تحميل رواية «غفران العاصي» PDF
بقلم لولا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد القصور العريقة المطلة على شاطئ البحر المتوسط في أرقى أحياء مدينة الإسكندرية، وتحديدًا في قصر الجارحي، أحد أهم وأكبر وأشهر رجال الأعمال في الإسكندرية خاصةً ومصر عامةً، منصور الجارحي. كانت هناك حالة من الهرج والمرج داخل القصر والكل يعمل على قدم وساق من أجل استقبال الحفيد الأول لمنصور الجارحي والرجل الثاني بعده في إدارة إمبراطورية الجارحي، عاصي الجارحي. بعد عودته أخيرًا من العمل في الخارج في فرع الشركة الثاني في مدينة الضباب "لندن"، واستقراره في مصر بعد سفر دام لخمس سنوات لم يأتِ خلالهم ولو...
رواية غفران العاصي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم لولا
كانت غفران تمشي ذهاباً وإياباً في غرفتها، تقضم أظافرها وتفكر في طريقة للتقرب إليه.
مرت سنة تقريباً منذ رحيل غريمتها واكتشاف براءتها، وانفرط عقد الأمور من يدها. بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق هدفها وسحقها تحت قدميها ونفيها من حياتها نهائياً وإلى الأبد، استطاع عاصي أن يحكم شباكه من جديد وأن يصل إلى الحقيقة وينقذها ويثبت براءتها.
"عاصي!!!"
إلى متى سيظل لا يراها ولا يشعر بها، وهي التي تعشقه حد الهوس؟ نعم، هي مهووسة بعاصي. عاصي الجارحي، رجل الأعمال وصاحب أقوى إمبراطورية اقتصادية، رجل النفوذ والسلطة المحدود، الذي بإشارة منه تفتح أمامه كل الأبواب المغلقة. آه، وكم تتمنى أن تنعم هي بلقب "حرم عاصي الجارحي".
لمعت عيناها ببريق خاطف وهي تتخيل نفسها وهي تتأبط ذراعه وتمشي بخيلاء بجانبه، وهو يعرفها على الجموع الغفيرة أمامهم، والذين ينحنون احتراماً وتوقيراً لها. وهي تناظرهم بعلو وغرور.
ابتسامة منتشية ارتسمت على ملامحها الحادة من مجرد تخيلها لتلك الحياة التي تتوق إليها. ولكن يجب أن تفكر في طريقة أخرى تجذب أنظار عاصي إليها. فهي لا تزال على وضع اللامبالي له، وتتعامل معه على أنه ابن خالتها فقط، وأنها لم تعد تفكر فيه كما السابق، حتى بعد طلاقه من غفران. ولكن عليها التفكير في خطة جديدة تجذب انتباهه إليها.
أخرجها من تفكيرها رنين هاتفها. فأخرجت الهاتف من جيبها الخلفي، تنظر للرقم غير المسجل والذي يبدو أنه من خارج البلاد. "private number".
في نفس الوقت، كان هناك من يجلس نفس جلستها، يشرب من زجاجات الخمر المتناثرة حوله، يتجرع مرارة الفقد والفقر والخسارة. لقد خسر كل شيء. وكل ذلك بسبب شخص واحد فقط. شخص واحد استطاع أن يهدم حياته ويأخذ منه كل شيء. أخذ الإنسانة الوحيدة التي استطاعت أن تقف أمامه وترفضه، وهو الذي لم يجرؤ مخلوق على الوقوف أمامه وتحديه كما فعلت هي. ومن يومها وهي أصبحت شغله الشاغل. حاول معها بكل الطرق حتى يوقعها في شباكه، ولكنها دائماً ما كانت تصده وتنهره. وحينما اعترف لها بعشقه، صدمته بعشقها لذلك العاصي.
عاصي، الذي انتقم منه شر انتقام وخسره كل ما يملك. فلم يكتفِ بخسارته لأمواله وممتلكاته فحسب. عندما استخدم كل قوته للإطاحة بتجارة والده وخسارته لأمواله في البورصة، وإغراقه في الديون، وشراء كل أصول وممتلكات الدالي.
وهو الأمر الذي لم يتحمله قلب والده وتوفي في الحال، وتبعته والدته بعدها بأسبوع واحد من شدة حزنها على زوجها وعلى ما آل إليه حالهم. وبقي هو وحده، وحيداً منبوذاً، وقد تخلى الجميع عنه، فهو لم يعد يملك المال مثل السابق الذي كان يجعلهم يركضون خلفه ويكون تحت أمره. وحيداً مفلساً، لم يمتلك حتى ثمن أجرة الحجرة التي يعيش فيها، أو حتى ثمن تذكرة الطائرة التي تعيده إلى بلاده.
توحشت نظراته وهو ينفض عنه شعور الضعف والعجز. فهو أبداً لم يكن ضعيفاً أو مهزوماً. وعليه أن يعود كما السابق، مازن الدالي، ابن الملياردير محمد الدالي. وحتى يعود إلى سابق عهده، لابد أن ينتقم من الشخص الذي سلبه كل شيء.
ولكن هناك شخص واحد فقط هو الذي قادر على مساعدته، أو بمعنى أدق، هو الملزم بمساعدته.
تناول هاتفه الموضوع أرضاً بجانبه، وبحث في سجل مكالماته، ضاغطاً على رقمها، منتظراً ردها.
أجابت نسرين على الرقم الغريب الذي هاتفها: "الو..."
جاءها صوته الخشن من الطرف الآخر: "أيوة يا نسرين..."
عرفته نسرين على الفور، ولكنها تظاهرت بعدم معرفتها به، فهي كانت قد أسقطته من حساباتها بعد رحيله وتناست أمره.
"مين معايا؟"
ضحكة متهكمة خشنة صدرت من مازن قبل أن يقول: "إيه نسيتي صوتي قوام كده؟ تؤ تؤ تؤ، في حد برضك ينسى صوت شريكه؟"
عرفته على الفور، ولكنها تصنعت عدم معرفته، فهي قد تناست أمره منذ رحيله، ولم يحدث أي تواصل بينهم منذ وقتها.
هتفت تجيب وهي تدعي عدم معرفتها به: "لو ما قلتش إنت مين، أنا هضطر أقفل الخط في وشك."
هتف بنبرة خشنة أجفلتها: "تقفلي الخط في مين يا روح أمك؟ بت انتي اقفي عوج واتكلمي عدل وبلاش استهبال. أنا عارف كويس أوي إنك عرفاني، فبلاش أمور الاستهبال دي اللي ما تدخلش على عيل صغير علشان ما أزعلكيش. وأنا بصراحة زعلي وحش أوي."
هتفت نسرين بنبرة ساخرة: "وهي مستمرة في ظاهرها بعدم معرفته: "والمفروض بقى إنّي أخاف منك ولا إيه؟ اسمع يا بني آدم انت لو ما قلتش انت مين، أنا هقفل الخط وأعمل لك بلوك. ولو حاولت تتصل بيا من نمرة تانية، ساعتها أنا هبلغ عنك."
ضحك مازن بخشونة معقباً بنبرة خطرة: "حلو الكلام... بلغي عني زي ما انتي عاوزة، وأنا كمان هبلغ عنك اللي يفصصك تحت جزمته زي الحشرة. وساعتها بقى وريني هتعملي إيه لما حبيب القلب يسمع بودانه صوتك الجميل وإنتي بتتفقي معايا علشان نخلص من غفران ونزيحها من طريقك علشان يخلي لك الجو."
شحب وجه نسرين وارتعدت أوصالها، وأدركت أنها أمام خصم لا يستهان به. ولكنها تظاهرت بالقوة أمامه حتى لا يشعر أنها ضعيفة وأنه استطاع إخافتها.
فهتفت تدعي الثبات والقوة: "تقصد إيه؟"
هدر مازن بشر: "أقصد إني مسجل كل المكالمات اللي كانت بينا، ورسالة صغيرة من رقم مجهول لحبيب القلب فيها كل المكالمات وصوتك فيها بيجلجل وإنتي بتبدعي في رسم خطتك علشان تنتقمي من مراته الغلبانة وتشوهي سمعتها وتخليه يطلقها. شوفي بقى هيعمل إيه ساعتها لما يكشفك على حقيقتك ويعرف إنه مخلي حياة عايشة معاه في بيته وهي السبب في كل اللي حصل."
هتفت بتهديد مبطن: "ومش خايفة إني أقول لعاصي على مكانك؟"
ضحك مازن بسخرية ثم تابع يضيف باللامبالاة: "أنا كده كده مش فارق معايا ولا عندي حاجة أخسرها، أنا خسرت كل حاجة والبركة في ابن الجارحي. الدور والباقي عليكي انتي. هتقوليله إنتي عرفتي مكاني إزاي وإيه علاقتك بيا. أعتقد إنك أذكى من كده يا نسرين."
صمتت تفكر في كلامه. لا تنكر أنه محق. هي لا تقدر أن تشي به عند عاصي. من جهة عاصي لن يتركها قبل أن يعرف كيف وصلت إليه، وربما افتضح أمرها. ومن جهة أخرى، مازن وتهديده لها، فهو ممكن في لحظة تهور أن ينهيها. لذلك عليها مجاراته فيما يريد حتى تستطيع بحنكتها أن تحصل على التسجيلات منه، وساعتها ستتخلص منه للأبد.
تحدثت بنبرة ثابتة: "والمطلوب يا مازن؟"
أجابها مازن دون تردد: "عاوزك تساعديني. أنا عرفت مكان غفران وعاوز أوصل لها قبل ما بسلامته يعرف مكانها. عاوزك تحوليلي 500 ألف على رقم الحساب اللي هبعتهولك."
أجابته هادرة باستنكار: "نعمممم، 500 ألف إيه؟ إنت مجنون وأنا هجيب لك الفلوس دي منين إن شاء الله؟"
أجابها هادراً بعنف: "ماليش فيه، تتشقلبي وتتعدلي وتحوليلي الفلوس. قدامك أسبوع بالكتير والمبلغ يكون في حسابي. لأن أسبوع وساعة زيادة هيكون صوتك الجميل بيرن في رسالة على تليفون عاصي. سلام."
قالها وأغلق الخط معها وسط زهولها ورعبها منه ومن جدية تهديده.
صوت وصول رسالة على أحد التطبيقات نبهها. فتحت الرسالة فوجدت أنه بالفعل أرسل لها رقم حساب خاص به. ضغطت على الهاتف تعتصره بين قبضتها بغل وهي توعد مازن، ولكن عليها أولاً أن تجاريه وتنفذ له طلبه، وبعدها يكون لكل حادث حديث.
بخطوات سريعة متوترة كانت نسرين تقتحم غرفة نوم خالتها، والتي كانت تتوسط فراشها استعداداً للنوم.
اعتدلت درية على الفراش تناظرها بغضب: "يا بنتي حرام عليكي قلبي هيقف مرة من كتر ما بتخضيني."
تحدثت نسرين مسرعة: "مش وقت خوفك ده يا آنطي، اسمعيني كويس أنا واقعة في مصيبة."
استرعت انتباه خالتها وهتفت تسألها بتوجس: "مصيبة إيه تاني؟ هببتي إيه المرة دي؟"
اعتدلت نسرين في جلستها على الفراش أمام خالتها: "هحكي لك كل حاجة بس لازم تساعديني، وإلا هنضيع كلنا."
ثم أخذت تقص عليها مكالمتها مع مازن والمبلغ الكبير الذي طلبه منها.
في نفس الوقت، دلف عاصي إلى داخل القصر بجسد منهك. فهو أصبح يمضي اليوم كله في المجموعة يعمل بكل طاقته ويعود آخر الليل منهكاً متعباً، ويغرق في النوم فور أن يصعد إلى غرفته. فهو يشغل وقته كله بالعمل حتى لا يتسنى له التفكير في غفران، حتى أنه ترك جناحهم منذ رحيلها ولم يدخله، وعاد إلى جناحه السابق قبل زواجه منها. ومع ذلك لا يستطيع منع عقله من التفكير فيها، وإن حدث وفعلها نهاراً، تزوره في أحلامه ليلاً.
استقبلته نعمات هاتفه باحترام: "حمد الله على سلامتك يا باشا، تحب حضرتك أحضر لك العشاء؟"
أجابها بارهاق وهو يتوجه نحو الدرج صاعداً لأعلى: "لا متشكر يا نعمات، أنا هنام على طول."
ثم سألها وهو يطلع أولى الدرجات: "الحج اتعشى وأخذ أدويته قبل ما ينام ولا لأ؟"
أجابته نعمات بتقرير: "طبعاً يا باشا، وأنا بنفسي اللي عطيتها الدواء."
"تمام، روحي انتي يا نعمات، تصبحي على خير."
ثم صعد درجات وهو يعلق جاكيت بدلته على كتفه. وصل إلى الدور العلوي وكاد أن يكمل طريقه إلى أعلى، ولكنه غير رأيه وقرر أن يذهب إلى غرفة والدته حتى يطمئن عليها، فهو لم يرها منذ ثلاثة أيام. يخرج مبكراً ويعود متأخراً.
في الداخل، شحب وجه درية بشدة وهتفت تتحدث وقلبها يكاد ينخلع من موضعه: "يا نهارك أسود ومنيل، إنتي عارفة ده معناه إيه؟ معناه إنك ضيعتي. عاصي لو عرف مش هيرحمك!"
هتفت نسرين تحدثها بنبرة خطرة رافعة إحدى حاجبيها بشر: "تقصد ضيعنا يا آنطي. أنا لو حصل وعاصي كشفنا، أنا مش هضيع لوحدي وهقوله على كل حاجة أعرفها، القديم والجديد. وهقوله إنك شريكتي في كل حاجة، وكل خطوة كنت بخطيها كانت بعلمك وموافقتك!"
ناظرتها درية بغل، فهي تعرف ابن شقيقتها مجنون و متهور، ولا يتورع عن إنهاءها معها إذا اكتشف عاصي حقيقة الأمر. فكرت بخبث أنها يجب عليها أن تجاريها فيما تريد، وبعدها ستتخلص منها ومن مازن في ضربة واحدة، وتبلغ عاصي عنهما في الوقت المناسب.
هتفت تجيبها بغضب حاولت مداراته خلف قناع من الجمود: "ماشي يا نسرين هساعدك، بس إحنا لازم نتصرف وبسرعة، علشان الواد ده لو نفذ تهديده يبقى روحنا في خبر كان، وساعتها عاصي مش هيهمه إحنا بالنسبة له إيه، ولا هتفرق معاه إني أمه وإنتي بنت خالته."
أجابتها نسرين مفكرة: "ما هو علشان كده بقولك لازم نلاقي حل، خصوصاً إنه عرف مكان الزفتة غفران وهيخلصنا منها أخيرًا."
تحدثت درية تسألها: "طب وابن عاصي؟ إنتي ناسيه إن منصور قالنا إنها ولدت من حوالي شهرين. هيعمل إيه في الواد؟"
أجابتها نسرين بقرف وهي تشيح بيدها في وجهها: "يعمل اللي يعمله بقى، إن شاء الله يموتوا حتى. مش لازم يبقى فيه رابط بين غفران وعاصي أبداً."
هتفت درية وقد وخزها ما تبقى لها من ضمير: "بس ده طفل صغير وابن عاصي مهما كان. إحنا نتفق معاه إنه يبعت لنا الولد مع حد." ثم تابعت تضيف بشيطنة: "وبكده نبقى ضربنا عصفورين بحجر واحد، بعدنا غفران عن عاصي وكسرنا قلبها ببعد ابنها عنها. وفي نفس الوقت الولد يتربى مع أبوه ومعانا."
انتفضت نسرين واقفة وهتفت بنبرة تحذيرية خطرة وهي تقرب وجهها من درية وملامح وجهها تزداد بغل أسود: "لأ... قلت لك مش هسمح يكون فيه رابط بين عاصي وغفران. مش هسمح لابنها يعيش معاه علشان يفكره بيها ليل نهار كل ما يبص له. عاصي لو هيخلف فهيخلف مني أنا وبس."
انفتح باب الغرفة فجأة بقوة وعاصي يطل عليهم بجسده القوي، ممسكاً بمقبض الباب بيده بقوة تكاد تعصره، ويناظرهم بملامح وجه غير مقروءة.
شحب وجه دريه ونسرين وانتفضوا مفزوعين مع صوت فتح الباب وظهور عاصي من خلفه. ارتعدت أوصالهم من مظهره وخشوا أن يكون قد استمع إليهم، فهي فيها نهايتهم.
ابتلعت درية حلقها الذي جف منها فجأة وهتفت تسأله بتلعثم: "ع... عاصي... واقف عـ... عندك كده ليه؟"
صمت عاصي يتفرس في ملامحهم الشاحبة طويلاً، مما جعلهم يموتون رعباً من رد فعله. وقد أيقنوا أنه استمع إلى حوارهم، مما جعلهم ينفضون هلعاً مترقبين انفجاره الذي سيطيح بهم لا محالة.
اتسعت ابتسامة عاصي وهو يدلف إلى الداخل مقترباً من والدته، ثم انحنى بجسده عليها، مما جعلها ترجع بجزعها إلى الخلف في حركة دفاعية خوفاً منه. إلا أنه طبع قبلة على رأسها: "أنا قلت أجي أطمئن عليكي يا درية هانم علشان بقالي يومين ما شوفتكيش."
ثم نظر إلى نسرين هاتفا بنفس الابتسامة: "عاملة إيه يا نيسو، وحشتيني انتي كمان!"
ارتفع حاجبا نسرين إلى أعلى حتى كادوا أن يصلوا إلى منابت شعرها، هاتفاً بعدم تصديق: "وحشتك!!!"
أجابها عاصي وهو يجلس بجانب والدته واضعاً ذراعه على كتفها يضمها إلى صدره: "طبعاً وحشتيني، إيه الغريب في كده؟"
هتفت درية بابتسامة واسعة بعدما تنهدت بارتياح وقد تأكدت من ملامحه أنه لم يستمع إلى حديثهم: "مالك يا نيسو مستغربة كده ليه؟ هو عاصي عنده أغلى منك، مش كده ولا إيه يا عاصي؟"
هتف عاصي ضاحكاً: "طبعاً يا ست الكل، أنا ماليش غيركم في الدنيا، محدش بيحبني ولا بيخاف عليا غيركم. ربنا يخليكم ليا."
اتسعت ابتسامة نسرين، هاتفاً بسعادة وهي تكاد تطير من الفرحة: "إنت عارف يا عاصي إنت غالي عندنا قد إيه وبنحبك إزاي."
نظر لها عاصي داخل عينيها بقوة هاتفاً بغموض: "عارف يا نسرين."
ثم حول نظراته إلى والدته يسألها مستفسراً: "فلوس إيه اللي كنتوا بتتكلموا عنها دي قبل ما أدخل؟"
تعالت ضربات قلب نسرين ودريه هلعاً حتى ظنوا أنها وصلت إلى عاصي الذي ينظر إليهم بترقب.
هتفت درية تجيبه بخبث وهي تنتفض من شدة الخوف: "دي... ده مبلغ كده نسرين كانت عاوزاه علشان تتبرع بيه لجمعية خيرية بترعى الأيتام."
أومأ عاصي برأسه وهو يحول نظراته الجامدة إلى نسرين، والتي تقسم أنها تبولت في سروالها من شدة الخوف: "اممممممم... والمبلغ ده قد إيه يا نسرين؟"
هتفت نسرين تجيبه بتلعثم: "هاااا... يعني مش مهم يا عاصي، ما تشغلش دماغك، أنا هتصرف."
هتف عاصي بلوم وهو يضع يده على يدها المستريحة بجوارها على الفراش: "معقولة يا نيسو تقولي كده، أومال لو مش هشغل دماغي بيكي وبطلباتك هشغلها بإيه."
نظرت نسرين إلى يده الموضوعة على يدها بعدم تصديق، ثم عادت تنظر إليه وهي تكاد تخرج قلوب من عينيها: "بجد يا عاصي؟ أنا بشغل تفكيرك؟"
أجابها بتأكيد: "طبعاً يا نيسو، ودي عايزة كلام."
ثم تابع وهو يخرج دفتر الشيكات من جيب سترته، ثم حرر الشيك على بياض وأعطاه لها: "خدي يا ستي ده شيك على بياض، حطي فيه الرقم اللي انتي عاوزاه سواء مصري ولا بالدولار واتبرعي بيهم للجمعيات اللي انتي عاوزاها. ما هو الواحد ما يقدرش يقول لا لعمل الخير."
قالها وهو يمد يده لها بالشيك وسط زهول كلاهما. ثم استقام واقفاً هاتفاً بنبرة ناعسة: "أسيبكم بقى علشان أنا تعبان وهموت وأنام. تصبحوا على خير."
قالها وأولاهم ظهره خارجاً من الغرفة، تاركاً إياهم يحلقون في ظهره بذهول وأفواههم تكاد تلامس الأرض من شدة زهولهم.
في صباح اليوم التالي، دلف عاصي بخطوات جامدة إلى مكتب جده في مجموعة الجارحي، متحدثاً بجدية: "عاوز أتكلم معاك."
رفع الحج منصور أنظاره من على الأوراق أمامه، واستغرب حاله حفيده وملامح وجهه غير المقروءة، وأجابه: "خير يا عاصي... اتكلم، أنا سامعك."
سحب عاصي نفساً قوياً يملأ به رئتيه، قبل أن يهتف بنبرة جادة محاولاً السيطرة على أعصابه: "أنا عارف إنك إنت اللي ساعدت غفران إنها تمشي، وعارف كمان إنك إنت اللي خليت آدم يكلمني ويبلغني بمعاد ولادتها. وعارف كمان هي قاعدة فين وعند مين."
قال جملته الأخيرة بغل وهو يضم قبضته بقوة محاولاً التحكم في غضبه.
نظر له الجد طويلاً دون رد، وهو كان يعلم أن حفيده لن يهدأ له بال إلا إذا عرف مكان زوجته.
تحدث الجد بهدوء: "وإنت إيه اللي مخليك متأكد من إن أنا عارف مكانها؟"
هتف عاصي بنفاذ صبر: "جدي... من فضلك من غير لف ودوران. ماهو مش معقول يعني أنا هيدخل عليا إنك متعرفش مكانها وقاعد متماسك كده قدامنا. إنت فعلاً لو مش عارف مكانها كان زمانك راقد في المستشفى لا قدر الله. وبعدين أنا مش أهبل ولا عبيط علشان أصدق إن آدم يعرف مكانها وما يقولكش، وإنه علشان ولادتها كانت صعبة كلمني علشان أكون جنبها وجنب ابني. ده غير حكاية صاحبتها اللي قاعدة عندها في سويسرا. حاجة كده ما تدخلش على عقل عيل صغير، خصوصاً إن غفران شخصية مش اجتماعية للدرجة. ولا إني هصدق إنها كلمتك بس لما ولدت تطمنك عليها. أنا عارف إنك خططت لكل ده علشان تحميها مني ومن غضبي قبل ما أعرف الحقيقة، وكمان تحميها من اللي عمل كده فينا. وبعد كده علشان تعاقبنا إحنا الاتنين علشان غلطنا في حق بعض. كل ده أنا مسامح فيه. بس الحاجة الوحيدة اللي مش مسامح فيها إنك تقعدها في بيت آسر الراوي، حتى لو كان مش بيهوب ناحيتها، وإن فيه خدم وحراسة في البيت. ده اللي مش هسامحك عليه أبداً يا جدي."
هتف الجد بحنو: "يا ابني أنا كنت خايف عليها أسيبها في بلد غريبة لوحدها، وإنت عارف غفران طيبة وساذجة وممكن أي حد يضحك عليها. علشان كده فكرت في آسر الراوي لأنه هيخاف عليها ويحميها زي أخته بالظبط. وهو شخص أنا بثق فيه وعارف إن هيكون قد المسؤولية. والصراحة الراجل مش مقصر، وما شوفتش منه أي حاجة وحشة، ولا غفران اشتكت منه أو إنه اتجاوز حدوده معاها."
صاح عاصي هادراً بانفعال ونيران الغيرة تنهشه: "مهما كان ده بيت راجل غريب، وأنا مقبلش إن مراتي وأم ابني تقعد في بيت راجل غريب."
هتف الجد بمكر: "طليقتك مش مراتك!"
نظر له عاصي بشراسة وأطلق سبة نابية بخفوت، ثم تابع مضيفاً بجنون: "أيا كان، دي أم ابني وبنت عمي."
ابتسم الجد وهو يقرأ ما بداخل حفيده بوضوح: "والمطلوب..."
مسح عاصي على وجهه أكثر من مرة حتى يهدئ من غضبه: "المطلوب إن غفران لازم ترجع مصر في أول طيارة."
رفع الجد حاجبه وناظره بشك: "كل ده علشان هي في بيت الراوي؟"
أجابه عاصي وعينه تومض بمويض شرس: "ده أولاً، لكن ده اللي عاوز أتكلم معاك فيه وتساعدني على تنفيذه."
نظر له الجد مدققاً: "وأنا كلي آذان صاغية."
بعد مرور أسبوع...
تجلس أمام المدفأة تحضن صغيرها الغافي داخل أحضانها، تتأرجح على الكرسي الهزاز بحركات رتيبة هادئة، والأفكار تعصف داخل رأسها. تسترجع كل ما حدث معها، كيف كانت فتاة بريئة رقيقة خجولة منغلقة على نفسها، تهيم عشقاً في الشخص الوحيد الذي اقتحم عذرية قلبها ومشاعرها دون استئذان وتربع على عرش قلبها. وكيف أصبحت بين ليلة وضحاها زوجته، وشعرت وقتها بأنها امتلكت الكون كله رغم جموده معها وعدم تقبله لزواجهم، ثم ضحكت لها الدنيا وشعر بها وعشقها، أو هكذا ظنت. وكيف انقلبت حياتها رأساً على عقب وانفصلت عنه وأصبحت في لحظة مطلقته.
هل حقاً أخطأت عندما أخفت عنه ذهابها للطبيبة؟ يعلم الله أن نيتها لم تكن سيئة، ولا تريد أن تخفي عنه شيئاً، وفعلت ما فعلت بدافع عشقها له.
تنهدت بثقل وهي تقرر أنها يجب عليها أن تعود، يجب أن تواجه، يكفي هروب وبعد. يجب أن تعود حتى ولو انتهت قصتها مع عاصيها، يجب أن تعود إلى وطنها وأهلها. يجب أن تعود حتى يعيش ابنها في كنف والده، فهي قد وعدت جدتها أن لا تحرمه من أبنه. يكفي أنها لا تريد لابنها أن يشعر مثلها بشعور اليتم، والذي بالرغم من حنان جدها عليها إلا أنها تفتقد لحنان والديها.
نهضت وهي تحمل ابنها على ذراعيها تضمه بحماية، وقد عزمت على أن تهاتف جدها وتخبره برغبتها في العودة.
قطع آسر عليها طريقها عندما دلف إلى حجرة المعيشة فجأة، بعدما كان يقف يتابعها بنظراته العاشقة من على باب الحجرة ولم يرغب في قطع خلوتها مع نفسها. وقف يتأملها وقلبه ينبض بعنف داخل صدره شوقاً وحباً لها، وقد قرر بعد فترة طويلة من التفكير أن يصارحها بحقيقة مشاعره ورغبته الحقيقية في الارتباط بها.
هتف غفران مجفلة عندما وجدته يقف أمامها يطالعها بنظرات تعرفها جيداً، وحدث الأنثى بداخلها يخبرها أنه يكن مشاعر لها، وهو الأمر التي ترفضه وتحاول التهرب منه بأي شكل.
"آسر حمد الله على السلامة، وصلت إمتى؟"
حمحم يجلي حنجرته وأجابها: "لسه واصل من شوية. أخبارك إيه؟ طمنيني عليكي وعلى عمر."
أجابته برقة: "إحنا الحمد الله كويسين." ثم تابعت تقول متعمّدة حتى تقطع عليه أي أمل: "كويس إنك جيت، أنا قررت إني أرجع مصر. كفاية كده، عمر لازم يعيش مع باباه."
هوى قلب آسر بين قدميه وشعر بأن قلبه يكاد يتوقف بسبب رحيلها وعودتها إلى عاصي، ومعناها بعدها عنه للأبد. فـتحدث بدون تفكير هاتفاً: "غفران..."
نظرت له بتدقيق، فاكمل يتابع وعيناه تلمع بتصميم رغم توتره: "أنا بحبك وعاوز أتزوجك...!"
شهقت غفران بقوة تضع يدها على فمها وقد تأكدت من ظنونها نحو آسر.
في نفس الوقت، في قصر الجارحي...
كان نفس المشهد يعاد مع اختلاف الأشخاص وبنفس ردة الفعل، ولكن بسعادة أكثر من جانب دريه ونسرين عندما صدح صوت عاصي موجهاً حديثه إليهم: "نسرين... تقبلي تتجوزيني...!"
رواية غفران العاصي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم لولا
الفوز والشعور بالانتصار وكأنك حصلت أخيراً على الدرع الذهبي بعد سنين طوال قضيتها في العدو والركض وراء هدف معين واستطعت تحقيقه في النهاية، بغض النظر عن الطرق التي سلكتها للوصول إلى ذلك الدرع، حتى لو تحالفت مع الشيطان للوصول إلى هدفك.
كان هذا شعور نسرين بعدما سمعت بأذنيها صوته الرخيم وهو يطلب يدها للزواج أمام الجميع. تماماً كما فعل من عام مضى في نفس المكان وأمام نفس الأشخاص وطلب يد غريمتها للزواج. وما أشبه اليوم بالبارحة.
فأمس كانت تشعر بالغيرة والحقد والغل لأنه لم يخترها هي. أما اليوم فهي تشعر أنها تحلق فوق السحاب بعدما أخيراً، وبعد عذاب، اختارها هي. هي نسرين الحوفي اختارها عاصي الجارحي. اختارها لتكون في مكانها الصحيح، في المكان الذي من المفترض أنه حقها. اختارها وقد تأخر اختياره كثيراً ولكنه وصل إليه أخيراً.
ستكون زوجته، زوجة عاصي الجارحي. المكانة التي حلمت بها وتحالفت مع الشيطان حتى تصل إليها. المكانة التي ستفعل أي شيء من أجل الحفاظ عليها، حتى لو اضطرت أن تحارب عاصي نفسه لو فكر في أن يقصيها من حياته مرة أخرى مثلما فعل من قبل.
صدح صوت درية من خلفها أخرجها من شرودها وهي تتحدث بسعادة:
ياااااه يا عاصي أخيراً... أخيراً وفقت وعرفت مين اللي تناسبك وتليق لك. بجد أحسن قرار أخذته في حياتك. ألف مبروك يا حبيبي.
قالتها وهي تنهض من جلستها وتقترب منه تضمه إلى حضنها بسعادة.
ابتسم عاصي بجاذبية وهتف يجيبها:
بتباركي على إيه بس يا أمي؟ مش لما العروسة توافق الأول. شكلها مش موافقة على طلبي والدليل على كده إنها لسه ما ردتش.
هتفت درية وابتسامتها تتسع من الأذن للأخرى:
مش موافقة إزاي؟ دي بس مش متوقعة. أنت عارف نسرين طول عمرها بتحبك مش كده ولا إيه يا نيسو؟
قالتها وهي تنظر إلى نسرين بفرحة شديدة.
