بسعادة واضحة على تقاسيمها، وقد كانت متألقة على غير عادتها، كما لو كانت ذاهبة لحضور حفل ما بفستانها الأسود القصير ذي الأكتاف العارية.
رسمت ابتسامة عريضة على شفتيها وهي تستقبله بحفاوة وتأبطت زراعه قائلة:
حمد الله على سلامتك يا عاصي، اتاخرت كده ليه؟ أنا وأنطي ما رضيناش نتعشى من غيرك وقلنا نستناك نتعشى سوا.
نظر لها باستغراب شديد وجذب ذراعه من يدها وسار مبتعداً عنها هاتفاً بجمود:
أنا متأخرتش، ده معادي.
كان قد وصل إلى غرفة الطعام ووجد والدته تجلس على السفرة بمفردها.
فسأل مستفسراً:
وفين جدي وغفران مش معاكم على العشاء ليه؟
قلبت نسرين عينيها بملل ولم تعقب.
أما دريه فأجابته باقتضاب:
جدك قال مش عاوز ينزل وطلب العشاء في أوضته.
وغفران؟
سألها مستفسراً بوضوح.
توترت نظراتها من جمود ملامحه وهتفت تجيبه بعدم معرفة:
معرفش، هي من الصبح في أوضتها قافلة على نفسها.
نظر إليها مطولاً بغموض، وكلما طالت مدة نظره بها زاد من توترها، مما أكد له ظنونه أن هناك شيء حدث مع غفران متعلق بوالدته.
هز رأسه بهدوء وهتف بنبرة جامدة:
تمام. أنا هطلع لجدي أشوفه، وانتي يا أمي حصليني علشان تعتذري لجدي عن اللي حصل منك.
ثم نظر إلى نسرين وتحدث موجهاً حديثه لوالدته:
انتي بس يا أمي اللي تحصليني. مفهوم؟
حاولت دريه الاعتراض:
بس يا عاصي... أصل.
تحدث بنبرة جامدة لا تسمح بالنقاش:
انتهى!
وغادرهم وتحرك حيث جده.
تبادلت دريه ونسرين نظرات التوجس والقلق فيما بينهما.
وهتفت دريه وهي تتحرك من مقعدها تلحق بابنها منفذة أوامره:
ربنا يستر.
تاركة نسرين وحيدة خلفها تقضم أظافرها غلاً وغيظاً منهم.
أثناء صعوده إلى أعلى، قابل نعمات الخادمة وهي تنزل من ناحية غرفة غفران وتحمل معها صينية العشاء والتي رفضت غفران أن تلمس أي شيء منها.
سألها عاصي مستفسراً عن سبب حالتها تلك:
أيوه يعني إيه اللي حصل لكل ده مخليها قاعدة طول اليوم في أوضتها ورافضة الأكل؟
هتفت نعمات بتلعثم:
م م معرفش بصراحة يا عاصي بيه.
نظر لها نظرة أفزعتها وهتف من بين أسنانه:
نعماااات!
ارتعش بدنها من نظرته وصوته الغاضب، وتحدثت بصوت منخفض وهي تسحبه من يده إلى جانب مخفي عن أنظار دريه الحقودة:
هقول لحضرتك كل حاجة يا بيه، بس سايقه عليك حبيبك النبي ما تقول إنّي قلت لك حاجة.
هتف بغضب مكبوت:
اخلصي يا نعمات وقولي حصل إيه.
حاضر يا بيه... اللي حصل إن الست دريه...
ثم أخذت تسرد عليه كل تفاصيل ما حدث معهم في الصباح.
***
دلف إلى جناحه أخيراً، يسير بخطوات متمهلة وجسد منهك. فقد استطاع أخيراً تخفيف حدة التوتر بين جده ووالدته، بعد أن اعتذرت منه عن ما بدر منها في حقه وعن كلامها الجارح. وبعد تدخلات منه اقتنع الجد وصالحها على مضض، ولكنه يعلم أن جده لم يعد قلبه صافياً من جهة والدته كما السابق، وهو يعطيه كل الحق في شعوره نحوها. ولكن جده سيظل الكبير الذي يحمي الكل تحت جناحه، فقبل باعتذارها، فهي في الأخير ابنة أخيه وأم حفيده.
توجه إلى الحمام لأخذ حمام ساخن يزيل به إرهاق اليوم وينعش جسده المتشنج من شدة التوتر والعصبية.
بعد قليل من الوقت كان يفرد جسده على الفراش نائماً على ظهره، ناظراً إلى سقف الغرفة. يفكر في كل شيء حدث معه من قدومه من الخارج، جده، الشركات، الوصية، والدته ونسرين، وغفران.
غفراااااااان!!!!!
زفر مطولاً وهو يفكر فيما حدث معها اليوم من والدته، وأيضاً حديثها مع جدها عن فارس أحلامها، وقارن بين كلامها وكلام نسرين عن الارتباط والزواج.
وأخذ يفكر ويحلل حتى غلبه النعاس ومازال شعور التخبط والإحساس بالمسؤولية مسيطراً عليه.
***
في صباح اليوم التالي.
كان الجميع ملتف حول سفرة الطعام، وهذا أول إفطار يحضره الجد معهم بعد مرضه الأخير، فحرص الجميع على الحضور احتراماً لعودته مرة أخرى.
دخل عاصي عليهم بطلته المهيبة وحضوره القوي كعادته ملقياً عليهم تحية الصباح وجلس في مقعده على يمين جده وبجانب غفران وأمامه نسرين ودريه.
تحدث بابتسامة صادقة:
حمد الله على سلامتك يا حج منصور، نورت مكانك.
أجابه الجد بحنانه المعهود:
الله يسلمك من كل شر يا غالي يا ابن الغالي.
تنحنح عاصي وتحدث موجهاً حديثه إليهم:
بالمناسبة دي بقي أنا عندي خبر هيفرحكم كلكم.
تهللت أسارير نسرين فرحاً ونغزت قدم خالتها من تحت الطاولة ونظرت لها نظرة بمغزى "مش قلت لك إنه اقتنع بكلامي". وبادلتها دريه نظرة الفرح والانتصار.
أما غفران فقد شعرت بانقباضة في قلبها من حديثه وشعرت أن ما يقوله سيكون سطر النهاية في قصة حبها الوهمية التي نسجتها وعاشتها في خيالها. فركزت نظراتها على صحنها ولم تجرأ على النظر إليه، حابسة دموعها داخل مقلتيها.
كان عاصي ينظر إليهم يتفرس في ملامحهم ليرصد رد فعلهم على حديثه، فاستوقفه حال غفران الغريبة وجهها الأحمر وارتعاش يدها وهي تقبض على ملعقة الطعام.
لم يستطع أن يفهم حالها وظن أنه ربما لا تزال متأثرة بما حدث أمس مع والدته.
تحدث الجد أخيراً يسأله باهتمام:
خير يا ابني، إيه الخبر الحلو اللي عاوز تقوله؟
صمت عاصي قليلاً ملقياً نظرة سريعة عليهم، ولكنه استجمع شجاعته في الأخير ملقياً قنبلته في وجوههم:
أنا بعد إذنك يا جدي أنا قررت اتجوز.
صمت معلقاً باقي جملته يرصد رد فعلهم بعيون كعيون الصقر المتربص لفريسته.
وجد نسرين ودريه قد انتفخت أوداجهم فرحاً وانتصاراً بذلك الخبر.
بينما غفران كانت تقاوم وتحارب دموعها بضراوة حتى لا تسقط منها أمامهم.
تحدث الجد بشيء من التوجس:
ومين دي اللي أمها داعية لها اللي هتكون من نصيب عاصي الجارحي؟
نفشت نسرين صدرها ورفعت كتفيها واشرأبت بعنقها كالطاووس في انتظار سماع اسمها يخرج من بين شفتيه.
وغفران تقود حرباً ضارية داخلها، تحارب السقوط مغشياً عليها من شدة الضغط العصبي والنفسي التي تتعرض له، وألم قلبها الذي ينخر عظامها وهي تجد حلمها يتسرب كالماء من بين يديها، ودموعها التي أغلشت الرؤية أمامها.
وقد كان.
حدث ما جعلها تبكي وتبكي محررة دموعها أخيراً عندما سمعت صوته وهو يقول:
أنا بطلب منك يا جدي إيد غفران على سنة الله ورسوله.
رواية غفران العاصي الفصل الرابع 4 - بقلم لولا
يقف في شرفة غرفته ينظر إلى منظر البحر الممتد أمامه وأمواجه المتلاطمة في قوتها وعنفوانها، والتي تشبه الصخب الذي يدور داخل رأسه.
فاليوم هو اليوم الذي من المفترض أن يكون أسعد أيام حياته، مثله مثل باقي البشر، فاليوم هو يوم زفافه على ابنة عمه. ولكن على العكس، هو لا يشعر بشيء سوى بالاشمئزاز والنفور من نفسه ومن ما فُرض عليه.
فهو منذ ذلك اليوم الذي أعلن فيه رغبته في الزواج منها أمام الجميع وما حدث بعدها يكاد يصيبه بالجنون. لقد اتخذ قراره بعد تفكير طويل، وكان هذا هو الخيار المناسب، حتى ينفذ وصية والده ورغبة جده ويحميها ويحمي أموالهم، وفضل مصلحة العائلة على مصلحته الشخصية وأجبر نفسه على تقبل الأمر.
وأيقن أن الله كتب لهم أن يجتمعوا معًا، وعلى ذلك قرر أن يتزوجها ويعاملها كما أمره الله، ويرعى الله فيها. ولكن رد فعلها الغريب هو ما أصابه بالإحباط وأعاده إلى نقطة الصفر، وأيقن تمام اليقين أنها لا تريده ومجبورة عليه مثلما أُجبر هو عليها في بادئ الأمر.
ويبدو أن القدر يعانده، فهو في صباح اليوم التالي اضطر إلى السفر للندن لحدوث بعض المشاكل في فرع شركته الثاني، مما جعله يسافر على الفور. وكان يعتقد أنه سيعود في خلال يومين، ولكنه اضطر أن يمكث لأسبوعين، كان يواصل فيهم الليل بالنهار لإنقاذ حلم عمره من الضياع، واستطاع بفضل الله أن ينجو من كارثة كادت أن تنهي ما وصل إليه.
وفي خلال الأسبوعين لم يتسن له الحديث معها، فقد قرر جده تحديد موعد زفافهم بعد أسبوعين، وهي بدورها انشغلت في ترتيبات العرس. وها هو عاد في صباح يوم زفافه، ومن المفترض أن يكون في خلال الساعات القادمة جالسًا أمام المأذون عاقدًا قرانه عليها.
شرد أمامه وتذكر حالتها ذلك اليوم، فهي بمجرد أن انتهى من حديثه وإعلان جده موافقته على الزواج، أخذت تبكي وتضحك في نفس الوقت ثم فقدت الوعي. حملها وصعد بها إلى غرفتها وطلبوا لها الطبيب، الذي شخص حالتها على أنها انفعال زائد أدى إلى حدوث زيادة في ضربات القلب أكثر من معدلها وارتفاع ضغط الدم مما سبب لها الإغماء.
وكأن دلوًا من الماء البارد سقط فوق رأسه. فأدرك حقيقة أنها لا تريده ولا تراه زوجًا لها، يعلم ذلك، فهي تراه شقيقها الأكبر فقط. وهي أضعف وأرق من أن ترفض وتعصي أمر جدها، فقبلت الزواج منه رغماً عنها.
زفر بحرقة عندما استمع للطرق على باب غرفته، وصوت نعمات التي تخبره بأن العروس قد انتهت من زينتها وفي انتظاره.
تحرك بخطوات ثقيلة للداخل، ووقف أمام مرآة الزينة يلقي نظرة سريعة على مظهره قبل أن يخرج لهم. فهو اتخذ قرارًا وعليه تحمل تبعاته، فهو لن يتراجع عنه، ولكنه أيضًا لن يعيش مجبرًا على شيء ولا يقبل على نفسه وكرامته أن تعيش معه رغماً عنها. لذلك عليه أن ينفذ الخطوة التالية الفاصلة في حياتهم والتي تضمن لهم العيش بكرامة دون إجبار.
***
ولجت دريه إلى غرفة نسرين، فوجدتها تجلس على فراشها تضم ركبتيها إلى صدرها وتستند بذقنها عليها، تنظر أمامها في شرود بعيون حمراء منتفخة من أثر البكاء.
هتفت دريه مستنكرة حالتها: "هتفضلي قاعدة كده، قافلة على نفسك وهاتك يا عياط لحد امتى؟"
نظرت لها نسرين بكره وهتفت ساخرة بغل: "وانتي هيفرق معاكي حالي في إيه، ما انتِ سعيدة ومبسوطة بجوازت ابنك المحروس من الهانم بنت عمه ولا على بالك حاجة؟ وبقالك أسبوعين بتجري ورا نفسك بتنفذي أوامر منصور باشا الجارحي وبتجهزي لهم جناح seven stars! وأنا… أنا بنت اختك آخر همك ولا كأنك كنتي بتحلمي إني أكون مرات ابنك في يوم من الأيام."
تابعت ساخرة: "اللي يشوف فرحتك دي يصدق إنك فرحانة بجد، ده أنا بنفسي صدقت إنك فعلاً فرحانة لهم! بس أنا بقي مش هسكت والله لخالي حياتهم جحيم هما الاتنين وابنك ده هدفع ثمن لعبتي معايا وضحكتي عليا غالي أوي."
كانت دريه تستمع إليها وهي جالسة أمامها عاقدة ذراعيها حول صدرها. تحدثت بهدوء ما أن انتهت نسرين: "خلصتي اللي عندك؟ أول مرة أعرف إنك غبية وما بتفهميش."
صاحت نسرين صارخة: "أنا غبية! فعلاً عندك حق أنا غبية علشان صدقتك وصدقت حركات ابنك في يوم من الأيام، ده مش بعيد تكونوا متفقين عليا علشان تنيموني وبعدين تضربوا ضربتكم، بس يكون في علمك اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل وعاخد حقي منكم تالت ومتلت."
اغتاظت منها دريه ومن جنانها وهتفت تنهرها بعنف: "اتهدي بقي واسمعيني، أنا مكانش قدامي حل غير إني أمثل إني موافقة على الجوازة دي، علشان حاجات كتيرة أوي… أهمها وأولها إني ما أخسرش عاصي ابني، ولا أخسر الثروة اللي ضيعت أحلى سنين عمري عشانها وعملت حاجات عمري ما كنت أتخيل أعملها في حياتي عشان الثروة دي تبقى من حقي أنا… أنا وبس. وكمان عشان عمي يقتنع إني ندمت على كلامي اللي قلته قبل كده وإني خلاص اتغيرت والدليل إني مش معترضة على جواز ابني من بنت جميلة اللي عارف أنا قد إيه بكرهها. والأهم من ده كله إني هعرف أذل غفران كويس وأعمل فيها اللي مقدرتش أعمله في أمها زمان، هعمله فيها هي وهي بقت مرات ابني. فهمتي ولا أقول كمان؟"
"وعلشان كل ده يحصل لازم تكوني جانبي وتمثلي إنك خلاص رضيتي بالأمر الواقع وإن كل شيء قسمة ونصيب زي ما بيقولوا، وإنك مش أول ولا آخر واحدة حبت ابن خالتها وهو محبهاش."
صرخت نسرين بجنون: "ما تقوليش ما حبنيش! هو.. هو مكانش عارف يشوفني علشان غفران طول الوقت كانت واقفة ما بينا. عارفة لو هي مش موجودة أكيد كان حبني، لأني أحلى وأشيك وأجمل منها. صح مش كده يا طنط؟"
تحدثت دريه بمهادنة كأنها تتحدث مع طفل صغير: "صح يا قلب طنط، هو عاصي هيلاقي زيك فين، بس الظروف هي اللي وصلتنا لكده. بس إحنا هنصبر شوية وهنعرف نغير الظروف دي لصالحنا وننتقم من اللي بعدكم عن بعض. بس الأول كده لازم نهدي ونخطط صح علشان إحنا اللي نكسب في الآخر. اسمعي كلامي وحطي إيدك في إيدي وإنتي تكسبِ وعاصي في الآخر هيكون ليكي. بس اصبري شوية. يلا قومي خدي شاور واجهزي وانزلي وإنتي رافعة راسك علشان الكل يعرف إنك قوية وإن مفيش حاجة تقدر تهزمك والبسي أشيك وأغلى حاجة عندك. علشان الكل يعرف مين هي نسرين الحوفي!"
كانت تستمع لها بإنصات شديد وقد وجدت كلمات خالتها صدى داخلها، فكانت تتسع ابتسامتها ويزداد غرورها كلما تحدثت عنها ويلمع بريق الجشع والطمع داخل مقلتيها، مما جعلها تتحرك كالدمية بين يديها وتنفذ أوامرها.
"حاضر يا طنط.. انتِ صح!" قالتها وهي تنهض لتستعد وتتجهز وتكون نجمة الحفل تحت نظرات خالتها الشيطانية والتي استطاعت التلاعب بها وتوجيهها كيفما تشاء.
***
تجلس أمام المرآة تنظر إلى انعكاس صورتها بانبهار، تكاد لا تصدق نفسها. فقد تحقق حلمها المستحيل في طرفة عين، وأصبحت بين ليلة وضحاها ملكة وعلى اسمه، فقط بعض الإجراءات الشكلية وتصبح زوجته وأمرأته لآخر العمر.
لا تزال تتذكر نبرة صوته الأجشة القوية وهو يطلب يدها من جدها، تقسم أنها أعذب ما سمعته في حياتها. سطر مكون من عدة كلمات بسيطة تعني لها الدنيا وما فيها عندما خرجت من بين شفتيه.
ابتسمت بخجل من نفسها عندما تذكرت رد فعلها الغريب يومها، ضحكت وبكت من شدة فرحتها في آن واحد ومن فرط تأثرها لم تتحمل الفرحة وسقطت فاقدة الوعي بين يديه، وكانت صورته آخر ما رأته عينها قبل أن تستسلم للظلام الذي لفها في طياته. صورته التي عاشت عليها طوال الأسبوعين الماضيين وهو بعيدًا عنها.
تشعر بالضيق منه لأنه لم يحادثها طوال هذه المدة مثلهم مثل حال كل المخطوبين، يسهرون الليل يتحدثون في أمور العشق والهوى. يحكي لها عن مشاعره نحوها، متى وكيف أحبها؟ هل يعشقها منذ زمن مثلها أم من فترة قريبة؟ هل كان يسهر يناجي طيفها في لياليه مثلها أم ماذا؟
لكنها لم تظهر له ذلك، فهي يجب عليها أن تقدر مسؤولياته، فهي تتزوج رجلًا من أكبر رجال الأعمال في البلد، وعليه يجب أن تكون على قدر كبير من الوعي والمسؤولية، وتشعر أنه تزوج من فتاة تقدره وتقدر مشاغله وليس مجرد فتاة صغيرة مدللة. لا بأس، فالأيام والعمر أمامهما طويل يقضيانه معًا ويعرفون كل شيء معًا، ويكتشفون مشاعرهم وحقيقة ما في قلوبهم معًا.
أفاقت من شرودها على صوت خبيرة التجميل تخبرها بانتهاء عملها: "إحنا كده خلصنا شغلنا يا آنسة غفران، ما شاء الله طالعة زي القمر، ألف مبروك وربنا يتمم لحضرتك على خير."
حيّتها برقة: "الله يبارك فيكي، تسلم إيديكي تعبتك معايا."
"تعبك راحة يا هانم، وألف مبروك مرة تانية." قالتها وانصرفت خبيرة التجميل وتركتها بمفردها.
وقفت تتطلع إلى هيئتها أمام المرآة بسعادة بالغة وهي تتساءل في نفسها: هل سيعجب بها؟ هل ستسحره بطلتها الآسرة ويعبر عن عشقه لها في الحال؟ أم هل سيحملها ويدور بها صارخًا بسعادته وعشقه لها كما تقرأ في الروايات وتشاهد في الأفلام؟
ابتسمت بخجل وشعرت بالحرارة تغزو وجنتيها عندما تخيلته وهو يحملها ويدور بها أمام الناس.
قطع تخيلاتها دخول جدها عليها. تقدم الجد منها يسير بخطوات متمهلة مستندًا على عصاه ويطالعها بنظرات تلتمع بها الدموع من شدة الفرح.
حمحم، جلا حنجرته وتحدث بنبرة متحشرجة من فرط التأثر وهو يقاوم العبرات اللامعة في مقلتيه: "ما شاء الله ولا قوة إلا بالله، قمر يا روح جدك. ألف حمد وشكر ليك يا رب إني عشت لحد ما شفت اليوم ده، وأنا بسلمك لعريسك اللي هيقدرك ويصونك ويحافظ عليكي."
طبع قبلة حانية على جبينها وضمه إلى صدره بحنان جارف. لم تتحمل غفران كل ذلك الحنان الذي يغدقها به، فسقطت الدموع من عينيها غصبًا عنها.
ابتسم الجد بحنان وهو يمد يده المجعدة يمسح دموعها وهتف بحنان: "لا، أنا مش عاوز أشوف دموعك الغالية دي، أنا من هنا ورايح مش عاوز أشوف غير ضحكتك الحلوة اللي بتنور لي دنيتي وبتفكرني بحبيبة قلبي ملك روحي."
ابتعدت عنها قليلاً وأخرج من جيبه علبة من القطيفة الحمراء وقام بفتحها وأخرج منها خاتمًا من الألماس القديم خاطفًا للأنفاس على هيئة قلب، كان ملكًا لجدتها رحمها الله. أمسك يدها وأدخل الخاتم في بنصرها الأيمن.
ربط بحنان على كف يدها وهتف بحنو: "الخاتم ده بتاع جدتك الله يرحمها، ومعنديش أغلى منك علشان أهاديها بيه، عاوزك تحافظي عليه زي عينيكِ ويوم ما ربنا يكرمك ببنت إن شاء الله تبقي تلبسيهولها يوم فرحها زي ما أنا عملت كده بالظبط."
ارتمت في أحضانه الدافئة التي طالما كانت ملاذها الآمن والتي كانت تحتويها دائمًا وهتفت بنبرة متحشرجة بالدموع: "أنا بحبك أوي يا جدو، أوووي."
ربط على ظهرها بحنان قائلاً: "وأنا أكتر يا روح قلب جدو. يلا بقي علشان ننزل اتأخرنا على الناس والعريس زمانه مستني على نار." قالها وهو يثني ذراعه كي تتأبطه وتضع ذراعها فيه ليأخذها ويسلمها إلى عريسها.
***
كانت حديقة قصر الجارحي مزينة بشكل خاطف للأنفاس، فقد أشرف على تصميمها فريق من أشهر مصممي الحفلات والأعراس في الشرق الأوسط، حضروا بناءً على رغبة منصور الجارحي لتصميم حفل زفاف يليق باسم عائلة الجارحي. فهو حفل زفاف أحفاد الجارحي أصحاب أقوى كيان اقتصادي في البلاد.
"عاصي وغفران الجارحي". كان يقف وسط الحديقة يستقبل الحضور من الشخصيات السياسية البارزة ورجال أعمال مصريين وعرب. يستقبل هذا، ويرحب بذلك وهو يرسم ابتسامة عريضة على شفتيه يحاول أن يخفي بها ما يعتمل داخل صدره.
تعالت أصوات الموسيقى الصاخبة والتي تشير إلى قدوم العروس. اتجهت الأنظار إلى مصدر الضوء الساطع أعلى الدرج الذي ظهر من خلفه منصور الجارحي معانقًا ذراع حفيدته في ذراعه، ينزل معها الدرج حتى يسلمها إلى عريسها.
وقف أسفل الدرج ينتظر وصولها إليه وهو يراها تتأبط ذراع جده بفستانها الأبيض ذات التصميم الرقيق مثلها، ووجهها مخفي عنه بطبقة رقيقة من التل الأبيض.
وصل الجد إليه، وفتح ذراعيه يحتضنه بفرحة حقيقية. أخذ يربط على ظهره بقوة وهو يوصيه على غفران قبل أن يسلمها إليه.
وقف أمامها وقام برفع الطرحة من على وجهها، كانت مطرقة برأسها أرضًا وترتجف من شدة الفرحة والتأثر.
رفع وجهها إليه، فرأى البدر في تمام اكتماله. كانت فاتنة بحق، رقيقة، جميلة، ناعمة. اتسعت ابتسامته رغماً عنه انبهارًا بحسنها.
وهي كانت تحلق في السماء وهي تراه أمامها بهيئته المهلكة لقلبها بوسامته التي تزداد يومًا عن آخر. تعلقت عيناها بعينيه وهي تنظر له تلك النظرة وكأنها تقول "أخيرًا أصبحت ملك لك وأصبحت ملك لي".
رفع يديه الاثنين وأحاط بوجنتيها طابعًا قلبه رقيقة فوق جبينها. ارتجف قلبها على أثرها.
شبك أصابعه مع أصابع يدها وسار بها نحو طاولة كتب الكتاب الموضوعة وسط الحديقة، وسط تعالي الصيحات والتصفيق والتهليل من الحضور.
وضع يده في يد جده وكيل العروس وأخذ يردد خلف المأذون، وهي تردد خلفه في سرها، ويكاد يتوقف نبض قلبها من السعادة، فأخيرًا بعد سنوات من العشق، الشوق، والفراق تحقق حلمها وأصبحا معًا. حلم حياتها وعشقها المستحيل أصبح زوجها، لها وحدها.
انتبهت على قول المأذون "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير". آمَنت على قول المأذون وهي تبتسم باتساع، وقلبها يدوي داخل صدرها بصخب وهي تخط إمضائها على وثيقة زواجهم.
كانت نسرين تقف بجانب دريه وحالهما لا يختلف عن بعضهما، فكلاهما تنظر إليهما بكره وحقد وغل ولكن لاختلاف الأسباب. فدريه ترى التاريخ يعيد نفسه من جديد عندما كانت تقف في نفس الموقف منذ عشرين عامًا وهي ترى مصطفى ابن عمها وشقيق زوجها وعشقها الوحيد وهو يعقد قرانه على أكثر إنسانة كرهتها وحقدت عليها في الحياة "جميلة". غريمتها التي سرقت منها حلم حياتها وحرمتها من عشقها الوحيد، ترى فيها غفران وهي تسرق منها ابنها الوحيد كما سرقت والدتها منها عشقها وعمرها قبل ذلك.
أما نسرين فكانت نيران الكره والغيرة تكاد تفتك بها وتحرق كل ما حولها، فهي على الرغم من حديثها مع خالتها قبل قليل وإصرارها على الصمود والمواجهة، إلا أن رؤيتهما معًا بتلك الصورة والسعادة الظاهرة عليهما تكاد تقسم أنهم يعشقون بعضهم البعض وقد تحقق حلمهم أخيرًا. وهو ما زادها غلاً وحقدًا وعزمت على أن تفرق بينهما وتحصل على حقها في عاصي مهما كلفها الأمر.
افتتح العرسان فقرات الحفل برقصتهما الأولى معًا. وقفوا أمام بعضهم، ينظرون إلى بعضهم بتوتر. اقترب منها عاصي ووضع يديه حول خصرها النحيف يقربها منه وهو يرسم ابتسامة صافية على شفتيه. رفعت غفران ذراعيها على استحياء تلفهما حول عنقه والخجل والتوتر يكادان يفتكان بها.
أخذ عاصي يتحرك معها على أنغام الموسيقى الهادئة وهو يكاد لا يصدق كل ما يحدث حوله. همس بابتسامة قرب أذنها حتى يتسنى لها سماعه: "مبروك يا غفران." أجابته برقة: "الله يبارك فيك."
تابع يضيف: "طالعة زي القمر." رمشت بعينيها بخجل وشعرت بالحرارة تغزو جسدها، فهو يثني على جمالها. لمعت دموع الفرحة داخل مقلتيها وهي تجيبه بخجل فخرج صوتها مهزوزًا من فرط التوتر والخجل: "ميرسي."
صمتت ولم تعرف ماذا تقول، كانت تريد أن تقول له "وأنت أيضًا سحرتني وخطفت قلبي منذ وعيت على الدنيا" ولكن خجلها وحياؤها يمنعها.
نظر لها ولصمتها ولدموع عينيها التي تحاول أن تخفيها عنه وأخذت الأفكار تتصارع داخل رأسه. صغيرته كبرت وأصبحت عروسًا. بل عروسه!
زفر بحنق مما وصل إليه الحال بهم. هو وضع بين اختيارين أحدهما أصعب من الآخر. ولكنه فضل مصلحة الكل على مصلحته، ولكن أكثر ما يثير غضبه وحنقه أنه يفعل ذلك مجبرًا. وهو الذي لم يجرؤ أحد في يوم ما فرض رأيه عليه. كما أنه لا يريد أن يجرحها أو يخسرها، فهي ابنة عمه وصغيرته التي تربت على يديه. والتي لم يتخيل في يوم من الأيام أن تكون في زوجته، هي شقيقته، أخته، وفوق ذلك أنه لا يرغب أصلًا في الزواج منها أو من غيرها. كما أن سقوطها بين يديه، أكد له رفضها للأمر مثلها هي الأخرى. وأكبر دليل على ذلك هو ارتجاف جسدها بين يديه الآن ولمعان الدموع في عينيها خير دليل على رفضها ونفورها منه.
هذا ما كان ينقصه! سخر من نفسه وإلى ما وصل إليه حاله. عاصي الجارحي يجبر على الزواج ومن تزوجها أُجبرت عليه. وهو العازب التي تتمنى أكبر العائلات في البلد أن يقترن اسمها باسمه. زوجته مجبورة عليه!
كبت غيظه وحنقه بداخله مؤقتًا، فل تنتهِ هذه الليلة على خير ويصبح بعد ذلك لكل حادث حديث.
انقضى الحفل مع الساعات الأولى للفجر والذي أحياه عدد كبير من مطربي الوطن العربي وحضره العديد والعديد من الصحفيين والمصورين، ففرح عائلة الجارحي مادة دسمة ستتناولها صحف المجتمع والمشاهير والاقتصاد لفترة طويلة.
***
دلفا معًا إلى جناحهما الجديد. كان جناحًا كبيرًا يضم غرفة نوم واسعة ذات سرير ضخم ملحق بغرفة ملابس كبيرة وحمام خاص، إلى جانب حجرة معيشة داخل الجناح ولكنها منفصلة عنه بباب زجاج ضخم يسمح برؤية من داخل الغرفة والعكس ولكن توجد له ستائر خاصة ممكن أن تفصل هذا الجزء عن الجناح.
تركها وولج إلى شرفة الجناح المطلة على شاطئ البحر دون أن يتفوه بحرف واحد. فقط الصمت والجمود هما المرتسمان على ملامحه، فهو يحتاج إلى استجماع نفسه وأفكاره قبل أن يتحدث معها عن شكل حياتهم القادمة.
أما هي فقد ارتاحت إلى فعله ذلك، فهي تريد أن تستجمع شتات نفسها وتهدئ من توترها. جلست على الفراش الضخم والذي من المفترض أن يجمعهما معًا.
لا تزال لا تستوعب ما حدث بين ليلة وضحاها، فقد أصبحت منذ سويعات قليلة زوجته. تزوجت من عشقها المستحيل كما كانت تصفه دائمًا بينها وبين نفسها. شعرت بالحرارة تغزو جسدها من مجرد تخيلها أنها ستشارك معه نفس الغرفة ونفس الفراش.
حبست أنفاسها داخل صدرها وهدرت دقات قلبها بعنف داخل صدرها عندما وجدته يدلف من الشرفة بجسده القوي وطوله المديد وهيبته التي طالما خطفت قلبها.
أطرقت رأسها تداري توترها عن عينيه الثاقبة التي تتفرس فيها بنظرات قوية جعلت وجهها يشتعل بحمرة الخجل وقشعريرة غريبة تجتاح جسدها ترقبًا لما هو قادم.
وقف أمامها يشرف عليها بطوله المديد واضعًا يديه في جيب بنطاله يطالعها بنظرات قوية جامدة، ضاغطًا على أعصابه بقوة حتى لا يجرحها ويهينها، فهي في الأول والآخر ابنة عمه الصغيرة الرقيقة، صغيرته. التي تربت على يديه وكان يعاملها مثل شقيقته في الماضي ولكنه أصبح في وضع مفروض عليه ومجبور أن يعاملها على أنها زوجته.
فهو طوال سنوات عمره الثلاثين لم يفرض عليه أحد أمرًا، هو سيد نفسه وسيد قراره. هو عاصي الجارحي اسم على مسمى، لا أحد يجرؤ على عصيانه وفرض رأيه عليه ويأبى الرضوخ والخضوع لأي أمر مهما كان، حتى والده رحمه الله ووالدته لم يفرضا رأيهما عليه في شيء أبدًا. عدا جده الرجل العجوز الذي استطاع بحنكته مستغلًا حبه الشديد له في إقناعه بزواجه منها رغماً عنه، وهو الذي يرفض فكرة الزواج من الأساس وخصوصًا هي تلك الصغيرة.
زفر أنفاسه بحنق وجلا حنجرته متحدثًا بجمود وبنبرة قوية: "احممم، أنا عاوز أقولك كلمتين مهمين علشان كل حاجة تبقي واضحة من الأول."
استطاع أن يجذب انتباهها فرفعت وجهها المشع بحمرة الخجل إليه وهتفت بنبرة رقيقة خافتة من أثر التوتر: "اتفضل."
نظر إلى ملامحها الرقيقة بتردد ولكنه حسم أمره وأخرج ما في جعبته دفعة واحدة في وجهها دون تردد: "الوضع اللي اتحطينا فيه ده اتفرض علينا بس مش هيستمر كتير، ده هيبقى وضع مؤقت لحد الوقت اللي أشوفه مناسب ونعلن فيه انفصالنا. إحنا قدامهم زوج وزوجة لكن بينا إحنا ولاد عم وأخوات وبس."
ثم أضاف بنبرة محذرة: "وطول ما إنتِ شايلة اسمي مش هسمح بأي تصرف غلط منك يقلل من احترامي أو مكانتي قدام الناس، لازم تعرفي إنك شايلة اسم عاصي الجارحي وأنا كمان هحترم إنك مراتي ومش هسمح لحد إنه يهينك أو يقلل منك، إنتِ في الأول والآخر بنت عمي وأختي وهتفضلي طول عمرك في المكانة دي وما تحلميش بأكثر من كده."
هل شعرت يومًا بألم السقوط من سابع سماء إلى أسفل السافلين؟ هل شعرت بانكسار قلبك وتحطمه إلى أشلاء بعدما كاد قلبك أن ينفجر من شدة السعادة والفرح؟
ظللت غفران ترمش بعينيها أكثر من مرة دليلًا على توترها وعدم فهمها لما يقول، وكأن عقلها قد عجز عن فك طلاسم حديثه الجارح.
ابتلعت غصة مسننة جرحت حنجرتها وشقت قلبها إلى نصفين وهتفت تسأله بصوت مجروح، مهزوز النبرة: "اا أنت.. ت تقصد إيه.. بكلامك ده؟"
أجابها بجمود وهو يوليها ظهره، فهو لا يستطيع النظر إلى وجهها الرقيق الذي أصبح شاحبًا بشكل مخيف وكأن دماء الخجل التي كانت تكسوه منذ قليل كأنها لم تكن.
هتف بنبرة قاسية جامدة: "اللي سمعتيه، أظن الكلام واضح ومالوش لزوم إنه يتعاد من تاني. بس اللي عاوزك تتأكدي منه إن الوضع ده مش هيستمر كتير."
أنهى كلماته وهو يسرع في خطواته ودلف إلى غرفة المعيشة يغلق بابها الزجاجي خلفه مسدلاً الستائر عليه لتحجب رؤيتهما لبعض ويختفي خلفها. ولا يعرف هل يختفي منها أم من نفسه.
بينما هي فسقطت جالسة فوق الفراش بانهزام، بروح مذبوحة ودموعها تجري على وجنتيها وقد تحطمت كل أحلامها على صخرة الواقع المرير الذي كُتب عليها أن تعيشه على يده. على يد من ظنت أنه يبادلها عشقها ولكنها أدركت أنها لا تزال تغرق في بحر من العشق المستحيل بعدما ظنت أنها وجدت مرساها أخيرًا.
رواية غفران العاصي الفصل الخامس 5 - بقلم لولا
أشرق الصباح وتوسطت الشمس في كبد السماء، وهي لازالت على نفس جلستها منذ أن أخبرها بحقيقة زواجهم المزعوم.
فقط الذي زاد عليها هي دموع عينيها التي أغرقتها وأغرقت الأرض القاحلة من حولها، ولكنها فقط دموع دون صوت، دون نحيب، دون صراخ… دموع… مجرد دموع!
نظرت إلى ضوء الشمس الظاهر من خلف ستائر الشرفة تتمعن به، فقد أتى النهار بعد الليل، والنور بعد الظلام، إذاً فلكل بداية نهاية، وحياتها التي انتهت قبل أن تبدأ!
تدحرجت عيناها إلى الفراش المزين بالورود الذي كان من المفترض أن يشهد على ليلة من أجمل الليالي التي طالما حلمت بها وتخيلتها.
ابتلعت غصة مؤلمة تسد حلقها حزناً على حالها، ولكنها نفضت عنها هذا الحزن.
هي أبداً لن تستسلم.
سوف تعيش الحياة التي تريدها وتأخذ حظها من الدنيا، فهي تستحق.
ستقف، ستواجه، ستحارب من أجل حقها حتى لو اضطرت أن تحاربه هو شخصياً.
ستحاربه وستنتصر عليه، فإن كان قد أُجبر على الزواج منها فهي لن تُجبر على أن تستسلم له، وإن كان هو ابن الجارحي فهي أيضاً ابنة الجارحي وتحمل نفس دماؤه، التي تجري فيها دماء العصيان والقوة وعدم الاستسلام!
***
يجلس في مقعده ينظر إلى البحر أمامه بشرود، هذه هي حالته بعدما اختفى خلف الستار، ستواري خلفه منها ومن مواجهتها.
لم يغمض له جفن، عقله يعمل ويفكر كالمكوك، غاضب من نفسه ومن الظروف ومن كل شيء حوله.
يعرف أنه كان قاسياً وغليظاً معها، ولكن لم يكن أمامه حل آخر سوى الحقيقة.
ماذا عساه أن يفعل، هذا هو وهذه طريقته، لم يعرف انصاف الحلول أو اللف والدوران، الخط المستقيم هو أقصر الطرق بين نقطتين!
تنهد بقوة، تنهيدة أخرج بها بعض مما يعتريه.
بريد الاطمئنان عليها بعد ما حدث، فهي لم يصدر منها أي رد فعل على حديثه، لم تثور أو تغضب أو تعترض؟
سخر هازئاً من نفسه وتساءل كيف تثور وتغضب وهي مجبرة مثله ولا تريده، ويبدو أن حديثه لقي صدى مرضياً لديها!
ولكنه لم يتركها.
حسم أمره وتقدم باتجاه الجزء الآخر من الجناح ليطمئن عليها، فهي ابنة عمه في الأول والآخر.
فتح الستار وبعده فتح الباب الزجاجي، فوجدها تجلس على الفراش تنظر أمامها بشرود وعيناها منتفخة من أثر البكاء والكحل الأسود سائل على وجنتيها البيضاء.
شعر بقبضة قوية تعتصر قلبه، فحالتها مذرية للغاية، وشعر بقلبه يتمزق حزناً عليها، فهي رقيقة للغاية، لا تستحق ذلك، ولكن ما عساه أن يفعل وهو مجبر هو الآخر؟
تقدم إلى الداخل بخطوات حثيثة، فهو لا يعرف ماذا يقول لها وكيف؟
وقف على بعد خطوات منها وحاول أن يجذب انتباهها إليه منادياً باسمها بصوته الأجش:
"غفران!"
شعرت بوجوده عندما استمعت لصوته وهو ينادي عليها.
حركت رأسها نحوه ونظرت له مطولاً، نظرة تحمل في طياتها الكثير من المشاعر، الألم، الحزن، الخذلان، والتحدي؟
عندما نظرت له، هانت منظر عينيها، ولكن أكثر ما آلمه تلك النظرة التي تناظره بها، نظرة لم ولن ينساها!
هذه ليست نظرة صغيرته التي دائماً ما تنظرها له، هذه نظرة حزينة مجروحة!
نهضت من على الفراش ببطء ورفعت طرف فستانها وتحركت بخطوات بطيئة متجهة نحو المرحاض، حتى أنها تخطته وهو واقف أمامها ينظر لها منتظراً منها أن تصدر أي رد فعل غير ذلك.
ما إن تخطته حتى أمسكها من مرفقها يوقفها أمامه يمنعها من الحركة!
تفاجأت من لمسته لها والتي اهتز جسدها على أثر تلك اللمسة، فهي كانت قريبة منه بشكل كبير، ورائحته التي تعشقها تغزو رئتيها وتعبث بكيانها!
أغمضت عينيها تستنشق رائحته بشوق.
ماذا تفعل في قلبها الذي شب على عشقه ويتمنى وصاله، ولكنه لا يريدها ومجبر عليها؟
فاقت من نشوة قربه عند هذه النقطة ونظرت إلى يده التي تمسك ذراعها، ثم حركت عينها صاعدة إلى أعلى على طول ذراعه وجذعه القوي، مروراً بمقدمة صدره العريض التي تود أن تضع رأسها عليه ويحتويها بحنانه، إلى لحيته الكثيفة التي طالما حلمت أن تلمسها بأناملها، ثم شفتيه الغليظة التي أطلقت منها قذائف مدوية فتت قلبها إلى أشلاء، وأخيراً وصلت إلى عينيه، تلك العيون الشرسة التي طالما وجدت الأمان والاحتواء والحنان.
ظلت تنظر له بصمت تريد معرفة ما يدور بخلده نحوها وما يخفيه بصدره تجاهها!
بعدما نهضت وسارت مبتعدة عنه، أمسكها من ذراعها يوقفها ويمنعها من الرحيل.
لاول مرة يكون قريب منها إلى هذا الحد، تفحصها بنظراته القوية من رأسها إلى أخمص قدميها، لقد تغيرت!
هناك شيء بها مختلف، هل الحزن الذي يكسو ملامحها، أم حقيقة أنها أصبحت زوجته لها تأثير مختلف؟
عندما رفعت عينيها إلى عينيه شعر بشعور غريب نحوها لم يستطع تفسيره، شعور جعل قلبه يهتز داخل صدره!
ابتلع لعابه بصعوبة مما جعل تفاحة آدم تتحرك والتي لفتت نظر غفران، ولكنها أعادت عينيها كما كانت.
تحدث بنبرة مضطربة مهزوزة:
"غ غفران… غفران… أنا… أنا…"
وقفت الكلمات في حلقه، لم يعرف ماذا يقول، نظرة عينيها السوداء تشتت تركيزه!
أفلتت غفران يدها من يده بهدوء وتحركت بصمت، وولجت إلى المرحاض وأغلقت الباب خلفها دون أن تنطق بحرف.
أما هو ظل يتطلع إلى الباب المغلق لفترة وشعر أنه تلقى منها صفعة على وجهه!
***
أغلقت الباب ووقفت خلفه تستند عليه مغمضة العينين تحاول أن تسيطر على دقات قلبها الهادرة بحبه.
يجب أن تقوى ولا تظهر أي ضعف أو استسلام أمامه.
خلعت فستانها وألقته بإهمال تحت قدميها وعبرت من فوقه وهي تدعس عليه كما دُعس على أحلامها.
وقفت تحت المياه الساخنة وغصب عنها انهمرت دموعها بقهر.
فهي كانت تتخيل أن تحظى بحمام صباحية زواجها وهي محمولة بين ذراعي زوجها حبيبها وهي يغازلها بوقاحة ويجبرها على أخذ الحمام معها كما كانت تقرأ في روايتها الرومانسية وتتخيل نفسها وعاصي معاً!
سخرت من سذاجتها ورومانسيتها التي أوصلتها لهذه الحالة وأقسمت أنها ستجعله يتلظى بنار عشقها كما اكتوت هي بنيران عشقه!
أغلقت المياه وخرجت من المرحاض وكلها عزيمة وإصرار على الثأر لنفسها ولكرامتها منه وستبدأ باستخدام أول وأهم سلاح يكرهه الرجل وخصوصاً لو كان مثل عاصي الذي يشعر بنفسه أنه محور الكون.
أما عاصي كان يزرع الغرفة ذهاباً وإياباً بغضب.
هو يكره صمتها، يودها أن تصرخ، تتحدث، تلومه، تسأله، لا أن تظل صامتة هكذا.
استدار على صوت فتح باب المرحاض.
وجدها تخرج منه بعد أن ظل حوالي نصف ساعة يدور حول نفسه.
كانت ترتدي روب الاستحمام وتحكمه بالحزام الخاص حول خصرها بقوة، وتلف شعرها حالك السواد بمنشفة، كانت بحق غفران صغيرته ذات الخمس سنوات عندما كانت تجري من مربيتها وتلعب معها وهي ترتدي مثل ذلك الروب بعد استحمامها.
ابتسامة شوق وحنين لتلك الأيام ارتسمت على شفتيه دون إرادة منه، واسترخت ملامحه التي كانت متجهمة قبل قليل.
دلفت إلى غرفة الملابس وأغلقتها خلفها بعدما لمحته يقف وسط الغرفة ينظر لها ويبتسم تلك الابتسامة المستفزة.
ارتدت بيجاما من الساتان الأزرق ذات أكمام طويلة ومشطت خصلاتها السوداء الرطبة وتركتها حرة خلف ظهرها.
خرجت من غرفة الملابس وتوجهت نحو ستائر الغرفة وأغلقتها بإحكام حتى غرقت الغرفة في الظلام الدامس إلا من ضوء بسيط من لمبات الإنارة الجانبية جانب الفراش.
توجهت إلى الفراش وأزاحت الغطاء من عليه، ثم جلست على الفراش واستعدت لكي تنام!
كل هذا وهو يتابع حركاتها بنظرات محتارة مغتاظة!
"غفران…"
نداها بنبرة قوية غاضبة.
لم تجبه بل أكملت ما بدأته وكأن لم يكن له أي وجود.
اقترب من الفراش حتى أصبح واقفاً بجانبها ونداها بنبرة أكثر حدة وغضب:
"غفران أنا بكلمك، ردي عليا… اطلع بره…!"
"هتفت بها بنبرة هادئة ولكنها حاسمة!"
"اطلع بره…"
قطب عاصي جبينه من كلمتها المفاجئة وتساءل بعدم فهم وكأنه أخطأ السمع:
"انتي قولتي إيه؟"
جاءه الرد الحاسم القاطع:
"بره… قلت لك اطلع بره… نعم يا أختي!"
"انتِ بتقوليلي أنا اطلع بره!"
هتف بها باستنكار وغضب شديد.
قالت بتأكيد:
"آه اطلع بره… أظن أنت شايف إني ظلمت الأوضة ودخلت السرير يعني عايزة أنام، فاتفضل من غير مطرود اطلع بره علشان مش بعرف أنام وفي حد غريب معايا في الأوضة!"
قالتها وهي تضع رأسها على الوسادة وتغمض عينيها دليل على استعدادها للنوم.
كان ينظر لها بفاه مفتوح.
هل طردته من غرفته ونعته بالغريب بل وأنها لم تعرف أن تنام وهناك أحد معها وهي التي كانت تتسلل إليه في غرفته تنام داخل أحضانه وهي ذات الست سنوات؟!!!!
فتح فمه وأغلقه أكثر من مرة يحاول أن يجد الرد المناسب على ما تفوهت به ولكنه لم ينطق بكلمة خاصة بعدما لاحظ استرخاء ملامحها وانتظام أنفاسها دليلاً على أنها غرقت في النوم بمجرد ما أغمضت عينيها كما كانت تفعل في صغرها.
وقف ينظر إليها قليلاً وقرر أنه سوف يتحدث معها عندما تستيقظ، فهي أكيد متعبة وأعصابها متوترة وغاضبة مما حدث.
فلينتظر قليلاً وبعدها يحلها الحلال.
ثم توجه هو الآخر إلى المرحاض لينعم بحمام مثلها ويحاول أن ينام قليلاً هو الآخر، فهو لم ينام منذ الأمس.
وطبعاً لن يجرؤ على النوم في الفراش مثلها، فهو لن يتحمل طردها له مرة أخرى، سينام في غرفة المعيشة على الأريكة!
والله عال على آخر الزمن عاصي الجارحي يطرد من أوضة نومه وينام على الكنبة!
أما هي فكانت ترتجف من الخوف.
فهي ادعت النوم هرباً منه حتى تتجنب بطشه، فهي تعرفه عند الغضب، لا يرى أمامه ويحرق الأخضر واليابس.
كما أنها لم تعرف كيف واتتها الجرأة وحدثته بتلك الطريقة!
كتمت ضحكة كادت أن تفلت من بين شفتيها عندما سمعته يتمتم بجملته الأخيرة اعتراضاً على نومه فوق الأريكة.
………………………………..
في المساء.
على طاولة السفرة كان الجد يترأس الطاولة كعادته وتجلس معه درية ونسرين التي كانت تتأكل من الغيظ والغيرة!
هتفت من بين أسنانها تتحدث بغل:
"مش كنا بعتنا نعمات علشان تنادي للعرسان علشان يتعشوا معانا؟!"
قاطعها الجد معارضاً بحسم:
"محدش هيطلع لهم، دول عرسان، يعني المفروض يبقوا على راحتهم من غير إزعاج."
وبعدين طلباتهم هتطلع لهم لحد جناحهم فمالوش لزوم الزن والإزعاج على الفاضي."
أغاظته نسرين بشدة وأخذت تضغط على سكين الطعام التي بيدها حتى كادت أن تقطمها من شدة الضغط عليها!
وكزتها درية في قدمها من تحت الطاولة وعَلّقت موافقة على حديث عمها:
"طبعاً يا عمي، مظبوط كلامك، هي بس نيسو مش واخدة على الوضع الجديد للعاصي."
صمت قليلاً وأضافت بامتعاض:
"وغفران."
نظر لها الجد وهتف بتهكم:
"بكرة تتعود."
***
قبل قليل في جناح العرائس.
استيقظت غفران من النوم بعد عدة ساعات، وجدت الجناح يغرق في الظلام.
قطبت جبينها وأضاءت مصباح الإنارة بجانبها وأخذت تتلفت حولها باستغراب وعدم استيعاب!
حتى تذكرت أنها تنام في جناحهم الجديد مع زوجها!
سخرت من تلك العبارة.
نفضت عنها الغطاء وقامت تسير بخفة تبحث عنه حتى وجدته نائم في غرفة المعيشة على الأريكة وتارك الباب والستائر مفتوحين.
أغاظته فعلته كيف له أن يفعل ذلك؟؟
ذهبت إليه كي توقظه وتنهره على فعلته ولكنها تراجعت عندما وجدته غارقاً في النوم ويبدو عليه التعب!
أشفقت عليه ولم يطاوعها قلبها أن توقظه.
وقفت ثواني تنظر إليه بعشق ممزوج بالألم.
ثم عادت أدراجها للخلف باتجاه غرفة الملابس وأخذت منها ثيابها وتوجهت للمرحاض لتغتسل وتنزل لأسفل.
***
استيقظ عاصي على صوت إغلاق باب المرحاض.
نظر في ساعة معصمه الموضوعة بجانبه على المنضدة التي تتوسط الغرفة ووجد أن الساعة تشير إلى التاسعة مساءاً.
"إيه ده أنا نمت كل ده؟"
ثم أخذ يحرك جسده ويطقطق رقبته التي تشنجت من نومته الغير مريحة على الأريكة.
بعد قليل خرجت غفران من المرحاض وتوجهت إلى مرآة الزينة تصفف خصلاتها السوداء ورفعت إحدى جانبي شعرها وأطلقت بعض الخصلات على وجهها مما أعطاها مظهراً ساحراً واكتفت بوضع لمسات تجميل خفيفة أبرزت جمالها الهادئ وتتناسب مع فستانها الأحمر المحتشم.
كل ذلك وهو ينظر إليها من خلف الباب الزجاجي بتمعن ويتفحص كل شيء تقوم به بدقة.
هب من مكانه مسرعاً عندما وجدتها تتوجه إلى باب الجناح تنوي الخروج.
نداها بصوته القوي:
"استني عندك؟!"
وقفت مكانها وتحدثت وهي توليه ظهرها دون أن تلتفت له:
"أفندم!"
سألها بنبرة غليظة:
"لابسة كده ونازلة رايحة فين؟"
أجابته باقتضاب وهي على نفس وضعها:
"نازلة تحت."
أغاظه برودها وعدم نظرها إليه وهتف بغضب مكبوت وهو يجز على أسنانه:
"يعني إيه نازلة تحت لوحدك، وبعدين لما أكون بكلمك تبصيلي مش تكلميني وانتِ مديةني ظهرك."
أخذت نفس عميق تهدئ به من حنقها وهي تحدث نفسها:
"اهدي… اهدي…"
ثم استدارت له وهي تعقد ذراعيها فوق صدرها وهتفت بملل:
"اتفضل قول اللي انت عاوزه…"
شتم في سره من طريقتها فهي تنجح في استفزازه ببراعة.
اقترب منها خطوتين وتسأل مستفهماً:
"ممكن أعرف سيادتك كنت نازلة تحت تعملي إيه لوحدك؟"
قلبت عينيها بملل وأجابته بامتعاض:
"نازلة تحت علشان أتعشى مع جدو، وبعدين إيه لوحدك لوحدك دي اللي عمال تقولها لي هو أنا عيلة صغيرة نازلة الشارع وخايفة عليها لا تتوه."
قطع الخطوات الفاصلة بينهم حتى أصبحوا متقابلين ونظر إليها بغضب هاتفاً من بين أسنانه المطبقة:
"غفراااان… عدلي طريقتك معايا… أنتي عمرك ما اتكلمتي معايا بالطريقة دي، بلاش تستفزيني وتعصبيني علشان أنتي عارفة إني لما أتعصب ببقى غبي وأنا مش عايز أتغابي عليكي."
ثم تابع يضيف بتحذير:
"وبعدين ما ينفعش تنزلي تحت لوحدك من غيري علشان المفروض النهارده صباحية جوازنا يعني المفروض الأكل يطلع لنا هنا لوحدنا، ولو عاوزين ننزل نتعشى معاهم يبقى ننزل سوا واحنا مع بعض مش كل واحد لوحده. فهمتي بقى قصدي بكلمة لوحدك ولا لأ."
ردت باقتضاب:
"والمطلوب!"
مسح على وجهه بعصبية واستغفر ربه حتى لا يتهور عليها بسبب برودها وأجابها:
"إن سيادتك تستنيني لما آخد شاور وأغير هدومي وأنزل معاكي تحت."
نظرت له ثواني وكأنها تفكر في الأمر ثم أردفت تقول بفتور:
"اممممم وماله، بس يا ريت تنجز وتخلص بسرعة علشان أنا مش بحب أستنى كتير. وبعدين الوضع ده مش هيطول علشان أنا مش بحب أتقيد بحد، يعني هنزل وهطلع براحتي من غير ما أستنى حد أو آخد إذن من حد."
اقترب منها حد الخطر وهسهس بنبرة خطرة:
"مش أنا اللي تملي شروطك عليه يا هانم، أنا جوزك وليا حكم عليكي وطول ما أنتي على ذمتي الكلمة اللي هقولها هتتنفذ من غير تفكير حتى لو جوازنا ده بشكل مؤقت! وابقي فكري تعصيني وتعصي كلامي وساعتها هتشوفي مني وش عمرك ما تتمني تشوفيه."
كانوا يحدقون في بعضهم البعض بنظرات قوية شرسة من جانبه ونظرات مهزوزة تتعدى القوة من جانبها.
ثم أولاها ظهره دون أن ينتظر ردها على كلامه واتجه إلى المرحاض صافعاً الباب خلفه بقوة مما جعل بدنها يهتز بقوة أجفلتها.
وهي تدعو الله في داخلها أن يجعلها تتحلى بالقوة لكي تجابهه، فهي لن تستطيع الصمود كثيراً أمام قوته وشراسته من جانب وأمام عشقها له من جانب آخر.
***
صمتت درية ونسرين بعد كلمة الجد ولم يتحدثوا بل ظلوا يتناولون طعامهم بصمت حتى استمعوا إلى صوت عاصي القوي وهو يلقي عليهم تحية المساء وغفران تقف بجانبه.
"مساء الخير…"
كانت نسرين أول من انتبه له.
تهلل وجهها بابتسامة عريضة ونطقت اسمه بلهفة:
"عااااصي!"
وكزتها خالتها في ذراعها ونهرتها بنظراتها تحذرها من أي خطأ قد يصدر عنها ونهضت ترحب بولدها وانتظرت حتى ينتهي الجد من الترحيب بهم.
رحب بهم الجد بسعادة هاتفاً بفرحة:
"مساء الخير والهنا على أحلى عرسان في بر المحروسة كلها."
اقترب عاصي منه وقبل كف يده ثم ومن بعده غفران التي ضمها الجد إلى صدره بقوله، وأخذ يربت على ظهرها بحنان:
"ألف مبروك يا نور عين جدك ألف مبروك."
اقتربت دريه من عاصي تضمه بحب:
"حبيبي، مساء الهنا على عيونك يا قلب أمك. مبروك يا حبيبي."
قبل عاصي جبينها وأجابها باحترام:
"الله يبارك فيكي يا أمي."
ثم ألقى تحية عابرة على نسرين:
"إزيك يا نسرين."
ثم تحرك وجلس على مقعده دون أن يدع لها فرصة للحديث!
مما جعل الفرحة التي كانت مرتسمة على وجهها تتلاشى ويحل محلها الغيظ والغيرة.
اقتربت دريه من غفران تضمها إلى حضنها وتقبلها وهي تمثل الفرحة والسعادة بزواجهم.
"ألف مبروك يا غافي يا حبيبتي ربنا يسعدكم."
أجابتها غفران برقة وهي تقبلها من وجنتيها:
"الله يبارك في حضرتك. شكراً."
ثم فعلت مثلما فعل عاصي مع نسرين وتوجهت لكي تجلس مكانها بجانبه، فهم أبداً لم يكونوا على وفاق!
قبضت نسرين على قبضتيها بغل من طريقتهم الفظة معها وجلست مكانها تناظرهم بحقد وغل حتى أنها لم تشعر بأظافرها التي غرست في لحمها وأدمته.
هتفت دريه بسعادة:
"أحسن حاجة عملتها يا عاصي إنك نزلت تتعشى معانا، بدل ما كنت تتعشى لوحدك."
هتف صوت الجد بنبرة تحذيرية:
"درييييه!"
أجابته بتلعثم:
"ق قصدي يعني إننا مش متعودين على العشاء من غيرهم."