صدح صوت الجد منصور من خلفهم هاتفاً بنبرة جادة متسائلاً:
كلام إيه اللي بتقوله ده يا عاصي؟
استراح عاصي في جلسته واضعاً قدماً فوق الأخرى متحدثاً بنبرة مؤكدة:
اللي حضرتك سمعته يا جدي. أنا قدامكم كلكم بطلب إيد نسرين للجواز ومستني أسمع رأيها.
حركت كل من نسرين ودرية أنظارهم بين الجد وحفيده في قلق خشية من وقوف الجد عقبة في تحقيق هدفهم.
قطب الجد جبيبه بعبوس قائلاً بنبرة مستنكرة:
تتجوز ومن مين؟ من نسرين؟ وغفران... مراتك وابن ابنك؟
هتفت درية مسرعة تجيبه:
ما هو طلقها خلاص وما بقتش على ذمته.
نظر لها الجد نظرة قوية آخرستها. ثم وجه أنظاره إلى عاصي الذي أجابه بنبرة جامدة موجهاً نظراته في عمق عينيه:
غفران! وهي فين غفران؟ هي خلاص اختارت حياتها وشايفة إنها مرتاحة وهي بعيد. وبعدين هي كانت مرحلة في حياتي وانتهت خلاص. النصيب انتهى بينا لحد كده. وكل اللي يربطني بيها بعد صلة الدم اللي بينا هو ابني. وابني أنا هعرف ألاقيه وأوصل له وساعتها هوصل لاتفاق مع أمه إنه يتربى بينا. هكون كريم معاها ومش هعمل زيها وأحرمها منه زي ما هي حرمتني منه.
ثم تابع مضيفاً بنبرة ذات مغزى وهو يوجه نظراته نحو نسرين التي تتابع بترقب:
وبعدين أنا من حقي أعيش حياتي بالشكل اللي أنا عاوزه. أنا رجل ليا اسمي ووضعي ولازم أتزوج الإنسانة اللي تليق ليا وينفع تشيل اسم عاصي الجارحي.
صمت ينظر إليها يرصد رد فعلها على حديثه والذي ظهر بوضوح على لمعة عينيها. ثم تابع موجهاً حديثه لجده:
أنا سمعت كلام حضرتك قبل كده لما طلبت مني أتزوج غفران وفي النهاية إيه اللي حصل؟ ولا حاجة. كل واحد منا في ناحية عشان إحنا مش مناسبين لبعض. ودلوقتي جه الوقت اللي أختار أنا فيه شريكة حياتي بنفسي.
صمت طويل بينهم في انتظار رد الجد على حديث حفيده والذي جاء مخالفاً لتوقعاتهم:
عموماً يا ابني أنا مش هقدر أقف في طريق سعادتك. لو أنت شايف إن سعادتك هتكون مع نسرين، فـ ألف مبروك ربنا يسعدك ويهنيك. أنا كل منايا في الدنيا دي كلها إني أشوفك سعيد ومتنهني في حياتك. أنت حفيدي اللي ماليش غيره في الدنيا. أنت امتدادي وامتداد إمبراطورية الجارحي من بعدي.
ابتسم عاصي باتساع ونهض يقبل يد جده هاتفاً بامتنان:
ربنا يخليك لينا يا جدي ويديمك فوق راسنا.
على الرغم من الدهشة المرتسمة على وجه دريه ونسرين من موافقة الجد ومباركته لاختيار عاصي، إلا أن سعادتهم بموافقته لا توصف.
اقترب عاصي من نسرين حتى وقف أمامها وهتف بنبرة رجولية جذابة داعبت أوتار قلبها:
ها يا نيسو مش هتقوليلى رأيك في طلبي؟
اتسعت ابتسامة نسرين وهتفت تجيبه دون خجل:
طبعاً موافقة يا عاصي. أنت عارف إني بحبك من يوم ما وعيت على الدنيا وكنت مستنية اللحظة اللي قلبك يحس فيها بقلبي وبمشاعري ناحيتك.
اتسعت ابتسامة عاصي وهو يناظرها بنظرة لن تفهم مغزاها. ثم تابع قائلاً:
تمام. يبقى إحنا كده متفقين.
هتفت درية بسعادة وهي تقف تتوسط عاصي ونسرين وتحيط كل منهم بذراعيها:
ألف مبروك يا أولاد أخيراً فرحتوا قلبي.
تحدثت موجهة حديثها لعاصي:
بقولك إيه أنا عاوزة فرح مصر كلها تحكي وتتحاكى عنه. ده المرة دي الفرحة الحقيقية وجوازة العمر إن شاء الله. مش كده ولا إيه يا نيسو؟
هتفت نسرين بفرحة وهي تنظر لعاصي بهيام تكاد تخرج قلوب من عينيها وقلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها من شدة السعادة:
اللي يقول عليه عاصي أنا موافقة عليه.
يا سيدي على الحب، كده سلمتي ورفعتي راية الاستسلام من أولها.
قالتها درية وهي تبتسم ابتسامتها المستفزة.
تحدث عاصي مؤكداً على حديثها:
كل اللي نسرين عاوزاه هيتعمل وأكتر.
أسرعت درية تضيف بحماس:
خلاص إحنا نعمل الفرح الخميس اللي بعد اللي جاي. إيه رأيكم؟ ويبقى كله مرة واحدة الشبكة وكتب الكتاب والفرح كله في يوم واحد.
تعالت دقات قلب نسرين بقوة حتى كادت أن تخرج من صدرها وتحطمه من فرط السعادة كلما اقتربت من تحقيق حلمها.
تحدث عاصي بنبرة جادة قاطعة:
لا فرح. لا.
تبدلت ملامح نسرين وشعرت بالإحباط ظناً منها أنه لا يريد أن يقيم لها حفل زفاف مثلما فعل مع غفران.
سألته درية مستفهمة:
ليه يا عاصي مش عاوز تعمل فرح؟ ولا نسرين مش زي غفران؟
كز عاصي على ضروسه يطحنها كاتماً ضيقه:
الموضوع مش كده يا أمي. أنا هعمل فرح وكل حاجة. بس الأول محتاج فترة أنا ونسرين نقرب فيها من بعض. مش عاوز أتسرع وأعمل زي المرة اللي فاتت. ده غير إن الجناح بتاعي محتاج أغيره وأغير كل حاجة فيه وده أكيد هياخد وقت. فإحنا ممكن نعمل خطوبة هنا في القصر الخميس اللي بعد الجاي زي ما حضرتك قلتي ولما الجناح يخلص نبقى نحدد معاد الفرح.
هتفت نسرين مسرعة بفرحة:
وأنا موافقة يا عاصي.
هتفت درية باستسلام:
خلاص يا حبيبي اللي تشوفوه. أنا أهم حاجة عندي سعادتكم. تعالي معايا يا نيسو ده إحنا ورانا حاجات قد كده عاوزين نلحق نخلصها قبل معاد الخطوبة.
قالتها وهي تسحب نسرين من يدها وتصعد بها إلى أعلى حيث غرفتها الأخيرة حتى تبدأ في الإعداد والتجهيز للحفل.
وقف عاصي واضعاً يديه في جيب بنطاله يتابع انصرافهم من أمامه وقد تبدلت ملامح وجهه إلى ملامح غير مقروءة. ثم تبادل نظرات ذات مغزى مع جده والذي أخذ يهز رأسه بهدوء داعياً الله أن يحسن لهم تدبير أمرهم.
بعد أسبوعين...
عدلت غفران من وضع صغيرها في عربة الأطفال المتحركة وأحكمت الغطاء حوله جيداً خوفاً عليه من برودة الجو في الطائرة.
لقد حسمت أمرها وقررت العودة مرة أخرى دون انتظار موافقة أي أحد. لقد قررت منذ اليوم الذي رحلت فيه ستكون هي سيدة قرارها، ستدير حياتها بالشكل الذي تراه مناسب لها ولن تسمح لأي أحد مهما كان التدخل في شؤونها حتى ولو كان هذا الحد جدها.
جدها الذي أخذ يراوغها ويحاول إقناعها بعدم الرجوع في الوقت الحالي وهو الذي كان يتلهف لعودتها بفارغ الصبر.
وعندما ضيقت عليه الخناق لمعرفة السبب تحجج بأنه مشغول في صفقة كبيرة ولم يكن متفرغ لها ولولدها عند عودته. وهو الأمر الذي لم تقتنع به على الإطلاق مما جعلها تشك أن هناك شيء خطير يحدث معهم ولم يرض الجد أن يعلمها بشيء.
والذي أكد ظنونها موقف آدم وحديثه المطابق لحديث جدها. مما جعلها تتخذ قرارها بالعودة دون الرجوع لأحد. فقط أرسلت رسالة إلى آدم تخبره بموعد وصولها ورقم رحلتها وأغلقت هاتفها.
أسندت رأسها على النافذة بجانبها تتطلع في منظر السحاب أمامها وشردت تتذكر حديث آسر معها قبل أسبوعين.
Flash back
تحدث آسر مسرعاً دون تفكير:
غفران أنا بحبك وعاوز أتزوجك.
انعقد لسانها ولم تعرف كيف تجيبه، فهي بالرغم من إحساسها أن آسر يكن لها مشاعر، وحاولت بقدر الإمكان التلميح له أكثر من مرة أنها لم ولن تتزوج مرة أخرى أو ترتبط بأي رجل بعد عاصي. إلا أن حديثه الصريح صدمها وألجم لسانها.
حاولت أن تصيغ كلماتها حتى لا تتفوه بشيء يجرحه، فهي رغم كل شيء تحمل له جميل مساعدتها هي وابنها والوقوف بجانبها.
حاولت التحدث بطريقة لبقة ولكن نظرة التلهف في عينيه أرّقته وشعرت بالشفقة عليه، فهي أكثر الناس معرفة بشعوره.
شعور أن تعشق شخص لا يشعر بك ولا يراك نصفه الثاني، تعشق عشق مستحيل تحقيقه.
ابتلعت غصة تسد حلقها وهتفت تحدثه بهدوء:
آسر! ممكن تسمعني أرجوك وتفهمني كويس.
هتف آسر بنبرة حانية:
أنا مستعد أسمعك وأسمع صوتك العمر كله. بس بالله عليكي ما تقولي كلام يوجع قلبي أكتر من كده.
صمتت ولم تعرف كيف تتحدث وهو يشعرها بالذنب والشفقة عليه أكثر وأكثر.
تحركت من أمامه وجلست على إحدى الأرائك وجلس هو في الأريكة المقابلة لها متلهفاً لسماعها.
استجمعت غفران شجاعتها وتحدثت محاولة بقدر الإمكان اختيار عباراتها بدقة:
شوف يا آسر... أنا مقدرة مشاعرك كويس أوي ومش هكدب عليك وأقولك إني اتفاجئت بمشاعرك. الحقيقة أنا كنت حاسة إن في مشاعر منك ناحيتي من فترة. بس للأسف يا آسر أنا مستاهلش مشاعرك دي.
انقبض قلب آسر بين ضلوعه وسألها بنبرة متألمة:
ليه يا غفران؟ لو انتي ما تستاهليش مشاعري أومال مين اللي يستاهلها.
أجابته غفران بصراحة:
واحدة تانية غيري. واحدة تانية قلبها ومشاعرها يكونوا ملكك أنت، مش ملك رجل تاني غيرك. واحدة تكون أنت الأول والأخير في حياتها. مش واحدة زيي قلبها ومشاعرها لسه بتدور في نفس الدايرة ومهما حاولت تخرج منها بتفشل بجدارة.
همس يسألها بنبرة مرتعشة حزينة:
ياااه يا غفران بعد كل ده لسه بتحبيه؟
ابتسمت غفران بمرارة وأجابته بصدق:
عرفت ليه بقولك أنا مستاهلش حبك. لأن ببساطة قلبي مش ملكي. مهما حاولت أقاوم وأنكر وأقول إني هنسى وأطلعه من قلبي، بلاقيه بيحتل قلبي أكتر من الأول.
أخرجت تنهيدة مثقله من قلبها وأضافت:
حتى وأنا عارفة إن رجوعنا لبعض مستحيل ومفيش فيه أمل. لأن أنا مجروحة منه أوي ومع ذلك مش هقدر أنساه ولا هقدر أطلعه من قلبي. زي ما برضه مستحيل إني أقدر أرتبط بحد غيره. لأن ببساطة حبه اتولد معايا وعاش جوه قلبي عمري كله وللأسف مش هقدر أعيش من غيره.
نظر لها آسر بملامح حزينة وقلب يبكي حزناً وألماً عليها وعلى نفسه. هتف بنبرة متحشرجة:
وأنا مش هأيس إني في يوم أكون موجود مكانه في قلبك. بس انتي ساعديني واديني فرصة.
شعرت غفران بالأسف عليه والحرج منه، وهتفت تجيبه بتسويف:
ربنا يعمل اللي فيه الخير. كل واحد بياخد نصيبه.
End of flashback
فاقت من شرودها على صوت المضيفة تطلب منها ربط حزام الأمان استعداداً لهبوط الطائرة في أرض الوطن.
بعد نصف ساعة كانت تخرج من مطار برج العرب في الإسكندرية تجر حقيبة سفرها وعربة صغيرها، وكان آدم في استقبالها.
بعد قليل كانت تجلس بجوار آدم في سيارته، نظرت له وهو يقود السيارة مركزاً نظراته على الطريق أمامه وملامح وجهه لا تفسر.
سألته مستفهمة:
مالك يا آدم أنت مش مبسوط إن أنا رجعت ولا إيه؟
أجابها آدم نافياً:
إيه اللي بتقوليه ده يا غافي، انتي عارفة أنا كنت مستني اليوم اللي ترجعي فيه انتي وعمر بفارغ الصبر.
هتف تتابع بنبرة مستنكرة:
اومال شكلك بيقول غير كده ليه. حاسة إنك مضايق أو مش مبسوط.
ابتسم آدم ورد بمراوغة:
أبداً. شوية مشاكل في الشغل شاغلة دماغي.
ماشي هعمل نفسي مصدقاك.
ثم نظرت أمامها ودققت في الطريق حولها ووجدت أنه طريق غير طريق القصر.
سألته بحيرة:
انت رايح فين ده مش طريق القصر.
نظر لها آدم ولا يعرف كيف يجيبها. هل يقول لها ليتها ما جاءت اليوم بالذات؟ هل يقول لها إنها اختارت أن تعود في يوم خطوبة عاصي على نسرين؟
أجفله صوتها العالي:
ما تقول يا آدم أنت موديني على فين!
أجابها آدم بنبرة مهمومة:
رايحين عندي البيت، ومن غير أسئلة كتير لما نوصل هفهمك على كل حاجة.
قالها وهو يدعس على دواسة البنزين والأفكار تعصف برأسه خائفاً من مواجهتها بالحقيقة ولكن ليس أمامه خيار آخر سوى إخبارها بنفسه بدلاً من أن تعلم من غيره.
بعد بعض الوقت كانت تجلس أمام آدم في شقته بأعصاب مشدودة والظنون تلعب بها. هناك شيء يخفوه عنها وهي متأكدة من ذلك، كل الشواهد حولها تؤكد حدسها.
هتفت تسأله بقلق:
ممكن بقي أعرف في إيه وأنت مخبي عني إيه بالظبط علشان كده جبتني على هنا ومرجعناش القصر.
صمتت تتفرس في ملامحه قليلاً ثم تابعت مضيفة بنبرة ساخرة حزينة:
ولا عاصي باشا لسه رافض رجوعي للقصر وهو ده اللي مخليك مش عارف تتكلم من ساعة ما وصلت. عموماً، أنا عاوزاك تطمنه إن قعدي في القصر هيبقى بشكل مؤقت لحد ما آخد بيت ليا ولابني. أنا مش هعيش معاه تحت سقف واحد مرة تانية. وقوله كمان...
انهارده خطوبة عاصي يا غفران.
قالها آدم مسرعاً كمن يلقي بحمل ثقيل من على كتفيه حتى يرحمها من تخيلاتها وظنونها التي تكاد تذبح روحها حتى لو ادعت هي غير ذلك.
هل شعر أحد في يوم ما أن هناك من يشق صدرك ويخرج منه قلبك يعتصره بيده بقوة دون رحمة دون إعطائك مخدر للتحمل هذه الآلام الرهيبة.
هذا هو شعورها عندما سمعت ما تفوه به آدم.
ظنت في الأول أنها ربما لم تسمع جيداً أو ربما يقصد أحد غيره، ولكن نظراته الحزينة المتعاطفة معها أكدت لها ما سمعته. نعم حقيقة، عاصي خطب غيرها، عاصيها أصبح لامرأة أخرى غيرها. امرأة أخرى ستنعم بقلبه وعشقه ودلاله، امرأة أخرى ستأخذ ما هو حقها، قلبه وعقله وجسده سيكون ملكاً لأخرى غيرها.
ابتلعت غصة مؤلمة مرة كالعلقم في جوفها وتحدثت بثبات زائف رغم جرح قلبها النازف في صدرها:
طب وإيه يعني ما يخطب ولا يتجوز. ده شيء متوقع يعني هو هيعيش عمره كله راهب. ربنا يسعده ويهنيه. وعشان كده أنت وجدو ما كنتوش عاوزني أرجع علشان الباشا عريس وبيخطب.
شعر آدم بالشفقة عليها وهتف بنبرة حانية:
مش القصد. يعني جدي كان قصده إنك يعني ترجعي بعد ما يخطب مش نفس اليوم يعني. علشان ما تضايقيش.
هتفت تتحدث بسخرية مريرة:
لا اطمنوا. مفيش حاجة هتضايقني من هنا ورايح. وعاصي كل اللي بينا وبينه ابنه وبس. وكل واحد فينا له حياته يعيشها زي ما هو عاوز.
كاذبة، تعلم أنها كاذبة، وآدم يعلم أنها كاذبة وتتعذب بسبب عاصي وتتحدث بتلك القوة الواهية لتوري خلفها ألم قلبها وجرح كرامتها.
هتفت تسأله بنبرة مرتعشة ولم تستطع منع فضولها لمعرفة هوية من سرقت حقها:
ويا ترى بقى مين العروسة؟
أجابها آدم بعبوس:
نسرين. نسرين بنت خالته.
ظلت لدقائق كي تستوعب صاحبة الاسم الصادم. نسرين! نسرين التي كانت تسعى إليه طوال عمرها ولم تكف عن ألاعيبها لتحصل عليه حتى بعد زواجهم.
وهو كيف استطاع أن يفعلها. والله لو كانت واحدة أخرى ما كانت ستشعر بتلك الآلام التي تذبح روحها وكانت ستتمنى له السعادة من قلبها حتى وهو ليس لها. ولكن أن يختار نسرين دوناً عن غيرها، هذا هو ما يجرحها ويؤلمها.
مسحت دمعة خانتها ونزلت على وجنتها وهتفت بنبرة متحشرجة:
ربنا يتمم له على خير. يلا أنت قوم ارجع على القصر أكيد وراك حاجات هتعملها علشان حفلة بالليل. وما تقلقش عليا أنا هاخد شاور وأنام من تعب السفر وبكرة نبقى نتكلم.
قالتها وهي تنهض تجر حقيبة سفرها خلفها متجهة إلى الغرفة التي وضعت فيها صغيرها عند وصولها تهرب من عينيه المشفق عليه، وتجرجر خيباتها وجراحها خلفها كما تجر حقيبتها.
وقف آدم يتطلع في ظهرها المولي له شاعراً بالعجز والشفقة عليها، ولا يعرف كيف يتصرف معها ومع عاصي وهو مكبلاً ومقيداً بوعد قطعه مع جده وعليه الالتزام به حتى يحين وقته.
في المساء...
كانت حديقة قصر الجارحي مزينة بالأضواء المبهجة التي تعكس جمال وروعة القصر.
وكانت الجموع من المدعوين منتشرين داخل الحديقة ملتفين حول الطاولات المتنوعة ما بين الطاولات العالية ذات المقاعد الطويلة العالية والمزينة بالتل الذهبي والورود، وبين الطاولات المستديرة ذات المقاعد العادية والمزينة أيضاً بنفس الشكل مما أعطاها مظهراً راقياً وجذاب.
كان الجد منصور الجارحي يجلس على طاولة مستديرة تتوسط الحديقة ويجلس معه كبار رجال الدولة وبعض الوزراء ورجال الأعمال.
أما عاصي فكان متألقاً ومتأنقاً كعادته بحلة رمادية أنيقة أبرزت جسده العضلي بشكل واضح، وصفف شعره البني الطويل نسبياً كعادته للخلف، وكانت لحيته الكثيفة المنمقة تعطيه مظهراً رجولياً جذاب.
وكذلك نسرين التي كانت السعادة تشع من عينيها وهي تتألق في ثوب عاجي اللون بكتف واحد ذو طبقات منتفخة من القماش وتركت الكتف الآخر عاري وصففت شعرها في تسريحة جانبية أسدلتها على جانب كتفها العاري.
كانت تتعلق نسرين بذراع عاصي والفرحة تكاد لا تسعها وهي تتلقى التهاني من الحضور بمناسبة تحقيق حلمها أخيراً.
وكذلك درية التي كانت تسير بين الحضور بسعادة غامرة وهي ترحب بهم وتتلقى منهم التهاني والتبريكات.
تعالى التصفيق والتهليل بعد أن ألبسها عاصي الشبكة الماسية والتي عبارة عن طقم ألماس باهظ الثمن والتي انعكست لمعته على عين نسرين الجشعة، والتي لم تكن تتخيل في أحلامها أن ترتدي مثله من قبل.
في نفس الوقت ترجلت غفران من سيارة ليموزين أمام البوابة الخارجية للقصر تحمل صغيرها.
وقفت تنظر للقصر الذي تضوي أنواره في السماء. ابتسمت بالم وهي تتذكر لحظات حياتها داخل هذا القصر وكيف عاشت فيه سنوات عمرها معززة مكرمة وكيف خرجت منه مطرودة بعدما اتهمت في شرفها واتهمت بالخيانة.
نفضت عنها شعورها بالمرارة وهي تخطو بخطواتها إلى داخل القصر. فهي عادت اليوم غفران أخرى غير التي خرجت من هنا، غفران أقوى وأشجع.
دلفت من بوابة القصر الجانبية وكان في انتظارها خادمتها نعمات بعد أن هاتفتها قبل مجيئها وأخبرتها أن تنتظرها وأن لا تخبر أي أحد بمجيئها.
هتفت نعمات بسعادة وهي تقترب منها تضمها بعاطفة أمومية صادقة:
غفران يا حبيبتي. ألف حمد الله على سلامتك. وحشتيني يا غالية يا بنت الغاليين.
ضمتها غفران بقوة فهي تكن لنعمات محبة ومعزة خاصة، فهي من قامت بتربيتها بعد وفاة والدتها.
هتفت غفران بحشرجة تغالب دموعها:
وانتي كمان يا دادة وحشتيني أوي.
أخرجتها نعمات من حضنها ونظرت إلى صغيرها بحنان وهي تأخذه منها تضمه لحضنها:
ما شاء الله هو ده عمر. يا حبيبي شبه أبوه الخالق الناطق.
ثم تابعت مضيفة بنبرة حزينة:
ربنا يهديه وينور له بصيرته. شوفتي وصل بيه الحال لفين بعدك. مين كان يصدق إن ده يحصل. بقي عاصي باشا يتجوز بعدك ومين... نسرين. أنا والله ما مصدقة نفسي. كاني بحلم.
أجابتها غفران تغالب دموعها:
مالوش لزوم الكلام ده يادادا خلاص كل واحد فينا أخد نصيبه.
ثم تابعت قبل أن تسترسل نعمات في حديثها:
عاوزاكي تاخدي عمر تنيميه في أوضتي. أوضتي القديمة يا دادة.
أومأت لها نعمات وهي تتحرك تصعد إلى أعلى تتابعها نظرات غفران حتى اختفت عن أنظارها.
وقفت غفران تأخذ نفساً عميقاً تهدئ به من روعها وتستجمع شجاعتها قبل أن تدلف إلى الحديقة.
وقفت تلقي نظرة أخيرة على نفسها في مرآة جانبية تتأكد من هيئتها.
كانت ترتدي فستاناً باذنجانياً بدون أكتاف على شكل قلب من الصدر وأطلقت العنان لشعرها مسدلاً على جانبي وجهها مع زينة خفيفة.
كانت هيئتها تجمع بين البساطة والجرأة تناسب شخصيتها الجديدة.
دلت من بوابة الحديقة تتهادى في خطواتها حتى لمحته أخيراً.
واقفاً بهيئته الجذابة كما هو بل أشد وسامة من ذي قبل.
تحركت بخطوات رشيقة تقترب منه وعينيها لا تتزحزح عنه هو وغريمتها التي تبتسم بسعادة.
وقفت أمامه تنظر إليه بقوة وترسم على وجهها ابتسامة واسعة تخفي خلفها غيرتها وألمها وجرحها منه وهي تراه أمامها واقفاً بهيئته الرجولية الوسيمة والذي ازدادت أضعافاً عن آخر مرة رأته فيها.
يقف بجانب امرأة أخرى غيرها، امرأة أخرى غيرها كتبت على اسمه.
ابتلعت غصة مسننة تسد حلقها وزيّفت ابتسامة واسعة على ثغرها أتقنتها ببراعة.
سارت تتهادى في خطواتها حتى وصلت ووقفت أمامه.
شعر برجفة في قلبه وتسارعت دقات قلبه بشكل غير مسبوق لم يحدث له منذ رحيلها.
لم يدوي قلبه بمثل هذا العنف إلا لها وفي حضرتها، ولكن أين هي؟
ابتلع غصة في حلقه ومرارتها لازالت عالقة في جوفه.
هوى قلبه بين قدميه وارتجفت أطرافه عندما استمع إلى نبرة صوتها التي لا يخطئها أبداً.
ظن أنه يهلوس من شدة اشتياقه إليها ولكن تأكدت ظنونه عندما استمع إلى صوتها الذي أصبح أوضح من قبل حتى أنه طغى على أصوات الموسيقى العالية حولهم.
أدار رأسه نحو مصدر الصوت وقد تأكدت ظنونه عندما وجدها تقف أمامه في كامل حسنها وبهاءها.
جميلة هادئة رقيقة ولكن ثمة شيء بها مختلف.
التهامها بنظراته المشتاقة والتي جاهد ألا تفضحه ولكنه فشل بجدارة في إخفاء مشاعره وشوقه لها.
جاء صوته الرقيق وهي تمد يدها إليه تتحدث برقة ممزوجة بقوة:
مبروك يا عاصي ربنا يتمم لك بخير.
اتسعت عيناه على وسعهما وهو يراها أخيراً أمامه في هيئة خطفت أنفاسه.
إنها هنا. أخيراً. لماذا اليوم تحديداً اختارت أن تعود؟ هل عادت اليوم تحديداً لكي تزيد من عذابه؟
هتفت تتحدث وهي تناظره بقوة داخل عمق عينيه:
إيه يا عاصي مش عاوز تسلم عليا؟
فاق من سرحانه في حسنها البهي ونظر إلى يدها الممدودة إليه. ثم مد إليها يداً مرتعشة يضع يده في يدها، وهتف بنبرة أجشة يخفي خلفها اشتياقه إليها:
الله يبارك فيكي.
حولت نظراتها إلى نسرين التي ترمقها بغل والجنون يلمع داخل مقلتيها بعدما وجدتها أمامها.
رمقتها غفران بنظرة متعالية وهي تنظر لها من أعلى إلى أسفل ثم هتفت دون أن تمد يدها إليها:
مبروك يا نسرين. أتمنى تكوني حققتي اللي كنتي طول عمرك بتسعي له.
ثم رمقتهم هما الاثنان معاً بنظرة ممتعضة:
لايقين على بعض أوي.
قالتها وتحركت مغادرة توليهما ظهرها وعلى وجهها ترتسم ابتسامة ساخرة.
رواية غفران العاصي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم لولا
"علي بعض اوووي!!!!" قالتها وهي تتحرك وتوليهم ظهرها وترتسم ابتسامه ساخره علي ملامحها الرقيقه بعدما رمقتهم معاً بنظره مستنكره.
اقتربت من جدها الذي لمحها منذ دخولها وظل يتابعها بعينيه، وقد تأكد حدسه أن غفران حفيدته الرقيقه قد تغيرت، فهو شعر في آخر كام محادثة بينهم قبل وصولها أنها ليست هي، يوجد بها لمحة من التمرد والجرأة. وما حدث أمامه منذ دقائق خير دليل.
وقفت أمامه تتطلع إليه في شوق وثواني وكانت ترتمي داخل أحضانه الواسعة التي أغلقها عليها يضمها بحماية واحتواء. أغمضت عينيها وهي تضم نفسها بقوة لأحضانه تنعم بدفئها، وحمدت الله أن هذا المكان الدافيء لازال مكانها كما كان من قبل ولم يتم سلبه منها هو الآخر، يكفي حضن واحد سُلب منها.
قاومت رغبة ملحة في البكاء وخرجت من حضن جدها تنظر له وهي ترسم ابتسامة امتنان على شفتيها الرقيقة، بادلها الجد بأخرى حانية وهو يربت بيكف يده المجعدة على وجنتها الرقيقة هاتفاً بحنان: "عرفتي بقي كنت رافض رجوعك ليه اليومين دول بالذات؟"
ابتسمت بمرح تداري وجع روحها: "عادي يا جدو مش فارقة كتير… هتفرق إيه امبارح من انهارده من بكرة… كده كده كان هيحصل. وبعدين ما أنا قدامك أهو كويسة وزي الفل، ولا انت نظرك ضعف يا رجل يا عجوز؟"
قالتها بمرح وهي بعيدة كل البعد عنه تخفي به نزيف قلبها، ولكن وجعها هذا لا يخفى على جدها الذي يعلم ما تمر به حفيدته من ألم رهيب يدمي قلبها، ولكن كل ما يطمئنه أنها مسألة وقت وستزول كل جراحها، والأهم من ذلك أنها أصبحت هنا معه وتحت حمايته وهذا أهم من أي شيء آخر. وأخذ يدعو الله أن يحفظها هي وعاصي وابنهم ويُبعد عنهم كل من يحاول أن يؤذيهم فيه وأن تمر الأيام القادمة الصعبة على خير.
هتف الجد بحنان: "يا رب أشوفك على طول كويسة وزي الفل يا حبيبت جدك انتي." ثم تابع يسألها مستفهماً: "أومال عمر فين، انتي ما جبتيهوش معاكي ولا إيه؟"
أجابته بسعادة وقد تحولت ملامحها إلى ملامح مشرقة عند ذكر صغيرها: "فوق في أوضتي مع نعمات."
هتف الجد بعاطفة صادقة: "هتجنن واشوفه، بيوحشني أوي!"
ابتسمت غفران بحب ووضعت رأسها على صدر جدها: "اطمن يا جدو مش هيبعد عنك تاني أبداً وهيعيش في حضنك وتغرقه في حنانك زي ما طول عمرك بتعمل معايا."
"حبيبت جدك انتي." قالها وهو يضمها طابعاً قبلة حانية على مقدمة رأسها وشعور بالراحة والأمان يتسرب إلى قلبيهما.
كل ذلك تحت نظرات عاصي الذي يتمنى لو كان هو مكان جده يضمها في عناق قوي يسحق فيه عظامها يروي شوقه إليها، وبعدها يعطيها علقة ساخنة تفتت عظامها معاقباً إياها على ما فعلته فيه وفيها.