نظر لها الجد نظرة آخرستها، ثم نظر إلى عاصي وتحدث مازحاً:
"ها يا أسد طمني، رفعت راسنا؟"
ثعل عاصي بحرج واحمرت أذناه من مغزى حديث جده.
أما دريه ونسرين فانتبهوا بكل حواسهم في انتظار إجابة عاصي، عدا غفران التي لم تفهم معنى كلام الجد ولكنها لم تحاول أن تسأل وانتظرت تستمع لإجابة عاصي لعلها تفهم.
حاول عاصي يجلي صوته ورد باقتضاب:
"الحمد لله يا جدي الحمد لله."
تهللت أسارير الجد بفرحة حقيقية، بينما امتعضت ملامح دريه بغيظ واشتعلت النيران بقلب نسرين والتي تود في تلك اللحظة أن تنقض على عنق غفران تخنقها حتى تزهق روحها كلما تتخيل ما حدث بينهم في غرفة النوم!
هتف الجد بسعادة:
"أسد يا ولد طالع لجدك."
المهم علشان تكون عامل حسابك من دلوقتي أنا هعد تسع شهور من دلوقتي وتكون مسلمني جارحي صغير أنا بقولكم أهو."
حاول عاصي بارتباك وهو يقول:
"إن شاء الله."
أما غفران فقد غرقت في خجلها واحمرت وجنتيها بشدة وقد فهمت على جدها وما يقصده ولم ترفع نظرها من الصحن أمامها إلا عندما وجه لها الجد حديثه:
"قوليلي يا روح جدك، الواد ده مريحك ومبسوطة معاه ولا زعلك في حاجة، قوليلي بس لو عمل حاجة ضايقتك وأنا أملص لك ودانه. ما يغركيش عضلاته اللي فرحان بيها دي، أنا آه رجل عجوز بس هعرف أجيب لك حقك منه ومن اللي يتشدد له."
نظر لها عاصي ينتظر إجابتها على حديث جده.
رفعت غفران نظراتها إلى عاصي تنظر له قليلاً.
ثم نظرت إلى جدها وهتفت تجيبه وهي ترسم ابتسامة مزيفة على ثغرها:
"ما تقلقش يا جدو، أنا كويسة."
ثم عادت بنظراتها إليه مرة أخرى وهي تتابع بمغزى:
"هو في زي عاصي في حنيته وطيبة قلبه."
شعر عاصي بغصة في قلبه من مغزى حديثها وشعر بالذنب نحوها.
أما هي أخذت تنظر إلى دبلة زفافها وتعبث بها وفوقها خاتم جدتها.
لفتت هذه الحركة نظرات دريه والتي اشتعلت كرهاً وحقداً ولم تستطع السيطرة على نفسها فسألتها بشك:
"مش ده خاتم جوازك يا غفران اللي جابه عاصي."
نظرت غفران إلى خاتم جدتها وأجابتها بعفوية:
"ده خاتم نانا الله يرحمها جدو لبسهولي امبارح قبل الفرح وقالي مقلعهوش من إيدي أبداً زي نانا."
"أهااااا…"
قالتها دريه باقتضاب وهي تموت من الغيظ والقهر.
وجه الجد حديثه لهم يسألهم:
"و ناويين تسافروا امتى شهر العسل يا ولاد. على فكرة ده هدية مني ليكم شوفوا حابين تسافروا فين وأنا هخلي مسؤل العلاقات العامة في المجموعة يخلص لكم كل حاجة."
فتح عاصي فمه ليرد على جده، إلا أن غفران أجابته مسرعة:
"لا يا جدو مالوش لزوم، أنا وعاصي قررنا إننا مش هنعمل شهر عسل، علشان مش هنقدر نسيب حضرتك لوحدك وكمان عاصي عنده شغل."
أنهت حديثها وهي تنظر لعاصي بتحدي أن يعترض!
نظر لها رافعاً حاجبه باستنكار لحديثها!
متى تحدثوا؟ ومن سمح لها أن تقرر شيئاً وتقوله عن لسانه وهي جالسة مكانه وكأن ليس له وجود؟
صبراً يا صغيرة صبراً.
تحدث عاصي كابتاً غيظه منها:
"فعلاً يا حج أنا مشغول الفترة دي."
رد الجد معترضاً:
"مفيش الكلام ده هتسافروا يعني هتسافروا، أنا كويس والحمد لله ومش لوحدي معايا ربنا الأحسن من الكل ودرية موجودة. وأنت الشغل مش هيطير هتسافروا يعني هتسافروا."
حاولت غفران الاعتراض:
"بس يا جدو…"
قال الجد بحسم:
"مفيش بس، اللي أقوله يتنفذ ولا عايزني أتعب تاني؟"
ضحك عاصي بشماتة وتحدث وهو ينظر لها بتشفي:
"خلاص يا غافي بقى، علشان جدو ما يتعبش، هتسافر شهر العسل."
نظرت له غفران بإحباط فقد فشلت في أول جولة وانتصر هو عليها ونفذ رأيه كعادته المتسلطة.
ردت باستسلام:
"ماشي اللي تشوفه."
أجابها بزهو وانتصار:
"شطورة يا غافي."
***
بعد العشاء.
في غرفة دريه، كانت تزرع غرفتها ذهاباً وإياباً بغل ونسرين جالسة على أحد المقاعد تتابع حركتها بفتور.
هتفت دريه بغل:
"شفتي الراجل العجوز، مش كفاية إن كل حاجة كتبها باسمها هي وعاصي، لا وكمان رايح يديها خاتم مراته اللي يعتبر ثروة تانية. وأنا… أنا بنت أخوه ومرات ابنه الكبير اللي المفروض ده يكون من حقي أنا. حتى مراته لما كانت عايشة ادته لجميلة تلبسه وأنا لأ ولما ماتت جميلة رجع لها الخاتم تاني. ولما ماتت مراته مفكرش يديهولي وجاي من تاني يديه لبنت جميلة. ااااه يا ناري هموت منهم عايزين يقهروني. بس لأ ما أكونش دريه الجارحي إن ما أخدت كل حاجة منهم وأحرق قلبهم زي ما حرقوا قلبي العمر كله."
نظرت لها نسرين بسخط وتحدثت بملل:
"هو ده بس اللي فارق معاكي ومش فارق معاكي ابنك اللي تمم جوازه من الست هانم، لأ وكمان هياخدها ويسافروا شهر عسل. والهانم معترضة وبتقول: مش هنسافر علشان خاطرك يا جدو."
قالتها وهي تقلد طريقة غفران.
هتفت دريه معقبة:
"مش سهلة وحرباية زي أمها، تتمسكن لحد ما تتمكن. بس أبداً مش هديها الفرصة إنها تتمكن وتبقى ست البيت والكل في الكل طول ما أنا عايشة."
أشاحت نسرين بوجهها عنها وتحدثت باللامبالاة:
"أهو كلام بكرة تشوفي هتبقى هي الآمرة الناهي واحنا خدامين عندها. وابنك اللي انتي فرحانة بيه وهيعمل وهيسوي أهو من أول ليلة خلاها مراته وبكرة تخلف له حتة عيل يهبله وأنا أبقى أخدت أكبر خازوق في حياتي علشان صدقتك."
تحدثت دريه تبخ سمها في أذنيها:
"يا هبلة، مفيش حاجة من دي هتحصل، عاصي متجوزها علشان رغبة جده وحوار الوصية وبس ما أنا مفهماكي على كل حاجة، يعني شوية ويطلقها بعد ما نصيبه في الورث يتسجل باسمه. وساعتها بقى أنا اللي كلمتي هتمشي على الكل وأولهم الراجل الخرفان ده."
نظرت لها نسرين بتحذير:
"طب وأنا؟"
هادنتها دريه فهي وسيلتها في الانتقام من غفران:
"أنتي هتبقي مرات ابني حبيبي."
***
في جناح غفران وعاصي.
دلفت غفران بخطوات راكضة إلى الداخل تسبقه قبل أن يلحق بها ويصب غضبه عليها، فهي تعلم جيداً أنها نجحت في استفزازه وإثارة حنقه بما قالته في الأسفل.
كادت أن تغلق الباب خلفها ولكنها وجدته يقف أمامها بطوله المديد ساداً مدخل الباب بجسده القوي.
كان يقف واضعاً يديه في جيوب بنطاله، ينظر إليها بنظرات متفرسة.
بينما هي تنظر إلى كل شيء عدا عينيه.
تقدم بخطواته يسير إلى داخل الجناح، وكلما تقدم خطوة، ترجع هي نفس الخطوة إلى الخلف، حتى وقفوا في منتصف الجناح بعدما أغلق الباب خلفه بقدمه!
ظلوا يتبادلون النظرات بينهم حتى قطعت غفران حرب النظرات الدائرة بينهم.
هتفت بنبرة مهزوزة:
"إيه؟"
حرك رأسه قليلاً ورفع حاجبه ينظر لها نظرة بمعنى إيه؟ ماذا؟
سألته بتوتر:
"مالك بتبص لي كده ليه؟"
نظر إليها قليلاً ثم أجابها:
"بصراحة بدور على الأسد اللي كان فارد عضلاته تحت وبيتكلم وبيقرر عن لساني وبقول هنسافر ولا لأ."
صمت قليلاً ثم أضاف بنبرة هازئة:
"بس للأسف مش لاقيه، أظاهر إنها كانت حلاوة روح."
هتفت بتلعثم:
"هي… هي مش حلاوة روح ولا حاجة، أنا… أنا قلت اللي المفروض يحصل."
ثم تابعت بغضب وتهكم:
"شهر العسل ده للمتجوزين بحق وحقيقي لكن أنا وأنتي متجوزين كده وكده فمالوش لزوم السفر من أصله."
كبت ضحكة كادت أن تفلت منه على طريقتها الطفولية التي لم تتغير مهما كبرت، لازالت صغيرة بريئة لم تغيرها السنوات.
تحدث بنبرة حاول جعلها صارمة حتى لا تظهر الابتسامة عليه:
"اسمعي بقى، جواز بجد جواز بهزار اللي حصل ده ما بيتكررش تاني، مفيش قرارات تتاخد من غير موافقتي وأنا اللي أقرر هنعمل إيه… واتفضلي يالله جهزي شنطتك علشان طيارتنا بكرة الصبح."
هتفت تتحداه بعند فقد أثار حنقه بتسلطه وتحكمه:
"طب إيه رأيك بقى أنا مش هسافر."
نظر لها ببرود فهو يعلم أنها تستفزه وهتف بلامبالاة:
"براحتك الطيارة الصبح واحنا كده كده مسافرين. مهما تعملي مش هغير رأيي هنسافر يعني هنسافر."
هتفت بعند أكبر:
"مش هسافر يا عاصي."
أجابها بغرور:
"هنشوف."
ثم تحرك من أمامها ودلف إلى حجرة المعيشة وأغلق الباب الزجاجي والستائر حتى لا يراها.
أخذت تدب بقدميها في الأرض وتمتم بكلمات مبهمة تعبر عن غضبها وسخطها منه، بينما هو على الجانب الآخر يضحك باستمتاع على طفولتها التي لن تتغير.
رواية غفران العاصي الفصل السادس 6 - بقلم لولا
وصلوا إلى الأوتيل لقضاء شهر عسلهم المزعوم.
دلفوا إلى جناحهم معاً.
هتفت غفران بصدمة:
"إيه ده؟ هو إحنا هنقعد مع بعض في أوضة واحدة؟ وكمان مفيش غير سرير واحد! هو إنت مش المفروض حاجز أوضتين مش أوضة؟"
أجابها باستغراب:
"مش أنا اللي حجزت، دي العلاقات العامة في الشركة هي اللي حجزت... ثم تابع بتهكم: أكيد يعني مش هقولهم احجزوا لنا أوضتين نوم منفصلين واحنا جايين نقضي شهر العسل... ولا إيه؟"
نظرت له بحنق وأردفت:
"والحل؟"
"أنا هتصرف، هعمل اتصالاتي وأشوف أوتيل غيره."
بعد حوالي ساعة من إجرائه عدة اتصالات للبحث عن أوتيل آخر، ولكنها جميعاً بائت بالفشل.
رفر بحنق وهو يرمي الهاتف على الطاولة أمامه قائلاً:
"مفيش خرم إبرة في باريس كلها فاضي، الأوتيلات كلها full!"
أجابته باستهجان:
"يا سلاااام، إنت بتضحك عليا؟"
تحدث بغضب:
"وأنا هكذب عليكي ليه إن شاء الله؟ إنتي ناسيه إننا في season والأوتيلات كلها محجوزة علشان إجازات الكريسماس! ده حتى الشقق الصغيرة اللي بتتأجر برضه محجوزة."
تحدثت بارتباك وتوتر بعدما أدركت حقيقة المأزق الذي هم فيه:
"طب والعمل، هنتصرف إزاي؟"
تحدث وهو يجلب حقيبة ملابسه يفتحها ويأخذ منها ملابس له:
"عادي، هنفضل هنا، مفيش قدامنا إلا كده. وبعدين أنا مش هاكلك يعني، إحنا مش أول مرة نسافر مع بعض ونقعد في مكان واحد لوحدنا، ولا نسيتي إني ابن عمك قبل ما أكون جوزك؟"
قالت بغضب:
"لا ما نسيتش، بس الكلام ده لو كان جوازنا حقيقي. وبعدين إنت السبب في كل ده علشان أنا أصلاً ما كنتش عايزة أسافر."
استدار لها، يطالعها بملامح غير مقروءة، ثم اقترب منها حتى أصبح أمامها وتحدث بمكر:
"لو هو ده اللي مزعلك، أنا ممكن أتمم جوازنا وأخليه حقيقي!"
رمشت بعينيها بتوتر واحمرت وجنتها خجلاً من تلميحه الجريء، أشاحت بنظراتها عن عينيه المتفحصة لها وتحدثت بتلعثم:
"قـ... قصدك إيه بكلامك ده؟"
قال بنبرة حاسمة:
"اللي فهمتيه... يعني إنتي مراتي وأقدر أعمل معاكي اللي أنا عايزه ومش أي أوضة أو سرير اللي هتمنعني عنك، بس أنا مش هعمل كده... مش عاصي الجارحي اللي هيفرض نفسه على حد هو مش عايزه، حتى لو كان الحد ده إنتي... مراتي!"
قالها وتحرك صوب المرحاض مغلقاً الباب خلفه بقوة، وتركها خلفه تتطلع في أثره بنظرات حزينة وقلب مجروح من كلماته الجارحة، فهو لم ولن يشعر بها أو بعشقها له.
بعد عدة ساعات، بعدما بدلت ملابسها واغتسلت مثله، ظلت جالسة على الفراش تتطلع إلى هاتفها وترمقه بنظراتها من حين لآخر، فهو بعد أن خرج من المرحاض جلس على مقعد بجانب الشرفة يعمل على حاسوبه الخاص ولم يتحدث معها مطلقاً.
أغلق الحاسوب ووضعه جانباً، وأخذ يفرد ذراعيه ويدلك عنقه الذي تشنج من جلوسه لفترة طويلة على تلك الوضعية المؤلمة.
نهض من مكانه وتوجه إلى الطرف الآخر من الفراش وجلس عليه استعداداً للنوم.
تابعت حركاته بنظرات متوترة، ولكنها هبت واقفة على قدميها عندما وجدته يعتدل في جلسته على الفراش دليلاً على استعداده للنوم معها على نفس الفراش.
هتفت تسأله بتوتر:
"إنت بتعمل إيه؟"
أجابها دون أن ينظر إليها:
"زي ما إنتي شايفة، هنام، ولا عندك مانع؟"
هتفت بحدة:
"آه طبعاً عندي مانع، ولما إنت تنام على السرير، أنا هنام فين؟"
أجابها وهو يفرد جسده على الفراش واضعاً إحدى ذراعيه فوق عينيه:
"السرير قدامك كبير ويساعنا إحنا الاتنين."
رفضت بعند:
"لأ طبعاً ما ينفعش."
أجابها وهو على نفس وضعه:
"براحتك، اعملي اللي انتي عايزاه، أنا عن نفسي مش هتحرك من مكاني، كفاية أوي إني في مصر بنام على الكنبة في الليفنج... وبعدين زي ما إنتي شايفة الجناح مفيهوش غير السرير ده وكرسيين مش كنبة."
نظرت حولها تتطلع إلى محتويات الغرفة بيأس، فهو محق، لا يوجد مكان آخر يصلح للنوم، حتى لا يوجد غطاء زيادة في الدولاب يمكنها أن تنام عليه على الأرض.
ظلت بعض الوقت واقفة مكانها توزع نظراتها بينه وبين الفراش بتوتر، وهو يتابعها بنظراته المتسلية من تحت ذراعه، حتى استسلمت أخيراً ونامت بجانبه في أقصى طرف الفراش، حتى أنها سوف تسقط أرضاً إذا تحركت حركة واحدة.
ضحك في سره على توترها وحركاتها الطفولية، وما هي إلا ثوانٍ وغط في نوم عميق، فهو يشعر بإجهاد كبير، أما هي فظلت فترة طويلة مستيقظة وعقلها لا يستوعب فكرة نومها معه في فراش واحد، والتي طالما حلمت بتلك اللحظة، وهو يشاركها فراشه، تنام داخل أحضانه الدافئة، وعند هذه الفكرة ذهبت في ثبات عميق وهي تحلم به يحتــويها بذراعيه داخل أحضانه.
فتح عاصي عينيه عندما تسلل إليه ضوء النهار من خلف الستار.
أغمض عينيه مرة أخرى يستكمل نومه.
عدل رأسه ووضع يده على صدره، ولكنه قطب جبينه عندما وجد يداً أسفل يده.
فتح عينيه وأدار رأسه جانباً، فوجد غفران تنام بجانبه، تكاد تكون ملتصقة به وتضع يدها على صدره غارقة في النوم ولا تشعر بشيء حولها.
أخذ ينظر لها وهي بهذا القرب منه، كم كانت ملامحها هادئة مسترخية، ارتسمت ابتسامة على شفتيه وهو يتفحص ملامحها الرقيقة.
بشرتها ناصعة البياض، وجنتيها الحمراء باستمرار حتى وهي نائمة، شعرها الطويل حالك السواد الذي استطال كثيراً والذي طالما صففه لها قديماً وهي طفلة.
تساءل في سره هل ما زال ناعماً كالحرير كما السابق أم تغير مثل صاحبته؟
رفع يده الحرة بهدوء وملس على شعرها برفق يستشعر نعومته تحت أنامله الخشنة.
كانت تقريباً داخل حضنه، لاول مرة تصبح قريبة منه لهذا الحد الخطر.
شعر بشعور غريب لا يجب أن يشعر به مطلقاً.
رائحتها ممزوجة برائحة جسدها، براءة ملامحها، شعرها المستفز للعبث به، وأخيراً شفتيها الرقيقة الحمراء المضمومة أثارته بشدة.
انتفض جسده فزعاً لهذه الفكرة.
هل غفران الصغيرة أصبحت أنثى تثير رجولته التي لم يسبق لها أن اهتزت من أجل أي أنثى على وجه الأرض؟
أم لأنها أصبحت زوجته؟
فهو كل علاقاته كانت عابرة لم ترتقِ لمرحلة الحب أو الفراش.
بدأت غفران في الاستيقاظ، مما جعله يغمض عينيه يدعي النوم حتى لا يضايقها ويحرجها عندما تدرك حقيقة وضعهم.
فتحت غفران عينيها وأغلقتها أكثر من مرة حتى اعتادت عينيها على الضوء.
اتسعت عينيها على وسعها عندما وجدت صدره الصلب أمام ناظريها وذراعها موضوع فوق صدره.
سحبت ذراعها وابتعدت تجلس في آخر الفراش، واضعة يدها على فمها تكتم بها شهقة كادت أن تخرج منها.
هل نامت داخل أحضانه كما حلمت طوال الليل، أم أنها لا تزال تحلم؟
نظرت حولها تتأكد من استيقاظها، فوجدت أنها بالفعل مستيقظة وكانت تنام داخل أحضانه واضعة يدها حول صدره.
ابتسمت رغماً عنها وعضت على شفتيها خجلاً من فعلتها.
ظلت تنظر إليه بحب وكم تمنت لو تستطيع النفاذ إلى داخل عقله وقلبه وتسكنهم كما يسكنها هو.
حاربت رغبة ملحة داخلها في لمس ملامحه التي تعشقها، تتحسس خشونة ملامحه تحت أناملها.
ظلت سارحة في ملامحه وقربه منها، حتى أنها لم تشعر به عندما استيقظ إلا عندما ألقى عليها تحية الصباح.
عاصي بصوت متحشرج من أثر النوم:
"صباح الخير."
أجابته بخجل وهي تشيح بنظراتها عنه:
"صباح النور."
نهض من على الفراش وحدثها بنبرة جامدة:
"يا ريت تجهزي على ما آخد شاور علشان ننزل نفطر وبعدها نلف في البلد شوية... ده لو تحبي."
تلاشت فرحتها بسبب جموده معها وإحساسها بأنه يفعل ذلك دون إرادته.
فأجابته بإحباط:
"متشكرة لاهتمامك، ما تشغلش دماغك بيا، تقدر تشوف اللي وراك وأنا لو حبيت أخرج هخرج لوحدي."
نظر لها بغيظ منها ومن نفسه ولا يعرف ماذا عليه أن يقول أو يفعل، فهناك حالة من التخبط تحدث بداخله.
تحدثها بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
"اطلعي من الحمام تكوني جهزتي علشان ننزل."
ثم تابع بتحذير:
"ومش عايز أسمع حوار إنك تنزلي لوحدك ده تاني، مفهوم!"
ثم دلف إلى المرحاض صافقاً الباب خلفه بعنف هارباً من نظراتها التي تلومه باستمرار.
بعدما انتهوا من الفطور، تحدث عاصي بطريقة لطيفة نوعاً ما، فهو قد شعر بغلظته معها:
"غفران هانم تحب تبدأ جولتك السياحية في باريس بأيه؟"
أجابتها بلامبالاة:
"أي حاجة مش فارقة."
حدثها بعتاب:
"إزاي مش فارقة، طب إيه رأيك، إنتي طول عمرك نفسك تروحي ديزني لاند، إيه رأيك نروح دلوقتي؟"
لمعت عينيها بسعادة وسألته لكي تتأكد من جدية حديثه:
"إنت بتتكلم بجد؟ هتوديني ديزني؟"
ابتسم على فرحتها وكأنه باقتراحه البسيط أعاد البريق لعيونها الجميلة.
أمسك يدها يوقفها معه بعدما نهض هو الآخر من على طاولة الطعام في مطعم الفندق وتحدث مبتسماً لسعادتها:
"طبعاً هنروح، غفران تأمر وعاصي عليه التنفيذ وبس."
ابتسمت بفرحة حقيقية واقتربت منه ووضعت شفتيها على وجنته تقبله بشقاوة كما كانت تفعل في صغرها معه عندما يلبي لها إحدى مطالبها، وكان دائماً يسمعها تلك العبارة التي قالها للتو:
"ربنا يخليك ليا يا عاصي... أنا بحبك أووووي...!"
قالتها بعفوية شديدة دون أن تقصد بها أي شيء سوى تعبيرها عن امتنانها له.
تجمد عاصي مكانه من فعلتها وخفق قلبه بقوة من كلمتها.
على الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي تقبله فيها بهذا الشكل، فهي كثيراً ما فعلتها قديماً، ولكن الآن ومع قولها أنها تحبه، لها وقع مختلف عليه أصابه بالتخبط.
عضت غفران على شفتيها خجلاً من فعلتها وأطرقت برأسها أرضاً تتحاشى النظر إليه بعدما قبلته وقولها بأنها تحبه.
ماذا سيقول عنها الآن؟
رفع يده إلى فمها وحرر شفتيها من بين أسنانها وهمس بصوت متحشرج وهو ينظر إلى شفتيها برغبة:
"أوعي تعملي كده تاني في شفافيك وخصوصاً قدامي... هااااااااا..."
قالتها بتوهان بعد حركة يده الجريئة على شفتيها وهمسه الذي خدرها.
حمحم بارتباك وقد فاق من سحر اللحظة بقربها وجذب يدها يسحبها خلفه إلى الخارج:
"يلا علشان ما نتأخرش."
قالها وهو يجري هارباً منها ومن مشاعره غير المفهومة، ولكن أكثر ما يؤرقه هو ملمس شفتيها الرقيقة الناعمة الذي لا يزال عالقاً بأنامله.
انقضى شهر العسل وحالة التخبط تزداد داخل عاصي، أصبح يرى غفران بشكل مختلف واكتشف بشخصيتها جوانب عديدة مختلفة وشعور غريب بالانجذاب بدأ يزداد بداخله، ولكنه دائماً ما يقتله بداخله ويرجعه إلى التعود على وجودهم معاً بمفردهم.
أما غفران فحالها لا يختلف كثيراً عنه، فهي أصبحت لا تستطيع فهمه، أحياناً هادئ حنون، وأحياناً عصبي وقاسي، أحياناً تشعر بانجذابه نحوها وأحياناً هروبه منها.
رغم مشاركتهم نفس الفراش لمدة أسبوعين إلا أنه لم يتعدَّ حدوده معها، ولكن نظراته تشعرها بشعور في اللحظة الواحدة مابين إعجاب، شوق، رغبة وهروب.
وصلوا إلى قصر الجارحي وكان الجميع في استقبالهم، وعلى رأسهم الجد الذي فرح بعودتهم كثيراً.
"حمد الله على السلامة يا ولاد، القصر كان وحش ومظلم من غيركم." قالها الجد ببشاشة وهو يضم كلاً منهم إلى أحضانه.
"الله يسلمك يا حج، القصر منور بوجودك."
"الله يسلمك يا جدو."
اقتربت درية تعانق عاصي بحرارة فقد اشتاقت له كثيراً.
اقتربت من غفران وضمتها إلى أحضانها تتصنع محبتها واشتياقها لها وتحدثت باصفرار:
"حمد الله على سلامتكم، وحشتونا."
نزلت نسرين الدرج مسرعة وعينيها لا تبصر إلا عاصي.
اقتربت منه وتعلقت بعنقه وقبلته من وجنتيه وهتفت بشوق:
"حمد الله على السلامة يا عاصي، وحشتني أوووي."
ثم مدت يدها إلى غفران بتكلف وحدثتها بفتور:
"حمد الله على السلامة."
ثم أضافت بخبث عندما وجدت وجه غفران قد احمر من شدة الغيظ والغيرة نتيجة فعلتها:
"سوري يا غفران، أوعي تكوني زعلتي لما بست عاصي."
ثم أضافت بمكر:
"إنتي عارفة عاصي يبقى إيه بالنسبة لي!"
نظر لها الجد باستنكار لفعلتها الجريئة، فهو يعلم نواياها تجاه عاصي وقد اعتقد أنها سوف تنساه بعد زواجه من غفران، ولكن يبدو أنها لن تستسلم بسهولة وعليه أن يعيد حساباته معها من أول وجديد حتى لا تفسد حياة أحفاده.
نظرت درية بابتسامة متشفية لملامح غفران وقد استطاعت نسرين أن تعكر صفو مزاجها.
كادت غفران أن ترد على نسرين، ولكن يد عاصي التي رفعها في وجهها كعلامة لكي تصمت أصابتها بالغضب الشديد وجعلت دريه ونسرين يبتسمون باستمتاع وتشفي ظناً منهم أن عاصي تقبل حركة نسرين وسيوقف غفران عند حدها حتى لا تتمادى معها.
ولكن ذهبت أحلامهم أدراج الرياح عندما تحدث عاصي بجمود موجهاً حديثه لنسرين:
"غفران ما ضايقتش ولا حاجة، لأن حركة زي دي متأثرش فيها ولا فيه، وبعدين دي آخر مرة يا نسرين تسمحي لنفسك إنك تتعدي حدودك معايا أو مع غفران سواء بالكلام أو الفعل."
"واللي حصل من شوية ده ما يتكررش تاني."
ثم نظر إلى غفران التي كانت تنظر إليه وقلبها يدوي داخل صدرها بسعادة وامتنان لرده على نسرين، وأطبق على كف يدها بيده الكبيرة ووجه حديثه إليهم قائلاً:
"عن إذنكم هنطلع نرتاح شوية من تعب السفر، ونبقى نتقابل سوا على العشاء."
قالها وسحب غفران خلفه متوجهين إلى جناحهم.
"وأنا كمان هرتاح في أوضتي لحد العشا." قالها الجد وهو يغادر مبتسماً برضا على حديث عاصي والذي حفظ كرامة زوجته أمام الجميع.
هتفت نسرين بغل وهي تعض على أصابعها غيظاً من عاصي:
"شوفتي ابنك عمل إيه؟ بيحرجني ويكبسني قدامها بالمنظر ده."
"طبعاً ما الهانم أكلت بعقله حلاوة في شهر العسل وبقت الكل في الكل."
"بس لآآآآآ، ما أبقاش نسرين الحوفي أما طيرتها من طريقي وأخلي عاصي بكل هيلمانه ده ملك إيديا."
نظرت لها درية وهتفت تسألها مستفسرة:
"ناوية على إيه يا نسرين؟"
نظرت أمامها والحقد والغل يلمعان داخل مقلتيها وحدثتها بغرور:
"كل خير إن شاء الله!"
ترك كفها مجرد ما دلف إلى جناحهم.
تطلعت إليه باستغراب، وحدثته قائلة:
"ميرسي إنك رديت على نسرين بالطريقة دي... أنا كنت..."
قاطعها منهياً النقاش بحسم:
"أنا معملتش حاجة عشان تشكريني عليها، أنا عملت كده عشان أنا مش بحب طريقتها دي، وبعدين أنا قلت لك إني هحترمك ومش هسمح لحد يجي على كرامتك طول ما اسمك مرتبط باسمي، مش عشان خاطر أي حاجة تانية."
قالها وهو يدلف إلى غرفة المعيشة هارباً من شيء ما بدأ يشعر به نحوها ولكنه يحاربه بقوة.
مغلقاً خلفه الباب الزجاجي واضعاً الحدود بينهم من جديد.
على طاولة العشاء.
تحدثت نسرين موجهة حديثها إلى عاصي وكأن ما حدث قبل ساعات لم يكن:
"عارف مين بيسأل عليك يا عاصي ونفسه يشوفك أوووي."
نظر إليها عاصي وهو يقطع قطعة اللحم بالسكين وسألها دون اهتمام:
"مين؟"
"آسر الراوي رجع من السفر وعايز يشوفك، ده حتى ما صدقش إنك اتجوزت."
"وعشان كده عازمنا كلنا عنده على حفلة رأس السنة بعد يومين في القصر عندهم."
عقبت درية على حديثها تؤيد حديثها:
"أيوه فعلاً، حتى دولات هانم الصاوي والدته كلمتني وعزمتني وأكدت عليا إن كلنا نحضر الحفل وأولنا إنت يا عمي."
أجابها الجد برفض:
"أنا لأ، روحوا انتوا اسهروا وانبسطوا، لكن أنا كبرت على السهر ومش بستحمل الدوشة."
سألته نسرين بترقب:
"ها قلت إيه يا عاصي؟"
أجابها بلامبالاة:
"عادي يعني مش فارقة، أنا وآسر الصاوي مش أصحاب أوي، الموضوع كله بيزنس مش أكتر."
"لكن لو إنتوا حابين تروحوا مفيش مشكلة، إحنا مش مرتبطين مع حد ليلة رأس السنة، مش كده يا غفران؟"
وجه لها الحديث فهو يكره حالة الصمت والتجاهل التي تتبعها معه من حين لآخر.
يعرف أنها رداً على فظاظته معها ولكنه لا يعرف ماذا يصيبه حينما تصمت هكذا.
أومأت برأسها دون قول شيء مما جعل الغضب يزداد بداخله.
ابتسمت نسرين بخبث وهي ترى خطتها تسير بنجاح نحو هدفها.
كانت تتحدث في الهاتف بصوت منخفض وهي تجلس على الفراش في غرفتها.
"عرفت هتعمل إيه، مش عايزة غلطة وكل اللي قلت عليه تنفذه بالحرف الواحد. إنت ليك عليا إني هبعدها لك عنه عشان يخلي لك الجو والطريق يكون فاضي قدامك، وساعتها بقى وريني هتعمل إيه."
أتاها صوته الماكر قائلاً:
"هتشوفي اللعب على أصوله، دي فرصتي وجت لحد عندي وأنا لا يمكن أسيبها تروح من إيدي أبداً."
أغلقت نسرين الخط وهي تنظر أمامها وعلى وجهها ترتسم ابتسامة شيطانية وهي تقول بغل:
"أما نشوف بقى يا ربه الصون والعفاف، عاصي باشا الجارحي هيعمل إيه لما يشوفك في حضن حبيب القلب القديم. مش بعيد يدفنك مكانك عشان ساعتها أخلص منك وللأبد."
رواية غفران العاصي الفصل السابع 7 - بقلم لولا
الفصل السابع
كانت تقف امام المرآة تضع اللمسات النهائية لكي تستعد للذهاب الي حفله آسر الراوي ….
كانت ترتدي فستان احمر ناري اللون ذو اكتاف عاريه نسبياً اظهر عنقها الابيض الطويل وعضه الترقوه خاصتها بسخاء ، قصير يصل الي ركبتيها وله ذيل طويل من الخلف يصل الي كاحلها ، واطلقت خصلاتها السوداء منسدلاً علي ظهرها في تمويجات كثيفه اعطاها مظهر ساحر ….
انتهت من وضع احمر شفاه ناري بنفس لون الفستان وقامت برش عطرها المميز علي عنقها وخلف اذنها ،وابتسمت برضا علي شكلها فهي كانت مزيج رائع من البراءة والانوثه!!!
خرج عاصي من غرفه الملابس وهو يلبس جاكيت بدلته السوداء التوكسيدو ولكن يده تعلقت في الهواء عندما ابصرها بتلك الهيئه المهلكه لاعصابه!!!
شعر بسخونه تجتاح جسده فقد اثاره مظهرها بشده، جسدها البض الملفوف باغواء داخل هذا الثوب المثير بلونه الساخن الناري الذي عكس بياض بشرتها الحليبه !!!!
ابتلع رمقه بصعوبه فقد جف حلقه من شده جمالها الاخاذ.!!!!
لمحته غفران في المرآه فقد انعكست صورته امامها حبست انفاسها داخل صدرها من شده وسامته وقفت تتطلع اليه مبهوره به ، اتسعت ابتسامتها بسعاده فهذا الوسيم زوجها اخذت تتلذذ بنطقها وشعور بالفرح يغمرها ….
نظرت اليه وهو يتطلع اليها بتلك الطريقه ولكنها لم تستطع تفسير نظراته وتسألت هل اعجبته طلتها ام لا؟؟
تحدثت تسأله عن رأيه فيها وهي تدور حول نفسها حتي يتثني له رؤيتها بوضوح: هاااا ايه رأيك عجبتك؟؟؟
هذا ما كان ينقصه ان تلف امامه بجسدها المهلك لاعصابه …
تحدث بهمس بالكاد وصل اليها : جداااًً ..تجنني .
اقتربت منه حتي وقفت امامه وقالت: بتقول ايه مش سمعاك عالي صوتك …
انتبه علي حاله وحمحم يجلي حنجرته وهتف بنبره متحشرجه من التوتر والاثاره: كويسه .
قالت باحباط من رده: كويسه …طيب…!!
ثم تابعت تضيف بجمود : عموماً انا جاهزه لو انت خلصت يالا علشان ما نتاخرش عليهم …
قطب جبينه بغضب وشعر بنار تحرق صدره لتخيله انها سوف تخرج ويراها الكثير والكثير من الرجال بتلك الطله المهلكه !!!!
سألها بعدم فهم : جاهزه ازاي يعني ، مش انتي لسه هتلبسي؟؟
نظرت له وكأنه نمي له رأس أخر فوق رأسه وهتفت تجيبه بتعجب: لسه هلبس ايه بس ، بقولك جاهزه ولابسه قدامك اهو ….’قالتها وهي تدور مره اخري حول نفسها امامه ..
نطق بغضب من بين اسنانه : ادخلي غيري اللي انتي مش لبساه ده والبسي حاجه تانيه …
نعععععععم!!! قالتها باستنكار شديد لما تفوه به ..
قال دون ان ينظر لها وهو بتابع ارتداء جاكيت بدلته : اللي سمعته مش هكرر كلامي .
اغتاظت من غطرسته وغروره وهتفت بعند: وانا مش هغير حاجه وهروح الحفله كده ….
ثم تحركت متجهه قاصده باب الجناح لتنزل الي اسفل وتتركه وحده ….
وقبل ان تصل الي باب الجناح كان يقبض علي معصمها بقبضته الفولاذيه ، جذبها بقوه وادارها اليه مما جعل جسدها يرتطم بقوه في صدره وهو يقول : استني هنا مفيش نزول …،
انحبست انفاسهم معاً ونفذ الهواء من حولهم في الغرفه ، اصبحوا يتنفسوا انفاس بعضهم سوياً …
فقد كانوا قريبين من بعضهم بشده لدرجه تلامست انوفهم معاً!!!
اغمضت غفران عينيها تستمتع بسحر لحظه قربه منها واستنشاق اكبر قدر من رائحته داخل صدرها ، لطالما حلمت كثيراً ان تكون بمثل هذا القرب منه ..
اما هو فقد تاه في قربها وجسدها البض الذي يلتصق بجسده الصلب بتناغم فطري وكانهم خلقوا لذلك …
ورائحتها المسكره التي خدرت والهبت حواسه ، رفع ذراعه لا ارادياً واحاط خصرها به يقربها منه اكثر .
فتحت غفران عينيها ببطيء عندما شعرت بيده تحيط بخصرها، هالها النظره الغريبه التي يناظرها بها …
كانت عينيه تحوي الكثير من المشاعر والمعاني التي لم تستطع قراءتها ولكن نظرته في تلك اللحظه مختلفه كلياً عن غيرها …
عندما رفعت نظراتها اليه ، سرح في بحر عينيها السوداء واخذ يسبح فيهم عله يجد شط يرسي عليه ،
ظلوا مده علي تلك الحاله واصبحت غفران ترتجف بين يديه كورقه شجر امام ريح عاتيه تعصف بها ، اما هو فكاد جسده ان ينفجر من شده ضخ الدماء وهدرها داخل عروقه …
اقترب اكثر واكثر حتي كادت ان تتلامس شفاههم ، اغمضت غفران عينيها مره اخري وهي في انتظار استقبال شفتيه لتحلق معه في سماء عشقه الذي لطالما حلمت به….
ولكن تعالي صوت الطرق علي باب الجناح وصوت دريه من خلفه ينادي عليه يستعجلهم .، اخرجهم من لچة مشاعرهم المحمومه !!!!
انتفض جسدهم معاً علي صوت الطرق علي الباب ، واول من فاق كان عاصي الذي نفض ذراعيه من عليها واعطاها ظهره وهو يتنفس بصعوبه وغضب ….
صمت لثواني يستجمع نفسه وهتف بجمود يداري به تأثره بها : قدامك عشر دقايق تغيري اللي انتي لبساه ده وتحصليني علي تحت ده لو انتي حابه تروحي الحفله …
ثم اختفي سريعاً من امامها يخرج من الجناح بخطوات سريعه غاضبه تاركها خلفه تجاهد لاستجماع نفسها بجسد مرتحف وقلب تحطم الي اشلاء تحت قدميه بفعل هروبه منها ورفضه لها وكانها وباء معدي يخاف علي نفسه منه ….!!!
…………………
في قصر الرواي ……
يقف آسر الراوي في وسط حديقه قصره الكبير المزينه علي احدث الطرز يستقبل المدعويين لحفلته …
كانت الحفله تجمع مجموعه كبيره من رجال المال والاعمال والسياسين وكريمه المجتمع المخملي …
*آسر الراوي: 32 سنه ،رجل اعمال ، وسيم ، مطلق ،و زيرنساء من الدرجه الاولي ، يغير ويبدل بين النساء كما يغير بدلاته !!!
دلف الي داخل الحفله بسير بخطوات ثابته قويه وطلته ذات الهيبه التي لا تليق الا به ،وهو يحيط بخصرها بحمايه وتملك …
التفت انظار الحضور نحوهم فهما دائماً محط انظار الاخرين ، فالنساء تحسدها عليه فهي الوحيده التي استطاعت ان تحظي به ، والرجال يحسدونه علي جمالها وسحرها الذي يزداد يوماً عن يوم …
اقترب منهم آسر الراوي وهتف مرحباً بهم : اهلاً اهلاً عاصم باشا نورت القصر واسكندريه كلها …
صافحه بجديه ووقار هو الاخر : اهلا بيك يا آسر اسكندريه منوره بأهلها …
مد يده لمصافحتها ولكنه وجد يد من فولاذ تقبض علي كف يده : المدام ما بتسلمش !!!
ابتسم آسر بحرج واشار اليه ليتقدم للداخل : اااه طبعاً مفهوم .. اتفضل يا باشا ترابيزتكم من هنا ….
سار بخطوات هادئه نحو مكان جلوسهم ، حدثته بهمس بالقرب من اذنه: مش ممكن ابداً اللي انت بتعمله ده ، احرجت الراجل …
ايدي مكانتش هتنقص منها حته لوكنت سلمت عليه علي فكره ، عيب كده ، انت احرجته واحرجتني…
سحب لها مقعدها واجلسها عليه ، ثم جلس علي المقعد بجانبها بعدما قربه منها حد الالتصاق ، وهتف من بين اسنانه المطبقه بتحذير: سوااااار…!!!
اظن الموضوع ده احنا انتهينا منه من زمان ، مفيش رجل خلقه ربنا يلمس شعره منك وانا موجود مش بس يسلم عليكي …
ثم نظر لها بغيظ وهو يمد يده الي حجابها فوق رأسها يعيد ادخال خصلاتها الحريريه تحت الحجاب قائلاً بغيظ : انا مش قلت لك مليون مره شعرك ما يبانش من تحت الطرحه …
اجابته بنزق: اعمله ايه هو اللي بيتزحلق كل شويه ..
رمقها بغيظ وغيره وهو يتلفت حوله يري اذا كان احد رأي خصلاتها من تحت حجابها …
ابتسمت بعشق علي غيرته وتملكه الذي يزداد كل يوم اكثر عن الذي قبله ، لفت ذراعيها حول ذراعه وهمست بغنج وهي تنظر لسوداويته تلك النظره التي تسلب عقله وقلبه: مش هتبطل غيرتك الزياده دي عليا ، احنا كبرنا وولادنا بقي عندهم تلات سنين …
نظر لها بعشق جارف فاض من نظراته قائلاً: اولاً ، عمري ما هيطل احبك واغير عليكي وهفضل كده حتي لما تكبري وتبقي جده وشعرك يبيض ../
ثانياً بقي ولادك اللي بتقولي عليهم دول مش عاوز اسمع سيرتهم ، كفايه انك من يوم ما خلفتيهم وانا مش بعرف اتلم عليكي ساعتين علي بعض وكله كوم وابن الكلب اللي اسمه مراد ده كوم تاني لوحده ..
ضحكت برقه علي غيرته التي تجعله يغار عليها حتي من اولاده وهتفت بدلال اشعل ناره: حرام عليك يا عاصومي ده مراد ده سكر …
زغر لها بعينيه يحذرها ولكنها تابعت : سكر علشان حته منك يا روحي في كل حاجه علشان كده انا بحبه ، بس بحبك انت اكتر…
تهللت اساريره بعد كلماتها التي انعشت روحه العاشقه لها وهمس لها بشغف: يعني الكلام الحلو ده لازم تقوليه واحنا وسط الناس …عموماً ملحوقه احنا ساعه بالكتير وهنمشي علشان اخدك احتفل معاكي بسنه جديده علينا واحنا مع بعض بس بطريقتي .. بطريقه عاصم ابوهيبه …
قالها وهو يغمز لها بعبث وعشق لم ولن ينضب فهو خلق لها ومن اجلها ……
…………………
وصلت عائله الجارحي الي قصر الراوي …
تقدمتهم دريه ونسرين وتبعهم عاصي وغفران بعد ان قامت بتغيير فستانها الي فستان اخر وغيرت تسريحه شعرها فهي قد اصيبت بالاحباط واليأس من افعاله معها …
كانت ترتدي فستان من اللون الوردي الفاتح وجمعت شعرها في تسريحه بسيطه للخلف واطقت بعض الخصل منسدله علي وجهها فاعطاها طله بسيطه ساحره ،جعلتها تزداد حلاوه واغراء في نظره…
ساروا معاً للداخل ولكن قبل ان يصلوا الي مكان آسر الرواي قاطعه رنين هاتفه فاعتذر منهم قائلاً : اسبقوني انتوا هرد علي مكالمه مهمه وهحصلكمً…
اقترب منهم آسر الرواي ورحب بهم بحفاوه ولباقه شديده: اهلاً اهلاً دريه هانم شرف ليا تشريفك لحفلتي المتواضعة.. ثم انحني مقبلاً يدها في حركه نبيله .
وفعل المثل مع نسرين واخذ يتفحصها بعينبه من راسها حتي اخمص قدميها فقد كانت ترتدي فستان من اللون الذهبي قصير بدون اكتاف ملتصق علي جسدها بشكل فج ولكنها ليست من النوع التي يستهويه …
بادلته نسرين تحيته وهي تمد يدها اليه بغرور وتعالي …
ظهرت غفران من خلف نسرين بطلتها الرقيقه والتي جعلت آسر الرواي يتجمد مكانه من شده حسنها ، فهو لاول مره يراها ولم يعرف حتي من تكون…
تحدث الي دريه بينما عينيه لا تتزحزح من فوق غفران قائلاً: مش تعرفيني يا دريه هانم ؟؟؟
ابتسمت دريه بمكر وقد ادركت ان آسر الراوي معجب بغفران من نظراته التي تكاد تلتهمها ، فوجدتها فرصه لتوقع غفران في مشكله مع عاصي عن طريق استغلال آسر الراوي ….
ابتسمت بخبث وهتفت تقول : غفران الجارحي حفيده منصور باشا الجارحي …
غفراااان … همس اسمها بين شفتيه باستغراب فهو لاول مره يسمع اسم هكذا ولكنه اعجبه بشده فهو غريب وفريد مثل صاحبته…
تقدم منها ومد يده اليها وحياها باحترام وهو يكاد يلتهمها بعينيه: آسر الراوي …اتشرفت بمعرفتك يا أنسه غفران …!!!ثم رفه كف يدها الي يده يلثمها برقه …
تلعثمت غفران وتوترت من فعلته ولم تعرف كيف تشرح لها انها حرم عاصي الجارحي خصوصاً بعدما وجدت دريه لم تقدمها بصفتها الصحيحه كونها زوجه ابنها …
وقبل ان يحدث شيء يعوق مخططها ، هتفت دريه تتحدث مع آسر في اي شيء حتي لا تدع الفرصه لغفران بقول اي شيء ….
وصلوا الي الطاوله الجالس عليها عاصم وزوجته وجلسوا برفقتهم ….
كانت نسرين تتلفت حولها بتوتر ، لتري هل وصل شريكها كما اتفقوا ام لا ….
اما غفران فكانت تنظر الي مدخل الحديقه كل دقيقه حيث اختفي عاصي ، فقد تأخر كثيراً …..
دقائق وتعالت اصوات الموسيقي تعلن عن رقصه افتتاح فقرات الحفل للثنائيات …
كان عاصم وسوار اول من افتتحوا الرقصه وتبعهم الكثير من الثنائيات …
وقف آسر امام غفران ومد يده اليها قائلاً: تسمح لي غفران هانم اني انول شرف الرقص معاها …
رفعت غفران اليه نظراتها ونقلتها بين يده الممدوده وبين وجهه ونظرت له بتوتر واستنكار في نفس الوقت ، فهي لم ترقص مع احد ابداً الا عاصي سواء قبل زواجهم او بعد ….
قلبت نسرين عينيها بملل ولم تعلق فهي لا يعنيها آسر في اي شيء هناك ما يشغل عقلها اكثر منه …
اما دريه فابتسمت بخبث وهتفت تقول بمكر : الشرف ليها يا آسر بيه… ثم نظرت الي غفران وتابعت: قومي يا غفران معاه ما يصحش تكسفي آسر بيه ويفضل واقف مستني كده ….
بس .. اصل .. عاصي .!!
كانت تتحدث بتلعثم وتنظر لها باستهجان من موقفها …
تابعت دريه وهي تبتسم بطيبه مزيفه: ما تقلاقيش يا حبيبتي عاصي مش هيضايق ولما يجي انا هفهمه …
هو فين صحيح انا ما شوفتوش؟؟ سال آسر بفضول.
اجابته دريه وهي بنفس الابتسامه السمجه: معاه تليفون شغل مهم تلاقيه واقف هنا ولا هنا …
يالا علشان تلحقوا الرقصه قبل ما تخلص …
سحب آسر المقعد بلباقه لغفران حتي تستطيع النهوض ، سار بجانبها وهي ترتجف من الرعب خوفاً من عاصي ، فهي لا تعرف كيف تتصرف فقد احرجتها زوجه عمها وجعلتها في وضع تحسد عليه ، ولكنها حسمت امرها وقررت انها ستقول له انها زوجه عاصي وتعتذز منه ….
وقفت واستدارت له ونادته برقه اذابت قلبه : آسر بيه ، كنت عاوزه اقول لحضرتك علي حاجه ….
نظرت نسرين في اثرهم بفاه مفتوح ولم تستوعب فعله خالتها للتو ، تحدثت تسألها : ايه اللي انتي عملتيه ده ، ده لو انا فهمته صح يبقي كده دقينا اول مسمار في نعش غفران …
اضجعت دريه علي مقعدها وهتفت بشماته وهي تنظر الي آسر وغفران وهما يبتعدون عنها : بالظبط كده ، قلت لك اقعدي واتفرجي علي اللي هيحصل ، انا مش هسيب بنت جميله تاخد مني كل حاجه ابداً….
في نفس الوقت ، انهي عاصم تليفونه وتوجه الي الداخل ، اخذ يبحث عنهم بعينيه حتي لمح مكان جلوس والدته ونسرين …/
وصل اليهم ولكنه لم يجد غفران معهم ، تسأل بعدم فهم وهو يهم بالجلوس علي احد المقاعد المجاوره لوالدته: اومال فين غفران ؟؟؟
اجابته والدته بمكر بعد ان غمزت بطرف عينيها الي نسرين : لسه قايمه حالاً ترقص مع آسر الراوي!!!
لم بتثني له الجلوس فقد تخشب في مكانه وهدر فيها بعنف جعلها تنتفض مكانها هي ونسرين من شده الفزع: ت تأييييييه… ترقص مع مين ؟؟!!!!!!
ردت نسرين تستفزه وتسكب البنزين فوق النار لتشعل الاجواء خاصه بعدما وجدت ملامحه تحولت الي الشراسه : آسر الراوي طلبها للرقص وهي ماصدقت قامت علي طول ، حتي ما سمعتش لانطي دريه وهي بتقولها مش هينفع علشان عاصي ، ردت وقالت لها مش مهم عاصي مش هيضايق ومشيت وراحت معاه !!!!
ثم نظرت الي خالتها وتابعت تسألها لتؤكد علي حديثها : مش كده يا آنطي…
اكدت دريه علي حديثها : ايوه صح كده ، زي ما نسرين بتقول …
احتدت معالم عاصي بغضب مخيف وهو بستمع الي حديثهم ، الهذه الدرجه تستهين به وبكرامته ؟؟؟
وهو الذي يحافظ علي كرامتها دائماً ، تهينه وتسمح لرجل مثل آسر الراوي ان يرقص معها ويلمس جسدها؟؟؟؟
عند هذه الفكره اشتعلت النار بصدره وتراقصت الشياطين امام عينيه وهو يسير بخطوات غاضبه يبحث عنهم حتي وجدهم يقفون قبل المكان المخصص للرقص يتحدثون معاً….
هدر صوته من خلفهم بنبره شرسه منادياً باسمها مما جعل قلبها يهوي ارضاً خوفاً منه: غفرااااان!!!!
لمحه آسر عندما سمع صوته ، وتقدم منه يرحب به باحترام شديد: عاصي باشا منور يا راجل ، فينك سألت عليك قالولي معاك تليفون …
نورت يا باشا والف مبروك علي الجواز اومال فين المدام مجاتش معاكم ليه …
انا ما شوفتش غير دريه هانم وبنت اختها …
ثم نظر الي غفران بنظرات اعجاب لم تخفي علي البركان الذي يقف بجانبه علي وشك الانفجار واضاف : والانسه غفران ….
الانسه غفرااااان …اممممم …
قالها بنبره خطره ، جعلت غفران ترتجف بشده …
ثم اقترب منها ولف يده حول خصرها يعتصره بتملك وغيره ونظر الي آسر وهتف بنبره بارده يخفي خلفها غضب شرس : واضح ان في سوء تفاهم ، احب اقدم لك مدام غفران .. مدام عاصي الجارحي !!!!
قالها وهو يضغظ علي كل حرف من حروف كلماته حاي يصل مغذاها اليه …
عن اذنك علشان عاوز ارقص مع المدام …
قالها وتحرك بها مغادراً نحو مكان الرقص وكل خليه من جسده تنتفض من شده الغضب ….
اما آسر فوق ينظر الي طيفهم بفاه مفتوح وهتف باحباط وتفاجيء: مراااااته!!!!!
…………………
احاط خصرها بقوه واخذ يتحرك معها علي انغام الموسيقي الهادئة وملامح وجهه لا تبشر بالخير …
كانت ترتجف بين يديه ، هل لم تخطيء ولم تتعدي حدودها وكانت سوف تعلم ذلك الآسر بحقيقه كونها زوجته ولكن لم يحالفها الحظ !!!
همست بنبره خفيضه مرتجفه وهي تتطلع الي وجهه المظلم : ع عاصي …ااانااا … انا كنت …
قاطعها هاتفاً بشراسه من بين اسنانه المطبقه: انتي ايه يا انسه غفران ؟؟؟
اطرقت برأسها ارضاً وهتفت تتحدث بارتجاف : والله كنت هقوله اني مراتك ، بس هو مدانيش فرصه ، حتي مامتك لما جيه يطلبني من الرقص وافقت علي طول ومقالتش ان انا مراتك …..
ضيق عينيه وسألها مستفهماً بشك: ماما ؟؟؟
ايوه …ولما قلت لها انك هتضايق قالت لي لا مش هيضايق واحرجتني قدامه واصرت عليا اقوم ارقص معاه …
والله العظيم هو ده اللي حصل انا مش بكذب عليك ورحمه بابا وماما هو ده اللي حصل ….
نظر لها دون ان يبدو علي ملامحه اي شيء تآثراً بحديثها ، فهو يعرفها جيداً لا تعرف الكذب ولا تجيد اللف والدوران ، صادقه الي ابعد حد …
كما ان نظره عينيها البريئة تلك ، لا تكذب ابداً …
هتف بنبره حاول جعلها تبدو هادئه رغم غضبه من والدته التي بدأت حرب الحماوات معها …
خلاص يا غفران …
نظرت له بتوتر وسألته : خلاص يعني مش زعلان .
اجابها بسأم : قلت لك خلاص مش عاوز رغي كتير..
نظرت له تلك النظره البريئه التي تجعله يتخبط في داخله ، وقالت: طب اضحك علشان خاطري لومش زعلان ….
ابتسم رغماً عنه قائلاً: خلاص يا ستي مش زعلان..
اهدته اجمل ابتسامه رآها في حياته واخذت تتمايل معه برقه وهو من دون شعور اقترب منها جدااااً واسند جبينه علي جبينها واحكم يديه حول خصرها بقوه مقرباً اياها منه مستمتعاً بحلاوه قربها منه، يريد ان يثبت للجميع انها تخصه ،ملكه وحده!!!!
اما هي فكادت ان تذوب بين يديه خجلاً من قربه الذي اصبح يثير بداخلها مشاعر كثيره….
احاط خصرها بتملك شديد وهو يسير بها نحو طاولتهم بعد انتهاء الرقصه ….
اشتعلت نظرات نسرين حقداً وكرهاً لغفران عندما وجدت عاصم يحتضن خصرها بتلك الطريقه وهو يسير بها وسط الجموع ويقدمها الي الناس بصفتها زوجته!!!
اما دريه فقد كانت تبتسم بسعاده وهي تتحدث مع احدي النساء ولكن تلاشت ابتسامتها وحل محلها الغيظ عندما وجدت ملامح عاصي هادئه مسترخيه وهو يضم غفران اليه بحمايه !!!!
التفت عاصي للخلف عندما وجد يد تضع علي كتفه وصوت صديقه يصدح ينادي عليه بمرح : عاش من شافك يا ابن الجارحي واحشني والله ….
ابتسم عاصي باتساع وهو بفتح ذراعيه يضم صديقه بحب : ابن ابوهيبه واحشني يا دنجوان !!!!
هتف عاصم بحب وهو يمسك يد سوار يرفعها الي فمه يقبلها بعشق : ولا دنجوان ولا بتاع ده كان زمان ، انا توبت الحمد الله والبركه في سوار….
هز عاصي رأسه بايمائة بسيطه يحيي بها سوار باحترام : اهلاً وسهلاً مدام سوار …
ثم نظر الي غفران وقدمها لهم : غفران الجارحي ..مراتي ..
تبادلت غفران وسوار اطراف الحديث وتركوا الصديقين يتحدثون معاً تحت انظار دريه ونسرين الحاقده!!!!
نظر عاصم في ساعه يده وهتف مسرعاً: اسيبك بقي واخلع انا دلوقتي ، بس لازم نتقابل ونتكلم في حاجات كتير عاوز اعرفها ، بقي انا اسافر شهر ارجع الاقيك اتجوزت ، لازم اعرف الحكايه من اولها …
اجابه عاصي بتاكيد : هكلمك وهجيلك لاني محتاج اتكلم معاك … بس انت ماشي بدري كده ليه ؟؟؟
اجابه عاصم بعبث : لا كده حلو اوي ، انا بحب احتفل بالسنه الجديده انا وسوار لوحدنا وبس ..سلام يا ابن الجارحي ….
هز عاصي رأسه بيأس من افعال صديقه المجنونه، والذي تحول الي انسان اخر منذ ان عشق زوجته …
صمت لبرهه يسأل نفسه هل العشق فعلا بغير البني ادم ويحوله الي شخص اخر ويجعله يقدم علي افعال كان من المستحيل ان يفعلها سابقاً ؟؟؟
كان بفكر هكذا وهو يري الابتسامه العاشقه المرتسمه علي وجه عاصم وهو يتحدث مع زوجته اثناء رحيلهم فمن يراهم يري العشق الواضح المتبادل ببنهم ….
دعا لهم ان يديم الله عليهم نعمه الحب والسعاده وان يرزقه مثل ذلك العشق !!!!!