أما نسرين المتشبثة بذراع عاصي، لو كانت النظرات تقتل لكانت غفران مفترشة الأرض غارقة في دمائها يخرجون الرصاصات من جميع أنحاء جسدها.
فنسرين كانت تغلي وتتفتت من الغضب منذ رؤيتها، وكذلك درية التي غالباً ارتفع ضغطها إلى أقصى درجاته من شدة كبتها لغيظها وحقدها على غفران.
همست نسرين في أذن عاصي بحقد وغيره لم تعد تستطع السيطرة على نفسها: "هي إيه اللي رجعها تاني، مش كنا خلصنا منها ومن قرفها، ليها عين ترجع بعد كل اللي عملته فيك، صحيح قادرة وفاجرة!"
التفت لها عاصي يرمقها بنظرات شرسة مشتعلة وهسهس بفحيح مرعب جعلها تبتلع في رعب: "نسرييين! الموضوع ده انتهينا منه، ومش عايزة يتفتح تاني حتى لو بينك وبين نفسك… غفران خط أحمر! إذا كانت الأول بنت عمي ومراتي، هي دلوقتي كمان أم ابني، فاهمة يعني إيه أم ابني… يعني اللي يفكر مجرد تفكير إنه يمس شعرة واحدة منها أنا أمحيه من على وش الدنيا، وانتي عارفة كده كويس."
صمت لثواني يهديء من روعه ثم تابع يضيف بنبرة حانية خدرتها: "أنا عارف يا نيسو إنك غيرانة عليا، بس أنا مش عايزك تقلقي من حاجة، المهم دلوقتي أنا مع مين… أنا معاكي انتي… خطيبتي… وكلها كان شهر ونتجوز وتبقي حرم عاصي الجارحي بجلالة قدره… مش كده ولا إيه؟"
اتسعت ابتسامة نسرين حتى كادت أن تتلامس أذنيها وهمست بنبرة عاشقة: "كده طبعاً يا حبيبي، أنا غصب عني يا عاصي… أنا بحبك بجنون… ولما شوفتها تاني اتجننت وخايفة إنها تشغلك وتاخدك مني بحجة ابنها…"
ابتسم عاصي ساخراً وهو يربت على كف يدها المتعلق بذراعه: "ما تخافيش من أي حاجة… أنا عايزك تطمني على الآخر…"
اقترب منها وجلس بجانبها يرمقها بنظرات معاتبة قائلاً: "جيتي ليه يا غافي يا حبيبتي؟"
نظرت له وهي ترتشف من كأس العصير أمامها، ثم أجابته بنبرة جادة: "وايه اللي يخليني ما أجيش؟"
نظر لها هاتفاً بنبرة ذات مغزى: "انتي عارفة أنا أقصد إيه كويس…"
أجابته بنفس الهدوء: "اطمن أنا كويسة، وكده كده كنت هاجي وهواجه، فمش فارقة كتير دلوقتي أو بعدين النتيجة واحدة." ثم تابعت تنهي النقاش: "عن إذنك، في ناس أعرفهم هقوم أسلم عليهم…" قالتها وتحركت تنهض من جانبه دون أن تعطي له فرصة للتحدث بأكثر من ذلك.
في نفس الوقت، اقتربت درية من نسرين وهمست بالقرب من أذنها بغل: "شايفة اللي أنا شيفاه!!!! إيه اللي رجعها، مش كنا خلصنا منها… جاية ليه تاني؟"
أجابتها نسرين من بين أسنانها: "معرفش… معرفش. أنا خايفة يا أنطي لا تشغّل عاصي بحجة ابنها ويسبني تاني وأنا ما صدقت أخيراً إننا بقينا لبعض."
ابتسمت درية بمجاملة في أوجه الحضور المسلطة عليهم وهتفت بنبرة قوية: "متخافيش مش هتقدر تعمل حاجة… ولو فكرت تعمل شغل المسكنة والسهوكة بتاع أمها ده أنا بقي اللي هقف لها المرة دي بنت جميلة ومحدش هيقدر يلومني ساعتها."
كانت غفران تتحرك في الحفل بحرية وانطلاق وهي تخفي وجعها خلف قناع الابتسام والاندماج مع الآخرين، وهو الأمر الذي تعجب له معظم الحضور، فكانت تتحدث مع هذا وذاك، وتضحك مع هذه وتلك.
والكل متعجب ومصدوم من حضورها حفل خطوبة طليقها. فغالبية الحضور قد علم بانفصالهم عن بعض خاصة بعد إعلان عاصي لخطوبته من نسرين الراوي، ابنته خالته. والبعض فسر حالتها على أنها تمثل وتدعي القوة لمحاولة جذب نظرات طليقها لها مرة أخرى. والبعض الآخر فسر ذلك على أنها فعلاً قد تخطته وما عاد يمثل لها أي شيء.
اندمجت وسط الحضور بشكل كبير دون أن تلتفت إليه مرة أخرى وكأنه غير موجود بالمكان. على عكسه، فهو كان يتابع كل حركة تصدر عنها والنيران تشتعل بداخله، نيران اشتياقه إليها الذي تعدى كل الحدود خاصة وهو يراها أمامه كالفاكهة المحرمة التي يعجز عن الاقتراب منها.
ونيران غيرته عليها التي تحرق قلبه وتغلي كالحمم في شرايينه خاصة وهو يرى نظرات الرجال لها وهي ترتدي ذلك الثوب الفاضح الذي يكشف عن ذراعيها ونحرها، وساقيها الجميلتين الممشوقتين ويلف جسدها الرشيق والذي ازداد وزنه بشكل مغري مما جعلها أكثر أنوثة وإغراء.
شتم في سره فهو يقف عاجزاً مقيداً، يريد أن يذهب إليها يسحبها من شعرها الغجري الطليق الذي كلما حركته بيدها تبعده عن عينيها تتحرك معه دقات قلبه، ثم يخفيها داخل ضلوعه يحجبها عن عيون الناس.
لا لن يتحمل، سيصاب بنوبة قلبية بسببها، لذلك استغل انشغال نسرين بالرقص مع صديقاتها وذهب خلفها عندما وجدها تقف في ركن بعيد نسبياً عن صخب الحفل.
كانت تقف تعطيه ظهرها تنظر إلى البحر حالك السواد أمامها وقد اشتاقت لمنظره ورائحته الجميلة التي تنعش روحها. أخذت نفس عميق تملأ رئتيها بعبق البحر ولكنه اختلط برائحة عطره التي تحفظها عن ظهر قلب.
خفق قلبها بقوة وقد استشعرت وجوده حولها من رائحته التي تسبقه ومن صوت حفيف خطواته فوق الحشيش الأخضر، ولكنها كانت أجبن من أن تلتفت له. خافت أن يفضحها الشوق وتغلبها نظرات عينيها المشتاقة إليه، فظلت كما هي تعطيه ظهرها وتحضن نفسها بذراعيها تداري بهما ارتجاف جسدها.
اقترب منها حتى أصبح خلفها ودقات قلبه الهادرة تقرع داخل صدره كطبول الحرب، جسده ينتفض رهبة وشوقاً إليها. داعبت أنفه رائحة عطرها الجديد ذات المذاق الحار القوي عكس رائحة عطرها الهادئ القديم. ولكن أعجبه بشدة وأثاره خاصة وهو مختلط برائحة جسدها التي اشتاق لها حد الجنون.
منع نفسه بقوة يحسد عليها من أن يضمها داخل أحضانه في عناق قوي مشتاق متطلب يسحق عظامها. حمم يجري صوته المتحشرج من زخم المشاعر المختلطة بداخله وهمس يناديها بصوته الأجش ذو البحة الرجولية الجذابة: "غفران!"
صعقة كهربائية أصابت قلبها وانتقلت شحناتها إلى جسدها جعلته يرتجف بقوة فور سماعها لاسمها منطوقاً بهذه الطريقة من بين شفتيه. تلك الطريقة التي طالما ناداها بها، نفس الدفء، نفس النطق وكأنهم لم يفترقوا منذ عام وأكثر.
صمتت… صمتت ولم تستطع الرد، صوتها هرب منها وأحبالها الصوتية تعاندها. ناداها مرة أخرى بنفس الطريقة ولكنها أشد حرارة وأقوى، مما جعل جسدها يرضخ لإرادة قلبها واستدارت ببطء تنظر له.
وأخيراً استدارت.
حُبست الأنفاس، وارتجفت الأجساد، ودقات القلوب تهدر بعنفوان، والعيون بينهما حوار غير منطوق، اشتياق، لوم، عتاب، اشتياق، أسف، ندم، اشتياق، اشتياق، اشتياق!
قطعت هي حوار النظرات بينهم عندما هتفت تحدثه بسخرية وهي ترتدي قناع الجمود مرة أخرى: "إيه يا عريس، في حد يسيب عروسته برضك في وسط الحفلة كده… مش معقول تكون زهقت بالسرعة دي."
أجابها وهو يقف واضعاً يديه في جيب بنطاله مائلاً بجزعه إلى الخلف دون أن يحيد بنظراته عن وجهها الجميل: "صدعت من الدوشة قلت أشم هوا شوية وبعدين شوفتك فقلت أتكلم معاكي شوية."
مطت شفتيها الصغيرتين بامتعاض مما جعل نظراته تنحدر تلقائياً نحو شفتيها يطالعها بجوع وهو يحارب وحوشه بقوة حتى لا ينقض عليها يشبعها تقببلاً حتى يزهق روحها.
هتفت تتحدث بذقن مرفوع: "وعاوز تتكلم معايا في إيه؟ أظن إننا خلاص مفيش بينا أي حاجة ممكن تتقال… خلاص… بح…!"
أجابه بنبرة قاطعة وهو لا يزال على نفس وضعه: "إحنا اللي بينا عمره ما انتهى ولا هينتهي يا غفران."
رفعت حاجباً جميلاً وتحدثت بكبرياء: "يمكن بالنسبة لك انت، لكن بالنسبة لي أنا مفيش…!"
ضحك ضحكة صغيرة وهو يمسد على طرف لحيته المشذبة الأنيقة: "اتغيرتي."
ابتسمت بحلاوة قائلة بنبرة ذات مغزى: "البركة فيك…!"
نظر لها مطولاً يشبع عينه من حسنها البهي، ثم هتف مغيراً الحديث: "عمر فين؟"
أجابته بمراوغة: "بتسأل ليه؟"
أجابها بنبرة مستنكرة: "على حد علمي إني أبوه!"
هتفت تجيبه بنبرة ساخرة: "امممم عندك حق، فاتتني دي، عموماً اطمن عمر نايم فوق في أوضتي القديمة."
تحدث مسرعاً بلهفة مشتاقاً لقطعة منه: "عايز أشوفه."
نظرت في ساعة يدها ثم تحدثت بصدق: "الوقت متأخر زمانه نايم، الصبح إن شاء الله تقدر تشوفه." ثم تابعت بسخرية: "ومش معقول هتسيب عروستك وحفلة خطوبتك عشان عايز تشوف ابنك…!!!"
نظر لها بصمت ولم يرد، غيرتها عليه التي تحاول أن تداريها خلف قناع الجمود والسخرية، تُنعش قلبه وتُغازل رجولته. شعرت بلسعة برد من هواء البحر، فمسحت على ذراعيها بحركة سريعة لتدفئتهما.
خلع سترة بدلته بدون تردد وفي لحظة باغتها ولفها حول كتفيها وظلت يداه معلقتين على طرفي السترة، وأصبحت أسيرة أحضانه دون أن يلمسها، يحاصرها بأنفاسه الساخنة ونظراته الملتهبة داخل عرينه.
تلاقت عيناهما من جديد وسكنت كل الأصوات حولهما فقط أصوات أنفاسهما الهادرة هي المسموعة ونسمات هواء الصيف العليل ورائحة البحر وهدير أمواجه تحت ضوء القمر تحيط بهما وكأنهما انعزلا عن العالم حولهما في كبسولة سحرية.
أنفاسه الساخنة تلفح بشرتها تحرقها، ورائحة عطره الآخاذ تطيح بثباتها، وقوة جسده المحيطة بها تفقدها توازنها.
هدرت فيه بعصبية تخرج نفسها من هالة سيطرته وهيمنته عليها: "أوّعي إيدك، إنت بتعمل إيه؟"
هتف بحشرجة وهو يلتهمها بنظراته: "بدفيكي!"
تلوت بين ذراعيه تحاول إبعادهم وإزاحة السترة من فوق كتفيها هاتفة بغضب: "شكراً مش عايزة، أنا مش بردانة."
هدر فيها بنبرة قوية أفزعتها: "بطلي عند، الدنيا ساقعة وانتي مش بتستحملي البرد." ثم تابع يضيف بغيرة ونظرات الرجال لجسدها تتراقص داخل عينيه: "وبعدين كل ده بسبب الزفت اللي لابساه، من امتى وانتي بتلبسي عريان كده يا هانم."
صوته العالي ونبرة التحكم فيه أغضبها، فهدرت فيه بتحدي: "وانت مالك أنا حرة أعمل اللي أنا عايزاه محدش له حاجة عندي."
تراقص الجنون داخل عينيه وهتف بنبرة شرسة: "لا انتي مش حرة، أولاً انتي أم ابني وتخصيني، ثانياً انتي بنت الجارحي يعني لازم تخلي بالك من تصرفاتك كويس أوي وتحترمي نفسك قبل ما تحترمي اسم عيلتك."
هدرت بغضب وقد انفك عقال جمودها ومحاصرته لها بجسده ورغبته في التحكم فيها كما كان يفعل من قبل، جننتها: "أنا محترمة غصب عنك وأنا ما أخصكش في حاجة وابعد عني والزم حدودك وانت بتتعامل معايا."
هتف من بين أسنانه وقد نجحت في إثارة جنونه: "ألزم حدودي! طب امشي انجري قدامي على أوضتك وقسماً بالله العظيم يا غفران لو ما سمعتي الكلام واتعدلتي لأكون شايلك على كتفي زي الشوال قدام الكل، وانتِ عارفة أنا مجنون وأعملها."
وقفت تتفتت من الغضب أمامه وهي تعلم أنه قادر على تنفيذ تهديده لها، فقررت رغم عنها تنفيذ أوامره. نفضت ذراعيه وأسقطت سترته أرضاً وتحركت تغادر تدب الأرض بقدميها الصغيرتين بغيظ، وبعد أن خطت خطوتين بعيدة عنه، جاءها صوته الهادر من خلفها يأمرها بغضب: "استني!"
وقفت متكتفة تهز ساقها اليسرى بغيظ دون أن ترد عليه. اقترب منها وهو يحبس ابتسامة متسلية تريد الظهور على وجهه مستمتعاً باستفزازها فهي تبدو شهية وهي غاضبة. مد يديه يحيط كتفيها بسترته وهو يرسل لها نظرة محذرة من أن تخلعها.
نظرت له بامتعاض دون رد، فتابع يضيف بعناد وغرور: "اتفضلي معايا على فوق عشان هشوف عمر دلوقتي مش هستنى للصبح." قالها وهو يسبقها بخطواته يدلف إلى داخل القصر من أحد الأبواب الجانبية البعيدة عن الحفل الصاخب، وسط ذهولها وغيظها منه ومن نفسها.
بعد دقائق كانت غفران تقف تستند بظهرها على باب غرفتها تتطلع في ملامح عاصي الذي يحمل طفلهم بين ذراعيه يهدهده ويمطره بوابل من القبل المشتاقة. صغيرها الذي استيقظ فور أن حمله والده وكأنه كان في انتظاره ويشتاق إليه هو أيضاً.
انفجرت دقات قلبها تهدر داخل صدرها وهي ترى حنانه على صغيرها، أغمضت عينيها تحبس صورته داخل مقلتيها وهي تتمنى لو يتوقف بهم الزمان عند هذه اللحظة، وهما ثلاثتهم معاً، أسرتها الصغيرة التي طالما حلمت بها.
نظر إليها عاصي بمقلتين تلتمع فيهما الدموع وهمس بنبرة متحشرجة من فرط تأثره: "عمر ابني… ابننا!"
أومأت له غفران بصمت وهي تمنع دموعها من الانهمار بقوة. تحدثت بنبرة حانية تحوي كل مشاعر عشقها له: "شبهك… نسخة منك…"
ضم الصغير إلى أحضانه مخرجاً تأوهاً ملتاعاً حزيناً، نادماً على تهوره وعصبيته والتي تسببت في بعده عنهم وحرمانه من الشعور به والتواجد معهم في فترة حملها وحتى بعد ولادتها. كان يتمنى أن يسجل كل لحظة وكل حركة وكل صوت يصدر عنه، ولكن الله كان رحيماً به عندما حمله بين ذراعيه لحظة ولادته وكان معها حتى ولو لم تكن تعلم. ولكنّه أقسم أن يعوضهم عن كل ألم شعروا به وكل لحظة كانوا فيها بعيداً عنه.
توحشت نظراته بشراسة وهو يتوعد بالجحيم لمن تسبب في كل ما عاشوه وعانوه بسببهم. عليهم أن يتحملوا قليلاً، فهو قد قارب من الوصول إلى هدفه وبعدها يكون لكل حادث حديث.
نظر إلى صغيره الذي غفى بين ذراعيه، فوضعه برفق في فراشه طابعاً قبلة حانية فوق جبينه بعد أن دثره جيداً بالغطاء. اعتدل في وقفته واستدار ببطء يتطلع فيها بنظراته التي تكاد تلتهمها.
تكتفت غفران وشمخت بذقنها تتحداه بنظراتها. تحرك بخطوات كسولة حتى وقف أمامها دون أن يحيد بنظراته عنها.
هتفت غفران بنبرة قوية متحدية حتى تخرج من مجال سيطرته عليها: "ياريت تتفضل من غير مطرود، واللي حصل ده ما يتكررش تاني… مالكش دعوة بيا أو بأي حاجة تخصني، والاوضة دي ممنوع تدخلها مرة تانية ولا حتى عشان ابنك.. مفهوم؟"
اقترب بوجهه منها حتى لفحت أنفاسه الساخنة وجهها وشعرت أنه على وشك تقبيلها بسبب نظراته الملتهبة المسلطة على شفتيها وهتف بنبرة هامسة بجانب أذنها: "أنا أعمل اللي أنا عايزه في الوقت اللي أنا عايزه ومفيش قوة في الكون هتمنعني عن ابني." "وعنك" همس بها في داخله وتمنى أن ينطق بها ولكنه أجلها حتى لا تفسد مخططاته. فاللعبة قط والفأر بينهم تعجبه وتساعده على تنفيذ خطته بشكل صحيح.
"تصبح على خير يا… يا بنت عمي…" قالها وخرج من غرفتها مسرعاً قبل أن يضعف أمامها أكثر من ذلك وهو يحارب وحوشه التي تنهش بداخله من التهامها كلها خاصة وهي أمامه بتلك الهيئة المهلكة لأعصابه ورجولته.
تنفست غفران أخيراً وقد اكتشفت أنها كانت تحبس أنفاسها داخل صدرها طوال وجوده معها هنا. سارت بخطوات مرتعشة حتى رقدت بجوار رضيعها تاخذه في أحضانها تتلمس دفء لمساته فوق جسد صغيرها. هنا ولم تستطع الصمود أكثر من ذلك، فقدت قدرتها على المقاومة وتمثيل دور اللامبالية وانهارت تبكي كما لم تبكِ من قبل، فهي لم تتوقع أن يكون الأمر صعباً وشاقاً عليها إلى هذه الدرجة.
بكت حتى أنهاكها البكاء وغفت في أحضان صغيرها والدموع تغرق وجهها الجميل.
دلفت نسرين إلى داخل القصر بملامح متجهمة تبحث عن عاصي الذي اختفى فجأة من الحفل، وجدته ينزل الدرج بذهن شارد فاقتربت منه مسرعة وهي تتطلع حولها تبحث عن غفران والتي اختفت هي الأخرى. سألته بنبرة مغلولة: "كنت فين؟"
نظر لها عاصي وبوادر الغضب تلمع داخل مقلتيه من طريقة حديثها التي لم تعجبه، هاتفاً بنبرة غاضبة: "وطّي صوتك!"
رمشت نسرين بعينيها بارتباك وحجمت انفعالاتها وهمست برقة مصطنعة: "مش قصدي يا بيبي، أصل انت اختفيت فجأة من غير ما تقولي والناس أخدت بالها…"
تحدث بغضب وهو يطحن ضروسه: "ما يولع الناس، وبعدين هو أنا هستأذن منك قبل ما أتحرك ولا إيه؟"
تابعت برقة وهي تمسد على ذراعه بطريقة حسية: "آسفة يا حبيبي مقصدي أنا بس قلقت عليك."
أجابها بسخط: "متقلقيش، أنا كويس… أنا بس صدعت من الدوشة ودخلت عشان آخد مسكن."
هتفت بلهفة: "الف سلامة عليك يا حبيبي… خلاص لو كده أنا هقول لأنطي تقفل الحفلة وتعتذر للناس، أصلاً في ناس كتير مشيت."
أومأ لها برأسه براحة: "يا ريت لأني تعبان وعايز أطلع أنام."
هتفت بنبرة مستنكرة: "تنام!"
أجابها ببرود: "وإيه الغريب في كده، هو المفروض منامش ولا إيه!"
هتفت بدلع وإغراء وهي تتحسس صدره الظاهر من فتحة قميصه بعد أن تحرر من ربطة عنقه: "لا مش القصد، أنا أصلي كنت محضرة لك العشا فوق في أوضتي عشان نسهر لوحدنا شوية أنا وانت نحتفل بخطوبتنا سوا…"
نظر إلى يدها القابعة على صدره وتشنجت عضلاته بنفور من لمساتها وقد فهم ما ترمي إليه، فانتابته موجة من القرف والنفور منها ولكنه أخفى مشاعره خلف وجه جامد بلاستيكي: "مرة تانية يا نيسو، الأيام جاية كتير، بس أنا تعبان وعايز أنام… تصبحي على خير."
قالها وهو ينزع يدها من على صدره ببعض الخشونة. ثم استدار يعطيها ظهره يصعد الدرج تشيعه نظراتها المحبطة. ولكنّه توقف في منتصف الدرج واستدار لها يناظرها من علو وسألها وهو ينظر له بنظرة غامضة: "نسرين!"
تهللت أساريرها وظنت أنه غير رأيه وقرر تمضية الليلة معها ويبدو أنه لم يقاوم تأثير لمساتها الجريئة له. "نعم يا حبيبي!"
سألها عاصي بجمود: "فين الإيصال استلام التبرع اللي دفعتيه لدار الأيتام اللي قلتي لي عليه؟"
سألته نسرين بغباء: "إيصال إيه ودار أيتام إيه؟"
ابتسم ساخراً وهتف يسألها بنبرة ذات مغزى: "دار الأيتام اللي قلتي لي عايزة تتبرعي له وانتِ أديت لك شيك عشانُه؟"
شحب وجه نسرين وقد تذكرت أمر المبلغ الذي سحبته من رصيده وحولته إلى حساب مازن خارج البلاد. هتفت بلجلجة: "آآه افتكرت… هو… هو أنا لازم آخد منهم إيصال؟"
أجابها بنبرة مؤكدة: "طبعاً…"
هتفت كاذبة: "أصل أنا وزعت الفلوس على أكتر من مكان ومركزتش إني لازم آخد منهم إيصال. هو انت بتسأل ليه؟"
أجابها متسائلاً: "هو مش من حقي أسأل ولا إيه؟"
هتفت تنفي مسرعة: "لا لا طبعاً مقصدي، أنا بس عايزة أفهم…"
أجابها بثبات يحسد عليه: "بسأل عشان أشوف أضحك عليكي ولا لأ، وبعدين عشان عايز الإيصال عشان كل جنيه بيطلع من حساباتي لازم يدخل في حسابات الضرائب، شكليات كده يعني ما تشغليش بالك بيها." ثم أضاف بنبرة قاطعة: "الإيصالات تكون عندي في خلال يومين… ولو محرجة تروحي تجيبيهم، قوليلي أسماؤهم وعناوينهم وأنا هخلّي جسار يتصرف معاهم."
هتفت مسرعة تنفي برعب: "لا لا جسار لا… أنا يومين كده وهروح أجيب لك الإيصالات اللي انت عايزهم بنفسي."
نظر لها نظرة أربكتها وزعزعت ثباتها هاتفاً بجمود: "وأنا مستني… تصبحي على خير يا… يا نيسو…"
قالها واستدار صاعداً لغرفته وقد ارتسم تعبير شرس على وجهه وهو يتوعد لها بالجحيم. أما نسرين فرفعت أناملها المرتعشة ككل جسدها تمسد بها جبهتها المتعرقَة من شدة الخوف والرعب وعقلها يعمل كالمكوك لإيجاد حل سريع للورطة التي أوقعها فيها عاصي، وهي لا تعرف من أين تأتي إليه بهذه الوصولات التي يريدها.
أخذت تلعن مازن وغباءها الذي جعلها تتورط معه وتصبح في مواجهة عاصي. عاصي الذي لو علم أنها لها يد فيما حصل لغفران سيمحوها من على وجه الدنيا دون أن يرف له جفن.
رواية غفران العاصي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم لولا
مع شروق شمس يوم جديد، فتحت غفران عينيها تتطلع حولها لثوانٍ حتى أدركت أين هي. إنها هنا في غرفتها القديمة التي تركتها قبل عام ونصف. اعتدلت تتطلع في الغرفة حولها، والتي كان بها كل شيء كما تركته، ولكن شتان بين غفران التي تركت هذه الغرفة من قبل وبين غفران التي عادت إليها من جديد.
نظرت إلى نفسها فوجدت أنها لا تزال بفستانها. تذكرت ما حدث بينها وبين عاصي وتذكرت انهيارها أمس حتى سقطت نائمة من كثرة البكاء.
نهضت بتكاسل ودلفت إلى حمام غرفتها الخاص، تأخذ حمامًا دافئًا تستعيد به نشاطها. بعد قليل، كانت تحمل صغيرها الذي استيقظ هو الآخر، فحممته وبدلت له ملابسه بأخرى نظيفة.
خرجت من غرفتها قاصدة جناح جدها، فهي تعلم أنه يستيقظ مبكرًا لصلاة الفجر وبعدها يظل جالسًا يقرأ في مصحفه حتى موعد الإفطار.
طرقت على باب الجناح ودلفت بعدما سمعت صوته يأذن لها بالدخول. ابتسمت باشراق وهي تراه يقرأ في مصحفه كعادته، هاتفة بمحبة:
"صباح الخير يا جدو."
أغلق الجد مصحفه واشرأبت ملامحه المجهدة بابتسامة فرحة لرؤية حفيدته الغالية وصغيرها الغالي:
"صباح الفل والورد والياسمين على حبايب قلب جدو من جوه."
قالها وهو يقبلها على وجنتيها ثم حمل منها الرضيع يهدهده بحنان.
ابتسم الجد بسعادة:
"الحمد لله أن ربنا طول في عمري لحد ما شيلت ولادك يا غفران."
بادلته الابتسامة هاتفة بحنو:
"ربنا يخليك لينا يا حبيبي وتعيش لحد ما أجوزه إن شاء الله."
ضحك الجد بخفة قائلاً:
"أجوزه كمان! ربنا يبارك في عمر أبوه هو بقى اللي يجوزه."
أومأت غفران برأسها دون رد.
سألها الجد وهو يتفرس في ملامح وجهها الصبوح:
"إيه اللي مصحيكي بدري كده، ولا الواد الشقي ده هو اللي صحاكي؟ ما تلاقيه طالع عصبي ومزعج زي أبوه."
هتفت غفران وهي تداعب وجنة صغيرها:
"حرام عليك يا جدو، ده حبيب قلبي ما تقولش عليه كده."
سألها الجد بمكر:
"مين فيهم، هو ولا أبوه؟"
نظرت له غفران وأجابته بنبرة قاطعة وهي تعتدل في جلستها:
"ابني طبعًا. أنا ماليش غيره وعايشة علشانه وبس."
نظر لها الجد مطولاً عله ينفذ إلى داخل عقلها ويقرأ أفكارها، ثم سألها بوضوح دون مراوغة:
"وعاصي؟"
احتدمت ملامحها وقد فهمت المغزى من سؤال جدها وأجابته بجمود:
"ماله عاصي."
ثم تابعت تضيف وهي تؤكد على كل حرف تنطق به:
"عاصي ابن عمي وابن أبني وبس."
ضغط عليها الجد أكثر بسؤاله:
"ولما هو كده، إيه اللي خلاكي ترجعي القصر امبارح وإنتي عارفة إن خطوبته كانت امبارح على نسرين؟ وآدم أكد عليكي إنك ما تجيش!"
أجابته ببعض الحدة وقد بدأت تفقد هدوءها:
"أنا مش فاهمة يعني إصراركم على عدم رجوعي يوم خطوبته ولا جوازه حتى. كده كده ده بقى أمر واقع. هو اتخطى اللي حصل وشاف حياته وهيكملها بالطريقة اللي تريحه. وأنا كمان هعمل زيه وأعيش حياتي بالطريقة اللي أنا عاوزاها فمش فارقة أرجع قبل خطوبته ولا بعدها."
صمتت لثوانٍ تستجمع نفسها وقد لاحظت ارتفاع صوتها وأكملت تضيف بنبرة أقل حدة:
"وبعدين لو حضرتك وهو هتبقوا مش مرتاحين لوجودي هنا، خصوصًا إنه هيتجوز هنا في القصر ويعيش فيه، فـ أنا أحب أطمنكم إن وجودي هنا في القصر هيكون وضع مؤقت مش أكتر."
زوى الجد بين حاجبيه وسألها بنبرة حادة:
"يعني إيه وضع مؤقت مش فاهم؟"
أجابته غفران بتصميم:
"يعني أنا هفضل هنا في القصر لحد ما ألاقي بيت جديد ليا ولابني نعيش فيه براحتنا بعيد عن القصر. ده غير إني من النهارده هرجع أنزل المجموعة من تاني وأشوف شغلي، ده بعد إذنك طبعًا."
هتف الجد بنبرة غاضبة:
"وليه بعد إذني، ما إنتي مقررة ومرتبة كل حاجة وجاية تديني خبر."
شعرت غفران بالحرج فقد تمادت كثيرًا في الانفعال، فهتفت تعتذر بنبرة هادئة:
"أنا آسفة يا جدو، مقصدتش."
هتف الجد بنبرة حاسمة:
"اسمعي يا غفران. موضوع شغلك أنا ما عنديش مشكلة فيه، ومكانك في المجموعة زي ما هو. أما بقى موضوع إنك تسيبي القصر وتعيشي في بيت تاني لوحدك، فـ ده موضوع مرفوض وغير قابل للنقاش أصلًا. إنتي هتفضلي عايشة هنا إنتي وابنك معززة مكرمة، ده بيتك وبيت أبوكي وبيت ابنك من بعدك. ولاد الجارحي كلهم اتولدوا في القصر ده واتربوا فيه وعاشوا فيه، ومش هسمح لأي حد مهما كان إنه يغير نظامه اللي عيشنا فيه سنين طويلة حتى لو الحد ده كان إنتي يا غفران."