دخل من بوابه القصر يمشي بغرور وعجزفه وخلفه يسير الحرس الخاص به من ذوي الاجساد الضخمه ،
يرتدي بنطال من الچينز وتيشيرت ابيض ومن فوقهم جاكيت بدله اسود مفتوح ، ويزين عنقه ببعض السلاسل الفضيه التي لا يتخلي عنها ابداً ، ويجمع شعره الطويل خلف رأسه في ذيل فرس صغير ..
فكان يعطي له مظهر عابث وخطير !!!
هو مازن الدالي .. ابن رجل الاعمال محمد الدالي صاحب اكبر توكيل سيارات في البلد …
شاب عابث ، مستهتر بكل ما تحمله الكلمه من معني،
النساء ترتمي تحت اقدامه ويبدلهم كما يبدل جواربه !!!!
يحصل علي اي شيء يريده مهما كان وباي ثمن …
عداها هي الوحيده التي وقفت امامه ورفضته ، منذ اول يوم رآها فيه في الجامعه وهو يريدها ظل اربع سنوات يلهث خلفها وهي ترفضه وتصده ، وفجأه ابتعد عنها دون سبب واختفي ….
ولكنه عاد للظهور مره اخري خاصه بعدما قابلته نسرين في احدي الحفلات وعرفته علي الفور فهي علمت بقصته مع غفران من احدي صديقاتها بعد زواج غفران وعاصي ….
فعملت نسرين علي التقرب منه ومصادقته وقامت بفتح موضوع غفران مره اخري واسباب زواجها من عاصي وطلبت منه مساعدتها في انهاء هذا الزواج مقابل حصوله علي غفران وبذلك تحصل هي علي عاصي!!!!!
فوافق علي الفور وبدا اولي خطواته اليوم بحضوره الحفل وظهوره امامها من جديد!!!!!
آمر الحرس الخاص به بالانصراف وتقدم الي داخل الحفل ، لمحها من بعيد تجلس بجانب عاصي وهو يحاوط عليها وكأنه يحميها من شيء ما ..!!!!
كانت جميله رقيقه كعادتها دائماً ، مختلفه عن اي فتاه عرفها في حياته ، الوحيده التي صمدت امام سحره ورفضته ولم تسعي اليه مثل غيرها من النساء…
لمحته نسرين من بعيد يقف في احد الزوايا المتواريه عن الاعين يختلس النظر الي غفران …
ابتسمت بخبث علي نجاح مخططها ، واخرجت هاتفها وارسلت له رساله تنص علي تنفيذ خطتهم حسب اتفاقهم ….
فتح هاتفه يقرأ الرساله ثم ابتسم بمكر وأماء برأسه بهزه بسيطه موافقاً في انتظارها …..
استغلت نسرين انشغال عاصي بالحديث مع احدي رجال الاعمال وتحدثت بعفويه قائله: انا هقوم اروح التواليت اظبط مكياجي ، ثم نظرت الي غفران وهتفت : ما تيجي معايا يا غافي بدل ما اروح لوحدي ، وانتي كمان تظبطي مكياجك….
نظرت لها غفران بحيره لا تعرف كيف تجيبها ، فمنذ متي تهتم بها نسرين ؟؟؟؟
ولكن نسرين لم تدعها تفكر فجذبتها من يدها تسحبها معها وهي تقول : انتي لسه هتفكري ، يالا قومي معايا علشان نرجع بسرعه .!!!!
ثم وجهت حديثها الي خالتها : انطي احنا في التواليت علشان لو عاصي سأل علينا ….
ثم تحركت صوب وجهتها وترتسم علي وجهها ابتسامه ماكره خبيثه….
بعدما انتهوا من تعديل زينتهم وتوجهوا الي الخارج ، هتفت نسرين بخبث : بقولك ايه تعالي نتمشي شويه بعيد عن الدوشه علشان صدعت …
نظرت لها غفران بتردد فهي تخشي ان تتصادف مع آسر مره اخري وهي في غني عن غضب عاصي منها ….
اجابتها بتردد: ما بلاش علشان عاصي ما يقلقش علينا …
علقت نسرين بمكر: ايه اللي هيخاليه يقلق احنا موجودين في نفس المكان ولو قلق هيكلمنا علي الموبايل او هيجي يشوفنا .. تعالي بس ….
سارت معها حتي وصلوا الي مكان منعزل نسبياً عن الناس ، وكان مازن يتابعهم من بعيد ويقف خلف احد الاشجار يتواري خلفها…
لمحت نسرين مازن يقف بعيداً ، فنظرت الي غفران وهتفت تتحدث بسرعه: خاليكي هنا ، هروح اجيب حاجه نشربها واجي لك علي طول …..
لم تدع لها فرصه للرد فقد اختفت من امامها في لمح البصر….!!!!!
وقفت غفران تنتظرها وهي تراقب مكان انصرافها بقلق ، سمعت صوت ينادي اسمها بهمس: غفران .!!
التفتت تتطلع الي مصدر الصوت ، ولكنها شهقت بفزع عندما وجدت اخر شخص يمكن ان تتوقع وجوده …هتفت بنبره مرتجفه : ااانت..!! انت ايه اللي جابك هنا ؟؟؟
اجابها بوضوح وهو يتطلع اليها بنظرات جريئه: جيت علشانك ..!!
علشاني !!! قالتها باستنكار شديد وهي تتطلع اليه بغضب …
ثم هتفت محذره اياه وهي ترفع اصبعها في وجهه: ابعد عني احسن لك ، انا ست متجوزه وبحب جوزي والمره دي هو اللي هيقف لك مش انا ،…
وانت ما تعرفش عاصي الجارحي ممكن يعمل فيك ايه لما يعرف انك اتعرضت لمراته .. فاهم .
ثم اولته ظهرها وتحركت مغادره المكان باكمله ، ولكن صوته الذي صدح من خلفها جمدها مكانها..
هتف بتهكم يخفي خلفه غضبه المشتعل من رفضها المستمر له ، هذا من جانب ومن الجانب الاخر احتمائها في المدعو زوجها …
تحدث بتهكم قائلاً: جوزك اللي اتجوزك علشان ينفذ وصيه ابوه وجده!!!!!
قبل قليل …
لاحظ عاصي عدم وجود غفران ، فاعتذر من الرجل الواقف معه وذهب الي والدته يسألها عنها : هي غفران فين ؟؟؟
اجابته بعدم اكثراث : راحت الحمام مع نسرين ..
نظر لها باستغراب ولكنه سرعان ما تحول الي قلق عندما وجد نسرين عائده بمفردها !!!
سألها عاصي بقلق: فين غفران ؟؟
ماما قالت لي انها راحت معاكي الحمام .!!!
اجابته وهي تدعي البراءه: ايوه كانت معايا وخرجنا قلنا نقف في حته هدوء بعيد عن الدوشه ، وبعدين روحت اجيب حاجه اشربها ورجعت لها ملقتهاش ،
فقلت اكيد رجعت هنا فقمت جيت انا كمان …
ثم تلفتت حولها تبحث عنها وتسألت : اومال هي فين؟؟
مارجعتش … قالها عاصي وهو يتحرك يبحث عنها وسار بالاتجاه الذي جاءت منه نسرين…!!!
بينما نسرين نظرت في اثره وهي تبتسم باتساع لنجاح خطتها …
اقتربت منها دريه وسألتها : انتي عملتي ايه ؟؟ وفين غفران ؟؟
تعالت ضحكت نسرين وهي تنظر لمكان اختفاء عاصي بشماته ، وهتفت يجيب خالتها : لو الامور مشيت زي ما انا مخططه يبقي احب اقولك ان غفران خلاص بحححح..!!
قالت دريه بسعاده: لاااا تعالي اقعدي كده واحكي لي الحكايه بالتفصيل …
ظل يبحث عنها في كل شبر في حديقه القصر،وصل الي مكان وقوفهم معاً ولكنه لم يراهم !!!
هم ان يتحرك ولكنه استمع الي صوتها عالياً ، تحرك مسرعاً نحوها ظناً منه ان هناك من يضايقها او ربما آسر تعرض لها فهو يعلم الاعيبه جيداً…..
اقترب منهم ولكنه تسمر مكانه عندما استمع الي حديثهم معاً …
هدرت الدماء داخل عروقه وانتفخت اوداجه غضباً واظلمت ملامحه بشكل مخيف …
ظهر امامهم فجأه وهتف بنبره خطره وهو ينظر لها بنظره جمدت الدماء في عروقها : مين ده ؟؟؟
نظرت له برعب وهتفت اسمه بزعر : ع عاااصي!!!
…………………………….
انتهي الفصل السابع ….
رواية غفران العاصي الفصل الثامن 8 - بقلم لولا
سمعت صوت ينادي اسمها بهمس: غفران .!!
التفتت تتطلع الي مصدر الصوت ، ولكنها شهقت بفزع عندما وجدت اخر شخص يمكن ان تتوقع وجوده …هتفت بنبره مرتجفه : ااانت..!! انت ايه اللي جابك هنا ؟؟؟
اجابها بوضوح وهو يتطلع اليها بنظرات جريئه: جيت علشانك ..!!
علشاني !!! قالتها باستنكار شديد وهي تتطلع اليه بغضب …
ثم هتفت محذره اياه وهي ترفع اصبعها في وجهه: ابعد عني احسن لك ، انا ست متجوزه وبحب جوزي والمره دي هو اللي هيقف لك مش انا ،…
وانت ما تعرفش عاصي الجارحي ممكن يعمل فيك ايه لما يعرف انك اتعرضت لمراته .. فاهم .
ثم اولته ظهرها وتحركت مغادره المكان باكمله ، ولكن صوته الذي صدح من خلفها جمدها مكانها..
هتف بتهكم يخفي خلفه غضبه المشتعل من رفضها المستمر له ، هذا من جانب ومن الجانب الاخر احتمائها في المدعو زوجها …
تحدث بتهكم قائلاً: جوزك اللي اتجوزك علشان ينفذ وصيه ابوه وجده!!!!!
في نفس الوقت كان يبحث عنها في كل شبر في حديقه القصر،وصل الي مكان وقوفهم معاً ولكنه لم يراهم !!!
هم ان يتحرك ولكنه استمع الي صوتها عالياً ، تحرك مسرعاً نحوها ظناً منه ان هناك من يضايقها او ربما آسر تعرض لها فهو يعلم الاعيبه جيداً…..
اقترب منهم ولكنه تسمر مكانه عندما استمع الي حديثهم معاً …
ظل مختفياً مكانه يستمع الي ما يتفوه به هذا الحقير لكن ما صدمه وجمد الدماء داخل عروقه هو ردها عليه!!!!!!
استدارت غفران اليه تنظر اليه بجبين مقطب وسألته بعدم فهم : وصيه اللي بتتكلم عنها دي ؟؟
ثم صاحت هادره بغضب : انا فهماك كويس وفاهمه الاعيبك وعارفه انك ممكن تعمل اي حاجه علشان توصل لي ، بس احب اقولك حاجه مهمه حطها حلقه في ودنك ….
ثم اقتربت منه حتي وقفت امامه يفصل بينهم بضع خطوات ، ورفعت رأسها اليه عالياً حتي يتثني لها النظر داخل عينيه وهتفت بقوه وصلابه: لو انت اخر رجل في العالم عمري ما هقبل اني ارتبط بيك او ان اسمي يكون مكتوب باسمك ….
لان انا ببساطه مكتوبه لعاصي من يوم ما اتولدت ، وانا مش بحب ولا هحب ولا عيني بتشوف رجل في الدنيا دي كلها الا عاصي …
وقلبي ….قالتها وهي تضع يدها علي قلبها توصف ما تشعربه ، وهذه الحركه البسيطه ضربت قلب الذي يتابعها من بعيد و كانها صاعقه وضربته في منتصف قلبه زلزلت داخله !!!
قلبي ده بيدق وعايش علشان عاصي وبس ..
عاصي عايش جوايا ومش هيطلع من قلبي الا بطلوع روحي ….
ومع انطلاق الالعاب الناريه الكثيفه التي اضاءت السماء من حولهم احتفالاً بميلاد عام جديد ….
كانت هناك اخري مثلها تدوي داخل ذلك القلب العاصي مثل صاحبه معلنه عن بدايه عشق ، عشق سرمدي متملك لابعد حد لصاحبه الغفران …!!!
اضافت بنفس النبره الغاضبه بعد ان هدأت اصوات الاحتفال من حولهم :بقولها للمره المليون انا مش ليك ولا هكون ،نفسك وابعد عني وعن طريقي …..
كان ينظر اليها بملامح يكسوها الغضب والقهر والغيره وداخله يغلي كالمراجل ….
فح من بين اسنانه قاصداً ايلامها وجعلها تشعر ولو بذره من شعوره الذي يسحق قلبه ورجولته بسبب صدها ونفورها منه: وهو يا تري بيحبك زي ما انتي بتحبيه كده ودايبه في هواه ولا هيفضل طول عمره مصدر لك الطرشه ومش سائل فيكي وهو مقاضيها …
زاغت نظراتها رعباً من مغذي كلماته وهتفت تسأله بتوبتر : تقصد ايه بمقاضيها دي ؟؟؟
ابتسم بخبث فقد اصاب هدفه ولكن يكون غبي حتي لا يستغل الفرصه ويبث سمومه المريضه في عقلها ناحيته: والله معرفش ، انتي ادري بقي مش هو جوزك والست بتبقي اكثر واحده بتحس بجوزها اذا كان بيحبها ولا لاء او بيخونها مثلا ويعرف عليها ستات او اي حاجه من دي يعني!!!!
ابتسمت بسخريه عندما فهمت ما يرمي اليه، علي الرغم من الالم الذي ضرب قلبها من كونه لا يشعر بها ولكنها تحاملت علي نفسها وهتفت باستفزاز: حتي لو اللي بتقوله صح ، عاصي عمره ما يغدر بيا وحتي لو محابنيش زي ما بحبه كفايه عليا اني بحبه…
هدر بها بغيظ وهو يتمني لو يمكسها من ذراعها يهزها بعنف لكي يخرجه من قلبها وعقلها :اييييييييه هو ساحر لك في ايه زياده عني علشان تحبيه الحب ده !!!!!
الي هنا ولم يتحمل اكثر من ذلك ، يكفي ما سمعه ،
تحرك من مكانه والدماء تغلي داخل اوردته ، واوداجه المنتفخه غضباً وملامحه المظلمه بشكل مخيف بسبب تعدي ذلك الحقير علي ما هو ملكه!!
ظهر امامهم فجأه وهتف بنبره خطره وهو ينظر لها بنظره جمدت الدماء في عروقها : مين ده ؟؟؟
نظرت له برعب وهتفت اسمه بزعر : ع عاااصي!!
وقف مازن ينظر الي عاصي بكره استطاع ببراعه اخفاءه خلف قناع الغرور والبرود وهو يقف واضعاً يديه في جيب بنظاله فارداً ظهره بشموخ وغرور..
اما عاصي فبادله نظراته باخري شرسه قاتمه وشعور غريب عليه يضرب صدره بقوه
” الغيره”!!
تحدثت غفران بتلعثم : ده..دده …ددده ده مازن .. اه مازن الدالي … زميلي في الجامعه !!!
عاصي الجارحي : جوزي !!!!
نظر له عاصي بحاجب مرفوع ولم يعلق ، بينما مازن رد باستفزاز: مش بالظبط ، بعني تقدر تقول اكتر من زمايل بكتيييييير .. غفران دي غاليه عندي اووووي
اكتر مما تتصور ، بس هنقول ايه بقي …
ثم تابع باستفزاز اكبر : بكره كل حاجه ترجع لاصلها واللي في ايدك انهارده ياعالم بكره هيكون ملك مين..
الي هنا ولم يتحمل عاصي تلميحاته السخيفه وكان الرد المناسب له لكمه قويه من قبضه عاصي في وجه مازن جعلته يرتد الي الخلف بعنف….
وقبل ان يستعيد مازن توازنه كان عاصي يعالجه بلكمه اخري وضربه في ساقه من الخلف اسقتطه ارضاً ….
جثي عاصي فوقه يسدد له اللكمات والتي بادله اياها مازن بنفس القوه فمازن رياضي ويفوق عاصي طولاً ….
ودارت بينهم معركه طاحنه وكأنهم زوجان من الثيران يتعاركون في معركه طاحنه الغلبه فيها للاقوي ، كل منهم يحمل في صدره كره وحقد تجاه الاخر !!!!!
كانت غفران تصرخ علي عاصي ان يتركه وهي ترتجف وتنحب بشده حتي وصل صوت صراخها الي الحرس المخولين بتأمين الحفل واللذين اسرعوا للفصل بينهم …
نجح الحرس في الفصل بين عاصي ومازن الذي كان يحتاج الي رعايه مشدده فالبرغم من مقاومته لعاصي وتصديه له الا ان الغلبه كانت لعاصي فقد كان يضربه بوحشيه شديده ….
وقف عاصي يلهث بعنف والدماء تتساقط من قبضته ووجهه الذي نال العديد من لكمات مازن القويه….
هدر بعنف وهو يشير باصبعه محذراً مازن بسبابته: دي قرصه ودن صغيره علشان بصيت لحاجه مش بتاعتك ، لكن التقيل جاي ورا علشان تعرف كويس ترفع عينك علي اللي يخص عاصي الجارحي !!!!
ثم استدار الي غفران وجذبها من يدها يسحبها خلفه وهو يسرع في خطواته خارجاً من وسط الحشود من الناس التي تجمعت علي اصواتهم وكان من بينهم نسرين التي رأت ما حدث في مازن ورد عاصي الذي شطر قلبهل نصفين …
وآسر الراوي الذي وقف يشاهد ما حدث يذهول غير مدرك لاسبابه…….
قاد سيارته بسرعه رهيبه محاولاً التنفيس عن غضبه الذي مازال بتفاقم داخله وكلام ذلك الحقير يتردد في اذنيه ….
زآر بغضب وهو يضرب الموقد بيديه مرات متتاليه يتمني لو يسددها له وكانه بالفعل لم يقوم بتغيير خريطه وجهه منذ دقائق….
كتمت غفران شهقتها من غضبه واخذت تنحب في صمت ، فهي لا تعرف ماذا تفعل معه ، هل تتحدث ؟؟
ام تظل علي صمتها ؟؟
ولكن الشيء الوحيد المؤكد لديها انها خائفه منه ، خائفة وبشده …
ظلت تدعي في سرها وتبتهل لله ان يمر ما حدث علي خير وان يكون جدها مازال مستيقظاً حتي ينجدها منه !!!!
اصدرت السياره صريراً عالياً نتيجه احتكاك اطارتها في الارض وهو يوقفها داخل القصر …..
ترجل من السياره ودار حولها حتي وصل الي الباب بجانبها وفتحه ، ومد يده يجذب يدها يجره خلفه ومتجهاً الي داخل القصر ومنه الي جناحهم مباشراً
وكل خليه في جسده تنتفض من شده الغضب …!!
دلف الي جناحهم واغلق الباب خلفه بعنف ، خلع سترته وتخلص من بواقي رابطه عنقه التي انشطرت لنصفين اثناء المعركه …..
اخذ يزرع الغرفه ذهاباً واياباً بغضب ، يفكر فيما سمعه منه ومنها !!!!
كانت تتابعه بصمت وهي ترتجف من شده الخوف ، انتفض جسدها فزعاً عندما هدر بغضب : انا عاوز اعرف ايه حكايه الواد ده بالظبط من طقطق لسلامه عليكوا وحذاري تخبي عني حاجه لاني كده كده هعرف ، فاعرف منك احسن ما اعرف من باره!!!
اومأت تهز رأسها موافقه وهتفت بنبره مرتعشه : حاضر هقولك علي كل حاجه ….
اخدت تفرك يديها بتوتر وهي تقص عليه كل شيء حدث معها منذ ان تعرض لها مازن في اول يوم في الجامعه وصدها ورفضها له وسعيه الدؤب خلفها واختفاؤه المفاجيء وظهوره لها اليوم من جديد…
هو ده كل اللي حصل والله العظيم ….
انهت حديثها وهي تنظر له تتفرس في ملامح وجهه تري اثر وقع كلماتها عليه!!!!!
حمقااااء!!!!!ان ظنت بحديثها ذلك قد هدأت من غضبه وثورته ، بل علي العكس زادت اضعاف مضاعفه !!
هدر من بين اسنانه المطبقه : وانتي ازاي يحصل معاكي كل ده من غير ما يكون عندي خبر .. ازاي ما تقوليليش ؟؟؟
نظرت له بحزن وهتفت بشجن: انت ما كنتش موجود علشان اقولك ، انت كنت مسافر وبعيد ومش عاوز تكلم اي حد مننا ، هقولك ازاي ؟؟
تغضن جبينه بآلم ، فهي محقه .. هو الذي ابتعد عن الكل واولهم هي ، رحل وترك الكل خلفه دون ان يهتم لامرهم ….
ابتلع غصه في حلقه وهتف بنفس الغضب: حتي لو..
كنتي ابعتيلي ، بلاش انا ..قولي لجدي وهو كان هيتصرف معاه بدل ما كان يتمادي اكتر معاكي او يتصوف تصرف يضيعك ويضيعنا معاه ، واضح من كلامك انه مجنون وسايق فيها ومحدش مالي عينه..
ثم اعتدل في وقفته ونظر امامه للبعيد وهو يضيف متوعداً اياه: بس ملحوقه هو كده وقع ومحدش سما عليه ، انا بقي هعرفه ازاي يتجرأ علي حد من عيله الجارحي ..ما ابقاش عاصي الجارحي ان ما خليته يبوس جزمتي علشان ارحمه من اللي هعمله فيه…
ثم اخرج هاتفه واتصل علي مساعده وزراعه الايمن جسار: ايوه جسار عاوزك تجيبلي كل حاجه عن اللي اسمه مازن الدالي ده هو عيلته من يوم ما اتولد لحد انهارده ويكون علي مكتبي بكره الصبح …
ثم اغلق الهاتف معه دون ان يضيف حرفاً اخر …
ثم نظر لها مطولاً نظره لم تستطيع تفسيرها واضاف: احنا كلامنا لسه مخلصش في كلام كتير عاوز اعرفه وافهمه منك كويس اوي ، بس بعد ما اخلص من اللي اسمه مازن ده ….
ثم اختفي من امامها وخرج من الجناح بأكمله ، تاركها خلفه تعيد كلماته داخل عقلها وهي لا تعرف اي حديث يريد معرفته منها ؟؟؟؟؟
شهقت بتوتر عندما نمي لعلمها انه من الممكن ان يكون قد استمع لحديثها مع مازن عن عشقها له!!!!
………………………
دلف عاصي الي حجره مكتبه بعد ان انتهي من تضميد الجراح في يده ووجهه ،جلس علي الاريكه الجليديه يتنفس بغضب وصوره ذلك الحقير لا تفارق خياله ….
اخذ يسترجع ما سمعه من حديثهم معاً ، حتي توقف عند اعترافها بعشقها له !!!!!
لايزال لا يستوعب كيف ومتي حدث؟؟
ابتسم بسعاده ، اذاً فهي لم تكن مجبره علي الزواج منه ، بل علي العكس هي موافقه وراغبه…!!!
شعر براحه تسكن روحه بعد اعترافها ذلك وكأنه كان بحاجه لسماعه منها ….
اذاً فأحساسه الذي يشعر به في وجودها ، مختلف عن اي شعور اخر …
شعور بالتملك والحمايه نحوها كما لو كانت جزء منه ، يخصه ، ملكه !!!!
وشعوره بالنار التي احرقت احشاؤه عندما كانت تتحدث مع آسر او ذلك الحقير ، احساس صعب حارق لم يشعر به في حياته من قبل !!!
تسأل في سره هل هذه هي الغيره؟؟؟
مؤكد هي فهو كان سيذهق روح مازن وكان يود حرق آسر حياً لمجرد حديثه معها …
وبعد تفكير طويل اعترف لنفسه انه بالفعل يهتم بها ولامرها ، يغير عليها ، يحبها ….
يحبها !!!! عند هذه الفكره هب واقفاً من جلسته وهو غير مستوعب لما نطق به قلبه قبل لسانه …
يحبها .. يحب غفران … غفرانه … زوجته ..ملكه ….
انكر باصرار مقنعاً نفسه بانه بالفعل يحبها لانها ابنه عمه ، صغيرته ليس الا!!!!
مدد جسده علي الاريكه ولسان حاله يردد هذه الكلمات حتي غرق في النوم وكانت غفرانه هي بطله احلامه هذه الليله….
……………………………..
دلفت دريه الي حجره نومها وهي تدفع نسرين امامها بغيظ حتي انها كادت ان تسقط علي وجهها من شده الدفعه…
هتفت نسرين بعصبيه شديده في خالتها : ايه يا انطي حاسبي هتوقعيني …
وقفت تدلك مرفقها الذي تألم من قوه ضغطها عليه …
هدرت دريه فيها بغضب : ده مش بس هوقعك علي وشك ده هموت بايديه دول علشان غباءك اللي هيكشفنا ويودينا في داهيه…
اجابتها نسرين بعصبيه: في ايه لكل ده انا عملت ايه؟
اجابتها بغضب اكبر: عملتي ايه … اقولك يا فالحه عملتي ايه…
روحتي اتفقتي مع عيل خايب زيك علشان يوقع غفران وتخالي عاصي يطلقها ونخلص منها ، لكن اللي حصل ان الخايب الي اتفقتي معاه وقف قصاد عاصي واتحداه وفاكر نفسه هيقدر يقف قصاد عاصي اللي انا واثقه ومتأكده انه مش هيشيل مازن ده من دماغه الا لما يعرف كل حاجه عنه ومين اللي وراه …
تقدري تقوليلي بقي هتعملي ايه لو عاصي بس شم خبر عن علاقتك بالواد ده وعرف انك انتي اللي وراه…ساكته ليه ما تنطقي…؟؟؟؟
زاغت نظرات نسرين وبدا عليها التوتر وهتفت بنفي: وهو عاصي هيعرف منين وبعدين انا واثقه في مازن مش هيقدر يجيب سيرتي في الموضوع ، لان احنا الاتنين هدفنا واحد ….
هدرت دريه بغيظ: غبيه ومتسرعه طول عمرك …
انتي ما تعرافيش عاصي ده ابني وانا اللي مربياه ، طالع نسخه من جده نابه ازرق وقرصته والقبر …
ربنا يسترها ومايعرفش ان ليكي علاقه بمازن ، لان ساعتها مش هعرف ادافع عنك واقف قصاده….
سألتها نسرين بحنق: يعني ايه؟؟
يعني مش هقدر اقف في وشه وادافع عنك لان ساعتها هبقي طرف في الموضوع وانا مش ممكن احط نفسي في مواجهه مع عاصي في حاجه زي دي.
مش لازم يعرف ان ليا دخل في اي حاجه تخص غفران علشان لو عرف انا هخسره وانا لو خسرت عاصي هبقي خسرت كل حاجه … انتي فاهمه يعني كل حاجه .. كل حاجه…….
نظرت لها نسرين بحقد وهي تتوعدها في سرها فهي سوف تتخلص من غفران وبعدها تتفرغ لها ، فخالتها ليس لها امان مطلقاً …….
………………………
استيقظ عاصي من نومه عندما اخترق ضوء النهار القادم من نافذه المكتب عينيه….
نهض جالساً علي الاريكه يفرد زراعيه ويحرك عنقه يميناً ويساراً حتي يتخلص من التشنج الذي اصابه من نومه في هذه الوضعيه الغير مريحه ….
نظر في ساعه معصمه فوجد ان الوقت مازال مبكراً،
فليأخذ حمامه اولاً وبعدها يذهب الي الشركه….
انتهت غفران من حمامها الصباحي ، فهي لم تنام بشكل جيد بسبب ما حدث بالامس ….
ارتدت مآزر الحمام واحكمت غلقه جيداً حتي لا يظهر جسدها من تحته ، ولفت شعرها بمنشفه صغيره
واسرعت تخرج من الحمام لكي ترتدي ملابسها قبل ان يأتي عاصي الي الجناح ….
خرجت من المرحاض وسارت خطوتين وتصنمت مكانها عندما وجدته يدلف من باب الجناح مرتدياً نفس ملابسه من الامس ….
ارتبكت وتلون وجهها بالوان قوس قزح من قوه الصدمه فهي اسرعت بكل طاقتها لكي تنتهي قبل قدومه ولكن كلها مجرد احلام وطموحات…
اما عاصي فقد تخشب جسده وتصلبت اعصابه عندما وجدها امامه بتلك الهيئة الفاتنه لعنينيه ….
اخذ يمشط جسدها بعينيه وخياله يسرح لبعيييييد لما يوجد تحت هذا المآزر فهو لايزال يتلظي بنيران فستانها الاحمر المثير الذي آرق مضجعه وحمد الله انه لم يفقد السيطره علي نفسه امامها وقتذاك!!!!!
ارتسمت ابتسامه كسوله علي شفتيه وهو يتطلع الي تورد خدودها خجلاً بافتنان …
قطبت غفران حاجبيها وزمت شفتيها خجلاً من نظراته ، فنظراته لها اليوم بها شيء غريب وغامض لم تفهمه ….وهتفت تدعي الحنق حتي تنهي حرب النظرات بينهم: في ايه مالك بتبص لي كده ليه…
عجباني !!!! جاء رده صريحاً سريعاً مفاجأً صادماً لها !!!!!
هااااا…. قالتها ببلاهه وعدم تصديق …
عجباااااني …. اعادها مره اخري ضاغطاً علي كل حرف من حروف الكلمه حتي تثبت داخل رأسها …
نظرت له بعدم تصديق وقد تلجم لسانها من كلمته ونظراته لها …
تحرك خطوتين حتي وقف امامها وفتح فمه ليتحدث ، الا انها عاجلته بدفعه صغيره من يدها علي صدره وفرت هاربه من امامه واختفت داخل حجره الملابس مغلقه الباب خلفها ، ووقفت تستند بظهرها عليه واضعه يدها علي صدره علها تخفف من شده خفقاته وهي تردد كلمته بهمس : عجباني !!!
انااااا ….. اناااا عجباه …. ابتسامه خجله ارتسمت علي شفتيها وهي تشعر بلذه غريبه دغدغت حواسها بفعل كلمته البسيطه …
لما انا كده علشان قالي عجباني اومال لو قالي بحبك هيحصل لي ايه؟؟؟؟!!!!!!
بعد قليل ، كان عاصي يقف امام المرآه يمشط شعره ولحيته ونظره معلق بها وهي تعدل الفراش خلفه بعدما انتهت من ارتداء ملابسها ….:
جميله وناعمه دائماً ، لها سحر مختلف يميزها عن غيرها من النساء ، ربما بساطتها هي سر انجذابه الشديد لها ….
انتهت مما تفعله بأيد مرتجفه ، فهي لاحظت نظراته لها من خلال المرآه، فقررت الهروب والنزول لاسفل لان حالته ونظراته لها اليوم تربكها …
تحركت صوب الباب دون ان توجه له كلمه واحده ، وقبل ان تصل الي باب الجناح نداها بصوته الاجش يوقفها : غافي !!!!
اجابته دون ان تلتفت له : نعم …
استني عاوزك ….قالها وهو يتحرك باتجاهها حتي وقف خلفها مباشرة مما جعل عطرها الخلاب ينفذ الي رئتيه مثيرًا فيه ذوبعه من المشاعر …
اغمضت عينيها تستدعي قوتها وهي تشعر بانفاسه الحاره تضرب مؤخره عنقها ورائحه عطره الرجولي التي تعشقها تسكرها …
هذا كثيراً عليها …نظراته .. اقترابه منها .. رائحته المسكره.. نطقه لاسم الدلال خاصتها بصوته الاجش كل هذا يفعل بها اشياء يصعب علي قلبها الصغير تحملها ….!!!
همس بصوت اجش مثير في اذنها : بصيلي !!!
استدارت اليه ببطيء وهي مطرقه رأسها ارضاً ضاغطه علي شفتيها الورديه باسمانها الصغيره وكل خليه في جسدها تنتفض تأثراً بحضوره الطاغي عليها…
رفع يده يسندها علي الباب من خلفها ويده الاخري رفع بها وجهها الجميل اليه …
كانت محاصره بين الباب خلفها وصدره العريض امامها ….
كان حضوره قوي وطاغي ، كان يآثرها بنظراته القويه التي كانت تتطلع الي كل انش في وجهها الجميل بافتنان !!!!
ظلت يده ممكسه بطرف ذقنها يحرك ابهامه عليه بخفه اذابتها….
ضغط علي ذقنها تحت شفتها السفليه حتي جعلها تحررها من اثر اسنانها وهمس بخفوت مثير وعينيه معلقه علي شفتيها: حرام الشفايف الحلوه دي يتعمل فيها كده …
ثم قرب وجهه منها وهمس بجانب اذنها بطريقه حسيه مثيره: ما تعمليش الحركه دي تاني علشان بتتعبني ، ثم تابع يضيف بخفوت وهو يقرب انه من عنقها يستنشقه بوله ….ولو شوفتك بتعمليها مره تانيه سواء لوحدنا او قدام حد ، انا مش هكون مسؤل ساعتها عن اللي هيحصل مني !!!!!
كانت ترتجف بقوه كورقه شجر رقيقه امام ريح اعصار قوي اقتلعها من جذورها …
كانت مغمضه العين وصدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال وساقيها اصبحوا يرتجفوا حتي انها ستسقط في اي لحظه …
رفع وجهه قليلاً ينظر الي وجهها واثر حديثه عليها ، فوجدتها تكاد تذوب بين يديه مثل قطعه الشوكولاه …
طرق قوي علي الباب خلفها جعلها تفتح عينيها علي وسعها وتشهق بخضه من قوه الصوت الذي اخرجهم من غيمتهم الورديه …
لعن عاصي الواقف خلف الباب الذي افاقه من سحر اللحظه ….
ارتمت داخل صدره العريض من قوه الخضه واضعه يدها فوق صدره، وهو كان اكثر من مرحب بذلك القرب ، لف يديه باحكام حول خصرها يقربها منه ونظراته مثبته فوق نظراتها ….
عاصي بيه … الفطور جاهز والحج مستنيك تحت ..
هتفت بها نعمان تحثه علي الاسراع في النزول لاسفل …
اتاها صوته القوي وهو لازال محتفظ بها داخل احضانه: حاضر يا نعمات انزلي انتي واحنا جايين وراكي …..
نظر بعينيه الثاقبه الواثقه الي عينيها المضطربه المهزوزه وتحدث بنبره هادئه: احنا في كلام كتير لازم نتكلم فيه ، كلام مهم وحاجات كتير لازم نحددها مع بعض ، علشان كده انا مش هتأخر انهارده في الشغل ، عندي حاجه مهمه هخلصها وهرجع لك علي طول علشان نتكلم سوا .. اتفقنا …!!!
انحبس صوتها داخل حلقها ولم تتمكن من اخراج حرف واحد ولكنها هزت رأسها موافقه علي حديثه..
تمام يالا بينا ننزل علشان جدي مستنينا تحت …
قالها وهو يحرر خصرها من قبضتيه ببطيء حتي تسللت يده الكبيره الي كف يدها الصغير واحكم قبضته عليها وسحبها خلفه الي اسفل سائراً بخطوات واثقه ورأس مرفوع بقوه وشموخ …
وهي كان عقلها لا يستوعب كل ما يفعله معها اليوم ، فهو لاول مره منذ زواجهم يمسك كف يدها بمثل هذه القوه والتملك !!!!
……………
غص الطعام في حلق نسرين واخذت تسعل بقوه عندما وجدت عاصي يدلف الي حجره الطعام وهو ممسك بيد غفران بين يديه ….
اشتعلت نظراتها غلاً وكرهاً وغيره من غفران ، وشعرت لاول مره بالخطر الشديد من قرب غفران من عاصي لذلك يجب عليها التصرف وباقصي سرعه…
اما دريه فحالها مثل حال نسرين واكنها استطاعت ببراعه افعي رقطاء ان تخفي ما تشعر به وترسم ابتسامه عريضه متلهفه علي وجهها وهي تقوم من مكانها وتقترب من عاصي لكي تطمئن عليه بعد ما حدث البارحه ….
هتفت تتحدث بقلق: قلب امك يا حبيبي ، طمني عليك عامل ايه دلوقتي ..
في حاجع تعباك ، اطلب لك الدكتور…
ربط عاصي علي ذراع والدته باحترام وحدثها بهدوء وهو لايزال محتفظ بكف غفران بين يده: متقلاقيش يا امي مفيش حاجه انا كويس .. اطمني ..
صدح صوت الجد من خلفهم يتسأل بعدم فهم : في ايه مالك يا عاصي ، وايه اللي تحت عينك ده انت اتخانقت مع حد …
جلس عاصي علي مقعده بعدما اجلس غفران الاول علي مقعدها بجانبه ، وهاف يجيب جده: مفيش حاجه يا حج موضوع صغير وانا حليته خلاص ، ما تشغلش نفسك…
سأله الجد بقلق: ازاي بس يا ابتي مقلقش عليك ،ثم وجه حديثه الي غفران : طب قوليلي انتي يا غفران طالما جوزك مش عاوز يتكلم ويطمني عليه…
جدي !!!! قالها عاصي بنبره قويه حاسمه …
انا تمام مفيش حاجه ، ده موضوع وانا خلاص خلصته وعلشان حضرتك تطمن هبقي احكي لك عليه لما اشوفك في الشركه ….
ثم نهض واقفاً معتذراً منه: عن اذنكم انا علشان اتاخرت علي الشركه ..سلام …
ثم نظر الي غفران وآمرها : غافي تعالي معايا…
سألته دريه من بين اسنانها : هي خلاص هتنزل معاك الشركه ولا ايه؟؟؟
اجابها عاصي بنبره ذات مغذي: هتنزل طبعاً بس مش قبل ما مكتبها الجديد يخلص ، انا آمرت انهم يعملوا لها مكتب في نفس الدور بتاعي جنب مكتبي.
ثم تابع يضيف بمرح …:
الا لو كانت هي مستعجله وعاوزه تنزل الشغل بس ساعتها بقي هضطر اسيب لها مكتبي ، ما هو مش معقول غفران الجارحي هتفعد في مكتب عادي ومكتب رئيس المجموعه موجود!!!!
يالا عن اذنكم … قالها وهو يغادر ساحباً غفران خلفه وعقلها لا يستوعب ما سمعه منه للتو….
زيفت دريه ابتسامه صفراء علي وجهها ولم تعقب بينما داخلها يغلي كالمرجل بعد حديث ولدها ….
ابتسم الجد بسعاده علي تبدل حال حفيده وايقن ان مشاعره بدأت تسير في مسارها الصحيح نحو غفران…!!!!
دعا لهم بصلاح الحال والذريه الصالحه وهو ينهض من مقعده مغادراً لاحقاً بعاصي الي الشركه …..
وقف عاصي وغفران علي الباب الداخلي للقصر ويده لازالت تشتبك في كف يدها …
ازاح بانامله خصله من خصلاتها السوداء المتمرده خلف اذنها وحدثها برقه: زي ما قلت لك مش هتأخر عليكي هخلص شغلي بسرعه وارجع لك علي طول علشان لازم نتكلم يا غافي لازم ….
ثم اقترب منها خطوه ونظر داخل عينيها وهتف يحدثها برجاء: اوعديني يا غفران انك هتستنيني مهما اتاخرت عليكي استنيني …
مش عاوزك تزهقي من انتظاري ، وانا هحارب علشان ما اتاخرش عليكي بس انتي استنيني…
انقبض قلبها من حديثه ولم تفهم المغذي من كلامه وهتفت تسأله بقلق: عاصي انتي مخبي عليا حاجه ، ارجوك قولي ما تقلقنيش عليك …
القلق والصدق في نبرتها والملتمع داخل مقلتيها اصابه في مقتل ، ابتسم باتساع ووضع يديه علي ذراعيها يقربها منه هاتفاً بسعاده: اوعي في يوم تقلقي او تخافي وانا جانبك يا غفران …
كل اللي بطلبه منك انك تستنيني وبس …
نظرت له بتيه وهتفت برقه : اوعدك يا عاصي هستناك مهما اتاخرت .. هستناك عمري كله …!!!وكان رده قبله عميقه طبعها بجانب شفتيها التي يود ان يسحقها بين شفتيه ولكنه سيطر علي رغبته بقوه يحسد عليها ، وهمس امام شفتيها بصوت ملؤه الرغبه: وانا مش هتأخر عليكي يا غافي ….
قالها وتحرك مغادراً من امامها قاطعاً الدرج الرخامي امام بوابه القصر بسرعه وقلبه يببض بقوه داخل صدره ورائحه انفاسها لازالت عالقه به ….
تاركها تقف بجسد متخشب لا يقوي علي الحركه وعقل يقف عاجز امام استيعاب ما يحدث معه .،
وقلب ينبض بجنون محلقاً بسعاده في سماء عشقه الذي ارهق روحها …
غافلين عن نظرات نسرين الحقوه التي انهارت واخذت تحطم كل ما تطوله يدها وهي تتوعدهم بداخلها بعدما شاهدت قبله عاصي لها …….
………………………
وصل عاصي الي مكتبه داخل مجموعه الجارحي ولحق به جسار ذراعه الايمن ومساعده الشخصي
وضع جسار امامه ملف يحوي معلومات عن مازن الدالي وعائلته….
تحدث جسار باحترام : ده الملف اللي حضرتك آمرتني بيه امبارح .، في كل حاجه عن مازن الدالي وعيلته من يوم ما اتولد لحد اللحظه دي يا باشا…
هتف عاصي بجمود وهو يتصفح الملف : تمام يا جسار ، روح انتي وانا لما اخلص هبعت لك …
انصرف جسار باحترام تاركاً رب عمله يقرأ ملف عائله الدالي بتركيز شديد !!!!!!
بعد ساعه قد كان انتهي من قراءه ملف مازن الدالي وعائلته ، رفع سماعه هاتفه الداخلي وطلب جسار آمراً اياه بان يأتي اليه….
دلف جسار بعد ثواني ووقف امام عاصي منظراً تنفيذ اوامره…
اوامرك يا عاصي باشا….
تحدث عاصي بقوه: عاوزك تتصل بصاحب توكيل العربيات الالماني اللي هيتعاقد عليها محمد الدالي ، عاوز في خلال عشر دقايق يكون معايا علي الخط .
تآمر سعادتك بحاجه تانيه؟؟؟ سال جسار مستوضحاً.
عاوز مازن الدالب تحت عينيك 24ساعه حتي وهو نايم يكون تحت عينيك، تليفوناته تكون متراقبه، الاماكن اللي بتردد عليها كل حاجه بيعملها او هيفكر يعملها يكون عندي خبر بيها قبل ما تحصل ..مفهوم.
مفهوم معاليك … عن اذنك …..
نظر عاصي امام بملامح شرسه متوعداً مازن الدالي بأسوء عقاب : علشان تبقي تقف قصادي تاني يا ابن الدالي ……!!!!
…………………………..
بعد عده ساعات …
خرجت غفران من جناحها متوجهه للحديقه لمتابعه احواض الازهار خاصتها….
شهقت بفزع عندما قطعت عليها دريه طريقها ووقفت تنظر لها بشر…..
هتفت غفران تسألها بتوجس من ملامحها : خير يا طنط حضرتك عاوزه حاجه….
دفعتها دريه بعنف الي داخل الغرفه واغلقت الباب خلفها بعنف ، ثم استدارت لها وهدرت بغضب : ارتاحتي يا بنت جميله وكوشتي علي كل حاجه ، بلفتي عاصي ولفتيه تحت جناحك ، صحيح وانا هسغرب ليه ، اكفي القدره علي فمها تطلع الفاجره لامها…
اوعي تكوني فاكره اني هسيبك تتهني وتاخدي الجملش بما حمل وفوقيهم ابني ….ح
لااااااا فوقي واعرفي انتي بتلعبي مع مين يا شاطره انا مش هسمح لك تتهني وتاخدي مني اللي حاربت جعمري كله علشانه واعرفي انك من انهارده هخاليكي تشوفي نار جهنم علي الارض علشان تعرفي تتحديني وتقفي قصادي وتاخدي حقي ….
نظرت لها غفران بهلع من كم الحقد والكره التي تكنه لها ولامها وهتفت تسألها بعدم فهم : في ايه حصل لكل ده ، انا عملت لك ايه …
ومالك ومال امي الله يرحمها ليه طول عمرك بتكرهيها وتكرهيني عملنا لك ايه….
هدرت دريه بغل: عملتوا عملتوا كتير اوووووي ، هي سرقت عمري اللي فات وانتي جايه تسرقي عمري اللي جاي وفوق منهم ابني ….
بس ده بعدك مش هسمح لك فاهمه مش هسمح لك تبقي جميله تانيه ….
قالتها وهي ترمقها بغل وكره شديد وتركتها ورحلت تنظر في اثرها بروح مجروحه متألمه وقلب ينبض بخوف من القادم ……
بعد ساعه كانت تقف غفران امام حوض الزهور الخاص بها في حديقه القصر امام المسبح .، تعتني بازهارها وتقوم بتنسيقها ورشها بالمياه …
جاءت نسرين من خلفها وهتفت بغل : يا تري الهانم اخبارها ايه بعد الخناقه اللي حصلت علي شرفها امبارح … يا تري مبسوطه وانتي شيفاهم بيتخانقوا مع بعض عليكي …
بصراحه انا لو منك اتكسف من نفسي وادور علي حته اداري فيها بعد الفضيحه اللي حصلت …
واقفه بين جوزك وعشيقك وهما بيتخانقوا عليكي ،
بصراحه حاجه قذره بس هقول ايه ما انتي اللي ذيك يطلع منها اكتر من كده ، عامله فيها شريفه وانتي مدوراها .
النوع السهتان ده هو بيبقي مخبي الخبث والوساخه ورا وش البراءه اللي انت مصدراه طول الوقت….
رمت غفران ما في يدها والتفتت اليها وهدرت بها بعضب : انتي ازاي تكلميني بالطريقه دي انتي فاكره نفسك مين ،ومين سمح لك تدخلي في حياتي …
انتي بني ادمه قليله الادب ومستفذه واللي قلتيه ده مش هيعدي علي خير وعاصي هيعرف بقله ادبك وسفالتك دي وهفضحك قدامهم كلهم…
قالتها وتحركت من امامها تنوي المغادره …
تحولت ملامح نسرين الي ملامح شيطانيه وكأن مارد تلبسها وهتفت من بين اسنانها بغل وحقد دفين : ده لو لحقتي تقولي له …
وبحركه سريعه كانت تدفع غفران بكلتا يديها بعنف اسقطتها في المسبح ….
ارتسمت علي شفتيها ابتسامه متشفيه وهي تتطلع اليها وهي تسقط وترتفع داخل المياه البارده تحاول النجاه فهي لا تجيد السباحه …..!!!!!!
…………………..
رواية غفران العاصي الفصل التاسع 9 - بقلم لولا
دلف جسار إلى مكتب عاصي يحمل في يده ملفاً كبيراً.
كان عاصي يتحدث في الهاتف، انتظر حتى ينتهي من مكالمته.
أغلق الخط مع محدثه ثم رفع نظره إلى جسار الواقف بثبات وسأله بإيماءة من عينه عما يحمله في يده.
تقدم جسار ووضعه أمامه على سطح المكتب وتحدث هاتفاً باحترام: "اتفضل يا باشا، الفايل ده متسجل فيه المكالمات اللي على الخطوط بتاعة مازن الدالي بالاسم واليوم والتاريخ."
ثم تابع مضيفاً: "ومحمد الدالي بره في انتظار مقابلة سعادتك."
أخذ عاصي الملف يتفحصه باهتمام، وحدث جسار بجمود: "خاليه عندك لحد ما أخلص اللي في إيدي وهبقى أبعت لك تدخله."
ثم تابع مضيفاً بأمر: "عاوزك تزود الحراسة على القصر، وخصوصاً غفران هانم."
"عاوز الحرس ما يغفلش عنها، يكونوا معاها في كل خطوة."
"ومفيش دبانه تدخل أو تخرج إلا ويكون عندي علم بيها، أنت اللي هتكون مسؤول قدامي لو حصل أي تقصير."
"مفهوم؟"
"مفهوم معاليك." قالها جسار وانصرف منفذاً أوامره، تاركاً إياه يتطلع على الملف باهتمام.
جرت عيناه على أرقام التليفونات الصادرة والواردة ولكنه لم يجد رقم غفران مسجلاً.
ولكن ما جعل عينيه تضيق بشك هو وجود رقم نسرين ابنة خالته مسجل لأكثر من مرة ولمدة زمنية طويلة في المكالمات الصادرة والواردة.
جز على أسنانه وهتف بشراسة: "لو اللي في بالي طلع صح مش هرحمك يا نسرين، أقسم بالله."
أغلق الملف ووضعه في أحد أدراج مكتبه التي تغلق برقم سري.
ضغط على زر الاتصال الداخلي بينه وبين جسار وآمره بإدخال محمد الزيني إليه.
دقائق وكان يجلس أمامه رجل في الستين من عمره، قد شيب شعره تشع منه مظاهر الثراء الفاحش.
إلا أنه كان يقف متوتراً مهزوزاً أمام نظرات عاصي الشرسه التي تتفرس فيه بغضب.
تحدث محمد الدالي بنبرة مهزوزة: "شرف ليا يا عاصي باشا لما بلغوني إن معاليك طالبني. خير يا باشا، أكيد النهارده عيد عشان حضرتك طلبتني."
صدح صوت عاصي بقوة يوقفه عن الثرثرة: "خلاااص.. خلاص يا محمد بيه."
نظر له بقوة أجفلته وهتف من بين أسنانه: "شوف يا محمد بيه، ومن غير لف ودوران كده، ابنك مازن غلط وغلط كبير كمان، والغلط ده كان معايا أنا."
"فأنا عشان خاطرك وعشان أنت راجل كبير ومش هتتحمل بهدلة على آخر الزمن، التوكيل الألماني اللي كنت هتمضي العقد بتاعه كمان ساعتين بحححح، والنص مليار اللي كنت لممهم من البنوك بقروض ومقدم لها ضمانات وهمية عشان تدفعه مقدم للصفقة برضه بحححح!"
صمت ونظر إلى ملامحه الشاحبة التي حاكت شحوب الأموات والعرق المتصبب على جبينه.
ثم تابع مضيفاً باستهزاء: "شوف بقى هتسدده إزاي ومنين؟"
وأكمل مضيفاً بشراسة وهو يطحن ضروسه من شدة الغضب: "وده قرصة ودن صغيرة لابنك عشان يفكر ألف مرة قبل ما يهوب من حاجة تخص عاصي الجارحي."
مسح الرجل العرق الذي بدأ يتصبب منه بغزارة، وهتف يسأله بخوف: "هو الولد ده عمل إيه عشان يخلي معاليك تغضب منه بالشكل ده؟ قول لي وأنا أجيبه لحد عندك يستسمحك ويعتذر لمعاليك، بس بلاش حكاية التوكيل دي، أنا حطيت فيها كل اللي حيلتي وعاوز أخلي مازن يقف على رجله في السوق بعد ما خسر كل فلوسه في البورصة."
سخر عاصي مستهزئاً وقال: "قصدك خسرها على ترابيزة الروليت."
"شوف يا محمد بيه عشان ما نضيعش وقتنا في رغي مالوش لازمة، ابنك لو شوفته ولو صدفة همحيه من على وش الأرض."
"وزي ما قلت قبل كده أنا عامل لك خاطر ومقصرتش عليه أوي."
"بس." رفع إصبعه في وجهه محذراً بشراسة: "بس أقسم بالله لو حاول بس يفكر إنه يظهر في طريقي تاني، ساعتها ما يلومش إلا نفسه."
"المقابلة انتهت، مع السلامة يا محمد بيه." قالها وهو يشير له بكف يده في اتجاه الباب معلناً انتهاء المقابلة.
تحرك محمد الدالي إلى خارج مكتبه بخطوات مهزوزة مرتعشة، فهو يكاد يصاب بأزمة قلبية بسبب ما حدث معه.
أخذ يسب ويلعن ابنه في سره، فهو أبداً لن يكف عن العبث والتهور الذي أوقعه هذه المرة في يد من لا يرحم.
بعد ساعة كان يقود سيارته عائداً إلى القصر بقلب لهيف، فهو يريد أن يتحدث معها كما اتفقوا، يريدها أن تسمعه وتفهمه، لعلها تريحه من حالة التخبط الذي يشعر بها دائماً بقربها.
دلف نسرين إلى غرفة خالتها وجسدها كله يرتجف من الرعب والعرق يتصبب منها كأنها محمومة.
كانت درية تجلس في غرفتها باسترخاء، تحتسي قهوتها في هدوء بعدما أخرجت ما في صدرها في وجه غفران، ولكنها نهضت مفزوعة عندما وجدت نسرين تدخل عليها بملامح شاحبة شحوب الأموات.
اقتربت منها وسألتها بنبرة غلفها القلق: "مالك يا نسرين، وشك أصفر زي الليمونة كده ليه؟ في حاجة حصلت؟"
كانت جسد نسرين يرتجف بقوة ونظراتها معلقة على شرفة الجناح التي تطل على الحديقة بشكل عام والمسبح بشكل خاص.
نظراتها شاخصة للبعيد وهي تهز رأسها نفياً وكأنها تنفي عن نفسها ما فعلته منذ قليل.
أمسكتها درية من ذراعيها وأخذت تهزها بعنف علها تنطق وتفيق من حالة الانفصال عن الواقع التي تعيشها، وسألتها بنبرة غاضبة عالية: "انطقي قولي فيكي إيه، عملتي إيه قولي."
نظرت لها نسرين بنظرات زائغة مهزوزة وهتفت تجيبها بتأتأة: "أنا.. أنا..."
هدرت درية بنفاذ صبر: "أنتي إيه انطقي."
"أنا قتلت غفران."
شحب وجه درية وصرخت بعدم تصديق: "اااايييييه!!"
دلف عاصي من بوابة القصر الخارجية بسيارته الفارهة وخلفه طاقم حراسته الخاص.
ترجل من السيارة بملامح متوترة، قلقة.
فهو بعض دقائق قليلة سيعقد أهم وأصعب اجتماعات في حياته، اجتماعه مع غفرانه.
غفرانه التي تعشقه منذ زمن وهو كالابله يظنها مجبورة على الزواج منه.
سخر من نفسه، فهو يبدو عليه الجهل في أمور العشق بجدارة.
دلف إلى داخل القصر وصعد الدرج مسرعاً إلى جناحه لكي يفاجئها بحضوره مبكراً كما وعدها صباحاً.
وقف أمام باب الجناح بقلب مرتجف، لاول مرة يشعر بكل هذا القلق والتوتر.
أخذ نفساً عميقاً حبسه داخل صدره وزفره على مهل حتى يستجمع شتات نفسه وحسم أمره وتوجه إليها.
فتح باب الجناح ودخل يبحث عنها وهو ينادي عليها: "غافي.. غافي أنا جيبت.. غفران؟!"
بحث عنها في الجناح بأكمله: غرفتها، غرفة الملابس، المرحاض، غرفة المعيشة، ولم يجد لها أثر.
نظر إلى الشرفة وابتسم بمكر، فهي دائماً ما تجلس في الشرفة مع زهورها، فمؤكد أنها بالداخل ولم تسمعه.
فتحرك على أطراف أصابعه حتى لا يصدر صوتاً ويفاجئها بعودته.
دلف إلى الشرفة ولكنه وجدها خالية أيضاً.
زفر بإحباط من عدم وجودها، وقف مستنداً بيديه على سور الشرفة، يفكر أين يجدها.
فهو لن يدور يبحث عنها في القصر كالطفل الصغير الضائع من أمه، حتى لا يفتضح أمره أمام من في القصر.
"خلاص انزل تحت واسأل نعمات على أي حاجة وبعدين أسأل عنها، كده هيبان إنك بتسأل عادي مش عشان حاجة معينة."
أقنع نفسه بذلك الحديث حفاظاً على شكله ووضعه أمامهم.
استدار بجسده عائداً إلى الداخل ولكن لفت نظره شيئاً عائماً على المياه في المسبح.
قطب جبيينه يدقق النظر في ذلك الشيء ولكن سرعان ما حاظت عيناه وخرجت من محجريها وكاد قلبه يتوقف من شدة القلق والرعب الذي لأول مرة يشعر بهم في حياته، عندما تأكد أن الجسد العائم على سطح الماء هو جسد غفرانه.
صرخ منادياً باسمها صرخة أيقظت من في القبور من قوتها وشدة رعبه عليها: "غفررررررااااااااااان!!!!!"
هدرت درية بغضب: "يا نهارك أسود، موتيها انتي اتجننتي ازاي تعملي كده، وفين في القصر؟!"
"طب افرضي حد شافك، مفكرتيش ساعتها إيه اللي هيحصلك من عاصي أو من منصور؟"
"دول هيفرموكي، هيمحوكي من على وش الدنيا وأنا معاكي."
"حرام عليكي، ضيعتي نفسك وضيعتيني معاكي."
دارت حول نفسها تهتف بجنون: "أنا لازم أتصرف وألحق المصيبة دي قبل ما حد يعرف."
وتحركت صوب الباب تنوي المغادرة، إلا أن يد نسرين التي قبضت على ذراعها بقوة توقفها مكانها، وصرخت بها بملامح شيطانية: "اوقفي عندك انتي رايحة فين."
"خلاص اللي حصل حصل وأنا اتأكدت إن محدش شافني وخلاص هي زمانها غرقت وهتبان إنها وقعت لوحدها."
نفضت درية ذراعها هاربة بغضب: "انتي أكيد اتجننتي، أوعي أنا هروح ألحقها."
وقفت نسرين أمامها فارده ذراعيها تسد الباب بجسدها وهتفت بمكر: "مالك خايفة ليه كده، هي أول مرة ولا إيه؟"
"لو خرجتي من هنا ما تلوميش إلا نفسك لأني مش هسكت ساعتها وأقول إنك إنتي اللي عملتيها زي ما عملتيها زمان ولا نسيتي؟"
شحب وجه درية حتى أصبح يحاكي شحوب الأموات وهتفت تسألها بتلعثم: "تقصدي إيه بكلامك ده؟"
ابتسمت نسرين بخبث وأضافت: "إنتي عارفة أنا أقصد إيه كويس أوووي فبلاش تعمليهم عليا، إحنا فاهمين بعض كويس."
فتحت درية فمها للتحدث ولكن صرخة عاصي باسم غفران جعلتها تبتلع ما كانت تنوي أن تقوله.
وجحظت عيناهما رعباً وفزعاً من صوته وارتجف جسدهما خوفاً وعلموا أن القادم لن يبشر بخير مطلقاً.
يجري مهرولاً يقفز على الدرج بملامح مرعوبة وقبضة قوية تعتصر قلبه تنتزعه انتزاعاً من داخل ضلوعه وشعور غريب بالوحشة والخوف يسكنه.