بعد مدة، دلفت غفران تتهادى في خطواتها إلى غرفة الطعام تحمل صغيرها على ذراعها. تعلقت أنظار عاصي بها فور دخولها والتي لمعت بإعجاب شديد لهيئتها الجديدة. فقد كانت ترتدي بدلة أنيقة مكونة من بنطال وسترة باللون البيج، تركتها مفتوحة وتظهر من تحتها قميص أبيض ذو حمالات عريضة واسع من ناحية الصدر مما أظهر عنقها وبداية نحرها بسخاء. وجمعت شعرها في تسريحة عصرية للخلف مما أعطاها مظهرًا أنثويًا أنيقًا وعمليًا في نفس الوقت.
ضغط على أسنانه بقوة يطحن دروسه بغيره شديدة عليها، ولكنه آثر الصمت مقنعًا نفسه بأنها في المنزل ولا يوجد أحد غيرهم سوف يراها بهذا المنظر. بينما طالعتها نسرين بكره شديد، أما درية فلم تكلف نفسها عناء النظر لوجهها الذي تمقته بشدة.
ابتسم عاصي بحنو وهو ينظر إلى صغيره الذي يصدر أصوات مناغاة ويلعب بيديه في شعر والدته. نهض من كرسيه وتقدم منها يحمله هاتقًا بسعادة:
"صباح الجمال يا عمر باشا. كل ده نوم؟"
ثم طبع سيلًا من القبلات على وجنتيه الحمراء الممتلئة.
هتف الجد بسعادة:
"لا، الباشا صاحي من بدري وجيه صبح على جدو وقعد يلعب معاه."
صاح عاصي متذمرًا وهو يقبله مرة أخرى:
"بقي كده يا باشا تصبح على جدك وأبوك لأ. ماشي، هعديها المرة دي عشان خاطر جدك. يلا تعالي يا باشا عشان تفطر معايا."
قالها وهو يعود يجلس على مقعده مرة أخرى واضعًا صغيره على قدميه.
كانت ابتسامة غفران تتسع غصبًا عنها وهي ترى صغيرها يناغي والده ويتلمس لحيته الكثيفة بأنامله الصغيرة، وعاصي يبتسم باتساع والسعادة واضحة على وجهه الحبيب.
أجلت عندما وجدت درية تنهض من على كرسيها بقوة هاتفة بنبرة ممتعضة:
"الحمد لله شبعت، عن إذنكم."
رفع عاصي نظراته إليها شاعرًا بالألم من تصرفاتها، وما أحزنه أكثر أنها لم تلتفت لصغيره وكأنه ليس موجودًا، فهي تراه لأول مرة ولم تتلهف عليه كأي جدة تتلهف لرؤية أحفادها.
صدح صوت الجد يحدثها بنبرة جامدة ذات مغزى:
"إيه يا درية، مش هتسّلمي على حفيدك ابن ابنك الوحيد؟"
هتفت بتلعثم وهي تتحاشى النظر إلى عاصي الذي يناظرها بجمود:
"أصل... أنا حاسة إني داخل عليا دور برد وخايفة أعديه."
ابتسمت غفران بسخرية لحجتها الواهية وأخذت تقلب في هاتفها دون أن تعطيها أي اهتمام. بينما هتف الجد بسخرية:
"لا، ألف سلامة!"
هتف نسرين بمحبة زائفة وهي تلاعب وجنة الصغير:
"الله، ده جميل أوي. هات أشيله يا بيبي شوية."
هتفت غفران بنبرة حادة قاطعة وهي تتوجه ناحية عاصي تلتقط منه صغيرها قبل أن تصل إليه يد نسرين:
"لا، معلش. أصل عمر مش بيحب حد غريب يشيله."
كتم عاصي ابتسامته بصعوبة على رد فعلها الشرس مع نسرين، بينما نسرين وقفت متكتفة تهز قدميها بعصبية وهي تطالع غفران بغل.
هتفت بدلال ماسخ وهي تتعلق بذراع عاصي:
"شايف يا بيبي، مش عاوزاني أشيل عمر إزاي."
رمقته غفران بنظرة متحدية، وبغير غضب انحدرت نظراتها نحو ذراعه المتعلقة بها نسرين، فأشاحت بنظراتها سريعًا قبل أن يلمحها.
أجابها عاصي وهو يسحب ذراعه من بين يديها بعدما لاحظ نظرات غفران:
"معلش يا نسرين، قالت لك الولد مش بيحب حد غريب يشيله."
جحظت عين نسرين من رده وهتفت باستنكار وهي تشير على نفسها بإصبعها:
"هو أنا حد غريب؟"
رنين هاتفه أنقذه من الإجابة عليها، ففتح الخط يجيب عليه وهو يبتعد بخطواته بعيدًا عنهم.
تحدثت غفران موجهة الحديث إلى جدها:
"أنا همشي بقى يا جدو، عاوز حاجة؟"
أجابها الجد بحنانه المعتاد:
"لا يا قلب جدك، خلي بالك من نفسك."
ثم تابعت تكمل حديثها:
"أنا خليت السواق يطلع عربيتي من الجراج علشان أتحرك بيها."
تحدث الجد بحنو:
"ماشي يا حبيبتي، اعملي اللي يريحك بس على مهلك وطمنيني عليكي لما توصلي الشركة."
قبلته على وجنته قبل أن تغادر:
"اطمن يا حبيبي. سلام."
تبادلت نسرين ودرية النظرات بعدم فهم، ولكنهم استعادوا هدوءهم بعد رحيلها.
بعد قليل، كانت تجلس خلف المقود تقود سيارتها بثقة متجهة نحو مقر شركات الجارحي، وفي الخلف يجلس صغيرها برفقة نعمات، والتي حرصت على اصطحابه معها فهي لا تأمن أن تتركه وحده في القصر بدونها.
عاد عاصي بعد أن انتهى من مكالمته فلم يجد غفران. جلس في مقعده مرة أخرى وهو يسأل عن صغيره بدلًا من أن يسأل عنها حتى لا تظهر لهفته عليها ولا يثير شك نسرين ووالدته:
"أومال عمر باشا طلع ينام ولا إيه؟"
نطقت درية تجيبه بملامح ممتعضة وهي تشير بيدها بقرف:
"الهانم خدته ومشيت، مش عاوزاه يقعد معانا."
هوى قلب عاصي بين قدميه وقد ظن أنها رحلت وتركته مرة أخرى، فهتف متسائلاً بملامح شاخبة:
"مشيت! مشيت إزاي وراحت فين؟"
هتفت نسرين من خلفه بغيره شديدة:
"وإنت مالك مهتم بيها أوي كده ليه، ما تمشي ولا تروح في أي حتة وإنت مالك."
ضرب عاصي بقبضته بقوة على الطاولة أمامه مما جعل نسرين ودرية ينتفضون بفزع وهدر بصوت عالٍ:
"نسرييييين! ما تدخليش في اللي مالكيش فيه."
ثم نظر إلى جده يسأله بنبرة قلقة:
"غفران أخدت عمر وراحت فين يا جدي؟"
نظر له الجد نظرة لائمه لعدم قدرته على التحكم في انفعالاته التي تفضح مشاعره تجاه غفران وأجابه بنبرة هادئة:
"اهدى يا عاصي، عمر مع أمه في الشركة."
زوى عاصي بين حاجبيه يسأله بعدم فهم:
"شركة! شركة إيه؟"
تابع الجد بنفس النبرة الهادئة:
"غفران رجعت لشغلها من تاني في المجموعة وأخدت معاها عمر ونعمات علشان عمر مش هتقدر تسيبه لوحده لحد ما تلاقي له مربية كويسة."
غلت الدماء في عروقه وهتف من بين أسنانه المطبقة:
"وإنت إزاي تسمح لها بكده يا جدي! ده تهريج."
هدرت درية بغل لم تستطع السيطرة عليه:
"طبعًا الهانم راجعة عشان تضمن حقها وتكوش على كل حاجة هي وابنها."
نظر لها عاصي بسخط والجنون يتراقص داخل عينيه.
ولم ينفعل الجد عليها ولكن تحدث بنبرة باردة كادت أن تصيبها بجلطة ثلاثية الأبعاد:
"أديكي قلتيها يا درية بعضمة لسانك، حقها هي وابنها. وابنها ده اللي هو حفيدك هو اللي هيقش كل حاجة في الآخر لأنه هيبقى معاه نصيب أمه وأبوه بعد عمر طويل."
قالها الجد ونهض مغادرًا يستند على عصاه بعدما رمقها بنظرة مزدريّة قبل أن يصعد لجناحه.
أما عاصي فـ أسرع يلتقط هاتفه ومفاتيحه مغادرًا بخطوات مسرعة ذاهبًا خلف المجنونة التي يعشقها والتي سوف تصيبه بالجنون بسبب تحديها له.
أسرعت نسرين تهرول خلفه منادية عليه بصوت عالٍ:
"عاصي! استنى، إنت رايح فين؟ عاصي."
ولكنه لم يلتفت إليها بل إنه لم يسمعها من الأساس، وسؤال واحد يشغل باله: هل غفران بدلت ثيابها قبل ذهابها للشركة أم ذهبت بتلك البدلة التي ترسم قدها المياس بشكل مذهل أشعل صدره بنيران الغيرة؟
وقف جسار يفتح له باب السيارة فعاجله عاصي هاتقًا بنبرة مستفهمة خاصة بعدما وجد السائق موجودًا:
"السواق ده هنا بيعمل إيه؟ هو مش المفروض يكون مع غفران هانم؟"
أجابه جسار بقلق من رد فعله على ما سيقوله:
"احم، الهانم خرجت لوحدها يا باشا."
سأله عاصي بغباء:
"لوحدها إزاي يعني؟"
تحدث جسار موضحًا:
"الهانم خرجت بعربيتها يا باشا."
جحظت عين عاصي حتى كادت أن تخرج من محجرها هاتقًا بجنون وهو يقبض عليه من تلابيبه:
"وإنت إزاي ما تقولش، إزاي تسيبها تخرج لوحدها، لأ وكمان هي اللي سايقة!"
تحدث جسار يطمئنه:
"اطمن يا باشا، في عربية حرس طلعت وراها وماشية وراها زي ضلها وهما لسه مديني تمام إن الهانم والباشا الصغير وصلوا المجموعة بالسلامة."
دفعه عاصي في صدره بخشونة، واستقل سيارته يدعس على دواسة البنزين يقود مسرعًا ذاهبًا إلى تلك العنيدة المجنونة التي ستقضي عليه لا محالة.
"هتجننيني يا غفران أكتر ما أنا مجنون بيكي."
أما نسرين فوقفت تتفتت من الغضب وهي تشاهد عاصي يخرج بسيارته مسرعًا ومن خلفه سيارة جسار، فاسرعت تقفز داخل سيارتها وقادتها مسرعة لتلحق به وهي هاتفة بغل ونظراتها تزداد غلاً وكرهاً لغفران:
"مش كفاية البيت كمان رايحة وراه على الشركة، بس أنا بقى مش هسيبك تنجحي في اللي بتخططي له يا بنت جميلة، ويا أنا يا إنتي."
وصلت غفران إلى مقر شركات مجموعة الجارحي. شعرت ببعض الرهبة والارتباك في البداية، ولكنها شحذت همتها مقوية نفسها عازمة على ألا تستسلم أو تضعف.
سحبت نفسًا عميقًا تستجمع به نفسها وتحركت بخطوات واثقة تدلف إلى داخل الشركة. استقبلها العاملون باحترام ممزوج بالدهشة لظهورها المفاجئ أمامهم، خاصة عندما لمحوا الخادمة التي تحمل طفلًا صغيرًا على يدها. خمنوا أنه ابنها هي وعاصي، فالجميع يعلم أنها طليقته وأم ابنه الوحيد.
على باب المصعد، استقبلتها مديرة مكتبها ترحب بها بلباقة:
"حمد الله على سلامة وصولك يا غفران هانم، الحاج منصور بلغني بوصول حضرتك وكل حاجة زي ما حضرتك أمرتي."
أومأت له غفران بابتسامة مجاملة وهي تدلف إلى داخل المصعد:
"الله يسلمك. شكرًا."
بعد دقائق، كانت تقف وسط مكتبها تطلع إليه، فوجدته كما هو كما تركته، ولكن يزيد عليه، ذلك الركن الصغير البعيد نوعًا ما في آخر الغرفة والذي خصصه الجد لحفيده الصغير. فوضع له كل ما يمكن أن يحتاجه طفلها.
ابتسمت بحنان ممتنة أن الله منحها جدًا مثله. ثم تحركت تجلس خلف مكتبها وتفتح حاسوبها وهي لم تعرف من أين تبدأ، ولكنها ستبدأ.
بعد قليل، كان يدلف من باب المجموعة كالاعصار وعلامات الغضب واضحة على وجهه وجسده المتشنج، مما جعل الجميع يناظرون بعضهم بقلق داعين الله أن يمر اليوم على خير وأن يجنبهم شر جنون غضبه.
نهضت مديرة مكتب غفران احترامًا له فور دخوله مكتبها، ولكنه تحدث بنبرة مقتضبة دون أن ينظر لها وهو يهم بدخول مكتب غفران:
"مفيش مخلوق يدخل علينا المكتب."
رفعت غفران نظراتها من على الأوراق أمامها مجفلة عندما انفتح باب مكتبها بقوة. توترت من ملامحه الغاضبة، فكان يقف أمامها كالمارد بجسده الضخم المتشنج وفكه العريض الذي يطحنه بقوة، وما زاد رهبتها منه تلك الحلّة السوداء ذات القميص الأسود الذي يرتديه، فـ أعطى له مظهرًا شرسًا، مخيفًا، ووسيمًا، وسيمًا جدًا.
نفضت رأسها بقوة تقاوم تأثره به وطالعته بنظرات متحدية، بادلها إياها بنظرات تشتعل بجنون.
هتف بين أسنانه المطبقة دون أن يزيح بنظراته عنها:
"نعمات، خدي عمر واستني في مكتب السكرتيرة بره."
أومأت نعمات برأسها موافقة وأسرعت تخرج وهي تحمل الصغير بين يديها وهي تدعو الله أن تمر الأمور بينهم على خير.
ظلت حرب النظرات دائرة بينهم حتى هتف عاصي بنبرة غاضبة:
"ممكن أعرف إيه اللي إنتي عملتيه ده؟"
أجابته غفران بعدم فهم:
"عملت إيه بالظبط؟"
تحدث بنفس النبرة الغاضبة:
"إيه اللي خلاكي تسوقي العربية لوحدك ومن غير ما يكون معاكي السواق، لأ وكمان معاكي عمر وإنتي لسه مش بتسوقي كويس."
أجابته بنبرة باردة:
"ومين قالك إني مش بعرف أسوق! وبعدين أكيد يعني أنا مش هخاطر بحياتي وحياة عمر اللي هو بالمناسبة ابني أنا، وأتهور وأسوق العربية وأنا مش واثقة مليون في المية إني بعرف أسوق."
اغتاظ من ردها البارد الذي أشعل غضبه أكثر وأكثر:
"ولما إنتي عاوزة تيجي الشركة مقلتيش ليه وأنا كنت جبتك معايا في عربيتي."
سخرت تجيبه باستخفاف:
"و أقولك ليه! هو أنا محتاجة آخد منك الإذن عشان أجي شركتي! وبعدين أركب معاك ليه وأنا عندي عربيتي. وبعدين إنت مالك بتدخل في حاجة ما تخصكش إيه أصلًا. أروح الشركة، أسوق عربيتي، إنت مالك، دي حياتي وأنا حرة فيها، ومالكش الحق إنك تدخل في حياتي زي ما أنا مش بدخل في حياتك."
جن جنونه من ردودها المستفزة، وود لو يطبق على شفتيها الرقيقتين اللتين تتفوه بكلمات غبية تثير جنونه، يقبلها بوحشية حتى يدميها ويقضم لسانها الطويل الذي يستفزه حتى يحرم إثارة جنونه.
وقف يتنفس بانفعال شديد والدماء تغلي داخل أوردته وهدر بنبرة قاطعة لا تقبل مجالًا للشك:
"قلت لك قبل كده إنك تخصيني."
احتدمت نظراتها المغتاظة من غروره وثقته بنفسه وهدرت فيه بغضب:
"اسمع يا عاصي، مش عشان إنت ابن عمي وأبو ابني ده يديك الحق إنك تتدخل في حياتي وتتحكم فيا. الكلام ده كان زمان لما كنت عيلة هبلة كل هدفها في الحياة إنها تفضل جنبك، لكن دلوقتي كل حاجة اتغيرت. ومن غير دخول في تفاصيل مش هتقدم ولا هتأخر، إحنا اللي بيربط بنا هو عمر وبس! ولازم كل واحد فينا يلزم حدوده مع التاني ويحترمه عشان خاطر عمر يتربى بطريقة سليمة وتفصلته ما تتأثرش باللي بيحصل. وزي ما إنت اخترت الطريقة اللي تكمل بيها حياتك، أنا كمان من حقي أختار الطريقة اللي تناسبني وأكمل بيها حياتي بعيد عن دايرة عاصي باشا الجارحي."
أنهت كلامها وهي تنهت بانفعال وصدرها يعلو ويهبط بجنون، وهو يقف أمامها لا يقل عنها انفعالًا، بل إن غضبها لا يمثل ذرة من الغضب الذي يموج بداخله.
في نفس الوقت، كانت نسرين تدلف إلى الداخل تقتحم مكتب سكرتيرة غفران وهي تهتف فيها بغضب بعدما علمت أن عاصي في مكتب غفران:
"يعني إيه مش هدخل؟ إنت مش عارفة أنا مين ولا إيه؟ أنا نسرين هانم خطيبة عاصي باشا الجارحي اللي مشغلك هنا. تقوليلي مش هدخل!"
تحدثت السكرتيرة باحترام وهي تقف أمامها تمنعها من الدخول:
"آسفة يا هانم، بس أوامر عاصي باشا بنفسه."
اشتعلت نظرات نسرين بغل ولم تعرف كيف ترد عليها، وازداد جنونها عندما لمحت نعمات ترمقها بنظرة متشفية مما جعلها تود أن تقتلها.
فخرجت مسرعة من أمامهم كما دلفت مسرعة.
نظر لها عاصي بجنون ولا يعرف كيف يتصرف معها، هل يخبرها بكل شيء الآن حتى تعلم أنه يحميها ويخاف عليها وأنها لازالت ملكه وتخصه؟ وحتي لو تحدث، هل ستسمعه؟ هل ستصدقه؟ خاصة مع عنادها وتحديها له، فهي لن تعطيه فرصة للتحدث مطلقًا.
زفر أنفاسه بغضب وهتف بحدثها بنبرة أقل حدة محاولًا إقناعها بهدوء:
"شوفي يا غفران، في حاجات كتير أوي إنتي ما تعرفيهاش، ولسه مجاش وقتها عشان أقولهالك. بس كل اللي أقدر أقولهولك، إني مش بتحكم فيكي أو عاوز أتدخل في حياتك. أنا بعمل كده من خوفي عليكي، أنا بخاف عليكي بجنون. أنا عارف إني عصبي ومجنون ومش بعرف أتحكم في عصبيتي، بس ده غصب عني، أنا كده. وإنتي أكتر واحدة عارفاني وفهماني كويس."
شعرت بنخزة قوية تؤلم قلبها، ولكنها غالبتها وهتفت بكبرياء:
"وفر خوفك لنفسك، أنا مش محتاجة حد يخاف عليا."
نظر إليها مهمومًا بيأس معقود اللسان، ومن الواضح أنه سيعاني كثيرًا من أجل الحصول على غفرانها.
طرقت السكرتيرة على باب الغرفة بخفة ثم دلفت بعدما سمحت لها غفران بالدخول:
"غفران هانم، الاجتماع هيكون جاهز في خلال عشر دقايق."
أومأت لها غفران دون رد، فانصرفت السكرتيرة بهدوء.
نظر لها عاصي مستفهمًا:
"اجتماع إيه ده؟"
أجابته غفران بجدية:
"اجتماع لمديري شركات المجموعة."
قطب حاجبيه الكثيفين يعتصر ذهنه يبحث عن وجود اجتماعات اليوم، ولكنه متأكد أنه لا يوجد وهو لم يطلب منهم الاجتماع.
هتف يسألها بعدم فهم:
"اجتماع إيه ومين اللي حدده؟"
أجابته بنظرة متحدية:
"أنا."
سألها بعدم فهم وهو يقف أمامها متخصرًا:
"إنتي... ليه إن شاء الله؟"
أجابته بنفس النبرة المتحدية وهي تقف نفس وقفته المتخصرة:
"عشان عاوزة أعرف كل حاجة عن الشغل في الفترة اللي غبت فيها عن المجموعة. وبعدين ده من اختصاصي بحكم إني المدير التنفيذي للمجموعة يا بشمهندس، ولا نسيت!"
كانت شهية لحد الجنون وهي تقف أمامه متخصرة تتحداه بنظراتها وملامحها البهية، كان يلتهمها بنظراته ويود أن يخفيها داخل ضلوعه حتى يحجبها عن عيون الناس ولا يرى حسنها وفتنتها أحدًا سواه.
رمقها بنظرة ذكوريّة خالصة يمشط جسدها الممتلئ بإغراء في أماكنه الصحيحة يعانق جسدها بنظرات مشتاقة لحد الوجع.
أظلمت نظراته واشتعلت بها نيران غيرته عندما التفت لما ترتديه. طحن دروسه بغيظ، فكل من بالشركة قد رأوها بهذا المنظر، ولا يكفيها هذا بل تريد اجتماع مع كل مدراء المجموعة بل وتجلس معهم بهذهئتها تلك وجميعهم من الرجال وهي المرأة الوحيدة بينهم! هل جنت؟ والله لن يكون ابن الجارحي إذا تركها تجلس معهم بهذا الشكل السافر، الساحر، والمثير!
هدر صوته بغضب مكبوت:
"وحضرتك إن شاء الله ناوية تحضري الاجتماع بالشكل ده؟"
لم تفهم مقصده وسألته مستفهمة:
"ماله شكلي؟"
أشار بحركة من رأسه على جسدها وخاصة صدرها الظاهر أمامه بسخاء بسبب تلك السترة المفتوحة على مصراعيها:
"إنتي مش شايفة البدلة ضيقة إزاي ومحددة شكل جسمك، ده غير صدرك اللي كله باين."
غمغمت بوجنتين محمرتين خجلًا من حديثه ومن نظراته الجريئة لجسدها وهي تضم طرفي السترة تداري جسدها:
"احترم نفسك. وبعدين دي الموضة وجسمي مش باين ولا حاجة."
مسح على وجهه عدة مرات مستغفرًا مهدئًا من جنونه بدلًا من أن يدق عنقها الجميل الذي يغويه لتقبيله ووضع صك ملكيته عليه.
تحدث بنبرة أقل حدة ولكنها حاسمة لا تقبل للنقاش:
"شوفي يا غفران، قدامك حلين مالهمش تالت. يا تغيري الزفتة اللي إنتي لبساها دي أو تعملي أي حاجة تقفليها بيها تداري بيها جسمك. يلا، مفيش اجتماعات وهتروحي على القصر على طول."
كادت أن تنطق وتتحداه كعادتها، إلا أنه رمقها بنظرة خطرة أرعبتها قائلًا بتحذير:
"وده آخر كلام عندي، ولو ما اتسمعش ما تلوميش إلا نفسك. أنا ماسك نفسي بالعافية."
رمقته بنظرات مشتعلة وتحركت من أمامه تدب الأرض بخطوات غاضبة وهي تدلف إلى داخل الحمام الملحق بمكتبها وهي تتمتم بكلمات غاضبة.
استدارت له ترمقه بغيظ هاتفه من بين أسنانها:
"مستبد."
ثم أغلقت الباب في وجهه بقوة.
أنارت الابتسامة وجهه أخيرًا وهو يضحك على جنونها وطفولتها، فهي مهما أظهرت له من عناد وتحدي ستظل بداخلها تلك الطفلة الجميلة البريئة.
بعد دقائق، كانوا يسيرون في الرواق المؤدي إلى غرفة الاجتماعات وهي ترمقه بنظرات مغتاظة حانقة، بينما هو يسير بجانبها بخيلاء مبتسمًا بزهو، بعدما عدلت من سترة بدلتها وأغلقتها بالكامل.
اعترضت نسرين طريقهم تهتف بغيره لم تستطع التحكم بها وهي تراهم يسيرون معًا بعدما أمضوا ما يقرب من ساعة في مكتبها بمفردها:
"رايحين فين؟"
أجابها عاصي الذي تفاجأ من وجودها:
"عندنا اجتماع مهم."
هتفت مسرعة وهي ترمق غفران بنظرات كارهة:
"تمام، هحضر معاكم."
نظرت لها غفران تحادثها بحاجب مرفوع:
"تحضري فين؟ ده اجتماع خاص بمديري المجموعة كلهم، ومش مسموح للموظفين العاديين الحضور. متهيالى إن مديرك هيحضر الاجتماع."
ثم وجهت حديثها إلى عاصي الذي يكبت ابتسامة سعيدة بقوتها وشخصيتها الجديدة:
"يلا عشان ما نتأخرش عليهم أكتر من كده."
قالتها وهي تتخطاها تكمل سيرها يتبعها عاصي دون أن يتفوه بحرف، تاركين نسرين خلفهم تتفتت من الغيظ والقهر.
دلفت نسرين إلى مكتبها وهي تشعر برغبة قوية في خنق غفران والضغط على عنقها بشدة حتى تخرج روحها في يدها.
ظلت تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا بعصبية، ثم أخرجت هاتفها تتصل بمازن الذي اختفى منذ أن حولت له الأموال.
وضعت الهاتف تنتظر رده عليها، ولكنها هدرت فيه بجنون أول ما فتح الخط:
"إنت فين يا بني آدم إنت؟"
أجاءها رده ساخرًا كعادته:
"أهلاً أهلاً بعروستنا الحلوة. مبروك، عرفت إنك أخيرًا وصلتي للي إنتي عاوزاه. عقبالي أنا كمان لما أوصل للي عايزاه."
صرخت به وقد فقدت السيطرة على أعصابها:
"توصل لإيه وزفت إيه وإنت قاعد عندك تسكر وبس! هو البيه يعرف إن الكونتيسة غفران رجعت مصر يوم فرحي ولا لأ؟ وراجعة نافشة ريشها وراكبة الجو هي وابنها، وع طول لازقة لعاصي ونازلة الشركة من أول يوم عشان تفضل ملحقاه في البيت والشغل."
هتف مازن بغضب:
"إنتي بتقولي إيه! مين دي اللي في مصر! ده أنا في المطار وطالع على سويسرا. وإنتي إزاي ما تبلغنيش أول ما هي وصلت."
أصدرت ضحكة متهكمة قائلة:
"سويسرا! وبعدين هو أنا لحقت أتنفس، دي طبت علينا زي القضا المستعجل ومن ساعتها وأنا مش عارفة ألم على عاصي، ماشي في ديلها زي العيل الصغير."
وقف مازن يشد شعره بجنون وهو يشعر بالعجز:
"والعمل؟ أنا لازم أتصرف وأرجع مصر بأي شكل. بس الباشا بتاعتك رجالتها في كل مكان، هيوصل لي أول ما أوصل."
هتفت نسرين بحزم:
"اتصرف يا مازن، لازم ترجع كده، كل اللي عملناه هيروح على الفاضي. أنا ما صدقت إني وصلت لعاصي في النهاية ومعنديش استعداد إني أخسر اللي وصلت له ده مهما حصل."
أجابها مازن وهو يفكر في طريقة تمكنه من العودة إلى مصر:
"اطمني، أنا هلقى طريقة أرجع بيها، عشان عاصي حسابه تقل أوي معايا."
أغلقت نسرين معه وهي توعد لغفران:
"أما ندمتك يا غفران على تحديكي ليا، ما بقاش أنا نسرين."
غافلة عن جسار الذي استمع إلى كل مكالمتها وسجلها لها بعدما قام بربط جهازها بجهازه عن طريق تطبيق مشترك بينهم يمكنه من سماع مكالمتها وتسجيلها، بعدما قام عاصي بإلهائها في إحدى المرات حتى يسهل له الحصول على هاتفها.
رواية غفران العاصي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم لولا
الفصل السادس والعشرون
الجنه……!!!!
شعر وكانه في الجنه وهو يستمتع بمذاق شفتيها الرقيقه وهو يسحقها سحقاً بين شفتيه الجائعه !!!
لم يصدق نفسه انه اخيراً بعد عذاب استطاع ان يقتنص شفتيها مرتشفاً منها اكسير الحياه الذي اعاد له روحه ونبض قلبه بعد شهور طويله كان فيها جسد بلاروح وكأنه روحه وسبب بقاؤه حياً متوقفاً علي قبلتها ، الآن فقط اكتشف انه كان ميتاً وردت اليه روحه بعدما قبلها ….
اجفلت غفران من هجومه الشرس علي شفتيها ، ولم تشعر بشيء بعدها ، خدرتها قبلته وانفاسه الساخنه الملتهبه بعاطفته ويده القويه التي تعتصر خصرها النحيل والاخري التي خلف راسها تثبت وجهها تقربه منه ، وانامله الخشنه التي تداعب منابت شعرها من الخلف اججت بداخلها براكين شوقها الخامده اليه ….
لثواني تناست الزمان والمكان وما حدث معها طوال الشهور الماضيه ، ولم تعد تتذكر شيءً سوا شفتيه واحضانه التي تنعم بهما في تلك اللحظه وكأنها تعبش احدي احلامها التي كانت ملازمه لها منذ انفصالهم مما دفعها لحظات للاستسلام ومبادلته قبلته علي استحياء كعادتها معه دائماً …
شعوره بها وهي تبادله قبلته علي استحياء فجر براكين الرغبه والاثاره داخله ورغبته في اخذها الي جنه عشقهم الآن جعلته يعمق من قبلته اكثر واكثر واخذت يديه تتحسس جسدها البض الذي هو ملكه من الاساس بطريقه حثيه جريئه افقدته صوابه!!!
وهنا رن جرس الانذار داخل عقلها وجعلها تفيق من تلك الغيمه الورديه التي غرقت فيها لثواني وادركت انها لم تكن تحلم كما كانت تعتقد بل انها حقيقه واضحه وضوح الشمس…،!!!!
شحذت قوتها الهاربه منها ودفعته في صدره بما استطاعت من قوه ولكنه لم يتحرك في باديء الامر فقد كان مهيمناً ومسيطراً بجسده القوي علي جسدها الرقيق مطبقاً عليه بقوه ….
ولكنها دفعته مره اخري بقوه اكبر جعلته يزمجر بغضب شديد وهو يحرر شفتيها من شفتيه وهو مازال معتقلاً خصرها بساعده القوي ووجوههم تكاد تكون ملتصقه …./،
تطلع اليها بنظرات بالرغم من الانزعاج الواضح بها ، الا ان الرغبه بداخلها كان اشد واقوي…
وبانفاسها المقطوعه ونظراتها الزائغه رفعت كفها المرتعش وحطته علي وجنته في صفعه رغم ضعفها الا انها كانت قويه التأثير بهم ….!!