وبمهارة فائقة كان يقفز داخل المياه الباردة والتي لم يشعر ببرودتها من قوة فوران مشاعره.
وصل إليها وحملها سريعاً على ذراعيه ينظر إلى وجهها الشاحب وشفتيها الزرقاء التي تدل على فقدانها للحياة.
خرج بها من المياه ومدد جسدها على الأرض وهو يقول بعمل إسعافات أولية لها منادياً عليها برعب: "غفران.. فوقي.. غفران.. لا مش هتروحي، أنا مش هسمح لك تضيعي مني.. فوقي يا حبيبتي عشان خاطري."
أخذ يضغط بكلتا يديه على صدرها محاولاً إنعاش قلبها.
وصلت نسرين ودرية إليه بجسد مرتجف من شدة الخوف.
تجمع كل من في القصر على صوته حتى الحرس الواقف على باب القصر الخارجي ووقفوا يشاهدون ما يحدث بعدم استيعاب.
سألته درية بنبرة قلقة: "في إيه؟ إيه اللي حصل؟" ولكنها لم تسمع له، كل همه إنقاذ روحه التي تصارع للخروج من جسده.
وضع شفتيه الغليظة على شفتيها الزرقاء وأخذ ينفخ فيها محاولاً إدخال الهواء إلى رئتيها.
صرخ فيهم بغضب: "إنتوا واقفين تتفرجوا عليا، إسعاف بسرعة."
كل هذا وهو يعيد الضغط على صدرها وشفتيها مراراً وتكراراً والدموع تغشى عينيه من شدة يأسه وقلة حيلته في إنقاذها.
هتف بنبرة أجشة باكية متوسلاً إياها: "غافي حبيبتي عشان خاطري فوقي وارجعي لي."
كانت نسرين تتابع لهفته وخوفه عليه بقلب ممزق وأدركت أن عاصي عاشق لغفران حتى ولو لم يظهر ذلك.
وكأنها استجابت لتوسله ورأفت بقلبه العاشق لها، فأخذت تسعل بقوة تخرج المياه من فمها.
اختلطت دموع عاصي مع قطرات المياه المتساقطة من رأسه وجسده وهو يرفع جسدها من على الأرض يعتصرها داخل صدره مقبلاً مقدمة رأسها هاتفاً بلوعة: "الحمد الله.. الحمد الله يا رب."
أخرجها من داخل صدره قليلاً مانحاً إياها فرصة للتنفس فهي لازالت تسعل بشدة.
هتفت اسمه بنبرة خافتة مجهدة: "ع.. عاصي!"
ضم جسدها إلى جسده يعتصرها داخل أحضانه: "روح عاصي اللي رجعت له."
كان جسدها يرتجف بقوة وأسنانها تصدر صوتاً من شدة احتكاكها ببعض.
وفي لحظة كان ينهض من على الأرض وهو يحملها على ذراعيه القويتين ويضمها إلى صدره بحماية وتملك مهرولاً إلى الداخل صاعداً إلى جناحهم والمياه تتساقط من جسديهما.
هدر بهم بنبرة أفزعتهم: "اطلبوا الدكتور بسرعة، اتحركوا."
هرولوا جميعاً منفذين أوامره ولحقت به درية وهي ترتجف من الرعب ولكنها مثلت القلق والخوف على غفران حتى تمحو أي شبهة من عليها، تاركة نسرين تحدق في طيفهم بملامح كريهة حاقدة.
صعد الدرج قاصداً جناحهم مسرعاً وهو يحملها على ذراعيه وهي لازالت ترتجف بين يديه.
ولج إلى داخل الجناح وهمت درية ومن خلفها نسرين التي لحقت بهم أن يدلفوا خلفهم ولكنه زجرهم هادراً بعنف: "محدش يدخل."
وأغلق الباب بقدمه في وجههم.
وقفت نسرين ودرية ينظرون إلى بعضهم بتوجس وقلق من ردة فعله إذا علم بما فعلته نسرين.
دخل إلى الحمام وأوقفها في حوض الاستحمام وهو مازال محتفظاً بها داخل أحضانه وفتح المياه الساخنة التي انهارت عليهم بقوة.
أخذت ترتجف بين أحضانه فهي لازالت تشعر بالبرودة وملابسها غارقة بالمياه الباردة.
أسندها على الحائط وبأيدي مرتعشة أخذ يجردها من ثيابها المبتلة حتى تستطيع المياه الساخنة تدفئة جسدها.
وضعت يدها على يده تمنعه وهي تنظر له بضعف غير قادرة على النطق.
فهم ما تريد قوله دون كلام وهتف يجيبها بحنو: "معلش لازم تقلعي، هدومك غرقانةماية والدنيا برد، عشان جسمك يدفي لازم تقلعي الهدوم دي."
"وبعدين ما تخافيش مني يا غافي.. أنا جوزك."
رفعت عينها تنظر إليه بوهن، فهو لأول مرة يعترف أنه زوجها بهذه السلاسة وكأنه معتاد على أن يقولها باستمرار.
أول مرة ينسبها إليه دون قيود أو شروط.
ثم تابع مضيفاً بسلاسة وكأنه شيء عادي يحدث بينهم باستمرار: "وأنا كمان هعمل كده عشان هدومي مبلولة."
كان يحاول تهدئتها وطمأنتها ولكن جملته الأخيرة جعلتها تترنح في وقفتها خجلاً مما ينتوي فعله.
وفي لحظة كان يضمها داخل صدره وينزع عنها ملابسها حتى تخلص منها تماماً إلا من ملابسها الداخلية.
وفعل المثل له أيضاً وبقي بملابسه الداخلية فقط.
بدأت تشعر بالدفء يجتاح أوصالها ليس فقط من سخونة المياه وأنما أيضاً من سخونة جسده الذي يحتويها.
كان يعتصرها داخل صدره، يمرر يده بحنان على ظهرها، فهو لأول مرة يشعر بقلبه يكاد يخرج من بين ضلوعه آلماً وخوفاً من فقدانها.
ظلوا فترة طويلة تحت المياه، هي تخفي نفسها داخل أحضانه تلتمس منه الحنان والحماية.
وهو يقربها من قلبه يريح دقاته التي آنت آلماً من شد خوفه عليها، شاعراً بالراحة والأمان.
أغلق المياه وأحضر روب الاستحمام خاصتها وألبسها إياه بعدما جفف جسدها جيداً، ووضع منشفة أخرى على شعرها، وحملها كطفلة صغيرة بين يديه، خرج بها من الحمام ووضعها على الفراش ودثرها جيداً بالغطاء.
ثم غاب عنها لثواني معدودة جفف فيها نفسه ولف خصره بمنشفة كبيرة وعاد إليها.
فتح جهاز التكييف على الساخن حتى يدفيء الجناح لها وعاد إليها مرة أخرى.
جلس بجانبها في الفراش وجذبها إلى أحضانه واضعاً الغطاء الكثيف حولهم.
همس يسألها بنبرة قلقة: "أحسن دلوقتي؟"
أجابته بهزة خفيفة من رأسها دون أن تتحدث، فهي لازالت تشعر بضيق في التنفس وتعاني من الإجهاد.
سألها بقلق بعدما أخرجها من أحضانه ناظراً إلى ملامحها الشاحبة بقلق: "طب مش بتتكلمي ليه، سمعيني صوتك عاوز أطمن عليكي."
بللت طرف شفتيها الجافة بحركة عفوية، جعلت جسده يتصلب بقوة يود لو يلتهم تلك الشفاه الصغيرة بين شفتيه الغليظة، فهو منذ أن كانت شبه عارية في أحضانه تحت المياه وشعوره بجسدها اللين ملتصق بجسده الصلب وهو يعاني وبشدة.
هتفت بصوت مرهق خافت: "صدري بيوجعني، ومش عارفة أتنفس و... ومش قادرة أتكلم."
انتفض بفزع يضع يده على صدرها يدلكه برفق وهو يقول بتوتر: "بالراحة.. خدي نفس بالراحة.. خدي نفس عميق وطلعيه بالراحة."
نفذت ما قاله بتعب وصدرها بدأ يؤلمها أكثر بالرغم من أخذها لنفسها بصورة أفضل إلا أن صدرها بدأ يؤلمها.
رفع سماعة الهاتف يطلبهم في الأسفل، هدر فيهم صارخاً بغضب: "الدكتور فين، كل ده ولسه موصلش؟ استعجلوه بسرعة."
أغلق الهاتف والتفت يحدثها بحنو وهو يملس على شعرها بحنان: "الدكتور على وصول خلاص، أنا هقوم أجيب لك حاجة تلبسيها قبل ما يوصل."
ولج محمد الدالي بملامح وجه غاضبة إلى غرفة نوم ابنه وأخذ ينادي عليه بصوت جهوري وهو يزيح الغطاء من عليه.
"قوووووم، قوم يا بيه.. شوف آخرة صياعتك ووساختك وصلتنا لحد فين، قوووووووم."
اعتدل مازن بجسده ونظر إلى والده وهو يغمض عين ويفتح الأخرى وسأله بنعاس: "مالك يا بابا في إيه، مصحيني من النوم وعمال تزعق كده ليه؟"
هدر والده بغضب: "طبعاً ما أنت نايم في العسل وأنا عمال ألم وألم وراك من هنا لهنا، بس خلاص ضيعنا واللي كان كان، فلسنا وبقينا على الحديدة وكل ده ليه عشان حضرتك فارد لي عضلاتك وعاوز تلعب مع الأسد، وأهو الأسد أكلنا ورمانا للكلاب."
سأله مازن بغباء: "أسد إيه وكلاب إيه، وفلسنا إيه؟ إيه اللي أنت بتقوله ده ما تتكلم كلام مفهوم."
قالها وهو يتناول علبة سجائره يخرج منها واحدة يشعلها عله يفيق ويفهم كلام والده الغريب.
تحدث والده جازاً على أسنانه يسأله بغضب: "في إيه بينك وبين عاصي الجارحي؟"
تعلقة السيجارة أمام شفتيه والدخان الأبيض يغشى ملامحه التي توحشت عن عيني أبيه فور ذكره لاسم غريمه.
سأل والده بنبرة جامدة: "اشمعنا؟"
هدر والده بسخط: "أنت هتخش لي أفيه! جاوبني على سؤالي فين إيه بينك وبين عاصي الجارحي عشان يعمل معانا اللي عمله."
هب واقفاً من رقدته ووقف أمام والده وسأله مضيفاً عينيه بشك: "عمل إيه؟ ممكن تتكلم على طول من غير الغاز."
أجابه والده بحزن وحسرة: "قول معملش إيه، خلاص كل حاجة راحت، توكيل العربيات الألماني اتلغى ومبقاش فاضل غير الديون اللي عليا للبنوك اللي مش عارف هسددها منين وإزاي.. وكل ده قرصة ودن صغيرة ليك عشان اللي عملته معاه واللي أنا مش عارف إيه هو لحد دلوقتي."
صرخ مازن بغل وقهر: "وهو مين عشان يعمل كل ده وانت إزاي تسمح له بحاجة زي كده، إذا كان هو عاصي الجارحي فأنت محمد الدالي على سن ورمح."
نظر له والده بغيظ من غبائه وغروره هاتفاً بسخط: "والنبي اتلهي على خيبتك، عاصي الجارحي ده غول حوووت كبير وبلعنا في كرشه ومحدش يقدر يقف قصاده والسوق كله معاه وفي جيبه."
"وعلى فكرة هو مش بيهوش والدليل اللي عمله، وحلف لو شافك صدفة في طريقه أو طريق اللي بخصه هيفرمك."
هدر مازن بغضب وغرور: "على نفسه مش عليا، أنا بقى هعرفه مين هو مازن الدالي وإزاي يلعب معاه."
نظر له والده بيأس من غرور وعجرفة ابنه التي حتماً ستؤدي بحياته وتوقعه في مشاكل هو في غنى عنها ولكن عواقبها ستكون وخيمة عليه وعلى الجميع.
وقف يتابع الطبيب باهتمام وهو يضع ماسك الأوكسجين على أنفها ويعلق لها المحاليل.
سأله بقلب لهيف: "طمني يا دكتور.. هتبقى كويسة."
أجابه الطبيب بتقرير: "الحمد الله هي عدت مرحلة الخطر، هي بس محتاجة أوكسجين عشان ننظم عمل الرئة من تاني بعد المجهود اللي عملته والمية اللي شربتها، والمحاليل دي شوية فيتامينات ومهديء عشان تنام مرتاحة.. الحمد الله إنتوا لحقوها على آخر لحظة."
ثم أشار إلى الممرضة التي ترافقه قائلاً: "وأنا هسيب الممرضة معاها تتابع المحاليل لما تخلص وتغيرها وممكن على بالليل تشيل جهاز الأوكسجين."
سأله بقلق جلي على ملامحه: "يعني هي مش محتاجة تروح مستشفى؟"
أجابه الطبيب نافياً: "اطمن يا عاصي باشا، أنا عملت لها اللازم لو كانت محتاجة مستشفى ما كنتش هتأخر."
ثم أغلق الطبيب حقيبته وهم مغادراً قائلاً بعملية: "الف حمد الله على سلامة الهانم."
صافحه عاصي يشكره بجمود: "الله يسلمك."
ألقى نظرة عليها قبل أن يغادر الجناح وآمر الممرضة بجمود: "خالي بالك منها مش عاوز عينك ترمش عليها."
"اطمن حضرتك ده شغلي." قالتها الممرضة بعملية.
نزل إلى أسفل حيث الجميع يجلس وكأن على رؤوسهم الطير.
سأله الجد بقلق: "طمني يا عاصي، الدكتور قالك إيه هتبقي كويسة، طمني ومتخبيش عليا حاجة يا ابني."
ربط عاصي على يد جده وهتف مطمئناً إياه: "اطمن يا حج الدكتور طمني، هي بس نايمة دلوقتي عشان لازم صدرها يرتاح بعد المجهود اللي عملته."
غمغم الجد مستغفراً: "استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.. إزاي ده حصل، إزاي وقعت في الميه.. دي طول عمرها بتخاف من الميه ومش بتقرب ناحيتها، أنا هتجنن."
زاغت نظرات نسرين ولم تعلق بينما هتفت درية بتوتر: "تلاقيها ما أخدتش بالها واتزحلقت غصب عنها."
هدر الجد بغضب: "وإنتوا كنتوا فين لما ده حصل، إزاي قصر طويل عريض مليان خدم وناس عايشة فيه وما يخدوش بالهم منا."
"أفرض لا قدر الله عاصي مكانش جه في الوقت المناسب ولحقها، كان زمانها دلوقتي رايحة منا."
قصف صوت عاصي الغاضب من خلفه: "جدي."
"خلاص الحمد الله إنها بخير مالوش لزوم الكلام ده." قالها بملامح غاضبة، ففكرة أن مكروه قد يصيبها أصابت قلبه بوجع لم يشعر بمثله من قبل.
ثم تابع يقول بتعب: "بكرة لما تفوق تبقي تحكي لنا عن اللي حصل، وأنا هقوم دلوقتي أراجع كاميرات المراقبة وأشوف إزاي ده حصل."
"وإنت يا جدي قوم حضرتك ارتاح شوية في أوضتك الانفعال غلط عليك، لازم تاخد أدويتك وترتاح."
شحب وجه نسرين ودرية بشدة عندما سمعوا حديثه عن كاميرات المراقبة وحاولت درية أن تلهيه عن ذلك مؤقتاً حتى تستطيع التصرف في الأمر قائلة بتوتر: "وانت كمان يا حبيبي قوم ارتاح انت تعبت ونزلت الميه في عز البرد، وبعدين ابقى شوف موضوع الكاميرات ده."
أجابها نافياً وهو يتوجه صوب غرفة المكتب: "أنا كويس الحمد الله، عن إذنكم."
"بس يا عاصي." قالتها بتوتر وقلق.
أجابها بحسم: "أمي خلاص من فضلك."
ثم غادر وتركهم يجلسون فوق صفيح ساخن في انتظار حكم إعدامه على نسرين.
زفر بغضب وهو يلقي بالحاسوب أرضاً بعدما فشل في الوصول إلى أي شيء يعرفه كيف سقطت في المياه، فكاميرات المراقبة حدودها حتى مدخل الحديقة من الداخل فقط ولا يوجد كاميرا تصور المسبح حفاظاً على خصوصيتهم.
كانت درية تزرع غرفتها ذهاباً وإياباً بتوتر فهي تشعر بالرعب من مجرد تخيلها معرفة عاصي بفعله نسرين فما بالك بالحقيقة.
عكس نسرين التي كانت تجلس باسترخاء تتابعها بملل.
هتفت نسرين بحنق من توتر خالتها: "أنا مش فاهمة انتي قلقانة ليه كده؟"
أجابتها درية بغيظ من برودها: "وأنا مش عارفة انتي إزاي باردة كده ومش خايفة ولا أما تكوني عاملة مصيبة."
أجابتها بلامبالاة: "ما أنا فعلاً ما عملتش حاجة."
ثم تابعت مضيفة بثقة بعدما مقحتها خالتها بغيظ شديد: "يا أنطي انتي ناسيه إن مفيش كاميرات عند البيسين وعاصي بنفسه هو اللي كان أمر بكده، ثم أنا دخلت وخرجت من مكان بعيد عن أي كاميرا، أنا عارفة أماكن الكاميرات كويس أوي."
سألتها درية بشك: "أفهم من كده إنك كنت قاصدة ومرتبة إنك تموتيها يعني محصلش بالصدفة لما اتخانقتوا وقمتي موقعاها في الميه؟"
أجابتها بلامبالاة: "تقدري تقولي حاجة زي كده."
نظرت لها درية بريبة وكأنها تراها لأول مرة بحياتها، وإن كانت تظن نفسها أنها تلعب مع الشيطان فنسرين الشيطان بحد ذاته.
دلف إلى الجناح فوجدها مستغرقة في النوم والممرضة قد أزالت ماسك الأوكسجين من على أنفها وأغلقت أنبوب السيروم المغذي.
سألها بقلب لهيف عليها وهو يتطلع إلى وجهها الجميل الذي عادت إليه الحياة وتوردت وجنتيها مرة أخرى: "عاملة إيه دلوقتي؟"
أجابته وهي تتابع عملها بإتقان: "الحمد الله أحسن نسبة الأوكسجين في الدم اتظبطت وكمان المحلول خلص وهي بتتنفس عادي دلوقتي.. الحمد الله."
ثم تابع مضيفاً بعدما أخرج من محفظته رزمه مالية كبيرة أعطاها إياها: "اتفضلي.. وكمان السواق تحت جاهز عشان يوصلك لمكان ما انتي عاوزة."
رفضت الممرضة بأدب وإحراج: "كتر خيرك يا فندم أنا ما عملتش حاجة ده شغلي."
تحدث برجاء: "معلش عشان خاطري اتفضلي، دي حاجة بسيطة عشان الأولاد."
"متشكرة جداً جداً يا فندم." قالتها ثم غادرت الجناح بأكمله.
اقترب منها وجلس ممداً جسده بجانبها على الفراش ثم جذب رأسها ووضعها على صدره فوق مضخته الهادرة بقوة.
استنشق عبيرها الآخاذ وضم ذراعيه عليها يلصقها به بقوة يريد أن يدخلها داخل قلبه بين ضلوعه.
يريد أن يشعر بها بين يديه، يؤكد لنفسه حقيقة وجودها فهو لا يزال قلبه يرتجف بزعر كلما تخيل أنها من الممكن أن ترحل وتتركه.
عند هذه الفكرة يشعر بكيانه يهتز، هو لن يستطيع بدونها، لن يتخيل حياته بدونها.
هي خلقت له، ومن ضلعه، هي نفسه، هي غفرانه الذي يسعى للحصول عليه.
هي غفران قلبه العاصي.
أسند رأسه على ظهر الفراش وهي قابعة داخل حضنه وهمس بصوت منخفض: "عملتي في إيه يا غفراني، شقلبتي حالي وكياني للدرجة دي."
ثم طبع قبلة رقيقة على مقدمة رأسها هامساً: "خاليتي العاصي يلين يا غفراني."
وصل همسه إليها وهي غافية بين أحضانه، كأنه صوت يأتي من مكان بعييييد، ولكنه وصل إليها فظنت أنها تحلم به وهو يقول لها هذا الكلام.
فارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها وهي مغمضة العين وهمست باسمه تناجيه في أحلامها قائلة بخفوت: "بحبك يا عاصي."
رواية غفران العاصي الفصل العاشر 10 - بقلم لولا
بدأت غفران تستيقظ من نومها ، فتحت عينيها واغلقتها اكثر من مره وحاولت الاعتدال ولكنها شعرت بجسدها مكبل بقوه….
حركت رأسها ونظرت بجانبها وجدت وجه عاصي مقابلاً لوجهها وهويحيطها بذراعيه واضعاً راسها علي صدره….
افترقت شفتيها بابتسامه عاشقه وهي تمعن النظر في ملامحه الوسيمه التي تعشقها ….
مررت عينيها علي كل انش في وجهه الهاديء المسترخي …
قطبت جبينها بتعجب من نومه بجانبها فهي لا تتذكر كيف ومتي غفت باحضانه ولكنها سرعان ما تذكرت ما حدث معها امس …
احمرت وجنتيها خجلاً عندما تذكرت ما فعله معها وكيف خلع عنها ملابسها وضمها باحضانه تحت قطرات المياه!!!!!
ياله من وقح !!! كيف يفعل ذلك ويري جسدها شبه عاري بل والادهي كيف لها ان تطاوعه ولكنها اقنعت نفسها انها كانت في حاله لا تسمح لها بمنعه فهي بالكاد كانت تستطيع الوقوف لولا مساعدته لها …
حاولت ازاحه يديه من عليها والتحرك بهدوء من جانبه قبل ان يشعر بها ويستيقظ ، فهي تشعر بالخجل الشديد منه ولن تستطيع النظر في وجه مره اخري!!!
شعر عاصي بحركتها ولكنه شدد من قبضته عليها اكثر واصدر همهمه معترضه علي قيامها….!!
سكنت قليلاً حتي يعود للنوم مره اخري وحاولت ان تتحرك بهدوء حذر الا انه جذبها اكثر اليه وفتح عينيه ينظر الي وجهها الرقيق هامساً بنبره متحشرجه من اثر النوم : صباح الجمال !!!!
اخفضت عينيها ارضاً فهي لا تستطيع النظر الي عينيه بعد ليله امس واجابته بنبره خجله خفيضه: صباح النور …..
مد يده يمسك طرف ذقنها يرفع وجهه اليه وسألها باهتمام وهو يتشرب حلاوه ملامحها من ذلك القرب المهلك لرجولته: عامله ايه دلوقتي ، بقتي احسن ، ولا لسه حاسه بتعب …
اجابته برقه وهي تنظر اليه بخجل : الحمد الله احسن كتير ….
طبع قبله طويله علي جبهتها هامساً بارتياح : الحمد الله ، كنت هموت من الرعب عليكي …
هتفت مسرعه بحب: بعد الشر عليك من الموت ؟ ربنا يخاليك ليا … ثم اضافت بخجل شديد عندما نظر اليها تلك النظره التي اذابتها … لينا .. يخاليك لينا….
همس بمكر وهو يمرر ابهامه علي وجنتها الحمراء الساخنه: تؤ تؤ ،قوليها تاني !!!
سألته بغباء : هي ايه دي؟؟
همس بنبره خافته مثيره : الجمله اللي صححتيها من ثواني عاوز اسمعها منك تاني …
عضت علي شفتيها خجلاً وشعرت بحراره جسدها ترتفع من همسه المثير وصمتت ولم تستطيع التفوه بحرف واحد….
اظلمت عينيه برغبه حارقه تنهش روحه وهو يراها تكاد تدمي شفتيها من كثره الضغط عليها وشعر بجسده يطالبه بضمها والتهام شفتيها بين شفتيه…
وبدون تردد كان يلبي نداء جسده والتهم شفتيها في قبله جامحه افقدته صوابه !!!
التهم كل انش في شفتيها الرقيقه يتذوق حلاوته باستمتاع ، وصوت انين خافت صدر عنها دليل علي رغبتها به ، افقده صوابه وجعله مثل المجنون يقبلها بجموح وكأن حياته متوقفه علي هذه القبله !!!!
ذابت بين يديه وتاهت في قبلته التي عصفت بكيانها فهي لاول مره تجرب شيء كهذا ….
كانت تقراء في روايتها عن احساس البطله بقبله البطل وكانت تنخيل نفسها وهو يقبلها ولكن الواقع اجمل من الخيال بكثير !!!!
استسلامها الخجول اثاره بشده واصبح غير قادر علي الابتعاد او تحجيم رغبته بها ….
نزل بقبلاته علي عنقها المرمري واخذ يقبله بجنون وكلما زاد استسلامها زاد جنونه وجموحه ….
تجرأت يديه علي جسدها واخذ يتحسسه باستمتاع فهو منذ امس وملمس جسدها اللين بين يديه ارهقه بشده وكان يطوق للمسه والشعور به كما يفعل الان!!!
لا تعرف كيف اعتلاها ولا كيف جردها من الجزء العلوي من ثوب نومها فهي كانت ذائبه بين يديه مثل قطعه الثلج…
ولكن صوت طرق علي الباب اخرجهم من غفوتهم ، باعتراض فصل عاصي قبلاته المحمومه لها ، وهتف بنبره غاضبه متحشرجه من فرط اثاره مشاعره يجيب الطارق المزعج: ايوه .. في ايه؟؟
جاؤه صوت نعمات المتوتر: اسفه يا عاصي بيه، الممرضه بتاعه الست غافي وصلت وعاوزه تطمن عليها وتديها العلاج بتاعها ….
اجابها بنفس النبره الغاضبه وهو لازال علي نفس وضعه محاصراً جسدها بجسده: طيب ، خاليها تطلع بعد عشر دقايق….
عاد بنظراته اليها فوجد وجهها يكاد ينفجر من شده الاحمرار خجلاً وتغمض عينها بقوه كالاطفال …!!
كانت شهيه ومثيره لعينيه بدرجه ارهقته ولكنه سيطر باعجوبه عاي رغبته بها وفضل مصلحتها وصحتها علي اي شيء اخر ….
قبل ارنبه انفها هامساً بمرح: انا مش عارف مين اللي باصص لي في ام الجوازه اللي مش عاوزه تكمل دي …/
ابتسمت بخجل اذابه ولم تتفوه بحرف حرجاً منه ومن وضعهم …
همس آمراً اياها: فتحي عنيكي …
نفذت امره وكأن لعينها اراده خاصه منفصله عنها فهي استجابت له بالرغم من رغبتها في عدم النظر له…
همس بنبره خافته اجشه: الممرضه هتطمن عليكي وبعدها لازم نتكلم …. احنا كان في بينا اتفاق ولا نسيتي…
هزت برأسها نفياً وهمست برقه: لا مش ناسيه…
تماااام … انا هدخل اخد شاور ، مش عاوزه تاخدي شاور انتي كمان ؟؟؟ سألها بنبره ماكره..
اجابته ببراءه: ادخل انت الاول وبعدين انا هبقي ادخل بعدك…
اقترب هامساً بحراره امام شفتيها المنتفخه من اثر هجومه الضاري : لو تحبي ممكن ناخد شاور مع بعض زي امبارح …ثم اعقب حديثه بغمزه وقحه من عينيه الجريئه جعلتها تشهق بخجل وتداري وجهه عنه هاتفه بخجل : عاصي ، بس بقي !!!
قوليها تاني كده ….قالها وقد اظلمت نظراته مره اخري….
هي ايه دي ؟؟؟؟
عاصي … قوليها تاني كده…
نظرت له بخجل وتردد وهتفت اسمه برقه وهي تتحاشي النظر الي عينيه: عاصي !!!
تأوه بخفوت ثم التهم شفتيها مره اخري يتذوق حلاوه اسمه من بين شفتيها الناعمه …..!!!!!!!
……………………………..
نزلوا الي اسفل متشابكين الايدي بعدما انتهت الممرضه من فحصها والتأكد من تمام شفاؤها …
كانوا الجميع ينتظرهم في الاسفل في جو يسوده الثلق والتوتر….
تعلقت عيني نسرين ودريه علي الدرج ما ان استمعوا لاصوات خطواتهم ، طالعتهم دريه بقلق يشوبه الحقد بينما نسرين احتدت نظراتها غلاً وكرهاً وهي تري يد عاصي تعانق يدها بحمايه وتملك ولم تخفي عليها نظراته الحنونه لها ….
نهض الجد من مقعده عندما اقتربوا منه وقتح ذراعيه لها هاتفاً بحنان: حمد الله علي سلامتك يا قلب جدك كده تخضيني عليكي ….
ضمت نفسها الي صدر جدها الواسع الذي طالما احتواها بحنانه ، وهمست برقتها المعهوده: انا كويسه الحمد الله يا جدو ، ما تخافش عليا…
قبل راسها بحنان هاتفاً بحنو: يا رب دايماً يا روح جدك….
اقتربت منها دريه وهي ترسم ابتسامه زائفه علي وجهها مدعيه القلق وهي تضمها الي صدرها: حمد الله علي سلامتك يا غافي ، قدر ولطف …
اجابتها غفران باحترام : الله يسلم حضرتك يا طنط…
اقتربت منها نسرين تدعي القلق والخوف وهي تضمها بحب زائف: حمد الله علي سلامتك يا غافي ، كده برضه تخضيني عليكي ، مش تاخدي بالك من نفسك ، ده احنا اترعبنا عليكي انا وانطي لمت شوفنا عاصي وهو بيطلعك من الميه ….