حل الصمت بينهم لثواني وهم يتبادلون فيها النظرات بتحدي مخلوط بعدم التصديق والصدمه من جانبه والعجز والندم من جانبها .. ورغم ذلك لم يحررها من داخل احضانه …
حتي استطاعت هي السيطره علي ارتجاف جسدها وقطعت ذلك الصمت وحرب النظرات بينهم ودفعته في صدره مره اخري ارتدت علي اثرها خطوتين للخلف بالكاد مكنوها من الخروج من دائره حصاره لها واطلقت ساقيها للريح تهرول بخطوات مرتجفه صوب الباب تفتحه وتخرج مسرعه هاربه منه ومن نفسها الي غرفتها ….
فتحت باب غرفتها واغلقته خلفها بالمفتاح وارتمت علي فراشها تبكي بحرقه وتلعن قلبها المدله بحبه وجسدها اللعين المشتاق اليه وللمساته واللذان خانوها وكادوا يستسلموا اليه …..
نظرت الي كف يدها الذي صفعته به وانهمرت دموعها بغذاره علي وجنتيها وهي تطبق كف يدها بألم فهي لم تصدق انها فعلتها وصفعته …
فمهما حدث بينهم سيظل هو قوي شامخ كالجبل امامها وهناك مليون طريقه لتنهره بها وتلومه الا ان تهينه وتصفعه…
انتحبت بشده وهي تناجي ربها ان يعينها علي ماهي فيه ويلهمها الصواب وان ينزع حبه من قلبها …
وقف عاصي ينظر في اثرها ضامماً فبضتيه بجانبه يضغط عليهم بقوه…
زفر بيأس وعجز وهو يجذب خصلات شعره بجنون،
مسح علي وجهه بكفيه اكثر من مره مستغفراً …
غبي .. غبي !!! هكذا نعت نفسه وهو يدور حول نفسه في غرفته كالليث الحبيس…
لقد تسرع ولم يستطع السيطره علي نفسه امامها ، كان يجب عليه ان يفهمها حقيقه وضعهم اولاً قبل ان يقترب منها …
هي محقه في صفعه فهو يستاهلها ويستاهل اكثر من ذلك ،كيف ستفسر الامر الآن وكيف ستراه ؟؟
ستراه انسان حقير شهواني يقترب منها ويقبلها وهي طليقته وهو في نفس الوقت مقترن بواحده غيرها..!!
ركل الطاوله الصغيره التي امامه بقدمه منفساً فيها عن غضبه ….
بداخله شعوران متناقضان ، شعوره بالسعاده لتاكده من انها لازالت تعشقه كما يعشقها والدليل علي ذلك ذوابنها بين ذراعيه قبل قليل بل ولم يشعر للحظه بنفورها منه بل علي العكس شعر بلهفتها ورغبتها فيه مثله واكثر …
والشعور الثاني هو غيظه من تسرعه وعدم سيطرته علي مشاعره نحوها والذي ادي الي تلك الكارثه فهو علي يقين انها تراه انسان وضيع ومستغل مما سيصعب الامور بينهم ويعقدها اكثر واكثر ..
لذلك اتخذ قراره ، وقرر ان يتحدث معها ويشرح لها كل شيء وعن خطته لايقاع مازن ونسرين …
سيحكي لها عن كل شيء والآن فهو لن يستطيع ان ينتظر حتي تهدأ ، سيحدثها الآن حتي لا يتركها فريسه لافكارها …
وفي ثواني كان يقف امام بابها يطرق عليه ، طرق مره واثنان ولم يصله منها سوي صوت نهنهتها الخافته ..
لعن نفسه ولعن غباؤه الذي اوصلها لتلك الحاله، تحدث بنبره خافته حنونه : غافي ممكن تفتحي الباب محتاج اتكلم معاكي شويه ….
صمت يستمع اليها ثم جاء صوتها الحزين يجيبه: من فضلك امشي من هنا مش عاوزه اسمعك ….
هتف عاصي بالحاح : علشان خاطري يا غافي في حاجات كتير انتي ما تعرفيهاش ، علشان خاطري افتحي الباب لازم نتكلم ،لازم تفهمي كل حاجه ووعد مني بعد ما تسمعي اللي عاوز اقوله مش هضايق تاني …
صرخت به غفران : مش عاوزه اتكلم ، حرام عليك ابعد عني انت لعنه انا اتلعنت بيها ومش عارفه اشفي منها ، ابعد بقي وارحمني وسبني في حالي ….
آلمه قلبه عليها وود لو باستطاعته ان يحطم الباب ويدخل اليها يضمها داخل احضانه ويهدئها ويمتص الامها ويحتوي ضعفها ويخبرها ان اللعنه قد اصابته هو بعشقها الذي يجري مجري الدم داخل اوردته وانه هالك في عشقها لا محاله …
هالك بقربه منها وهالك في بعده عنها …./
تنهد بصوت مسموع وهتف ببنره خافته حزينه وهو يسند جبهته علي باب غرفتها : خلاص يا غافي ، اهدي وانا هعمل لك كل اللي انت عاوزاه بس بلاش تعملي في نفسك وفيا كده علشزن خاطري…
صمت وصمتت هي الاخري وكل منهم يناجي الاخر بقلبه من خلف الابواب المغلقه …..
مر عليهم بعض الوقت وهم علي نفس حالتهم ، وما ان هم عاصي ان يبتعد بعدما فقد الامل في ان تستمع له ، حتي استوقفه رنين هاتفها المتواصل ولكنه تجاهل الامر وقرر تركها حتي تهدأ …
ولكن الاسم الذي نطقت به اخترق طبله اذنه وجمده مكانه مما جعله يلصق اذنه بالباب يستمع الي محادثتها وهو يتفتت من الغضب …!!!!!
مسحت غفران دموعها وتناولت هاتفها الذي لم ينقطع رنينه ، زفرت بنفاذ صبر عندما تعرفت علي هويه المتصل …
فتحت الخط وتحدثت بنبره متحشرجه من اثر البكاء: الو … ايوه يا آسر ….
جاءها صوته القلق الملهوف : ايوه يا غفران ، طمنيني عليكي عامله ايه، الحيوان ده آذاكي ، عملك حاجه من فضلك ردي عليا وطمنيني انا هموت من القلق عليكي …
تحدثت غفران بتعب فهي تعاني من صداع شديد بسبب انفعالاتها وبكاؤها: اطمن يا آسر انا كويسه ، مفيش حاجه حصلت …
تابع يسألها بنفس القلق: بجد يا غفران ، يعني انتي مش بتضحكي عليا …
تنهدت غفران بنفاذ صبر وهي تجيبه ببعض الحده فيكيفيها ضغط علي اعصابها: كويسه يا آسر ، قلت لك كويسه ، انا بس مجهده ومحتاجه ارتاح …
هتف آسر بنبره متفهمه: تمام .. تمام انا بس كنت قلقان عليكي وعاوز اطمن مش اكتر ، عموماً انا هسيبك دلوقتي وهبقي اكلمك بعدين لما تكوني هديتي وارتاحتي ….
اغلقت معه الخط واغلقت هاتفها هو الاخر فهي لاتريد ان تري احد او تتحدث مع احد …
وبخطوات متثاقله تحركت صوب حمام غرفتها لكي تأخد حمام دافيء يهديء من اعصابها وتشنج عضلاتها ….
اما عاصي فبمجرد ما انهت مكالمتها مع ذلك الوغد، وهو انطلق كالعاصفه الهوجاء من القصر قاصداً وجهه محدده وهو تلقين ذلك الوغد درساً لن ينساه فهو ليس بغر سادج تخفي عليه نظرات العشق والهيام التي يرمق بها غفرانه..!!!!
……………………………..
في الاسفل، خرج الجد من غرفه مكتبه يبحث عن عاصي بعدما وصلت اليه الاخبار من الشركه عن ما حدث بين عاصي وآسر …
لمح الجد عاصي يسير بخطوات غاضبه نحو الخارج،
فهتف منادياً عليه بصوته الاجش : عاصي !!
تعالي عاوزك …
اجابه عاصي معتذراً دون ان ينظر اليه وهو متابعاً طريقه: معلش يا جدي مش فاضي دلوقتي لما ارجع نبقي نتكلم براحتنا…/
ضرب الجد بعصاه الابنوس علي الارض الرخاميه بقوه هاتفاً في حفيده العاصي اسماً وفعلاً بغضب: اقف عندك هنا وكلمني زي ما بكلمك ولا انت خلاص بقيت طايح ومش لاقي حد يقف قصادك!!!
طحن عاصي دروسه ووقف مكانه مرغماً وتحدث من بين اسنانه المطبقه: اسف يا جدي مش قصدي بس انا مستعجل جداً ولازم امشي دلوقتي ورايا مشوار مهم هخلصه وارجع لحضرتك علي طول…
تفرس الجد في ملامح حفيده التي تربد بغضب اسود وبفطنه رجل عجوز يملك من الحكمه الكثير ، ادرك ان حفيده بصدد ارتكاب جريمه تتعلق بغفران وآسر خاصه بعدما عرف ما حدث اليوم في الشركه …
لذلك لجأ الجد الي استخدام دهاؤه في الهاء حفيده عن ما نوي ، هتف الجد متحدثاً بمكر : مفيش مشاوير اهم من ابنك!!!!
نظر عاصي لجده متحدثاً بقلق: عمر !!! ماله يا جدي
حصل له حاجه، الولد كويس…
تحدث الجد بنبره حزينه مصطنعه: الولد بقاله كام يوم مش عاجبني ، علي طول عياط ومش بياكل كويس وده كله اكيد علشان سعادتك والست الهانم امه مشغولين بشغل الشركه وسايبين الولد للمربيه ، يادوب بتشوفوه انتوا الاتنين نص ساعه في اليوم كله واكيد ده مقصر علي نفسيه الولد ، حتي لو كان لسه صغير بس ده طفل محتاج يحس بحنان ابوه وامه ووجودهم دايماً حواليه …،
شعر عاصي بالذنب تجاه ابنه ، فجده محق ، هو لم يعطي ابنه حقه ولم يتفرغ له كما ينبغي ، مشاكله تزحم راسه وتشغل تفكيره !!!!!
زفر بصوت مسموع متنهداً بهم : عندك حق يا جدي،
انا فعلاً مقصر في حق عمر جداً …
ابتسم الجد لنجاح خطته وهتف بنبره حنونه وهو يتكأ علي ذراع حفيده يقوده الي الداخل قاصدين حجره الصغير: ملحوقه ، كويس انك رجهت انهارده بدري انت وغفران علشان تقضوا اليوم معاه وتعوضوه عن غيابكم عنه الفتره اللي فاتت…
دلفوا معاً الي غرفه الصغير الذي اخذ يرفرف بذراعيه ويصدر اصواتاً رقيقه كزقزقه العصافير عندما رأي والده ،الذي انحني اليه يحمله بين ذراعيه ويمطره بوابل من القبلات علي وجنتيه الحمراء الممتلئه ، وقد ذهب كل غضبه وعصبيته بمجرد رؤيته لابنه….
…………………………………….
كانت نسرين تقود سيارتها في طريق عودتها الي القصر ومعها دريه خالتها بعدما مضت عقد ايجار الشقه التي استأجرتها لمازن !!!
ابتسمت بمكر بعدما نجحت في جعلت دريه هي التي تمضي علي عقد الايجار في خانه المستأجر بدلاً منها عندما تحججت بنسيانها لبطاقتها الشخصيه وبالتالي لم تستطع امضاء العقد ، واقترحت علي خالتها ان تمضيه بدلاً عنها حتي لا تضيع الشقه من بين ايديهم كما انها لا تريد ان يلاحظ عاصي غيابها المتكرر عن الشركه والقصر …!!!
فاضطرت دريه لتوقيع العقد بدلاً منها ، ويذلك تكون نسرين قد آمنت نفسها في حال انكشاف الامر ستكون دريه هي المسؤله امام عاصي ، هذا الي جانب تحويل النقود الي مازن من حسابها الخاص !!!!!
صدح رنين هاتفها برقم اميمه عامله النظافه في الشركه والتي جندتها لاخبارها بكل اخبار عاصي وغفران في الشركه في حال عدم وجودها …/
هتفت تجيبها بنبره مهتمه: ايوه يا اميمه في جديد؟؟
توحشت ملامحها والتمع خضار عينيها بغل وحقد وهي تستمع الي كلام اميمه مما جعلها تصف السياره علي جانب الطريق غير قادره علي متابعه القياده من شده غضبها وعصبيتها !!!
القت الهاتف امامها بعدما انتهت من مكالمتها ، واستدارت تنظر الي خالتها التي تطالعها برييه بسبب تبدل حالها …
هدرت نسرين بغل وهي تشد شعرها من جذوره تكاد تقتلعه في يدها: شوفتي ، شوفتي البيه ابنك عمل ايه …
تسالت دريه بعدم فهم: ماله عاصي عمل ايه؟؟
تابعت نسرين وهي تحترق من الغل والغيره: البيه بقي بلطجي علشان خاطر الست الهانم ، الشركه كلها ملهاش سيره غير عن اللي عمله البيه ابنك مع آسر الراوي انهارده …
اتخانق معاه وضربوا بعض في مكتب الهانم والبيه ابنك خرج من الشركه وهو ساحب الهانم في ايده وصوته مجلجل في الشركه كلها وهو بيقول لاسر الراوي ان الهانم خط احمر بالنسبه له!!!
انا هتجنن هتجنن ، هي ساحره له ، عملاله عمل ولا ايه حكايتها يالظبط … قالتها وهي تضرب يايديها علي مقود القياده بغضب وجنون…
هتفت دريه محاوله تهدئتها: اهدي يا نسرين مش كده ، اكيد في حاجه حصلت من اللي اسمه آسر ده هو اللي خالا عاصي يعمل كده معاه ، ما تنسيش ان الزفته دي بنت عمه وام ابنه وعاصي دمه حامي ومش بيقبل بالغلط علشان كده اتخانق معاه ….
ده غير انك خطيبته وكلها شهر وتتجوزوا وانتي شايفه هو بيعمل علشانك ايه…؟؟
هدرت فيها نسرين بغل: بيعمل ايه علشاني ان شاء الله ، ده مش بيبص في وشي دقيقتين علي بعض ، واحد غيره جرب الجواز كان يبقي هيموت ويقرب مني حتي لو علشان رغبته حتي مش علشاني …
انما ابنك ولا في دماغه ، ده حتي عمره ما مسك ايدي ولا قالي بحبك ..!!!!!
صمتت لثواني تلتقط انفاسها وتشرد بنظراتها للبعيد هاتفه بنبره متوعده: اقسم بالله لو كان بيلعب بيا ولا بيضحك عليا ، لهخاليه بشوف مني اللي عمره ما شافه ولا تخيله ….
شحب وجه دريه من تهديها فهي آدري الناس بجنونها وهي اكيده من انها لديها القدره علي تنفيذ تهديها وآذيه عاصي ان كان يلاعبها دون ان يرف لها جفن ….
ابتلعت ريقها الجاف وهتفت بنبره مهدئه: بيضحك عليكي ازاي بس ، اذا كان هو اللي جيه لوحده وقال عاوز اتجوزك ، وكمان كان قبل ما غفران ترجع …
ده غير الشبكه الكبيره اللي جابهالك والجناح اللي بيتوضب علي ايد اكبر مهندس ديكور في البلد ، ده غير الشيك اللي علي بياض اللي اديهولكً لما قلتي له انك عاوزه تتبرعي بيه للجمعيات الخيريه…
كل ده وتقولي انه بيلعب بيكي ….
صمتت دريه تتطلع في وجهها تري رد فعلها علي حديثها والذي يبدو انه آتي بثماره معها عندما هتفت بنبره اقل حده: طب هو ليه مش عاوز يقرب مني زي اي اتنين مخطوبين..
ضحكت دريه وهتفت بنبره لعوبه: مش جايز يكون محرج منك ولا حاجه، انتي وشطارتك بقي لو عرفتي تغريه وتقربيه منك وتخاليه مش طايق يبعد عنك ، هو انا اللي هعلمك يا نسرين ولا ايه…
ثم ختمت حديثها بضحكه مائعه لا تناسب سنها بادلتها اياها نسرين وعينيها تلمع بتصميم علي تنفيذ ما اشارت له خالتها بحديثها …
انهت دريه حديثها معها تنصحها : بقولك يا نيسو ، نصيحه من انطي ما تجبيش سيره لعاصي علي انك عرفتي اللي حصل انهارده في الشركه علشان ما يحصلش ببنكم مشكله بسببه وليكي عليا اعرف لك منه هو ايه اصل الموضوع بالظبط….
…………………………………
ليلاً في قصر الجارحي…//
دلف عاصي بخطوات مثقله الي جناحه بعد ان امضي غالبيه وقته برفقه صغيره …
خلع عنه قميصه وحذاؤه رارتمي بظهره علي الفراش بشكل عكسي عاري الصدر ينظر للسقف بشرور…..
يفكر في غفران وصغيره ، شعور قوي بالضيق والعجز يتملكه كما يفكر في عدم الاستقرار الذي يعيش فيه هو واسرته الصغيره….
لماذا يجب عليه الا يعيش حياه هادئه مستقره مع زوجه تعشقه ويعشقها برفقه صغيرهم ؟؟؟
لماذا يجب عليه ان يعيش في صراعات ويحارب في اقصي من جبهه الا تكفيه مشاكل العمل وحروبها حتي يجارب حرب اقوي واقذر مما يتخيله بشر ؟؟؟
يكفي …يكفي !!!!
لقد تعب … حقاً تعب و يريد استراحه ، يريد ان يلتقط انفاسه ، يريد ان ينعم يدفء جسدها بين ذراعيه ، اغمض عينيه يستعيد لحظات قبلته اليوم معها ومذاق شفتيها الرقيقه الذي مازال عالقاً في شفتيه ….
اااااه كم كانت شهيه وهي ذائبه بين ذراعيه كقطعه مارشميلو ذائبه في الشوكولاته …
حمد الله انها اوقفته عند حده لانه كان قاب قوسين اوادني من اخذها وحينها لو اجتمع اهل الارض مع اهل السماء لن يستطيعوا ان يحرروها من بين يديه…!!!
ارتسمت ابتسامه حالمه علي وجهه وهو يتذكر كل خلجاتها ويعيد لحظاتهم معاً مراراً وتكراراً مما اشعل جسده من مجرد الذكري…./
شعر بلمسه ناعمه تتحسس صدره باغراء تشنجت عضلات صدره بسببها…
هتف محدثاً نفسه بسخريه: والله عال اخرتها عاصي الجارحي يعيش علي التخيلات … ربنا يسامحك يا غفران علي اللي بتعمليه فيه..!!!
ازدادت جرأت اللمسات علي جسده بطريقه ساخنه ، تجمد مكانه …لا لا هو لم يتخيل ، هذه اللمسات حقيقه ، !!!!
هل خياله اصبح حقيقه وغفرانه شعرت بما يشعر به وآتت اليه بنفسها !!!!
رقص قلبه فرحاً لهذه الخاطره ، ولكنه في الثانيه التاليه انقبض قلبه بقوه عندما وصلت اليه رائحه عطر نفاذه وقويه لطالما اصابته بالاشمئزاز..😕
فتح عينيه سريعاً علي وسعها في اللحظه التي قبض فيها علي تلك الانامل علي صدره !!!!!
جحظت عيناه وارتفعت حواجبه حتي كادت ان تصل الي منابت شعره عندما وجد نسرين بجانبه علي الفراش وتشرف علي جسده من علو والمكر والرغبه تلمعان في مقلتيها ….
انحدرت عيناه لاسفل قليلاً يطالع ما ترتديه والذي اصابه بصدمه شلت تفكيره لثواني !!!!
فقد كانت نسرين ترتدي قميص نوم قصير من قماش الشيفون باللون الكحلي ومعه مآزره من نفس الخامه ولكنه يظهر من جسدهز اكثر مما يخفي !!!!
هتف عاصي مصدوماً من هيئتها: نسرين !!!
ايه اللي جابك هنا في وقت زي ده وبالبس ده؟؟؟
هتف نسرين باغواء وهو تقرب وجهها من وجهه متعمده احتكاك جسدها بجسده بطريقه حسيه : وحشتني…وحشتني اوي يا عاصي …!!
ادرك عاصي نوياها جيداً ، لذلك يجب عليه ان يتصرف بحنكه دون ان يتسبب في فضيحه له او اكتشاف خطته فنسرين داهيه وما تفعله الان ليس له غير تفسير واحد وهو التأكد من رغبته بها كأنثي يرغبها ويريد الزواج منها ..!!!!
ابتسم عاصي بجاذبيه مهلكه ورفع يده علي جانب وجهها المشرف عليه وتحسسه بانامله بحنو وهو يهمس كاذباً بنبره اجشه مثيره: وانتي كمان وحشتيني اوي يا نيسو!!!
تهللت اسارير نسرين بسعاده حقيقه : بجد وحشتك يا عاصي ؟؟
اجابها وهو علي نفس وضعه مثبتاً نظراته علي عينيها: طبعاً يا نيسو وانتي عندك شك في كده…
تابع حديثه وهو يحرك انامله علي وجنتيها وخلف اذنها بطريقه حميمية خدرتها: انا عارف اني مقصر معاكي ومش بهتم بيكي الفتره دي ، بس حقك عليا انتي عارفه اننا عندنا شغل كتير اليومين دول اوي .
وانا عاوز اخلصه قبل فرحنا علشان اخد اجازه شهر عسل براحتي من غير ما حد يزعجنا …
تبع حديثه بغمزه ماكره متلاعبه ، ابتسمت هي بسببها بخجل مصطنع …
علشان كده انا بطلب منك انك تستحمليني شويه الفتره دي ، وعموماً خلاص هانت اللي فاضل مش كتير وهخلص من كل الحاجات اللي شغلاني وساعتها مش هيكون ورايا غيرك انتي ، ما تستعجليش علي رزقك …!!!!
قالها بنبره ذات معدذي لم تدركه نسرين ، فهي لو تدرك ما يضمره لها في نفسه لماتت رعباً !!!
اقتربت منه نسرين بانفاث مثقله تود تقبيله هتفت بجرأه حد الوقاحه جعلت عاصي يتحكم في نفسه بصعوبه من قتلها ودفنها مكانها بعد ان يتقيء في وجهها : بحبك .. بحبك يا عاصي ومش قادره استحمل بعدك عني اكتر من كده ، انا محتاجه لك دلوقتي اووووي ، عايزاااك…!!!
ثم هبطت بشفتيها تنوي تقبيله علي شفتيه الا ان عاصي حرك رأسه للجانب بسرعه فحطت شفتيها علي عنقه طابعه قبله مطوله عليها تاركه اثر احمر شفتيها عليه!!!!!
دفعها عاصي بحزم وبعض القوه وهب واقفاً علي قدميه هاتفاً بنبره حاده:نسرين ، اللي انت يتعمليه ده ما ينفعش .!!!
كانت تجلس امامه علي السرير مائله للخلف ترتكز علي زراعيها واضعه قدماً علي الاخري بطريقه مثيره مما تتيح له رؤيه جسدها بشكل يغوي الناسك!!!
تحدث عاصي مغيراً دفه الحوار : وبعدين انتي ازاي يا هانم تخرجي من اوضتك بالشكل ده ، افرضي حد من الشغالين شافك يقول علينا ايه ؟؟؟
هتفت بلامبالاه وهي نفس وضعها : هيقولوا ايه يعني ولا يقدروا يفتحوا بؤهم بحاجه…
اغتاظ عاصي من بجاحتها وهتف فيها بحنق: لا طبعاً هيتكلموا خصوصاً واحنا مش كاتبين الكتاب ….
ثم تابع مضيفاً بلؤم: وانا محبش حد يشوفك بالمنظر ده ولا يتكلم عليكي كلمه مش كويسه.. انا رجل حر وبغير علي اللي يخصني !!!
قفزت نسرين مسرعه تقف امامه تتعلق بعنقه: بجد يا بيبي يعني انت بتغير عليا….
ابتسم عاصي بسماجه وهو يجيبها كاذباً : طبعا ً يا حبيبي اومال ودي عاوزه كلام ..!!
ثم تابع بنبره جاده حتي ينهي حديثه: اتفضلي دلوقتي بقي علي اوضتك علشان انا تعبان وعاوز انام ../
نسرين وهي تعض علي شفتيها بحركه مثيره اججت شعوره بالنفور منها : طب ما انا ممكن اريحك !!!
كز عاصي علي اسنانه بغيظ من وقاحتها وارتدي قناع العبث يخفي خلفه قرفه ونفوره منها: ده شيء انا متاكد منه ، بس زي ما قلت لك ما تستعجليش علي رزقك …
ثم مرر نظراته علي جسدها بنفور فسرته هي علي انه اثاره ورغبه فيها هاتفاً بنبره ذات لعوبه: وبعدبن بصراحهً الموضوع ده لازم اكون مستعد له علشان اقدر اسد معاك يا وحش !!!
تهللت اساريرها فرحاً وقد صور لها غباؤها انها ثؤثر به ويرغبها كرجل …
هتفت بنبره سعيده وهي تطبع قبله يجانب شفتيه: امرك يا حبيبي …
ثم ابتعدت عنه تسير ببطء مثير حتي تتيح له الفرصه للتمتع بالنظر الي جسدها الفاتن وقبل ان تخرج من عرفته استدارت بجسدها ترسل له قبله في الهواء وتختفي بعدها من امام نظراته مغلقه الباب خلفها متوجهه نحو غرفتها وهي تكاد تطير من شده الفرحه ….
في نفس الوقت كانت غفران تحمل صغيرها علي زراعيها تهدهده وتحاول جعله ينام بعدما فشلت هي والمربيه في اسكاته …
هتفت غفران بيأس منه: مالك بس يا موري يا حبيبي في ايه انهارده مش عاوز تنام ليه ؟؟؟
هتفت المربيه تتحدث بقله حيله: مش عارفه والله يا هانم ماله في ايه ، ده لا سخن ولا تعبان وواكل وكل حاجه …
صمتت لثواني ثم هتفت مسرعه: يمكن يكون عاوز الباشا باباه ، اصله كان قاعد معاه طول اليوم انهارده ، واما حضرتك بعتيلي علشان انيمه قعد يعيط ومكانش راضي يسيب الباشا….
نظرت لها غفران بشك : تفتكري ؟؟؟
اجابتها المربيه مؤكده: اكيد هو ده السبب، عنك انتي يا هانم انا هوديه للباشا…
هزت غفران راسها نافيه: لا سبيه انتي انا هواديه علي بال ما توضبي انتي الاوضه وتشيلي اللعب بتاعته…
هكذا اقنعت غفران نفسها انها سوف تذهب اليه من اجل طفلها ، ليس من اجل اي سبب اخر ، فهي لم تشتاق اليه ولم تريد ان تطمئن علي جرح راسه الذي تسبب فيه شجاره مع آسر !!!!
بصق عاصي علي الارض وتبدلت معالم وجهه الفور الي النفور والاشمئزاز بعد رحيلها واخذ ينعتها بابشع االالفاظ !!!!
كيف كان اعمي عن حقيقتها وقذارتها الي هذا الحد …
كز علي اسنانه بغيظ عندما استمع الي صوت طرق علي باب غرفته ، يبدو انها لن تمرر هذا الليله علي خير …
فتح الباب سريعاً بملامح وجه متجهمه ، وقف سادداً مدخل الباب بجسده العريض …
انفرجت ملامحه وشقت ابتسامه سعيده شفتيه عند وجدها تقف امامه تحمل صغيرهم مطرقه الرأس والخجل والحمره تكسو ملامحها المحببه الي قلبه…
هتف بنبره عاشقه وهو يقبل كل انش فيها بعينيه: غفراااان !!!!
ابتلعت غفران حلقها الذي جف فجاه ورفعت نظراتها اليه وهي تحدثه ، ولكنها شعررت بالحراره تغزوها وهي تراه امامها بتلك الهيئه الجذابه المهلكه …
هتفت بنبره متلعثمه: اصل انا كنت جايه ، اصل عمر كان عاوز ….
ولكنها سرعان ما شعرت بخنجر حاد مسموم بغرس داخل قلبها يشطره الي نصفين عندما زكمت انفها رائحه عطر نفاذه تعرفه وتعرف صاحبته تفوح منه ، نقلت نظراتها علي ملامحه حتي وقفت امام شفتيه وعنقه المزين باحمر شفاه !!!!
، شفاه انثي اخري غيرها اصبح لها الحق فيه بدلاً منها ويبدو انه سعيد وراضي بهذا الحق …
كاذب ومخادع ، يمثل عليها الحب والغيره وهو غارق حتي اذنيه في احضان امرأه اخري…!!!!
استغرب عاصي صمتها ونظراتها التي تطالعه بها وهتف يسالها مستفهماً: مالك يا غفران ، سكتي ليه كملي ، ماله عمر …
قاومت غفران دموعها بقوه وابتلعت غصه مسننه تسد حلقها وهتفت تجيبه وهي تتحاشي النظر اليه : مفيش حاجه ، اسفه اني ازعجتك واضح ان انا جيت في وقت غير مناسب ..:
ثم تحركت مسرعه من امامه تركض نحو غرفتها وصوت بكاء طفلها الذي كان يريد والده تغطي علي صوت شهقاتها ….!!!!
اما عاصي وقف ينظر في اثرها بعدم فهم ثم دلف الي داخل غرفته واغلق الباب خلفه وهو يضرب كف بكف: لا حول ولا قوه الا بالله مالها دي ازعاج ايه وقت مش مناسب ايه .،،،
احسن حاجه ادخل اخد شاور سخن علشان عاوز انام…
دلف عاصي الي الحمام الملحق بغرفته ووقف امام مرآه الحمام يتطلع الي ذقنه الطويله الكثيفه ../
وفجأه تجمدت انامله علي ذقنه عندما فهم اخيراً مغذي كلماتها وتبدل حالتها ، عندما راي اثار شفاه تلك الحقيره علي جسده ….
زأر بغضب وهو يلقي ماكينه الحلاقه الكهربائيه من يده ضارباً بها المرأه منفساً فيها عن غضبه وقهره والتي تفتت الي مئات القطع تماماً مثل قلبه الذي تفتت من الهم والحزن علي محبوبته ..!!!!
توحشت ملامحه واربد وجهه بغضب اسود وهو يهتف بنبره متوعده: والله لهدفعكم الثمن كلكم غالي اوي ……..
………………………….
بعد اسبوع ….
وتحديداً يوم الجمعه عصراً في ميناء الاسكندريه البحري ….
وقف مازن امام البحر يستنشق هواءه العليل الذي افتقده في سفرته ، معبأ صدره برائحته المنعشه…
تنهد بارتياح بعدما استطاع اخيراً الرجوع الي البلاد متخفياً في احدي سفن الشحن كالجرذان بأسم مزور..
هتف بابتسامه ساخره متوعده : وقت الحساب قرب يا ابن الجارحي !!!!
ثم خرج من الميناء واستقل احدي السيارات الاخره التي تقله الي عنوان شقته الجديده ، غافلاً عن رجال عاصي وجسار المنتشرين حوله في كل مكان يتتبعونه كظله.!!!!!
……………………………
في نفس الوقت في قصر الجارحي ….
كان الجميع مجتمعين في حديقه القصر كطقس عائلي حرص الجد عليه منذ زمن ، فهو يوم العطله التي تتجمع فيه افراد عائلته ….
الجد الذي يتابع بنظراته حال احفاده الغير مستقر والذي يؤكد له حدثه ان هناك شيء يخفونه عنه ، حتي انه حاول ان يتحدث مع كلاً منهم بمفرده ليفعم مت يحدث معهم والاثنين لا يتحدثون بشيء ….
ودريه المنشغله بحديث جانبي مع نسرين التي كانت قبل قليل ملتصقه بعاصي كالعلكه كحالها طوال الاسبوع المنصرم ….
وعاصي الذي يقف بعيداً في احد الاركان مع جسار يستمع الي اخر التطورات الخاصه بوصول مازن ، دون ان يحيد يعينيه عن غفران التي تلاعب صغيرهم وتطعمه ، مبتعده عن الجميع وكانهم لايعنونها في شيء…!!!
غفران التي تتجنبه منذ اسبوع وان حدث وصادف ان تحدث معها تعامله بجفاء غير مسبوق …
حاول كثيراً التحدث اليها وشرح الامر لها ولكنها كانت تصده بحزم دون ان تعطي له الفرصه..!!!
هتف جسار بنبره منخفضه وهو يفتح شاشه هاتفه المحمول علي احدي التطبيقات المتصله بكاميرات المراقبه في شقه مازن…
وصل معاليك الشقه اهو….!!!
توحشت نظرات عاصي بكره وغلت الدماء في عروقه عندمل شاهده اخيراً امامه وبين قبضتيه….
دلف مازن الي الشقه واخذ يدور فيها ويتفحص كل ركن فيها ، ثم جلس علي احدي المقاعد في الصاله بعدما جلب احدي زجاجات الخمر الموضوعه علي احدي الطاولات الجانبيه يرتشف منها بنهم …
اخرج هاتفه واتصل بنسرين ، التي ما ان رأت اسمه بنير شاشاه هاتفها حتي شحب وجهها وارتعد جسدهل خوفاً ورعباً من ان يكتشف امرها …
ولكنها تحكمت في اعصابها وبثبات انفعالي تحسد عليه استاذنت منهم ووقفت في احد اركان الحديقه تجيب اتصاله …..
هتفت نسرين بنبره خافته حانقه: الو …
انت ايه الي خالاك تتصل بيا وانت عارف ان انهارده اجازه وكلهم موجودين حواليا…
جاءها صوته الساخر: بقي دي حمد الله علي السلامه اللي بتقوليها لي …
علي العموم انا كنت بتصل علشان اقولك ان زوقك مش بطال والشقه كويسه ماشي حالها …
اغتاظت نسرين من نبرته الساخره وهتفت بغيظ تسخر منه : اومال لو كنت دافع فيها كنت عملت ايه ، علي كل حال الشقه مناسبه ليك ولوضعك دلوقتي …!!!!
هدر فيها مازن بغل: بت انتي اتعدلي واظبطي بدل ما اظبطك ….
وبعدين انا مش عاوز رغي كتير ، قدامك ساعه بالكتير وتكوني هنا والا لو ما نفذتيش ماتلوميش الا نفسك … سلام !!!!
قالها واغلق الخط دون انتظار ردها …
وقفت نسرين تنظر للهاتف بغل وهي تتمتم بغيظ : الله يخربيتك ويخرب بيت اليوم اللي شوفتك فيه يا مازن الكلب …/
وقفت تقضم اظافرها : هاتصرف ازاي انا دلوقتي ، واقول لهم رايحه فين …؟؟؟؟
ثم تحركت عائده الي حيث يجلسون وذهنها مشغول تفكر في الحجه التي تستطيع بها الخروج دون ان تثير شكوكهم ….
غافله عن انظار عاصي التي تتابعها بحنق وقد استمع وشاهد كل ما حدث بينهم بالصوت والصوره.!!!!!
نظر عاصي الي جسار الذي طالعه بنظرات اسفه علي حاله ، تحدث عاصي اليه بجمود ينافي ثوران بركانه الداخلي : جسار انت عارف هتعمل ايه كويس ، عاوز يكون عندي علم بالنفس اللي هيتنفسوه …
اومأ جسار يجيبه مؤكداً : اطمن يا باشا ، كله هيتم زي ما سعادتك عاوز بالظبط ….
………………………..
عاد عاصي يجلس معهم بملامح متجهمه يخفيها تحت نظارته الشمسيه خاصه بعدما انضم اليهم آدم والذي عاد من القاهره بعد سفره قصيره ينهي بها بعض اعماله ….
تحدث آدم بمرحه المعتاد وهو يأكل بعض قطع الفاكهه: هو احنا مش هنتغدي انهارده ولا ايه ، انا بقيت عامل زي القرد من كتر اكل الموز …
تحدث الجد بحنانه المعتاد : احسن اكل بجهز علشان خاطرك يا آدم يا ابني ، زمان نعمات بتحضر السفره …
هتف آدم بحبور: تسلم يا جدي ربنا يخاليك لينا ..
ثم تابع مضيفاً : وبالمناسبه دي انا عاوز اخد رايك في حاجه كده …
هتف الجد وهو يوليه كل اهتمامه: اتفضل يا سيدي انا تحت امرك ../
تحدث آدم ببعض الخجل : بصراحه كده انا نويت والنيه لله اني اتجوز …
تحفز عاصي في جلسته في انتظار سماع باقي حديثه ، بينما هتف الجد بسعاده : الف مبروك يا ابني مين سعيده الحظ دي …
حك آدم مؤخره راسه هاتفاً بسعاده: بنت بتشتغل مهندسه في الشركه اللي بتعامل معاها في القاهره .
اهلها ناس كويسين وهي اخلاقها عاليه ، سألت عليهم ولقيتهم ناس محترمين وكمان فاتحتها في الموضوع وهي موافقه ، فاضل بس اننا نروح نتقدم رسمي …
ارتخت ملامح عاصي وبارك له بسعاده وكذلك الجد الذي ضمه بحنان مرتباً علي كتفه : ربنا يتم لك علي خير يا آدم يا ابني وما تشيلش هم حاجه ابداً انا في ضهرك ومعاك انت بس حدد المعاد المناسب ليهم واحنا نروح لهم علي طول …
شكره آدم بامتنان وهو يقبل يده وكتفه: ربنا يخاليك لينا يا جدي خيرك سابق ….
ثم انتفض فجاه عندما قفزت عليه غفران تطوق عنه وتحضنه هاتفه بسعاده : مبررووووك يا دومه يا حبيبي ربنا يسعدك ….
هتف آدم بتوتر وهو يخرجها من احضانه خوفاً من بطش عاصي الذي يقسم انه يختار الآن في عقله ابشع طريقه لقتله والتمثيل بجثته..!!!!
قطع افكاره صوت آسر الذي صدح فجأه من خلفهم ملقياً التحيه عليهم بهدوء : مساء الخير عليكم ..
هب عاصي من جلسته مزمجراً وهو يقف مستعرضاً صدره الضخم في وجهه: انت ازاي تتجرأ وتيجي هنا. انت ايه محرمتش من اخر مره …!!!
هدر صوت الجد معنفاً حفيده: عاصي !!!
عيب اللي انت بتعمله ده ، آسر ضيفنا وفي بيتنا ما ينفعش تتعامل معاه بالطريقه دي….
جدي !!! هدر بها عاصي بغضب جحيمي مستنكراً رد جده عليه !!!
ثم وجه الجد نظراته الي آسر موجهاً الحديث اليه: اهلاً بيك يا آسر يا ابني شرفتنا.. اتفضل اقعد….
رمق آسر عاصي بنظرات متحديه جالساً معهم بلامبالاه..
بينما عاصي جلس وهو يتفتت من الغضب يقسم انه سيقتله لا محاله…!!!
هتف آسر موجهاً حديثه للجد : الشرف ليا يا حج منصور طول عمرك صاحب واجب …
الله يحفظك يا ابني ده من زوقك …خير يا آسر ..
يا تري ايه سبب الزياره الغاليه دي.. هتف بها الجد متسائلاً عن سبب زيارته؟؟
صمت آسر يتفرس في ملامحهم قبل ان يتفوه بما جعل عاصي ينقض عليه : انا جاي انهارده يا حج علشان اطلب منك ايد غفران علي سنه الله ورسوله…
انتفض عاصي من جلسته ينقض عليه وهو يجزبه من تلابيبه هادراً فيه بنبره خطره: بتقول ايه يا روح امك تتجوز مين !!!!
وقبل ان تصل قبضه عاصي الي وجه آسر تلكمه بعنف وتشوه ملامحه ، جاء صوتها من خلفه بنبره متحديه جمدت الدماء في عروقه : وانا موافقه اتجوز آسر يا جدي …!!!!!
………………………….
رواية غفران العاصي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم لولا
الجنه……!!!!
شعر وكانه في الجنه وهو يستمتع بمذاق شفتيها الرقيقه وهو يسحقها سحقاً بين شفتيه الجائعه !!!
لم يصدق نفسه انه اخيراً بعد عذاب استطاع ان يقتنص شفتيها مرتشفاً منها اكسير الحياه الذي اعاد له روحه ونبض قلبه بعد شهور طويله كان فيها جسد بلاروح وكأنه روحه وسبب بقاؤه حياً متوقفاً علي قبلتها ، الآن فقط اكتشف انه كان ميتاً وردت اليه روحه بعدما قبلها ….
اجفلت غفران من هجومه الشرس علي شفتيها ، ولم تشعر بشيء بعدها ، خدرتها قبلته وانفاسه الساخنه الملتهبه بعاطفته ويده القويه التي تعتصر خصرها النحيل والاخري التي خلف راسها تثبت وجهها تقربه منه ، وانامله الخشنه التي تداعب منابت شعرها من الخلف اججت بداخلها براكين شوقها الخامده اليه ….
لثواني تناست الزمان والمكان وما حدث معها طوال الشهور الماضيه ، ولم تعد تتذكر شيءً سوا شفتيه واحضانه التي تنعم بهما في تلك اللحظه وكأنها تعبش احدي احلامها التي كانت ملازمه لها منذ انفصالهم مما دفعها لحظات للاستسلام ومبادلته قبلته علي استحياء كعادتها معه دائماً …
شعوره بها وهي تبادله قبلته علي استحياء فجر براكين الرغبه والاثاره داخله ورغبته في اخذها الي جنه عشقهم الآن جعلته يعمق من قبلته اكثر واكثر واخذت يديه تتحسس جسدها البض الذي هو ملكه من الاساس بطريقه حثيه جريئه افقدته صوابه!!!
وهنا رن جرس الانذار داخل عقلها وجعلها تفيق من تلك الغيمه الورديه التي غرقت فيها لثواني وادركت انها لم تكن تحلم كما كانت تعتقد بل انها حقيقه واضحه وضوح الشمس…،!!!!
شحذت قوتها الهاربه منها ودفعته في صدره بما استطاعت من قوه ولكنه لم يتحرك في باديء الامر فقد كان مهيمناً ومسيطراً بجسده القوي علي جسدها الرقيق مطبقاً عليه بقوه ….
ولكنها دفعته مره اخري بقوه اكبر جعلته يزمجر بغضب شديد وهو يحرر شفتيها من شفتيه وهو مازال معتقلاً خصرها بساعده القوي ووجوههم تكاد تكون ملتصقه …./،
تطلع اليها بنظرات بالرغم من الانزعاج الواضح بها ، الا ان الرغبه بداخلها كان اشد واقوي…
وبانفاسها المقطوعه ونظراتها الزائغه رفعت كفها المرتعش وحطته علي وجنته في صفعه رغم ضعفها الا انها كانت قويه التأثير بهم ….!!
حل الصمت بينهم لثواني وهم يتبادلون فيها النظرات بتحدي مخلوط بعدم التصديق والصدمه من جانبه والعجز والندم من جانبها .. ورغم ذلك لم يحررها من داخل احضانه …
حتي استطاعت هي السيطره علي ارتجاف جسدها وقطعت ذلك الصمت وحرب النظرات بينهم ودفعته في صدره مره اخري ارتدت علي اثرها خطوتين للخلف بالكاد مكنوها من الخروج من دائره حصاره لها واطلقت ساقيها للريح تهرول بخطوات مرتجفه صوب الباب تفتحه وتخرج مسرعه هاربه منه ومن نفسها الي غرفتها ….
فتحت باب غرفتها واغلقته خلفها بالمفتاح وارتمت علي فراشها تبكي بحرقه وتلعن قلبها المدله بحبه وجسدها اللعين المشتاق اليه وللمساته واللذان خانوها وكادوا يستسلموا اليه …..
نظرت الي كف يدها الذي صفعته به وانهمرت دموعها بغذاره علي وجنتيها وهي تطبق كف يدها بألم فهي لم تصدق انها فعلتها وصفعته …
فمهما حدث بينهم سيظل هو قوي شامخ كالجبل امامها وهناك مليون طريقه لتنهره بها وتلومه الا ان تهينه وتصفعه…
انتحبت بشده وهي تناجي ربها ان يعينها علي ماهي فيه ويلهمها الصواب وان ينزع حبه من قلبها …
وقف عاصي ينظر في اثرها ضامماً فبضتيه بجانبه يضغط عليهم بقوه…
زفر بيأس وعجز وهو يجذب خصلات شعره بجنون،
مسح علي وجهه بكفيه اكثر من مره مستغفراً …
غبي .. غبي !!! هكذا نعت نفسه وهو يدور حول نفسه في غرفته كالليث الحبيس…
لقد تسرع ولم يستطع السيطره علي نفسه امامها ، كان يجب عليه ان يفهمها حقيقه وضعهم اولاً قبل ان يقترب منها …
هي محقه في صفعه فهو يستاهلها ويستاهل اكثر من ذلك ،كيف ستفسر الامر الآن وكيف ستراه ؟؟
ستراه انسان حقير شهواني يقترب منها ويقبلها وهي طليقته وهو في نفس الوقت مقترن بواحده غيرها..!!
ركل الطاوله الصغيره التي امامه بقدمه منفساً فيها عن غضبه ….
بداخله شعوران متناقضان ، شعوره بالسعاده لتاكده من انها لازالت تعشقه كما يعشقها والدليل علي ذلك ذوابنها بين ذراعيه قبل قليل بل ولم يشعر للحظه بنفورها منه بل علي العكس شعر بلهفتها ورغبتها فيه مثله واكثر …
والشعور الثاني هو غيظه من تسرعه وعدم سيطرته علي مشاعره نحوها والذي ادي الي تلك الكارثه فهو علي يقين انها تراه انسان وضيع ومستغل مما سيصعب الامور بينهم ويعقدها اكثر واكثر ..
لذلك اتخذ قراره ، وقرر ان يتحدث معها ويشرح لها كل شيء وعن خطته لايقاع مازن ونسرين …
سيحكي لها عن كل شيء والآن فهو لن يستطيع ان ينتظر حتي تهدأ ، سيحدثها الآن حتي لا يتركها فريسه لافكارها …
وفي ثواني كان يقف امام بابها يطرق عليه ، طرق مره واثنان ولم يصله منها سوي صوت نهنهتها الخافته ..
لعن نفسه ولعن غباؤه الذي اوصلها لتلك الحاله، تحدث بنبره خافته حنونه : غافي ممكن تفتحي الباب محتاج اتكلم معاكي شويه ….
صمت يستمع اليها ثم جاء صوتها الحزين يجيبه: من فضلك امشي من هنا مش عاوزه اسمعك ….
هتف عاصي بالحاح : علشان خاطري يا غافي في حاجات كتير انتي ما تعرفيهاش ، علشان خاطري افتحي الباب لازم نتكلم ،لازم تفهمي كل حاجه ووعد مني بعد ما تسمعي اللي عاوز اقوله مش هضايق تاني …
صرخت به غفران : مش عاوزه اتكلم ، حرام عليك ابعد عني انت لعنه انا اتلعنت بيها ومش عارفه اشفي منها ، ابعد بقي وارحمني وسبني في حالي ….
آلمه قلبه عليها وود لو باستطاعته ان يحطم الباب ويدخل اليها يضمها داخل احضانه ويهدئها ويمتص الامها ويحتوي ضعفها ويخبرها ان اللعنه قد اصابته هو بعشقها الذي يجري مجري الدم داخل اوردته وانه هالك في عشقها لا محاله …
هالك بقربه منها وهالك في بعده عنها …./
تنهد بصوت مسموع وهتف ببنره خافته حزينه وهو يسند جبهته علي باب غرفتها : خلاص يا غافي ، اهدي وانا هعمل لك كل اللي انت عاوزاه بس بلاش تعملي في نفسك وفيا كده علشزن خاطري…
صمت وصمتت هي الاخري وكل منهم يناجي الاخر بقلبه من خلف الابواب المغلقه …..
مر عليهم بعض الوقت وهم علي نفس حالتهم ، وما ان هم عاصي ان يبتعد بعدما فقد الامل في ان تستمع له ، حتي استوقفه رنين هاتفها المتواصل ولكنه تجاهل الامر وقرر تركها حتي تهدأ …
ولكن الاسم الذي نطقت به اخترق طبله اذنه وجمده مكانه مما جعله يلصق اذنه بالباب يستمع الي محادثتها وهو يتفتت من الغضب …!!!!!
مسحت غفران دموعها وتناولت هاتفها الذي لم ينقطع رنينه ، زفرت بنفاذ صبر عندما تعرفت علي هويه المتصل …
فتحت الخط وتحدثت بنبره متحشرجه من اثر البكاء: الو … ايوه يا آسر ….
جاءها صوته القلق الملهوف : ايوه يا غفران ، طمنيني عليكي عامله ايه، الحيوان ده آذاكي ، عملك حاجه من فضلك ردي عليا وطمنيني انا هموت من القلق عليكي …
تحدثت غفران بتعب فهي تعاني من صداع شديد بسبب انفعالاتها وبكاؤها: اطمن يا آسر انا كويسه ، مفيش حاجه حصلت …
تابع يسألها بنفس القلق: بجد يا غفران ، يعني انتي مش بتضحكي عليا …
تنهدت غفران بنفاذ صبر وهي تجيبه ببعض الحده فيكيفيها ضغط علي اعصابها: كويسه يا آسر ، قلت لك كويسه ، انا بس مجهده ومحتاجه ارتاح …
هتف آسر بنبره متفهمه: تمام .. تمام انا بس كنت قلقان عليكي وعاوز اطمن مش اكتر ، عموماً انا هسيبك دلوقتي وهبقي اكلمك بعدين لما تكوني هديتي وارتاحتي ….
اغلقت معه الخط واغلقت هاتفها هو الاخر فهي لاتريد ان تري احد او تتحدث مع احد …
وبخطوات متثاقله تحركت صوب حمام غرفتها لكي تأخد حمام دافيء يهديء من اعصابها وتشنج عضلاتها ….
اما عاصي فبمجرد ما انهت مكالمتها مع ذلك الوغد، وهو انطلق كالعاصفه الهوجاء من القصر قاصداً وجهه محدده وهو تلقين ذلك الوغد درساً لن ينساه فهو ليس بغر سادج تخفي عليه نظرات العشق والهيام التي يرمق بها غفرانه..!!!!
……………………………..
في الاسفل، خرج الجد من غرفه مكتبه يبحث عن عاصي بعدما وصلت اليه الاخبار من الشركه عن ما حدث بين عاصي وآسر …
لمح الجد عاصي يسير بخطوات غاضبه نحو الخارج،
فهتف منادياً عليه بصوته الاجش : عاصي !!
تعالي عاوزك …
اجابه عاصي معتذراً دون ان ينظر اليه وهو متابعاً طريقه: معلش يا جدي مش فاضي دلوقتي لما ارجع نبقي نتكلم براحتنا…/
ضرب الجد بعصاه الابنوس علي الارض الرخاميه بقوه هاتفاً في حفيده العاصي اسماً وفعلاً بغضب: اقف عندك هنا وكلمني زي ما بكلمك ولا انت خلاص بقيت طايح ومش لاقي حد يقف قصادك!!!
طحن عاصي دروسه ووقف مكانه مرغماً وتحدث من بين اسنانه المطبقه: اسف يا جدي مش قصدي بس انا مستعجل جداً ولازم امشي دلوقتي ورايا مشوار مهم هخلصه وارجع لحضرتك علي طول…
تفرس الجد في ملامح حفيده التي تربد بغضب اسود وبفطنه رجل عجوز يملك من الحكمه الكثير ، ادرك ان حفيده بصدد ارتكاب جريمه تتعلق بغفران وآسر خاصه بعدما عرف ما حدث اليوم في الشركه …
لذلك لجأ الجد الي استخدام دهاؤه في الهاء حفيده عن ما نوي ، هتف الجد متحدثاً بمكر : مفيش مشاوير اهم من ابنك!!!!
نظر عاصي لجده متحدثاً بقلق: عمر !!! ماله يا جدي
حصل له حاجه، الولد كويس…
تحدث الجد بنبره حزينه مصطنعه: الولد بقاله كام يوم مش عاجبني ، علي طول عياط ومش بياكل كويس وده كله اكيد علشان سعادتك والست الهانم امه مشغولين بشغل الشركه وسايبين الولد للمربيه ، يادوب بتشوفوه انتوا الاتنين نص ساعه في اليوم كله واكيد ده مقصر علي نفسيه الولد ، حتي لو كان لسه صغير بس ده طفل محتاج يحس بحنان ابوه وامه ووجودهم دايماً حواليه …،
شعر عاصي بالذنب تجاه ابنه ، فجده محق ، هو لم يعطي ابنه حقه ولم يتفرغ له كما ينبغي ، مشاكله تزحم راسه وتشغل تفكيره !!!!!
زفر بصوت مسموع متنهداً بهم : عندك حق يا جدي،
انا فعلاً مقصر في حق عمر جداً …
ابتسم الجد لنجاح خطته وهتف بنبره حنونه وهو يتكأ علي ذراع حفيده يقوده الي الداخل قاصدين حجره الصغير: ملحوقه ، كويس انك رجهت انهارده بدري انت وغفران علشان تقضوا اليوم معاه وتعوضوه عن غيابكم عنه الفتره اللي فاتت…
دلفوا معاً الي غرفه الصغير الذي اخذ يرفرف بذراعيه ويصدر اصواتاً رقيقه كزقزقه العصافير عندما رأي والده ،الذي انحني اليه يحمله بين ذراعيه ويمطره بوابل من القبلات علي وجنتيه الحمراء الممتلئه ، وقد ذهب كل غضبه وعصبيته بمجرد رؤيته لابنه….
…………………………………….
كانت نسرين تقود سيارتها في طريق عودتها الي القصر ومعها دريه خالتها بعدما مضت عقد ايجار الشقه التي استأجرتها لمازن !!!
ابتسمت بمكر بعدما نجحت في جعلت دريه هي التي تمضي علي عقد الايجار في خانه المستأجر بدلاً منها عندما تحججت بنسيانها لبطاقتها الشخصيه وبالتالي لم تستطع امضاء العقد ، واقترحت علي خالتها ان تمضيه بدلاً عنها حتي لا تضيع الشقه من بين ايديهم كما انها لا تريد ان يلاحظ عاصي غيابها المتكرر عن الشركه والقصر …!!!
فاضطرت دريه لتوقيع العقد بدلاً منها ، ويذلك تكون نسرين قد آمنت نفسها في حال انكشاف الامر ستكون دريه هي المسؤله امام عاصي ، هذا الي جانب تحويل النقود الي مازن من حسابها الخاص !!!!!
صدح رنين هاتفها برقم اميمه عامله النظافه في الشركه والتي جندتها لاخبارها بكل اخبار عاصي وغفران في الشركه في حال عدم وجودها …/
هتفت تجيبها بنبره مهتمه: ايوه يا اميمه في جديد؟؟
توحشت ملامحها والتمع خضار عينيها بغل وحقد وهي تستمع الي كلام اميمه مما جعلها تصف السياره علي جانب الطريق غير قادره علي متابعه القياده من شده غضبها وعصبيتها !!!
القت الهاتف امامها بعدما انتهت من مكالمتها ، واستدارت تنظر الي خالتها التي تطالعها برييه بسبب تبدل حالها …
هدرت نسرين بغل وهي تشد شعرها من جذوره تكاد تقتلعه في يدها: شوفتي ، شوفتي البيه ابنك عمل ايه …
تسالت دريه بعدم فهم: ماله عاصي عمل ايه؟؟
تابعت نسرين وهي تحترق من الغل والغيره: البيه بقي بلطجي علشان خاطر الست الهانم ، الشركه كلها ملهاش سيره غير عن اللي عمله البيه ابنك مع آسر الراوي انهارده …
اتخانق معاه وضربوا بعض في مكتب الهانم والبيه ابنك خرج من الشركه وهو ساحب الهانم في ايده وصوته مجلجل في الشركه كلها وهو بيقول لاسر الراوي ان الهانم خط احمر بالنسبه له!!!
انا هتجنن هتجنن ، هي ساحره له ، عملاله عمل ولا ايه حكايتها يالظبط … قالتها وهي تضرب يايديها علي مقود القياده بغضب وجنون…
هتفت دريه محاوله تهدئتها: اهدي يا نسرين مش كده ، اكيد في حاجه حصلت من اللي اسمه آسر ده هو اللي خالا عاصي يعمل كده معاه ، ما تنسيش ان الزفته دي بنت عمه وام ابنه وعاصي دمه حامي ومش بيقبل بالغلط علشان كده اتخانق معاه ….
ده غير انك خطيبته وكلها شهر وتتجوزوا وانتي شايفه هو بيعمل علشانك ايه…؟؟
هدرت فيها نسرين بغل: بيعمل ايه علشاني ان شاء الله ، ده مش بيبص في وشي دقيقتين علي بعض ، واحد غيره جرب الجواز كان يبقي هيموت ويقرب مني حتي لو علشان رغبته حتي مش علشاني …
انما ابنك ولا في دماغه ، ده حتي عمره ما مسك ايدي ولا قالي بحبك ..!!!!!
صمتت لثواني تلتقط انفاسها وتشرد بنظراتها للبعيد هاتفه بنبره متوعده: اقسم بالله لو كان بيلعب بيا ولا بيضحك عليا ، لهخاليه بشوف مني اللي عمره ما شافه ولا تخيله ….
شحب وجه دريه من تهديها فهي آدري الناس بجنونها وهي اكيده من انها لديها القدره علي تنفيذ تهديها وآذيه عاصي ان كان يلاعبها دون ان يرف لها جفن ….
ابتلعت ريقها الجاف وهتفت بنبره مهدئه: بيضحك عليكي ازاي بس ، اذا كان هو اللي جيه لوحده وقال عاوز اتجوزك ، وكمان كان قبل ما غفران ترجع …
ده غير الشبكه الكبيره اللي جابهالك والجناح اللي بيتوضب علي ايد اكبر مهندس ديكور في البلد ، ده غير الشيك اللي علي بياض اللي اديهولكً لما قلتي له انك عاوزه تتبرعي بيه للجمعيات الخيريه…
كل ده وتقولي انه بيلعب بيكي ….
صمتت دريه تتطلع في وجهها تري رد فعلها علي حديثها والذي يبدو انه آتي بثماره معها عندما هتفت بنبره اقل حده: طب هو ليه مش عاوز يقرب مني زي اي اتنين مخطوبين..
ضحكت دريه وهتفت بنبره لعوبه: مش جايز يكون محرج منك ولا حاجه، انتي وشطارتك بقي لو عرفتي تغريه وتقربيه منك وتخاليه مش طايق يبعد عنك ، هو انا اللي هعلمك يا نسرين ولا ايه…
ثم ختمت حديثها بضحكه مائعه لا تناسب سنها بادلتها اياها نسرين وعينيها تلمع بتصميم علي تنفيذ ما اشارت له خالتها بحديثها …
انهت دريه حديثها معها تنصحها : بقولك يا نيسو ، نصيحه من انطي ما تجبيش سيره لعاصي علي انك عرفتي اللي حصل انهارده في الشركه علشان ما يحصلش ببنكم مشكله بسببه وليكي عليا اعرف لك منه هو ايه اصل الموضوع بالظبط….
…………………………………
ليلاً في قصر الجارحي…//
دلف عاصي بخطوات مثقله الي جناحه بعد ان امضي غالبيه وقته برفقه صغيره …
خلع عنه قميصه وحذاؤه رارتمي بظهره علي الفراش بشكل عكسي عاري الصدر ينظر للسقف بشرور…..
يفكر في غفران وصغيره ، شعور قوي بالضيق والعجز يتملكه كما يفكر في عدم الاستقرار الذي يعيش فيه هو واسرته الصغيره….
لماذا يجب عليه الا يعيش حياه هادئه مستقره مع زوجه تعشقه ويعشقها برفقه صغيرهم ؟؟؟
لماذا يجب عليه ان يعيش في صراعات ويحارب في اقصي من جبهه الا تكفيه مشاكل العمل وحروبها حتي يجارب حرب اقوي واقذر مما يتخيله بشر ؟؟؟
يكفي …يكفي !!!!
لقد تعب … حقاً تعب و يريد استراحه ، يريد ان يلتقط انفاسه ، يريد ان ينعم يدفء جسدها بين ذراعيه ، اغمض عينيه يستعيد لحظات قبلته اليوم معها ومذاق شفتيها الرقيقه الذي مازال عالقاً في شفتيه ….
اااااه كم كانت شهيه وهي ذائبه بين ذراعيه كقطعه مارشميلو ذائبه في الشوكولاته …
حمد الله انها اوقفته عند حده لانه كان قاب قوسين اوادني من اخذها وحينها لو اجتمع اهل الارض مع اهل السماء لن يستطيعوا ان يحرروها من بين يديه…!!!
ارتسمت ابتسامه حالمه علي وجهه وهو يتذكر كل خلجاتها ويعيد لحظاتهم معاً مراراً وتكراراً مما اشعل جسده من مجرد الذكري…./
شعر بلمسه ناعمه تتحسس صدره باغراء تشنجت عضلات صدره بسببها…
هتف محدثاً نفسه بسخريه: والله عال اخرتها عاصي الجارحي يعيش علي التخيلات … ربنا يسامحك يا غفران علي اللي بتعمليه فيه..!!!
ازدادت جرأت اللمسات علي جسده بطريقه ساخنه ، تجمد مكانه …لا لا هو لم يتخيل ، هذه اللمسات حقيقه ، !!!!
هل خياله اصبح حقيقه وغفرانه شعرت بما يشعر به وآتت اليه بنفسها !!!!
رقص قلبه فرحاً لهذه الخاطره ، ولكنه في الثانيه التاليه انقبض قلبه بقوه عندما وصلت اليه رائحه عطر نفاذه وقويه لطالما اصابته بالاشمئزاز..😕
فتح عينيه سريعاً علي وسعها في اللحظه التي قبض فيها علي تلك الانامل علي صدره !!!!!
جحظت عيناه وارتفعت حواجبه حتي كادت ان تصل الي منابت شعره عندما وجد نسرين بجانبه علي الفراش وتشرف علي جسده من علو والمكر والرغبه تلمعان في مقلتيها ….
انحدرت عيناه لاسفل قليلاً يطالع ما ترتديه والذي اصابه بصدمه شلت تفكيره لثواني !!!!
فقد كانت نسرين ترتدي قميص نوم قصير من قماش الشيفون باللون الكحلي ومعه مآزره من نفس الخامه ولكنه يظهر من جسدهز اكثر مما يخفي !!!!
هتف عاصي مصدوماً من هيئتها: نسرين !!!