ثم قبلتها علي وجنتيها هاتفه بمكر : حمد الله علي سلامتك حبيبتي….
ارتفعت حاجبي غفران بذهول من تبدل حال نسرين معها حتي كادت حواجبها ان تلامس مقدمه شعرها من شده الاستغراب والذهول هاتفه بعدم تصديق لما يحدث امامها : نعععععم ….!!!
نظرت نسرين لها ثم لعاصي وهتفت بتوتر: ايه يا غافي مالك ، بقولك حمد الله علي السلامه..
هتفت غفران ببعض العصبيه: انتي بتقولي ايه، انتي ازاي كده…
نقل عاصي نظراته بينهم وسأل غفران بريبه: مالك يا غافي في ايه ، انتي تعبانه ….
نسرين بتحاول تطمن عليكي مش اكتر …..
هدرت فيه بغضب وقد اتلفت اعصابها من مكر ودهاء نسرين ، اشارت باصبعها نحوها وهي تنظر لعاصي بغضب : في انها كدابه !!!!
هي اللي جت اتخانفت معايا وهي اللي زقتني في الميه وهي عارفه اني مش بعرف اعوم ….
شحب وجه دريه برعب من كشف حقيقه ابنه شقيقها والتي تقف بثبات تحسد عليه امامهم …
بينما احتدت معالم وجه الجد وعاصي الذي نظر الي نسرين بغضب غير مستوعب لما تقوله غفران …
سألها بنبره غاضبه: انتي بتقولي ايه يا غفران !!!!
اكلمت بغضب : بقول الحقيقه!!!
صدح صوت الجد هاتفاً بقوه: احكيلي كل اللي حصل وخالاها تعمل معاكي كده ….
همت غفران ان تتحدث ولكن صدح صوت نسرين التي ادعت البكاء هاتفه : كده .. كده يا غفران …
اخص عليكي ، بقي بتتهميني ان انا اللي وقعتك في الميه …
بقي دي اخرتها … انا عارفه انك طول عمرك بتكرهيني لكن يوصل بيكي الكره لدرجه انك تتهميني بحاجه بشعه زي دي…
لا .. لا حرام انا مش قادره اصدق، انا عارفه اننا مش قريبين من بعض ومش بنتفق لكن مش لدرجه …
ثم اجهشت في بكاء مرير ، من يراها يتعاطف معاها ويشعر بانها مظلومه وغفران تفتري عليها….
اقتربت منها غفران تهزها بقوه من ذراعيها هاتفه بجنون: انتي كدابه ، انتي ازاي قادره تتلوني كده وتمثلي انك بريئه وانتي عارفه انتي عملتي ايه وقولتلي ايه ….
استغلت دريه حاله التخبط التي يمروا بها وهتفت تؤكد كلام ابنه شقيقها حتي تنقذها من ذلك المأزق:
ليه يا غفران يا حبيبتي تعملي كده وتقولي ان نسرين هي اللي عملت فيكي كده ، نسرين كانت قاعده معايا في اوضتي طول الوقت ومخرجناش منها الا علي صوت عاصي وهو بيجري عليكي … حرام عليكي بجد حرام ….
تلفتت غفران حولها تتطلع في نظراتهم اليها بذهول وعقلها لا يستوعب ما حدث …
وعاصي ينظر اليهم بعدم فهم غفران تتحدث بثقه ونسرين ايضاً وفي نفس الوقت عقله لايستوعب ما تقوله ، فنسرين برغم من غيرتها من غفران الواضحه الا انها غيره طبيعيه بين بنتين ولكنها لا تصل الي حد القتل ….
سألها الجد بتخبط مما يراه امامه: انتي متأكده يا بنتي من اللي بتقوليه ما يمكن بيتهيألك ؟؟؟
نظرت له بعدم تصديق هاتفه بحنق: انت كمان يا جدو مش مصدقني !!!!!
انا مش بكدب ، هي جت لي اتكلمت معايا وانا عند حوض الزرع بتاعي وقالت لي كلام سخيف واتخانقنا ولما هددتها اني هقول الكلام ده لعاصي ومشيت وسبتها زقتني في الميه ….
كلام ايه ؟؟؟؟ قالها عاصي بجمود ….
حرااااام عليكي ليه بتتبلي عليا كده ، ليييييه …!!!!
قالتها نسرين وهي تذرف دموع التماسيح من عينيها وعموماً علشان تصدقوني انا هثبت لكم مين فينا اللي بيكدب…!!!!
ثم اخرجت الهاتف من جيبها وضغطت علي بعض الازرار وقبل ان تفتح الخط ،تحدثت بنبره باكيه: انا هتصل بالspa اللي بتعامل معاه انا وانطي دريه..
امبارح انطي كان عندها جلسه مساج هنا في القصر وانا كنت موجوده معاها ساعه الجلسه …
هكلمها قدامك واثبت لكم كلامي وتقدر يا عاصي تراجع الحرس وكاميرات المراقبه وتعرف الوقت اللي البنت جت ومشيت فيه …
ثم اتصلت بفتاه المساج وفتحت مكبر الصوت واخذت تسألها وهي تجيب علي اسئلتها والتي اكدت صحه ما تقول امام نظراتهم جميعاً…
ابتسمت دريه بخبث عندما لاحظت شحوب وجه غفران وتبدل نظرات عاصي الي الغضب والشراسه ناحيتها، وبفعلتها هذه زرعت اول بذره شك في قلب عاصي نحوها !!!!!
هتفت نسرين بمكر وهي تتطلع اليهم : اظن دلوقتي انتوا عرفتوا الحقيقه كلها ، بس انا بعد اللي حصل ده لا يمكن اقعد هنا ولا ثانيه واحده بعد كده عن اذنكم …
ثم جرت مسرعه من امامهم تصعد الدرج وعلي وجهها ابتسامه انتصار واسعه….
تحدثت دريه بغضب تلومها : ارتحتي خلاص ، عملتي اللي انتي عايزاه ، وطردتي بنت اختي من بيتي ، بس يكون في علمك لو نسرين مشيت من هنا ، مش هتكون لوحدها انا همشي قبلها ….
قالتها وغادرت تلحق بأبنت اختها الشيطانه مثلها ….
وقفت غفران تنظر في اثرهم بذهول ، لا تعرف ماذا تقول فهي اصبحت الجاني بعد ان كان مجني عليها ..
نظرت الي جدها الذي جلس منكس الرأس يفكر بحزن وحيره فيما حدث …
فهو يعرف غفران مستحيل ان تكذب وتدعي شيء كهذا وفي نفس الوقت نسرين استظاعت ان تثبت برائتها يالرغم من مكرها والاعيبها ….
حولت نظراتها الي عاصي الذي نظر اليها نظره بنفور واشمئزاز مزق قلبها …وتركها ورحل خلف والدته ونسرين ولكنه هتف بتحذير قبل ان يتركها ويرحل: لو اتأكدت انك بتكدبي حسابك معايا هيكون كبير .. كبير اوي يا غفران …
ثم اولاها ظهره صاعداً الدرج ، تاركها تحدق في اثره بخذلان وقلب مجروح …….!!!!!!
نظرت الي جدها الي رفع رأسه ينظر لها بحزن وفتح لها ذراعيه في دعوه منها لاحتواءها …
لم تفكر مرتين وهي تجري تندس داخل احضانه الواسعه تبكي حزناً علي حالها وعلي قلبها الذي يتعذب بحب ذلك العاصي !!!!!!!!
………………………
تحدثت دريه الي نسرين باعجاب: يخرب عقلك عملتيها ازاي دي ، قلبتي الترابيزه عليها وطلعتيها هي اللي بتتبلي عليكي ….
هتفت نسرين بشيطنه: اومال كنتي عاوزاني اقف اتفرج عليها وهي بتخالي عاصي يطردني من القصر ، ده بُعدها ….
سألتها دريه بألحاح : اومال انتي ظبطي البنت بتاعه المساج ازاي …
قالت وهي تهز كتفيها بلامبالاه: الفلوس ، كله بالفلوس …رميت لها قرشين وحفظتها تقول ايه لما اتصل بيها مش حاجه يعيني لما تقول اني كنت حاضره معاكي جلسه المساج ….
ثم تحركت وجلبت حقيبه السفر الخاصه بها ووضعتها علي الفراش وهي تقوم بلملمه بعض من ملابسها …
تسألت دريه بدهشه : انتي بتعملي ايه ، انتي بجد هتسيبي القصر وتمشي…
نظرت لها نسرين هاتفه بمكر: طبعاً لازم اكمل التمثيليه للاخر علشان يصدقوا اني مجروحه من اللي عملته غفران فيا …..
هتفت دريه بتعجب من افعالها : ده انتي شيطانه …
سخرت نسرين قائله: تربيتك يا انطي!!!!!
دلف عاصي الي غرفه المكتب واخذ يراجع كاميرات المراقبه ، وتأكد من صحه كلام نسرين بحضور فتاه المساج الي القصر ومكوثها ما يقرب من الساعتين ورحيلها قبل وصوله بدقائق قليله….
ضرب علي سطح المكتب بيديه بقوه زافراً بغضب ، فغفران تكذب عليهم !!!!
وتسأل كيف تصل بها الامور الي حد الافتراء علي نسرين بشيء كهذا ؟؟؟؟
هل تغيرت غفران واصبحت واحده اخري تجيد الكذب والتلاعب ورقتها ما هي الا وجهه خارجيه تخفي خلفها شخصيه بشعه ؟؟؟؟؟
مستحييييييل !!!! قالها بغضب فهو ابداً لن يصدق انها هكذا…….
………………………
دلف عاصي الي غرفه نسرين بعدما طرق علي الباب واذنت له بالدخول ……
نقل نظراته بينهم وبين الحقيبه التي تضع بها ملابسها متسائلاً باستغراب: ايه اللي انت بتعمليه ده يا نسرين ؟؟؟
اجابته بنبره باكيه: زي ما انت شايف انا خلاص ماليش مكان بينكم بعد اللي حصل من غفران …
هتف بنبره حاسمه: بطلي هبل ورجعي حاجتك مكانها ثم تابع يضيف بغضب مكبوت: انا خلاص اتأكدت من صدق كلامك وهيبقي ليا كلام تاني مع غفران ….
تحدثت وهي تكمل وضع ملابسها في الحقيبه: من فضلك يا عاصي … الموضوع منتهي بالنسبه لي وبعدين انا مش عاوزه اكون السبب في مشكله بينك وبين مراتك ، انا همشي واريحكم مني خالص….
استغلت دريه الوضع وزادته اشتعالاً قائله: اسمعي كلام عاصي يا نيسو ولو فضلتي مصممه علي رأيك همشي معاكي انا كمان رجلي علي رجلك ، ما انا مش هسيب بنت اختي تعيش لوحدها….
هدر عاصي بغضب فاقداً السيطره علي اعصابه: بس مفيش حد هيمشي من هنا، وانتي يا امي من فضلك انا مش ناقص ضغط علي اعصابي اكتر من كده ….
لانت نبره دريه وهتفت تبث سمها داخل اذن ابنها: يا حبيبي انا مش بضغط عليك ولا حاجه ، بس اصل انت معزور ما انت كنت غايب بقالك خمس سنين متعرفش حاجه ، حاجات كتير اتغيرت وانت ما تعرفهاش…
قطب جبينه يسألها بشك: حاجات ايه اللي اتغيرت وانا معرفهاش؟؟؟
هتفت نسرين بمكر هي الاخري تجاري خالتها في حديثها الكاذب: خلاص يا انطي ، مالوش لزوم تفتحي في اللي فات….
هدر فيهم بعصبيه شديده: في ايه ما تتكلموا علي طول بدل الالغاز اللي عمالين تقولوها دي!!!!
تحدث دريه كاذبه: اقولك ايه بس يا عاصي …
اصل دي مش اول مره تعملها وتتبلي فيها علي حد ، ده علي طول عامله مشاكل مع نسرين ومش طايقه وجودها في القصر وياما عملت لها مشاكل مع اصحابها وتقول عليها كلام محصلش …
حتي …. حتي !!!!
كملي يا امي ارجوكي انا علي اخري….قالها بغضب شديد…
تابعت تضيف بخبث : حتي لما عرفت ان نسرين معجبه بواحد وبتحبه وهو كمان معجب بيها ، لفت عليه لحد ما اخدته منها وخالته يحبها وفي الاخر سابته علشان تتجوزك ….
ونسرين ساعتها انهارت وكانت حالتها وحشه اوي وانا لما اتكلمت معاها مهماش وزعقت معايا…
كانت تتابع تبدل ملامحه الغاضبه بنشوه انتصار ، وتابعت تبث سمها ساكبه الزيت علي النار قائله بمكر : اظن انت شوفت الولد ده ، ما هو ده الولد اللي انت اتخانقت معاه يوم رأس السنه… مازن الدالي…..
تحولت ملامحه الي ملامح شرسه مظلمه ارتعدت منها نسرين ودريه خوفاً….
برزت عروق عنقه من شده الغضب وضغط علي فبضته بقوه حتي ابيضت مفاصله هاتفاً من بين اسنانه بغضب: مازن الدالي ….!!!!
ثم غادر الغرفه كالاعصار بغضب جحيمي متوعداً لها وله ……
………………………
صعد الي جناحهم وشياطين الارض تلاحقه ، يفكر فيما حدث وفيما سمعه وعقله يكاد يجن ؟؟؟
دلف الي الداخل عازماً علي الحديث معها ولكنه تسمر مكانه عندما وجدها تقف امام الشرفه من الداخل تنظر الي حبات المياه المتساقطه علي زجاج الشرفه وهي تبكي بصمت !!!!!
قبضه قويه اعتصرت قلبه من منظرها الباكي …
نظر اليها بحزن وغضب من نفسه فهو سبب من اسباب بكاؤها ان لم يكن السبب الاساسي…
يريد ان يذهب اليها ويضمها الي صدره ويمحو تلك اللآليء المتساقطه علي وجنتيها الحمراء ولكن هناك ما يمنعه، يشعر انه مكبلاً ومقيداً غير قادراً علي الحراك!!!!
هناك صراع بين عقله وقلبه….
قلبه يآمره بالذهاب اليها ، وعقله يمنعه وبشده!!!!
اطلق سبه نابيه بخفوت لاعناً نفسه وعقله وقلبه وكل ما حوله وغادر الجناح بخطوات عاصفه بل والقصر بأكمله!!!!!!
انتفضت غفران في وقفتها علي صوت غلق الباب ، تلفتت حولها تبحث عنه بعينيها ولكنها لم تجد له اثر فقط بقايا رائحه عطره العالقه في الجو !!!
جلست علي الفراش خلفها تبكي بقهر ، فتأكدت انه لم يصدقها وصدق كذبه نسرين !!!
حدثت نفسها ببكاء: وانتي كنتي فاكره انه هيصدقك بعد اللي سمعه، ولا علشان اللي حصل بينكم افتكرتي انه بيحبك بجد …
ابتلعت غصه تسد حلقها عندما تذكرت قبلاته لها في الصباح ونظره الرغبه في عينيه ولكنها سخرت من نفسها عندما ادركت ان ما حرك شعوره نحوها هي الرغبه فقط ليس اكثر من ذلك!!!!
وعلي هذا ارتمت علي الفراش خلفها وانخرطت في بكاء مرير وهي تضرب علي قلبها بقبضتها الصغيره قائله: كفايه بقي .. بطل تحبه وانت ما شوفتش منه غير الالم والجرح وبس !!!!!!
وظلت علي نفس وضعها حتي غلبها النعاس!!!!!
قضي عاصي باقي اليوم غارقاً في عمله داخل الشركه، محاولاً الهاء نفسه عن التفكير فيما حدث..
اغلق حاسوبه الشخصي واراح ظهره الي الخلف مغمض العين ، فقر انهك نفسه في العمل بشكل كبير اليوم …
مر طيفها وهي تبكي امام عينيه وشعر بنفس شعور الغضب والعجز الذي يمقته….
اخذ يفكر ويفكر ويقلب الموضوع من كافه جوانبه …
من الصادق ومن الكاذب لا يعرف ؟؟؟
نسرين وعلاقاتها بمازن !!!!!!
هل كانت علي اتصال به لانها تحبه فعلاً ؟؟ هذا هو التفسير الوحيد لسبب وجود رقمها ضمن سجل مكالماته؟؟؟
بينما رقم غفران لم يكن من ضمن المكالمات؟؟؟
ومقابلته مع غفران؟؟؟ هل كانت صدفه امرعلم بأمرها من نسرين؟؟؟؟
وحديث غفران عنه ؟؟؟؟ هل تعشقه فعلاً ام انها تقول ذلك حتي يبتعد عن طريقها ؟؟
ولكنها كانت تقولها بصدق حتي وصل صدي صدقها مباشراً الي قلبه؟؟؟؟
هل فعلاً تغيرت واصبحت مخادعه وهذا الوجه البريء مجرد ستار يخفي خلفه انسانه مخادعه ومتلاعبه؟؟؟
ووالدته!!!! يعلم تمام العلم انها لا تحب غفران ولكن من المستحيل ان تفتري عليها وتدعي كذباً بشيء لم يحدث؟؟؟
جذب خصلات شعره بقوه يكاد يقتلعه من جذوره زائراً بغضب وهو يطيح بكل شيء امامه ،عقله يكاد يجن من كثره التفكير ؟؟؟
كل آمر يحمل الشيء ونقيضه !!!!
ولكنه حسم آمره سيتحدث معها ويعلم منها كل شيء عن حقيقه مشاعرها نحوه، عن مازن، عن نسرين كل شيء كل شيء….
لملم اشياؤه وتحرك مغادراً الي القصر وهو عازماً علي وضع الامور في نصابها !!!!!
بعد قليل وصل عاصي الي القصر الذي كان يغرق في الظلام ، نظر في ساعه معصمه وجد ان الوقت قد اعدي منتصف الليل بقليل ، فهو لم يشعر بالوقت وهو غازق في تنفكيره طوال اليوم….
صعد الدرج ودلف الي الجناح ، فوجده غارق في الظلام الا من ضوء بسيط قادم من ناحيه غرفتها ….
تقدم الي الداخل بخطوات بطيئه حاي وقف امام الباب ووجدها تجلس علي الفراش متدثرع بالغطاء وتتصفح هاتفها بصمت…..
شعرت غفران بوجوده من رائحه عطره التي تسبقه دائماً ، رفعت نظراتها اليه ملقيه عليه نظره عابره قم عادت الي ما كانت تفعله ده ان تعطي له اهميه…!!!
صدح صوته الاجش منادياً عليها:غفران !!!
ارتجف قلبها داخل صدرها عندما سمعت اسمها من بين شفتيه فهو ينطقه بطريقه خاصه غير اي احد ، ولكنها اجابته وهي علي نفس وضعها دون ان تنظر له هاتفه باقتضاب : نعم ….
عاوز اتكلم معاكي شويه !!! قالها بجمود….
زمت غفران شفتيها بغضب من طريقته ورفعت نظراتها اليه ، عاقده يديها تحت صدرها ، هاتفه بسخريه: تتكلم معايا في ايه ؟؟؟
اظن انت قلت اللي انت عاوزه قبل ما تسبني وتمشي الصبح….
ثم صمتت قليلاً وهتفت كانها تذكرت شيئاً هاماً: اااااه اكيد بقي اتأكدت من الحقيقه وعرفت ان انا بكذب وبفتري علي نسرين وظلمتها ومش بعيد كمان تكون جاي تقولي اروح اعتذر لها عن اللي عملته معاها…
احتدت نظرات عاصي واستشرست ملامحه من استهزائها به وطريقه حديثها التي لا تروق له ، وهتف بنبره خطره: اتعدلي وانتي بتتكلمي معايا …
وبعدين فعلا انا اتاكدت ان نسرين مش كدابه وعرفت ان البنت كانت موجوده ، يعني نسرين مش كدابه…
غلت الدماء في عروقها من مدافعته عن تلك الكاذبه المتلاعبه ولكنها كتمت غيظها وظلت تحادثه ببرود: والله برافو عليك انك اتأكدت من كلامها ، فعلاً فعلاً برافو…
تستتفزه، وتثير اعصابه بطريقتها البارده تلك ، ماذا حدث لها في عمرها لم تتحدث معه بتلك الطريقه ابداً، هتف بعصبيه شديده : لاخر مره بقولك اتعدلي وانتي بتكلميني ، طريقتك المستفزه دي تبطليها معايا علشان انا مش هضمن رد فعلي بعد كده….
خافت من نبرته العاليه ولكنها آبت ان تبين له خوفها وهتفت ببرود اكبر: ولا استفزك ولا تستفزني ..
انت قلت اللي عندك الصبح ودلوقتي وانا فهمت الرساله كويس اووووي…
يبقي كده تمام ، كل واحد براحته يعمل اللي يعمله …
هوي قلبه بين قدميه وسألها بريبه: قصدك ايه..
اجابته بلامبالاه: قصدي واضح ، كل واحد براحته يعمل اللي يعمله ….
تحدث من بين اسنانه مستنكراً حديثها الذي يثير جنونه: يعني ايه ان شاء الله ، انتي ناسيه يا هانم اني جوزك!!!!
مؤقتاً …. جوزي مؤقتاً… قالتها بقوه ودون تردد.
لاحظت تبدل ملامحه من الغضب الي الحزن ولكنها ارادت ايلامه اكثر فهي قد اكتفت من طريقته وتقلبه المستمر وهتفت بجمود: اظن ان انت اللي قلت ده وحددته من اول يوم جواز…
فياريت ما تنساش ده ونتعامل مع بعض علي هذا الاساس ..
ومش مسموح لك انك تتجاوز حدودك معايا زي ما عملت امبارح او الصبح …
ومن هنا لحد ما نتطلق يا ريت اللي حصل ده ما يحصلش تاني …
ومن فضلك يا ريت تقفل الباب وانت خارج علشان عاوزه انام وبعد كده وانت داخل الجناح يا ريت تخبط علشان انت مش عايش فيه لوحدك ، في واحده غريبه عنك عايشه معاك …
تصبح علي خير ….!!!!!
قالتها وهي تتدثر جيداً بالغطاء تخفي رأسها تحته ، خوفاً منه ، فهي لا تعرف من اين واتتها الجرئه للتحدث معه بتلك الطريقه …
كما ان ملامح وجهه الغاضبه بشراسه اكدت لها انه لو طالها سيفتك بها ولن يدعها الا وروحها مغادره جسدها….
اما عاصي فكانت ملامح وجهه لا تفسر!!!
يقف غاصباً ، حانقاً ، مذهولاً منها !!!!
هل هذه الصغيره التي بالكاد تصل الي منتصف صدره تتشرط عليه وتعطيه اوامر وهو الذي عاش عمره كله لا يُفرض عليه رأي ، تأتي تلك الصغيره علي اخر الزمان وتملي شروطها عليه !!!!
وماذا قالت ايضاً ، هل تريد ان تتركه وترحل بعدما تعلق قلبه بها ؟؟؟
جنت ، مؤكد لقد جنت ، فيبدو ان الماء الذي سقطت فيه قد آثر علي عقلها وجعلها تهذي بكلام غريب ..
ولكنه سوف يعيده الي مكان عليه ، فيبدو حقاً ان صغيرته تحتاج الي اعاده تربيه وهو سيكون اكتر من مرحب وهو يعيد تربيتها وترويضها علي يديه من جديد!!!!
دلف الي المرحاض لاخذ حمام دافيء يريح به جسده وعقله الذي ارهقه من كثره التفكير …
خرج بعد مده من الحمام مرتدياً بنظال للنوم عاري الصدر ، فهو بالرغم من بروده الجو الا ان حراره جسده عاليه من فرط العصبيه.، والمكيف في الجناح يعمل علي تدفئه الجو وهذا يشعره بالسخونه ايضاً.
كاد ان يتحرك الي غرفه المعيشه لكي ينام علي الاريكه مثل كل يوم ،ولكن تحديها له وكلماتها المستفزه اثارت اعصابه اكثر واكثر …
وبدون سابق انذار ، كان يرتمي بجسده علي الجانب الاخر من الفراش مستعداً للنوم….
انتفضت غفران من نومها عندما شعرت بجسده يشاركها فراشها ، فهي بالاصل لم تستطع النوم ولكنها كانت تتصنعه حتي لا تتهرب منه …
ادارت راسها ونظرت اليه وهو نائماً بجانبها مغمض العين واضعاً يده تحت رأسه وهتفت بحنق : انت ايه اللي جايبك هنا ، من فضل قوم نام مكانك….!!!
عاصي .: لا رد …
هتفت بغيظ من صمته: انا بكلمك علي فكره رد عليا..
وبعدين عيب كده علي فكره ، ما ينفعش تنام جانبي..
شهقت مزعوره عندها فاجئها بحركته المباغته، كان يعتليها مشرفاً عليها بصدره الضخم العاري محاصراً جسدها اللين تحته، قابضاً علي ذراعيها فوق رأسها بيد واحده…
هتف بشراسه وهو يتطلع الي عينيها المزعوره : اقسم بالله العظيم لو ما خرستي وحطيتي لسانك جوه بؤكك ، لا هسكتك بطريقتي …
انا علي اخري وتعبان وعاوز انام ، ويكون في علمك من هنا ورايح انا هنام علي السرير هنا ومش هنام علي الكنبه دي تاني وانتي كمان هتتخمدي هنا جنبي ….جنب جوزك اظن واضح …
كانت تنظر له بهلع فهي قطه امام ليث مفترس غاضب ، ولكنها هتفت تدعي القوه: مش هيحصل …
انا مش هنام جنبك مهما حصل …
واخذت تتحرك اسفله تقاومه حتي تفلت من قبضته القويه…
ولكنها لا تعلم ما تفعله تلك الصغيره بحركتها تلك …
شعر بتصلب جسده من اثر حركتها ، واظلمت عينه برغبه فهو لايزال طعم شفتيها عالق في شفتيه منذ الصباح ، تذكر استسلامها له وتجاوبها الخجل معه
واحساسه بلمس جسدها تحت يديه…
هتف بنبره مبحوحه من فرط الاثاره امام شفتيها وهو يوزع نظراته بين عينيها وشفتيها الورديه التي ترتجف باغواء تدعوه لالتهامها: ومالك خايفه كده ليه، خايفه اني اقرب لك ،ولا خايفه من نفسك وتجاوبك معايا !!!
ثم اضاف ساخراً : علي فكره انا اللي ماليش مزاج اقرب ،ثم اقترب منها حد الخطر ضاغطاً علي كل حرف ينطق به كتأكيد علي صدق حديثه: لكن لو عاوز اقرب لك لا انتي ولا اي مخلوق علي وش الارض يقدر يمنعني اني اقرب منك .. مفهوم!!!
عضت علي شفتيها خجلاً من حالها فهو يذكرها باستسلامها المخذي له صباحاً…
زاغت نظراتها واحمرت وجنتيها واخذت تعض علي شفتيها بقوه حتي كادت ان تدميها ….
فهو لا يلعب معها بعدل ابداً ، قربه منها بهذا الشكل يسحق قوتها التي تدعيها …
فل يرأف بحالها فهي امرآه عاشقه له وكل ما فيه يجذبها وبشده !!!!
مغريه ، ومهلكه له ولرجولته ، كل ما بها يغريه ، يريدها والآن ، يريد ان يسحق جسدها البض الذي لعب علي اوتار رجولته واثارها بشده ..
ولكنه سيقاومها ، لن يدعها تنتصر عليه وتشعره انه من فرض نفسه عليها …
سيأخذها وهي محبه ، عاشقه والاهم راغبه !!!!
نظر لها مطولاً ثم خفف من ضغط قبضته علي يدها واعتدل من عليها ، نائماً علي ظهره بجانبها بعدما تستطاع التحكم في جسده والسيطره علي رغبته بها بقوه جباره هاتفاً بغضب وهو يتنفس بقوه : نامي يا غفران ومش عاوز اسمع نفسك خالي الليله دي تعدي علي خير ….
اومأت براسها دون صوت واولته ظهرها واندست تحت الغطاء تخفي نفسه اسفله وكل انش في جسدها يرتجف رهبه واثاره من ما حدث…..
في الصباح ، خرج عاصي من غرفه الملابس بعدما انتهي من ارتداء بدلته …
وجد غفران تقف تصفف خصلاتها السوداء وهي ترتدي ملابسها استعداداً
نظرت نسرين ودريه الي بعضهم بعدم فهم ، بينما الجد يتابع الكل بنظرات مبهمه…
تحدثت غفران ببرود : لا روح انت انا هاجي مع جدو في العربيه لحد ما استلم عربيتي…
تحدث من بين اسنانه: قلت يالا هتروحي معايا وهترجعي معايا….
كادت ان تعترض الا ان صوت الجد الحاسم اخرسها: غفران اسمعي كلام جوزك وقومي معاه….!!
نهضت علي مضدد تنفذ أوامر جدها وتتجنب النظر اليه ، فهي تشعر بطاقه الغضب المشعه من جسده المشدود جانبها …..
وقبل ان تتحرك مغادره برفقته ، دلف اليهم من جعل ملامحها تنشق بابتسامه سعيده واسعه عندما رأته…
هتفت بعدم تصديق وهي تتقدم منه ترتمي داخل احضانه بسعاده غافله عن البركان الثائر الذي يقف خلفها والذي سينفجر في وجهها ووجه ذلك السمج …
هتفت غفران بفرحه حقيقيه: وحشتني … وحشتني اوي يا آدم …..!!!!!