ايه اللي جابك هنا في وقت زي ده وبالبس ده؟؟؟
هتف نسرين باغواء وهو تقرب وجهها من وجهه متعمده احتكاك جسدها بجسده بطريقه حسيه : وحشتني…وحشتني اوي يا عاصي …!!
ادرك عاصي نوياها جيداً ، لذلك يجب عليه ان يتصرف بحنكه دون ان يتسبب في فضيحه له او اكتشاف خطته فنسرين داهيه وما تفعله الان ليس له غير تفسير واحد وهو التأكد من رغبته بها كأنثي يرغبها ويريد الزواج منها ..!!!!
ابتسم عاصي بجاذبيه مهلكه ورفع يده علي جانب وجهها المشرف عليه وتحسسه بانامله بحنو وهو يهمس كاذباً بنبره اجشه مثيره: وانتي كمان وحشتيني اوي يا نيسو!!!
تهللت اسارير نسرين بسعاده حقيقه : بجد وحشتك يا عاصي ؟؟
اجابها وهو علي نفس وضعه مثبتاً نظراته علي عينيها: طبعاً يا نيسو وانتي عندك شك في كده…
تابع حديثه وهو يحرك انامله علي وجنتيها وخلف اذنها بطريقه حميمية خدرتها: انا عارف اني مقصر معاكي ومش بهتم بيكي الفتره دي ، بس حقك عليا انتي عارفه اننا عندنا شغل كتير اليومين دول اوي .
وانا عاوز اخلصه قبل فرحنا علشان اخد اجازه شهر عسل براحتي من غير ما حد يزعجنا …
تبع حديثه بغمزه ماكره متلاعبه ، ابتسمت هي بسببها بخجل مصطنع …
علشان كده انا بطلب منك انك تستحمليني شويه الفتره دي ، وعموماً خلاص هانت اللي فاضل مش كتير وهخلص من كل الحاجات اللي شغلاني وساعتها مش هيكون ورايا غيرك انتي ، ما تستعجليش علي رزقك …!!!!
قالها بنبره ذات معدذي لم تدركه نسرين ، فهي لو تدرك ما يضمره لها في نفسه لماتت رعباً !!!
اقتربت منه نسرين بانفاث مثقله تود تقبيله هتفت بجرأه حد الوقاحه جعلت عاصي يتحكم في نفسه بصعوبه من قتلها ودفنها مكانها بعد ان يتقيء في وجهها : بحبك .. بحبك يا عاصي ومش قادره استحمل بعدك عني اكتر من كده ، انا محتاجه لك دلوقتي اووووي ، عايزاااك…!!!
ثم هبطت بشفتيها تنوي تقبيله علي شفتيه الا ان عاصي حرك رأسه للجانب بسرعه فحطت شفتيها علي عنقه طابعه قبله مطوله عليها تاركه اثر احمر شفتيها عليه!!!!!
دفعها عاصي بحزم وبعض القوه وهب واقفاً علي قدميه هاتفاً بنبره حاده:نسرين ، اللي انت يتعمليه ده ما ينفعش .!!!
كانت تجلس امامه علي السرير مائله للخلف ترتكز علي زراعيها واضعه قدماً علي الاخري بطريقه مثيره مما تتيح له رؤيه جسدها بشكل يغوي الناسك!!!
تحدث عاصي مغيراً دفه الحوار : وبعدين انتي ازاي يا هانم تخرجي من اوضتك بالشكل ده ، افرضي حد من الشغالين شافك يقول علينا ايه ؟؟؟
هتفت بلامبالاه وهي نفس وضعها : هيقولوا ايه يعني ولا يقدروا يفتحوا بؤهم بحاجه…
اغتاظ عاصي من بجاحتها وهتف فيها بحنق: لا طبعاً هيتكلموا خصوصاً واحنا مش كاتبين الكتاب ….
ثم تابع مضيفاً بلؤم: وانا محبش حد يشوفك بالمنظر ده ولا يتكلم عليكي كلمه مش كويسه.. انا رجل حر وبغير علي اللي يخصني !!!
قفزت نسرين مسرعه تقف امامه تتعلق بعنقه: بجد يا بيبي يعني انت بتغير عليا….
ابتسم عاصي بسماجه وهو يجيبها كاذباً : طبعا ً يا حبيبي اومال ودي عاوزه كلام ..!!
ثم تابع بنبره جاده حتي ينهي حديثه: اتفضلي دلوقتي بقي علي اوضتك علشان انا تعبان وعاوز انام ../
نسرين وهي تعض علي شفتيها بحركه مثيره اججت شعوره بالنفور منها : طب ما انا ممكن اريحك !!!
كز عاصي علي اسنانه بغيظ من وقاحتها وارتدي قناع العبث يخفي خلفه قرفه ونفوره منها: ده شيء انا متاكد منه ، بس زي ما قلت لك ما تستعجليش علي رزقك …
ثم مرر نظراته علي جسدها بنفور فسرته هي علي انه اثاره ورغبه فيها هاتفاً بنبره ذات لعوبه: وبعدبن بصراحهً الموضوع ده لازم اكون مستعد له علشان اقدر اسد معاك يا وحش !!!
تهللت اساريرها فرحاً وقد صور لها غباؤها انها ثؤثر به ويرغبها كرجل …
هتفت بنبره سعيده وهي تطبع قبله يجانب شفتيه: امرك يا حبيبي …
ثم ابتعدت عنه تسير ببطء مثير حتي تتيح له الفرصه للتمتع بالنظر الي جسدها الفاتن وقبل ان تخرج من عرفته استدارت بجسدها ترسل له قبله في الهواء وتختفي بعدها من امام نظراته مغلقه الباب خلفها متوجهه نحو غرفتها وهي تكاد تطير من شده الفرحه ….
في نفس الوقت كانت غفران تحمل صغيرها علي زراعيها تهدهده وتحاول جعله ينام بعدما فشلت هي والمربيه في اسكاته …
هتفت غفران بيأس منه: مالك بس يا موري يا حبيبي في ايه انهارده مش عاوز تنام ليه ؟؟؟
هتفت المربيه تتحدث بقله حيله: مش عارفه والله يا هانم ماله في ايه ، ده لا سخن ولا تعبان وواكل وكل حاجه …
صمتت لثواني ثم هتفت مسرعه: يمكن يكون عاوز الباشا باباه ، اصله كان قاعد معاه طول اليوم انهارده ، واما حضرتك بعتيلي علشان انيمه قعد يعيط ومكانش راضي يسيب الباشا….
نظرت لها غفران بشك : تفتكري ؟؟؟
اجابتها المربيه مؤكده: اكيد هو ده السبب، عنك انتي يا هانم انا هوديه للباشا…
هزت غفران راسها نافيه: لا سبيه انتي انا هواديه علي بال ما توضبي انتي الاوضه وتشيلي اللعب بتاعته…
هكذا اقنعت غفران نفسها انها سوف تذهب اليه من اجل طفلها ، ليس من اجل اي سبب اخر ، فهي لم تشتاق اليه ولم تريد ان تطمئن علي جرح راسه الذي تسبب فيه شجاره مع آسر !!!!
بصق عاصي علي الارض وتبدلت معالم وجهه الفور الي النفور والاشمئزاز بعد رحيلها واخذ ينعتها بابشع االالفاظ !!!!
كيف كان اعمي عن حقيقتها وقذارتها الي هذا الحد …
كز علي اسنانه بغيظ عندما استمع الي صوت طرق علي باب غرفته ، يبدو انها لن تمرر هذا الليله علي خير …
فتح الباب سريعاً بملامح وجه متجهمه ، وقف سادداً مدخل الباب بجسده العريض …
انفرجت ملامحه وشقت ابتسامه سعيده شفتيه عند وجدها تقف امامه تحمل صغيرهم مطرقه الرأس والخجل والحمره تكسو ملامحها المحببه الي قلبه…
هتف بنبره عاشقه وهو يقبل كل انش فيها بعينيه: غفراااان !!!!
ابتلعت غفران حلقها الذي جف فجاه ورفعت نظراتها اليه وهي تحدثه ، ولكنها شعررت بالحراره تغزوها وهي تراه امامها بتلك الهيئه الجذابه المهلكه …
هتفت بنبره متلعثمه: اصل انا كنت جايه ، اصل عمر كان عاوز ….
ولكنها سرعان ما شعرت بخنجر حاد مسموم بغرس داخل قلبها يشطره الي نصفين عندما زكمت انفها رائحه عطر نفاذه تعرفه وتعرف صاحبته تفوح منه ، نقلت نظراتها علي ملامحه حتي وقفت امام شفتيه وعنقه المزين باحمر شفاه !!!!
، شفاه انثي اخري غيرها اصبح لها الحق فيه بدلاً منها ويبدو انه سعيد وراضي بهذا الحق …
كاذب ومخادع ، يمثل عليها الحب والغيره وهو غارق حتي اذنيه في احضان امرأه اخري…!!!!
استغرب عاصي صمتها ونظراتها التي تطالعه بها وهتف يسالها مستفهماً: مالك يا غفران ، سكتي ليه كملي ، ماله عمر …
قاومت غفران دموعها بقوه وابتلعت غصه مسننه تسد حلقها وهتفت تجيبه وهي تتحاشي النظر اليه : مفيش حاجه ، اسفه اني ازعجتك واضح ان انا جيت في وقت غير مناسب ..:
ثم تحركت مسرعه من امامه تركض نحو غرفتها وصوت بكاء طفلها الذي كان يريد والده تغطي علي صوت شهقاتها ….!!!!
اما عاصي وقف ينظر في اثرها بعدم فهم ثم دلف الي داخل غرفته واغلق الباب خلفه وهو يضرب كف بكف: لا حول ولا قوه الا بالله مالها دي ازعاج ايه وقت مش مناسب ايه .،،،
احسن حاجه ادخل اخد شاور سخن علشان عاوز انام…
دلف عاصي الي الحمام الملحق بغرفته ووقف امام مرآه الحمام يتطلع الي ذقنه الطويله الكثيفه ../
وفجأه تجمدت انامله علي ذقنه عندما فهم اخيراً مغذي كلماتها وتبدل حالتها ، عندما راي اثار شفاه تلك الحقيره علي جسده ….
زأر بغضب وهو يلقي ماكينه الحلاقه الكهربائيه من يده ضارباً بها المرأه منفساً فيها عن غضبه وقهره والتي تفتت الي مئات القطع تماماً مثل قلبه الذي تفتت من الهم والحزن علي محبوبته ..!!!!
توحشت ملامحه واربد وجهه بغضب اسود وهو يهتف بنبره متوعده: والله لهدفعكم الثمن كلكم غالي اوي ……..
………………………….
بعد اسبوع ….
وتحديداً يوم الجمعه عصراً في ميناء الاسكندريه البحري ….
وقف مازن امام البحر يستنشق هواءه العليل الذي افتقده في سفرته ، معبأ صدره برائحته المنعشه…
تنهد بارتياح بعدما استطاع اخيراً الرجوع الي البلاد متخفياً في احدي سفن الشحن كالجرذان بأسم مزور..
هتف بابتسامه ساخره متوعده : وقت الحساب قرب يا ابن الجارحي !!!!
ثم خرج من الميناء واستقل احدي السيارات الاخره التي تقله الي عنوان شقته الجديده ، غافلاً عن رجال عاصي وجسار المنتشرين حوله في كل مكان يتتبعونه كظله.!!!!!
……………………………
في نفس الوقت في قصر الجارحي ….
كان الجميع مجتمعين في حديقه القصر كطقس عائلي حرص الجد عليه منذ زمن ، فهو يوم العطله التي تتجمع فيه افراد عائلته ….
الجد الذي يتابع بنظراته حال احفاده الغير مستقر والذي يؤكد له حدثه ان هناك شيء يخفونه عنه ، حتي انه حاول ان يتحدث مع كلاً منهم بمفرده ليفعم مت يحدث معهم والاثنين لا يتحدثون بشيء ….
ودريه المنشغله بحديث جانبي مع نسرين التي كانت قبل قليل ملتصقه بعاصي كالعلكه كحالها طوال الاسبوع المنصرم ….
وعاصي الذي يقف بعيداً في احد الاركان مع جسار يستمع الي اخر التطورات الخاصه بوصول مازن ، دون ان يحيد يعينيه عن غفران التي تلاعب صغيرهم وتطعمه ، مبتعده عن الجميع وكانهم لايعنونها في شيء…!!!
غفران التي تتجنبه منذ اسبوع وان حدث وصادف ان تحدث معها تعامله بجفاء غير مسبوق …
حاول كثيراً التحدث اليها وشرح الامر لها ولكنها كانت تصده بحزم دون ان تعطي له الفرصه..!!!
هتف جسار بنبره منخفضه وهو يفتح شاشه هاتفه المحمول علي احدي التطبيقات المتصله بكاميرات المراقبه في شقه مازن…
وصل معاليك الشقه اهو….!!!
توحشت نظرات عاصي بكره وغلت الدماء في عروقه عندمل شاهده اخيراً امامه وبين قبضتيه….
دلف مازن الي الشقه واخذ يدور فيها ويتفحص كل ركن فيها ، ثم جلس علي احدي المقاعد في الصاله بعدما جلب احدي زجاجات الخمر الموضوعه علي احدي الطاولات الجانبيه يرتشف منها بنهم …
اخرج هاتفه واتصل بنسرين ، التي ما ان رأت اسمه بنير شاشاه هاتفها حتي شحب وجهها وارتعد جسدهل خوفاً ورعباً من ان يكتشف امرها …
ولكنها تحكمت في اعصابها وبثبات انفعالي تحسد عليه استاذنت منهم ووقفت في احد اركان الحديقه تجيب اتصاله …..
هتفت نسرين بنبره خافته حانقه: الو …
انت ايه الي خالاك تتصل بيا وانت عارف ان انهارده اجازه وكلهم موجودين حواليا…
جاءها صوته الساخر: بقي دي حمد الله علي السلامه اللي بتقوليها لي …
علي العموم انا كنت بتصل علشان اقولك ان زوقك مش بطال والشقه كويسه ماشي حالها …
اغتاظت نسرين من نبرته الساخره وهتفت بغيظ تسخر منه : اومال لو كنت دافع فيها كنت عملت ايه ، علي كل حال الشقه مناسبه ليك ولوضعك دلوقتي …!!!!
هدر فيها مازن بغل: بت انتي اتعدلي واظبطي بدل ما اظبطك ….
وبعدين انا مش عاوز رغي كتير ، قدامك ساعه بالكتير وتكوني هنا والا لو ما نفذتيش ماتلوميش الا نفسك … سلام !!!!
قالها واغلق الخط دون انتظار ردها …
وقفت نسرين تنظر للهاتف بغل وهي تتمتم بغيظ : الله يخربيتك ويخرب بيت اليوم اللي شوفتك فيه يا مازن الكلب …/
وقفت تقضم اظافرها : هاتصرف ازاي انا دلوقتي ، واقول لهم رايحه فين …؟؟؟؟
ثم تحركت عائده الي حيث يجلسون وذهنها مشغول تفكر في الحجه التي تستطيع بها الخروج دون ان تثير شكوكهم ….
غافله عن انظار عاصي التي تتابعها بحنق وقد استمع وشاهد كل ما حدث بينهم بالصوت والصوره.!!!!!
نظر عاصي الي جسار الذي طالعه بنظرات اسفه علي حاله ، تحدث عاصي اليه بجمود ينافي ثوران بركانه الداخلي : جسار انت عارف هتعمل ايه كويس ، عاوز يكون عندي علم بالنفس اللي هيتنفسوه …
اومأ جسار يجيبه مؤكداً : اطمن يا باشا ، كله هيتم زي ما سعادتك عاوز بالظبط ….
………………………..
عاد عاصي يجلس معهم بملامح متجهمه يخفيها تحت نظارته الشمسيه خاصه بعدما انضم اليهم آدم والذي عاد من القاهره بعد سفره قصيره ينهي بها بعض اعماله ….
تحدث آدم بمرحه المعتاد وهو يأكل بعض قطع الفاكهه: هو احنا مش هنتغدي انهارده ولا ايه ، انا بقيت عامل زي القرد من كتر اكل الموز …
تحدث الجد بحنانه المعتاد : احسن اكل بجهز علشان خاطرك يا آدم يا ابني ، زمان نعمات بتحضر السفره …
هتف آدم بحبور: تسلم يا جدي ربنا يخاليك لينا ..
ثم تابع مضيفاً : وبالمناسبه دي انا عاوز اخد رايك في حاجه كده …
هتف الجد وهو يوليه كل اهتمامه: اتفضل يا سيدي انا تحت امرك ../
تحدث آدم ببعض الخجل : بصراحه كده انا نويت والنيه لله اني اتجوز …
تحفز عاصي في جلسته في انتظار سماع باقي حديثه ، بينما هتف الجد بسعاده : الف مبروك يا ابني مين سعيده الحظ دي …
حك آدم مؤخره راسه هاتفاً بسعاده: بنت بتشتغل مهندسه في الشركه اللي بتعامل معاها في القاهره .
اهلها ناس كويسين وهي اخلاقها عاليه ، سألت عليهم ولقيتهم ناس محترمين وكمان فاتحتها في الموضوع وهي موافقه ، فاضل بس اننا نروح نتقدم رسمي …
ارتخت ملامح عاصي وبارك له بسعاده وكذلك الجد الذي ضمه بحنان مرتباً علي كتفه : ربنا يتم لك علي خير يا آدم يا ابني وما تشيلش هم حاجه ابداً انا في ضهرك ومعاك انت بس حدد المعاد المناسب ليهم واحنا نروح لهم علي طول …
شكره آدم بامتنان وهو يقبل يده وكتفه: ربنا يخاليك لينا يا جدي خيرك سابق ….
ثم انتفض فجاه عندما قفزت عليه غفران تطوق عنه وتحضنه هاتفه بسعاده : مبررووووك يا دومه يا حبيبي ربنا يسعدك ….
هتف آدم بتوتر وهو يخرجها من احضانه خوفاً من بطش عاصي الذي يقسم انه يختار الآن في عقله ابشع طريقه لقتله والتمثيل بجثته..!!!!
قطع افكاره صوت آسر الذي صدح فجأه من خلفهم ملقياً التحيه عليهم بهدوء : مساء الخير عليكم ..
هب عاصي من جلسته مزمجراً وهو يقف مستعرضاً صدره الضخم في وجهه: انت ازاي تتجرأ وتيجي هنا. انت ايه محرمتش من اخر مره …!!!
هدر صوت الجد معنفاً حفيده: عاصي !!!
عيب اللي انت بتعمله ده ، آسر ضيفنا وفي بيتنا ما ينفعش تتعامل معاه بالطريقه دي….
جدي !!! هدر بها عاصي بغضب جحيمي مستنكراً رد جده عليه !!!
ثم وجه الجد نظراته الي آسر موجهاً الحديث اليه: اهلاً بيك يا آسر يا ابني شرفتنا.. اتفضل اقعد….
رمق آسر عاصي بنظرات متحديه جالساً معهم بلامبالاه..
بينما عاصي جلس وهو يتفتت من الغضب يقسم انه سيقتله لا محاله…!!!
هتف آسر موجهاً حديثه للجد : الشرف ليا يا حج منصور طول عمرك صاحب واجب …
الله يحفظك يا ابني ده من زوقك …خير يا آسر ..
يا تري ايه سبب الزياره الغاليه دي.. هتف بها الجد متسائلاً عن سبب زيارته؟؟
صمت آسر يتفرس في ملامحهم قبل ان يتفوه بما جعل عاصي ينقض عليه : انا جاي انهارده يا حج علشان اطلب منك ايد غفران علي سنه الله ورسوله…
انتفض عاصي من جلسته ينقض عليه وهو يجزبه من تلابيبه هادراً فيه بنبره خطره: بتقول ايه يا روح امك تتجوز مين !!!!
وقبل ان تصل قبضه عاصي الي وجه آسر تلكمه بعنف وتشوه ملامحه ، جاء صوتها من خلفه بنبره متحديه جمدت الدماء في عروقه : وانا موافقه اتجوز آسر يا جدي …!!!!!
………………………….
رواية غفران العاصي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم لولا
ما سبب الزيارة الغالية دي؟
هتف بها الجد متسائلاً بحبور عن سبب زيارته المفاجئة.
صمت آسر يتفرس في ملامحهم قبل أن يتفوه بثبات يُحسد عليه، مما جعل عاصي ينقض عليه:
أنا جاي النهارده يا حج علشان أطلب منك إيد غفران على سنة الله ورسوله.
انتفض عاصي من جلسته ينقض عليه وهو يجذبه من تلابيبه هادراً فيه بنبرة خطرة:
بتقول إيه يا روح أمك تتجوز مين؟
وقبل أن تصل قبضة عاصي إلى وجه آسر، لكمه بعنف وشوه ملامحه.
جاء صوتها من خلفه بنبرة متحدية جمدت الدماء في عروقه:
وأنا موافقة أتجوز آسر يا جدي.
لثوانٍ تجمد عاصي في مكانه رافعاً يده ضاماً قبضته في الهواء، ينظر في عيني آسر بشراسة وعدم تصديق.
بادله آسر إياها بنظرات شامته متحدية.
استدار عاصي ببطء ينظر لها وهو لازال محتفظاً بتلابيب آسر بين قبضته الفولاذية، متسائلاً بنبرة خطرة تنذر بما هو أخطر:
قولتي إيه؟
اسمعيني كده تاني، قولتي إيه؟
وقفت غفران تتطلع إليه بذقن مرفوعة وهي تعقد ذراعيها حول صدرها تتظر إليه بتحدي هاتفة بنبرة متحدية ضاغطة على كل كلمة تنطق بها:
قلت أنا موافقة أتجوز آسر.
رمقها عاصي بنظرة شرسة فتاكة ارتعدت على إثرها أوصالها، ولكنها لم تعد تعبأ به بعد الآن.
ارتدت رأس عاصي مرة أخرى جهة آسر عندما صدى صوته موجهاً حديثه إلى الجد:
أظن كده مش فاضل غير موافقتك على الجواز يا حج.
ثم رمق عاصي بطرف عينيه قائلاً بشماتة:
خصوصاً وإن العروسة موافقة.
جنوووووووون!
كل ما يشعر به الآن هو الجنون، وهذا الآسر اللعين مصمم على أن يخرج أسوأ ما فيه. وتلك النظرة الشامتة التي تلمع داخل مقلتيه تثير فيه غريزة القتل البربرية ببشاعة.
ولكنه لن يكون عاصي الجارحي إذا أعطى له الفرصة للانتصار عليه أو الشماتة فيه.
بل سيرد له الصاع صاعين وسيجعله يبكي ندماً وقهراً لمجرد تفكيره في تحديه أو تجرئه على أي شيء يخصه.
وهي ليست بشيء عادي، فهي روحه وعمره ومحبوبته وزوجته وأم ابنه، باختصار هي كل نساء الأرض في عينيه وحدها، هي غفرانه.
تلك الصغيرة العنيدة المجنونة بلوة حياته.
سيتفنن في عقابها على عنادها وتحديها له، ولكن على طريقته الخاصة.
الخاصة جداً.
طريقة عاصي الجارحي.
فلتنتظري مني عقابك على عصياني يا غفراني.
وحان دوري الآن كي ألعبك بنفس طريقتك.
دفعه عاصي بقوة في صدره فجأة، وعاد إلى جلسته مرة أخرى واضعاً قدم فوق الأخرى، ينظر لهم ببرود وكأنه شخص آخر غير المجنون الذي كان يتحدث منذ قليل.
توترت الأجواء من حولهم خاصة بعد تبدل حال عاصي الغريب.
والجد أصبح في موقف يُحسد عليه ولا يعرف بما يجيب طلب آسر خاصة بعد إعلان غفران لموافقتها أمام الجميع.
كما أنه لا يريد أن يظلم حفيده خاصة وهو يعرف بخطته للانتقام من مازن ونسرين، إلى جانب عشقه لغفران.
تحدث الجد بهدوء ورزانة:
والله يا آسر يا ابني أنت فاجئتني بطلبك ده.
هتف آسر بنبرة جادة:
أنا عارف يا حج إني طلبت الطلب ده فجأة من حضرتك وإني كان لازم أفاتح حضرتك الأول في الموضوع ده.
وأنا آسف إذا كنت اتسرعت في طلبي أو طلبته منك بطريقة غريبة، بس أنا فعلاً جاد في طلبي ومعنديش استعداد إني أخسر غفران، خصوصاً إن هي كمان موافقة على الجواز مني واظن حضرتك سمعت موافقتها بنفسك.
كانت دماء عاصي تغلي كالمراجل في أوردته، ولكنه تحكم في أعصابه وثورته بإرادة من حديد، منتظراً اللحظة الحاسمة لتفجير قنبلته الموقوتة التي ستطيح بغرور ذلك الأبله إلى الأبد.
صدى صوت درية الماكر من خلفهم بسعادة لن تستطيع مداراتها وهي تقطع ذلك الصمت المشحون:
وافق يا حج، آسر بيه الراوي شاب مفيش زيه وكل عائلات البلد تتمناه لبنت من بناتها.
ده غير إن غفران معتقدش إنها هتلاقي فرصة أحسن من كده، خصوصاً يعني لواحدة في وضعها وظروفها.
أقصد يعني مطلقة ومعاها طفل وآسر بيه شاب أعزب مسبقش له الجواز قبل كده.
أكدت نسرين على حديثها:
عندك حق والله يا آنطي.
رمقهما كل من آسر وغفران وآدم بنظرة استهجان لحديثهما السخيف.
بينما التزم عاصي الصمت راسماً الجمود والبرود على وجهه منافياً لثورانه الداخلي.
وهو الأمر الذي أثار حزن غفران بشدة وتأكدت أنها بالفعل لا تمثل شيئاً له.
نظر الجد إلى حفيده محاولاً فهم ما يدور بخلده أو مساعدته في الرد على آسر، ولكن عاصي بادله النظر بنظرات جليدية غير مقروءة.
تحدث آدم بدبلوماسية منقذاً الموقف:
يا ريت يا آسر بيه تدي الحاج فرصة يتشاور مع غفران براحتهم، وإن شاء الله يوصل لك الرد في أقرب وقت.
شعر الجد بالامتنان الشديد لآدم الذي أنقذه من الإحراج أمام آسر الذي تحدث موافقاً على حديث آدم:
طبعاً يا آدم عندك حق.
ثم تابع مضيفاً وهو يوجه حديثه إلى الجد:
أنا في انتظار ردك يا حج في أقرب وقت، وبعد إذن حضرتك لو وافقت على جوازنا، أنا إن شاء الله عايز أكتب الكتاب على طول وهو شهر بالكتير ونتجوز على ما الفيلا عندي تكون خلصت.
وأخيراً خرج عاصي عن صمته وتحدث بثقة وغرور لا يليق إلا به، وهو على نفس جلسته المغترة واضعاً ساق فوق الأخرى، وهو ينظر لآسر ببرود هاتفاً بما صدم الجميع وجمد الدماء في عروق غفران:
أنا مش عارف يا آسر أنت جايب البجاحة والجرأة دي منين علشان تيجي لحد بيتي وتطلب إنك تتجوز مراتي.
هتف آسر يرد عليه بنبرة ساخرة:
قصدك اللي كانت مراتك، هي دلوقتي طليقتك ولا نسيت.
تعالت ضحكات عاصي بصخب في حديقة القصر.
حقاً يضحك ويضحك بقوة ولكن دون مرح.
يضحك حتى يخفي حزنه وقهره وغضبه.
لم تعير غفران أي اهتمام لما يقوله ظناً منها أنه يتحدث عن وضعهم السابق وأن غروره صور له أنه يستطيع التدخل في شؤونها كما كان يفعل من قبل.
بينما نسرين ودرية احتدمت نظراتهما وهوى قلبهما أرضاً بعد حديثه وضحكته الغريبة رافضين تصديقه.
أما الجد فقد تأكد أن عاصي قد أعاد غفران إلى عصمته دون أن يخبر أحد بذلك حتى هو.
توتر آسر من ضحكة عاصي المستفزة، ولكنه أبى أن يظهر ذلك على ملامحه.
انتهى عاصي من نوبة ضحكته الجنونية هاتفاً بنبرة جادة:
يظهر إنك مش بتركز في الكلام اللي بيتقال لك كويس.
قلتها لك مرتين وأنت برضه مصمم على عنادك وغبائك.
قلتها مرة في المكتب من يومين والمرة الثانية دلوقتي.
غفران الجارحي مراتي على سنة الله ورسوله.
غفران الجارحي خط أحمر.
ثم عاجله بضربة قوية من جبهته ارتد على إثرها آسر إلى الخلف، ولحقها بلكمة قوية من قبضته الفولاذية جعلت الدماء تنبثق من أنفه وفمه بغزارة.
انتفضت نسرين مفزوعة من جلستها كمن لدغتها حية تهتف فيه بجنون وهي تجذبه من زراعه حتى ينظر لها:
أنت بتقول إيه يا عاصي، إيه التخريف ده، غفران مين اللي مراتك، وأنا... أنا... أنا أبقى إيه؟
لم يجيبها عاصي أو حتى كلف نفسه عناء النظر إليها، بل كان نظره منصبًا فوق غفران المصدومة.
انتبهت غفران من ذهولها على ضربة عاصي الوحشي لآسر، تبعها صرخة نسرين، ويبدو أن ما سمعته حقيقة وأنه لا يكذب، لكن كيف وهو طلقها أمام الجميع؟ كيف تكون زوجته إلى الآن؟
تقدم آسر من عاصي يهدر فيه بغل وعدم تصديق وهو يمسح بطرف يده الدماء التي تسيل من شفتيه:
أنت كداب، غرورك وأنانتك هما اللي مش مخلينك تعترف بالحقيقة ورافض تصدقها.
فوق يا عاصي من اللي أنت فيه واعترف إنك بتكدب علشان تبعدني عنها.
وقف عاصي أمامه بزهو واضعاً يديه في جيب بنطاله وهم أن يتحدث قبل أن يفاجئ بغفران تقف بينهم وهي تنظر له بتحدي هاتفة بغضب:
أنت إيه اللي أنت بتقوله ده أنا مراتك إزاي، أنت نسيت إنك طلقتني ورميت عليا اليمين قدامهم كلهم، أبقى مراتك إزاي بقى؟
ولا أنت بتعمل كده علشان أفضل دايرة في محرابك وما تكونش ليا حياة من بعدك.
لكن لا فوق من وهمك وغرورك يا عاصي، أنا هعيش حياتي براحتي وأتجوز الإنسان اللي اختارته بإرادتي، الإنسان الوحيد اللي صدقني ووثق فيا ووقف جنبي من غير ما ينتظر مني المقابل.
صمتت تلهث بصوت عالٍ وصدرها يعلو ويهبط بجنون دون أن تحيد بنظراتها عنه.
كانت نظرات عاصي لها في تلك اللحظة تحكي ألف حكاية وحكاية عن الحزن والأسف والخزلان.
وهو يقف أمامها بقوة وشموخ يداري خلفهما انهياره وجرح قلبه النازف من كلماتها التي ألقتها في وجهه وهي تطعنه بكل قوتها.
بالرغم من صدق حديثها وجرحه لها، إلا أنها جرحته حتى أدمت قلبه.
هتف بنبرة باردة ساخرة:
أنا مش فاهم أنتوا ليه مش عاوزين تصدقوا، أنا بقول الحقيقة، وأنتم اللي بتنكروها.
هسألك سؤال يؤكد لك حقيقة كلامي.
تقدري تقوليلي فين قسيمة طلاقك؟
ولا أنتِ ناويه تتجوزي من غيرها؟
انعقد لسانها ولم تستطع الرد، فهي قد تناست أمرها بل لم تخطر على بالها من الأساس.
أجاب آسر بدلاً عنها رافضاً تصديقه:
سهلة أوي ممكن نطلعها بمنتهى السهولة.
هتف بسخرية:
مش بقولك غبي.
صدى صوت الجد يسأله بجدية:
ممكن تفهمنا أنت رجعتها تاني لعصمتك امتى وإزاي وليه مقولتش؟
أخذ عاصي نفس عميق قبل أن يجيبه وهو ينظر داخل عينها بنظرة تحمل الكثير من الاعتذار والندم:
أنا بعد ما طلقتك وعرفت الحقيقة من مرات عاصم أبوهيبة واللي أكده عليه كلام آدم واتاكدت منه بنفسي.
شرد بنظراته للبعيد وذكرى ما حدث تتكرر أمام ناظريه كشريط سينمائي يزيد من عذابه ويعاظم رغبته في الثأر منهم بأبشع الطرق.
تابع مضيفاً:
ده غير البنت اللي مازن زقها عليكِ واللي كلمتك في التليفون علشان تروحي الشقة اللي لقيتك فيها.
قدرت أوصل لها وجبتها واعترفت لي بكل حاجة وإن مازن هو السبب في كل حاجة وعمل كده علشان يفرق بينا وساعتها يقدر يوصل لك من تاني.
ساعتها رجعت جري على القصر أدور عليكِ علشان أعتذر منك وأقولك إننا اتخدعنا وكنا ضحية لشوية ناس وسخة مليانة غل وكره هدفها تفرقنا عن بعض.
ابتلع غصة تسد حلقه وتابع مضيفاً بمرارة:
ساعتها ملقتكيش في القصر وعرفت إنك مشيتي وسبتيني.
قلبت الدنيا عليكِ، دورت عليكي في كل مكان وأنت فص ملح وداب.
ساعتها فكرة واحدة بس هي اللي سيطرت على تفكيري إن أرجعك تاني لعصمتي علشان لما ألاقيكي أثبت لك إني كنت غلطان وندمان والدليل على ده إني رديتك بعد طلاقك بـ 48 ساعة.
فنزلت على القاهرة وروحت لدار الإفتاء وحكيت لهم اللي حصل كله وأكدوا لي إني ممكن أردك ليا لأنك لسه في العدة وإني أطلع كفارة لليمين اللي رميته عليكِ.
عملت كده ورديتك ليا على طول.
ده كل اللي حصل.
اقترب منها أكثر ناظراً داخل عمق عينيها بنظرة تؤكد معنى حديثه:
يعني أنتِ لسه مراتي وأنا لسه جوزك.
اقشعر بدنها من نبرة صوته ونظرة عينه التي دغدغت الأنثى بداخلها.
وانهمرت دموعها تجري على وجنتيها ولم تعد تحدد سببها، هل بسبب سعادتها أنه عرف الحقيقة وصدقها؟
أم أنها لازالت زوجته وعلى اسمه؟
أم حزناً وقهراً على تحكمه بها وبحياتها وتحريكها كيفما يشاء وحسب هواه؟
وضعت يدها على رأسها تقاوم الدوار الذي أصابها، تنظر إليه بتوهان، تشعر بالضياع ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل وإلى أي إحساس تميل.
تنهد الجد بارتياح لحقيقة ما سمعه شاكراً الله على استجابة لدعواته في الجمع بين أحفاده.
بينما آدم ابتسم بسعادة على جنون عاصي فهو عاشق لغفران حد النخاع، يغض النظر عن الطريقة التي يسلكها في عشقه.
أما آسر فلملم المتبقي له من كرامته خارجاً من القصر دون أن يشعر به أحد حاملاً مشاعره التي تحركت نحو امرأة من المستحيل أن تكون له في يوم من الأيام، فهي لم ولن تعشق غير هذا المجنون المغرور.
حقيقة بالرغم من وضوحها إلا أنه كان دائماً ما ينكرها.
خرج من القصر بسيارته مقرراً طي صفحة غفران من حياته إلى الأبد.
صوت تكسير زجاج متبوع بصوت صرخة نسرين جعلها تشهق مفزوعة بخضة ولا شعورياً ضمت نفسها داخل صدره تحتمي به من جنون نسرين.
تضخم قلبه بعشقها وشقت الابتسامة شفتيه سعيداً بتصرفها العفوي الذي ربط على قلبه.
وتحركت يديه دون إرادته تضمها إلى صدره بحماية وكل خلية في جسده تنتفض شوقاً وعشقاً لها.
صرخت نسرين بجنون وقد انفعلت زمام تحكمها في أعصابها من عقاله:
كنت بتضحك عليا يا عاصي، بتخطبني وتوعدني بالجواز وأنت على ذمتك واحدة تانية ومن غير حتى ما تعرفني.
كلمات نسرين أخرجتها من نشوة دفء أحضانه، وحقيقة ارتباطه بها وصورته وشفتيه وعنقه ملونين بأحمر شفاهها أخرجها عن صمتها.
فدفعته بعنف وهي تركض مسرعة إلى أعلى وإحساسها بالضياع يتضاعف أكثر بداخلها.
كز عاصي على أسنانه بحنق لاعناً نسرين في سره وقد تناسى أمرها في لجّة شعوره بها في أحضانه.
هتف بنبرة هادئة مخاطباً إياها محاولاً تهدئتها وامتصاص غضبها حتى لا تفسد مخططه الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه:
اهدي يا نسرين وتعالي نتفاهم بالعقل.
صرخت نسرين بجنون وهستيرية والدماء تتساقط من يدها بعدما انكسر كأس المياه في يدها من شدة ضغطها عليه:
ما تقوليش اهدي وتحاول تضحك عليا، ولو كنت فاكر إني هسيبك ليها زي ما سبتك زمان تبقى غلطان، أنت من حقي أنا، ملكي أنا وبس أنت فاهم.
صدح صوت الجد بقوة من خلفهم:
درية خديها على جوه وخليها تهدى وبعدين نبقى نقعد ونتكلم.
امتثلت درية لأوامره وهي تسحب نسرين التي تصرخ بجنون هاتفة فيها بتوبيخ:
اهدي يا غبية هتضيعي نفسك وتضيعينا معاكي بجنانك ده، بدل ما نقعد ونشوف هنتصرف إزاي في المصيبة دي عمالة تصرخي زي المجانين.
قالتها وهي تسحبها معها إلى الداخل حتى اختفوا عن أنظارهم.
هتف الجد فور دخولهم متحدثاً إلى حفيده بنبرة متسائلة:
ممكن تفهمني أنت ليه مقولتليش من الأول إنك رجعت غفران لعصمتك؟
زفر عاصي هواء ساخن من رئتيه متقلباً بالهموم، قبل أن يجيبه:
علشان ما كنتش عاوز حد يعرف قبلها وكمان ما كنتش عاوزها تعرف من حد غيري.
ده غير إنك ضعيف يا جدي من ناحيتها وكنت ممكن تقولها.
والأهم من ده كله أنا كنت عاوزها ترجع لي وهي راضية مش مجبرة بعد ما تكون شافت غليلها مني وانتقمت لكرامتها زي ما هي عاوزة.
بس للأسف اللي عمله الحلوف اللي اسمه آسر ده لخبط الدنيا وعكها على الآخر.
من ناحية غفران اللي ومن ناحية نسرين اللي مش ضامن رد فعلها هيكون إيه وخصوصاً لما تروح للوسخ التاني تحكي له اللي حصل.
هتف آدم متسائلاً بجدية:
وأنت ناوي تعمل إيه؟
تنهد بهم متابعاً بقلق وهو يمسح على وجهه:
مش عارف، ربنا يسترها ويعدي الأيام اللي جاية دي على خير.
أنا هطلع لغفران علشان لازم نتكلم مع بعض وتفهم كل حاجة.
أومأ الجد برأسه موافقاً:
قوم يا بني ربنا يهدي سرك ويعينك على اللي أنت فيه.
تلوت نسرين بعصبية وانتزعت ذراعها بقوة من بين يدي درية التي تحاول تهدئتها هادرة فيها بصراخ:
ابعدي عني وسبيني، مش عاوزة أسمع حاجة.
وبلغي الباشا ابنك إنه لو ما تتمش جوازي منه زي ما إحنا متفقين، قسماً بالله لهخليه يندم على اليوم اللي فكر يكذب عليا فيه، والمرة دي حياته هو هتكون التمن.
قالتها قبل أن تغادر القصر كالعاصفة الهوجاء تاركة خلفها درية بوجه شاحب تشعر بالرعب على ابنها من تهديد تلك المجنونة التي لا تتورع عن أذيته.
هتفت درية بغل وهي تنظر إلى أعلى نحو غرفة غفران:
كله منك يا بنت جميلة.
صعدت الدرج بخطوات تدك الأرض من غضبها، وبدون استئذان اقتحمت باب غرفة غفران بقوة ووقفت تطالعها بنظرات حاقدة كريهة.
كانت غفران منذ صعودها وهي تزرع غرفتها ذهاباً وإياباً بعصبية وغضب شديدين.
وأفكارها المتصارعة تحارب بضراوة داخل رأسها الذي يكاد ينفجر من شدة التفكير.
استدارت فجأة بجسدها مجفلة عندما فتح باب غرفتها بقوة، ظنت في بادئ الأمر أنه عاصي، ولكنها اصطدمت بوجود أكثر حد لا تريد رؤيته الآن، فهي ليس لديها القدرة على تحمل سخافتها.
قلبت غفران عينيها بملل وهتفت تتحدث بملامح ممتعضة وهي تقف في وسط غرفتها عاقدة ذراعيها أمام صدرها:
خير.
هتفت درية بكرة وحقد دفين وشبح جميلة يظهر أمام عينيها من جديد:
أنتِ إيه لعنة وصابت ابني.
أنتِ لعنة زي أمك صابت البيت ده من زمان ومش عارفين نخلص منها، كل ما نخلص من واحدة تطلع الثانية.
اقتربت منها وضغطت على ذراعها تعتصر لحمها بين قبضتها هاتفة بحقد شديد:
أوعي تفتكري إني مصدقة اللي حصل تحت ده تبقي غلطانة.
أنا عارفة إن اللي حصل ده مجرد تمثيلية ومثلتوها علينا، بس أنا مش هكون مغفلة واسمح لك تهدي اللي طول عمري ببني فيه.
عاصي هيتجوز نسرين وهيحلف منها بدل العيل عشرة والثروة دي كلها هتكون لينا إحنا، وأنتِ وابنك هتخرجوا بره حياتنا ومش هتطولوا منها ولا مليم.
وده آخر إنذار ليكي، يا تاخدي ابنك وتمشي من سكات يا أما ما تلوميش إلا نفسك.
انتزعت غفران ذراعها منها بقوة وهتفت بها بشراسة لما عدّتها في نفسها وهي تدفعها في كتفها بحركة مهينة:
أنتِ مين أنتِ علشان تتكلمي معايا وتتشرطي عليا بالطريقة دي وتقوليلي أعمل إيه ومعملش إيه.
أنتِ ظاهر إنك نسيتي نفسك، أنتِ أرملة عمي الله يرحمه، يعني بمعنى أصح مالكيش صفة هنا سواء أنتِ أو بنت اختك السافلة الواطية بتاعة الحركات الوسخة اللي زيها.
لكن أنا حفيدة منصور الجارحي ومرات عاصي الجارحي وأم ابنه، والثروة اللي بتتكلمي عنها دي بتاعتي أنا وعاصي وابننا بالشرع وبالقانون، يعني أنتِ مالكيش فيها.
ثم تابعت مضيفة باستفزاز:
وأحب أطمنك أنا مش ناوية أطلق من جوزي وأبو ابني، وإن شاء الله قريب هيجي أخ أو أخت لعمر.
صمتت تتطلع في ملامحها التي تربدت بغضب أسود وتابعت تضيف قاصدة إهانتها:
وإذا كان جدي سايبك قاعدة هنا أو بيصرف عليكي بعد وفاة عمي الله يرحمه، فده علشان هو بيراعي ربنا وبيفهم في الأصول مش أكتر، يعني تقدري تقولي شفقة وإحسان.
والبيت ده إذا كان في حد لازم يمشي منه فهو أنتِ وبنت أخوكي، مش أنا.
هدرت دريه بجنون وقد أثارت غفران غضبها بجنون بعدما تفوهت به، ورفعت ذراعها عالياً تريد صفعها:
اخرسي يا سافلة ما أنتِ حية زي أمك.
تجمدت يد درية في الهواء بعد أن أوقفتها قبضة عاصي الفولاذية الذي استمع إلى حديثهم من أوله.
التفت درية بوجه شاحب تنظر إلى عاصي والذي لأول مرة تلمح تلك النظرة في عينيه.
نظرة خيبة وخذلان وليست نظرة احترام كما اعتادت منه.
هتفت درية بنبرة خائفة متلعثمة:
عااااصي... أنا... أنا...
كان عاصي ينظر لها وكأنه يراها على حقيقتها للمرة الأولى، هذه التي أمامه ليست أمه التي أنجبته وربته، هذه امرأة غريبة عنه لا يعرفها.
هتف عاصي بنبرة جليدية وهو لازال محتفظاً بيدها:
هي إيه يا درية هانم؟
هي اللي رفعت إيدها عليكي ولا هي اللي هددتك لو ماسبتيش البيت ومشيتي متلوميش إلا نفسك.
ولا برضه هي اللي هددتك وقالت لك إنك مالكيش حق لا أنتِ ولا ابنك في الثروة دي.
كانت صوت ضربات قلب دريه تصم أذنيها من قوته حتى أنها شكت أنهم قد سمعوه من شدته، فهي تأكدت أن عاصي استمع إلى حديثهم من أوله.
أخفضت نظراتها أرضاً بخزي ولم تتفوه بحرف واحد.
ترك عاصي معصمها أخيراً هاتفاً بنبرة شرسة:
ما عاش ولا كان اللي يفكر بس مجرد تفكير إنه يمد إيده على مرات عاصي الجارحي طول ما أنا عايش على وش الدنيا.
ولولا إنك للأسف أمي أنا كنت اتصرفت معاكي التصرف اللي يليق بعملتك دي.
ودلوقتي ياريت تطلعي بره علشان عاوز أقعد براحتي مع مراتي.
قالها بنبرة حاسمة لا تقبل الجدال مؤكداً على كل حرف ينطق به، سواء معها أو مع تلك التي تقف خلفه تناظره بتحدي.
أومأت دريه صاغرة تخرج من الغرفة تجر أقدامها بإنهاك وقد أيقنت أنها أقامت حاجزاً كبيراً بينها وبين ابنها بسبب تلك الملعونة غفران.
بعد خروجها، وقف عاصي يتطلع إلى غفران بإعجاب.
معجب جداً بقوتها وشراسة شخصيتها الجديدة، تروقه وتستفزه، فهو لطالما أحب اللعب مع القطط الشرسة.
تحدثت غفران بنبرة هادئة:
Sorry على الكلام اللي قلت لوالدتك بس هي اللي استفزتني علشان كده قلت لها الكلام اللي أنت سمعته.
ثم تابعت بنبرة مستحفزة:
وعلى فكرة مالوش لازمة الـ show اللي أنت عملته ده علشان تبين إني أهمك وإني مش هتسمح لحد إنه يتعدى حدوده معايا لإن ببساطة أنا أقدر أعمل كده لوحدي من غير مساعدة حد.
ابتسم عاصي بجاذبية مهلكة وهو واقف واضعاً يديه في جيب بنطاله يطالعها بتلك النظرة التي تذيب مفاصلها:
على فكرة أنتِ مش محتاجة تتأسفي على اللي قلتيه، هي تستحق ده لإنها غلطت فيكي.
وبعدين أنا مش بعمل show عشان أبين لك إني مهتم بيكي، لإن فعلاً دي الحقيقة.
ده غير إن مفيش حد يقدر يمس شعرة منك طول ما أنا فيا نفس لإنك ببساطة أنتِ بالنسبة لي خط أحمر، اللي يفكر يعديه يبقى حكم على نفسه بالموت.
رفرفت غفران بأهدابها غير مصدقة لما تفوه به وسألته بعدم تصديق:
يعني أنت مش مضايق علشان اتكلمت كده مع والدتك.
أجابها وهو على نفس وضعه برد قاطع:
لا.
ثم تابع مضيفاً بجدية:
غفران، في حاجات كتير أوي حصلت أنتِ ما تعرفيهاش علشان كده المرة دي أنا مش هخرج من هنا غير لما نقعد ونتكلم وتسمعي اللي عاوز أقوله للآخر وبعدها كل اللي أنتِ عاوزاه هنفذهولك.
كان يتحدث بنبرة جادة لا تقبل النقاش مما جعلها ترضخ له وتستمع إليه، فهي تحتاج لفهم كثير من الأمور.
على سطح زجاج الطاولة التي تتوسط غرفة المعيشة، أخذ يساوي ذلك المسحوق الأبيض في سطرين رفيعين متساويين، ثم تناول ورقة فئة الـ 100 دولار ملفوفة على شكل أسطواني صغير.
وضع أنفه على طرف الورقة واستنشق المسحوق الأبيض بانتشاء.
وكرر نفس الفعل مرة أخرى حتى استنشق المسحوق كله، مرجعاً رأسه للخلف سامحاً للمسحوق بالتوغل داخل أنفه ورئتيه بانتشاء رهيب.
ارتخى جسد مازن والخدر يسري في كل جسده جراء جرعة المخدر الذي تناولها.
وفجأة وجد باب الشقة ينفتح بقوة وتدلف منه نسرين كالعاصفة الهوجاء.
نظر لها من بين جفونه شبه المغلقة متحدثاً بلسان ثقيل:
إيه داخلة بوليس الآداب دي.
وبعدين مفتاح شقتي بيعمل إيه معاكي.
ثم تابع مضيفاً بسخرية:
أنا راجل عايش لوحدي وأخاف على سمعتي.
هدرت فيه نسرين بغضب وهي تتناول سيجارة من علبته، تشعلها وتنفث دخانها بغضب:
فوق لي كده وقوم شوف المصيبة اللي وقعت على راسنا، إحنا اتلعب بينا الكورة وعاصي غفلنا كلنا.
بنفس اللسان الثقيل سألها وهو يتجرع من كأس الخمر الذي بين يديه:
مال الباشا الكبييييير أوي.
عمل إيه تاني.
تابعت نسرين بغل:
بقولك فوق وصحصح علشان نشوف هنتصرف إزاي في اللي حصل.
هز رأسها موافقاً والخمر والمخدر يلعبون برأسه هاتفاً بتوهان:
ارغي.
اللمعت عينيها ببريق حارق وهي تنطق بغل من بين أسنانها المطبقة:
هقولك.
انتهى عاصي من سرد لها كل ما حدث واكتشافه للفخ الذي وقعوا فيه واكتشافه تورط أمه ونسرين مع مازن ومساعدتهم له، وخطته الذي خطط لها بمعرفة جده للإيقاع بمازن.
حكى لها كل شيء وكيف عاش ضائعاً من بعدها، واعتذر منها طالباً صفحها وغفرانها.
كانت تستمع إليه ودموعها تجري كالانهار على وجنتيها، لا تصدق ما تسمعه منه.
هل هناك أناس بكل هذا الشر في الدنيا؟
ولماذا يفعلون معها كل ذلك وهي أبداً لم تؤذيهم بسوء؟
وقفت تهز رأسها نفياً لما سمعته هاتفة ببكاء:
مش صحيح، أنت بتضحك عليا.
أنت عاوز تطلع مبرر للي عملته معايا.
تحدث عاصي بهدوء وهو يقترب منها محاولاً احتواءها فهو مدرك حاله التخبط والانكار التي تعيشها الآن، فهي أرق وأنقى من أن تستوعب كل هذا الحقد:
أهدي يا غافي، أنا مقدر إنك مش قادرة تستوعبي اللي حصل، بس أنا والله مش بضحك عليكي أنا بحبك، بحبك أوي وأملي إنك تسامحيني ونبدأ حياتنا من جديد مع ابننا.
هدرت صارخة فيه بغضب وهي تدفعه بقبضة يديها الصغيرة في صدره المعضل القوي والذي ازداد قوة وصلابة عن ذي قبل.
أنت إيييييه!
أنت أكتر إنسان أناني أنا شوفته في حياتي.
عاوز كل حاجة تمشي على هواك وزي ما أنت عايز.
ثم تابعت مضيفة بقهر:
أنا عشت معاك ست شهور شوفت فيهم اللي عمري ما شوفته وأنا بخيبتي كنت بستحمل وأعدي علشان كنت بحبك.
في الأول اتجوزتني غصب عنك وجرحتني وهينت كرامتي يوم فرحي في اليوم اللي كل بنت بتستناه علشان تجتمع فيه مع الإنسان الوحيد اللي حبيته.
وأنا سكت واستحملت وعديت.
وأنت عجبتك حكاية البت الهبلة الصغيرة اللي كل نظرة من عينيها بتقولك إنك الرجل الوحيد اللي في الكون وده كان بيرضي غرورك ورجولتك.
وبعدين قلت ماشي وفيها إيه يعني أما أقرب منها وأتم جوازي منها ما أنت رجل ولك رغبات ودي مراتي وفي الحلال يبقى ليه لأ.
والدنيا مشيت زي الفل وقدرت تخدعني إنك بتحبني وبتموت فيا، وعند أول اختبار مرينا بيه اكتشفت إن جوازنا وحبنا وبيتنا مالوش أساس قوي عامل زي بيت الرمل مع أول موجة اتمسح ومبقلوش وجود.
مع إن نفس الموقف حصل منك وأنا صدقتك ودافعت عنك وعن حبي.
صمتت واقتربت منه تتطلع في عينه تضيف بقوة:
علشان أنا كنت بحبك، لكن أنت عمرك ما حبيتني.
أنا بالنسبة لك شيء امتلكته زي ما بتمتلك أي حاجة في الدنيا بتتعامل معاها بتملك وأنانية.
وبرضه أنانيتك هي اللي خلتك تطلقني وأنانيتك هي اللي خلتك ترجعني لعصمتك غصب عني.
بس أنا بقى بقولها لك، نجوم السما أقرب لك مني يا عاصي.
والعيلة الصغيرة اللي كانت متعلقة في إيدك كبرت وبتقولك لا مش عاوزاك.
هي خلاص خرجتك بره حياتها من زمان أوي وما بقاش لك وجود في حياتها.
هدر هو الآخر بغضب ويأس وقد اكتفى من كل الصراعات والحروب التي يخوضها من أجلها، يريد أن يرتاح، أن يأخذ استراحة محارب.
يريد أن تكون هي الشاطئ الذي يرسو عنده يلقي بكل همومه وتعبها، فقد اكتفى حقاً من غبائها ومحدودية تفكيرها ورؤيتها للموقف من زاويتها هي فقط.
هتف بغيظ وقهر:
أنتِ بتتهميني إني أناني ومش بحبك، طب وأنتم اللي عملتيه من الأول وكان السبب اللي وصلنا للي إحنا فيه ده مش أنانية وغباء منك.
لما صاحبتك وابن خالتك قالوا لك غلط تخبي على جوزك ولازم يعرف كل حاجة أنتِ بتعمليها، ده مكانش غلط وغباء أنا محاسبتكيش عليه لحد دلوقتي.
وبسبب غبائك وقلة خبرتك وطيبتك الزيادة جرّيتِ روحتِ على عنوان متعرفيهوش لمجرد إن واحدة اتصلت بيكي تقولك على مكان مامت صاحبتك، تقومي تجري تروحي من غير ما تستأذني من الحمار اللي أنتِ متجوزاه ولا تعرفيه مكانك فين.
صمت يتنفس بصوت مسموع وشريط ما حدث يعاد أمام ناظريه مرة أخرى:
عمرك فكرتي في إحساسي كرجل بيحب مراته بجنون وبيغير عليها من الهدوم اللي عليها، لما يجيلي رسايل تقولي مراتك بتخونك وبعدها صورك وأنتِ عريانة.
عمرك فكرتي فيا وأنا جاي لك في الطريق ميت من الرعب وأنا بدعي إنه يكون كدب وإنه مش أنتِ اللي مقصودة.
عمرك ما هتعرفي إحساس رجل، دخل لقي مراته ملفوفة بملاءة ملط في سرير غير سريره وواحد وسخ بينادي عليكي باسم د لعك وهو ملط هو كمان.
كنتي مستنية مني إيه آخدك في حضني وأطبطب عليكي وأقولك البسي هدومك يا حبيبتي علشان نرجع بيتنا.
تابع بغيره مجنونة كلما لاحت تلك الذكرى الكريهة أمام عينيه:
أنا لولا إن لسه جوايا ذرة عقل كنت قتلتك وقتلته في لحظتها ومحدش يقدر يلوم عليا.
مفيش رجل دمه حر في موقف زي ده بيفكر بعقل وهدوء.
وطلاقك لي كان رد فعل طبيعي رغم إني كنت كارهه وفي نفس الوقت كنت خايف عليكي مني، لإن لو ما كنتش طلقتك كنت هوريكي العذاب ألوان كنت هموتك بالبطيء.
ولو بتقارنين بين موقفي وموقفك لما شوفتي نسرين وهي بتحاول تبوسني وضربك ليها بالقلم، ده علشان أنتِ عارفة نسرين وفاهمة غرضها إيه من اللي هي بتعمله وإنها من زمان وهي عاوزة تتجوزني، قبل ما يكون ثقة فيا.
لكن أول ما عرفت الحقيقة ما ترددت لحظة إن أردك وأدور على الوسخ اللي عمل فينا كده علشان أدفعه تمن اللي عمله.
كنت عامل زي المجنون بدور عليكي ليل نهار وأنتِ فص ملح وداب وكل ده وجدي عارف مكانك وسايبتيني بموت من قلقي وندمي وخوفي عليكي.
اختنق صوته بغصة مؤلمة:
استحملت بعدك عني أنتِ حامل، اتحرمت من فرحتي بحملك في ابني، اتحرمت إني أعيش معاكي ومعاه كل لحظة وهو بيكبر جواكي.
ولما رجعتي كل ما أحاول أكلمك أو أقرب منك علشان أفهمك تصديني وما تدينيش فرصة، بتستفزيني وتعامليني كأني غريب عنك.
وأقول معلش حقها، زعلانة، كرامتها وجعاها وأنا غلطت وحقها تعاقبني زي ما هي عاوزة، أنت الرجل ولازم تستحمل.
وفي الآخر وبعد كل ده وتقولي عليا أناني.
اقعدي مع نفسك كده وفكري بعقل واوزني الأمور ساعتها هتعرفي مين فينا الأناني.
وكمان هتعرفي إن كل اللي حصل مني كان رد فعل على تصرفاتك.
جلست تبكي بصمت، تعلم أنه محق وتعلم أنها أخطأت.
وأنها السبب الرئيسي فيما حدث لو لم تكن أخفت عليه موضوع الطبيبة.
شعرت بغصة تعتصر قلبها وهي تستمع إلى قهره وهو يصف لها الموقف من وجهة نظره كرجل.
أشفقت عليه والتمست له العذر.
ولكن هناك جرحاً لازال عالقاً داخل قلبها، هناك فجوة حدثت بينهم عاجزة عن تخطيها.
تعشقه وتريده ولن تقدر على العيش بدونه وفي نفس الوقت لا تريد الرجوع إليه قبل أن تشفي جراحها، وكيف تشفي وهو الداء والدواء.
اعتصر الألم قلبه بسبب بكاؤها، لا يريدها أن تبكي وأن يكون هو سبب بكاؤها.
يعلم ما تشعر به وما تمر به من تخبط، فقط يريدها أن تعطيه فرصة لتضميد جراحها ومساعدتها على تخطي العثرة التي تعوق استكمال حياتهم.
جذبها من يدها برفق حتى تقف أمامه مقترباً منها حد الالتصاق، ومد يده يمسح بأنامل دموعها هاتفاً بنبرة حنونة:
غافي.
رغم الألم والحزن والانكسار الذي عاشه في بعدها عنه، إلا أن كلمتها أنها كانت تحبه أكثر ما أوجع قلبه، فهو يعطيها كل الحق في كل فعل وتصرف يصدر منها وعلى أتم الاستعداد لتحمل كل غضبها وعصبيتها، إلا كرهها له وبعدها عنه.
فهو قد اكتفى من البعد، لا يريد بعد آخر بينهم، تفعل ما تفعل وهي بجانبه يملي عينه وقلبه من قربها.
همس بنبرة حنونة أمام شفتيها وهي يتشرب حلاوة ملامحها التي اشتاق لها حد الجنون:
اعملي اللي أنتِ عايزاه وانتقمي مني براحتك وعلى أقل أقل من مهلك وأنا مستعد أتحمل كل حاجة منك، بس وأنتِ في بيتي وفي حضني.
ادينا فرصة يا غافي، إحنا الاتنين غلطنا وعاقبنا بعض بما فيه الكفاية.
ادينا فرصة نصلح غلطنا ونعيش حياتنا اللي اتحرمنا منها مع عمر ابننا.
ثم همس بجانب أذنها بنبرة مثيرة خطرة بها لمحة من الجنون والتملك:
لأني مش هسيبك أو أبعد عنك إلا بموتي يا غافي، أنتِ بتاعتي أنا وبس.
أنتِ غفراني.
أنتِ غفران العاصي.
وفي اللحظة التالية انقض على شفتيها الحمراء المرتعشة بإغراء بسبب بكاؤها يقتنصها داخل شفتيه في قبلة مشتاقة عاصفة معبراً فيها عن كل ما يختلج داخل صدره من مشاعر كلها تدور في مدارها هي.. غفرانه.
وبعد لحظات كانت تصارع قلبها وعقلها، قلبها الذي يخبراها أن تعطيه فرصة أخرى فهم يستحقوا فرصة أخرى.
وعقلها الذي يحثها على الرفض والثأر لكرامتها منه.
ولكن قلبها اللعين انتصر على عقلها وتركت نفسها تنعم بدفء أحضانه وقبلته التي أذهبت عقلها، مقررة أن تعاقبه فيما بعد بطريقتها الخاصة.
رواية غفران العاصي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم لولا
في صباح اليوم التالي ….
يفف عاصي امام المرآة يرتدي ملابسه وابتسامه سعيده مرتاحه تزين محياه …
لعق شفتيه مستشعراً حلاوه مذاق شفتيها العالق في شفتيه متذ الامس ..
فهو بعدما استطاع بقوه خارقه السيطره علي الوحوش الجائعه التي تصرخ بداخله تريد التهامها ومنع نفسه عنها بأعجوبه ، بعدما قبلها كما لم يقبلها من قبل ، قبله اودع فيها كل شوقه وعشقه واعتذاره لها وحاجته اليها ، قبله كانت عباره عن مزيج من المشاعر الكثيره التي تموج داخل صدره والتي استقبلتها منه بصدرٍ رحبٍ!!!
اجبر نفسه عن الابتعاد حتي لا يفرض عليها شيئًا تحت تأثير فوره مشاعرهم في تلك اللحظه .!!!
منع نفسه عنها وفضل ان يحترق بنيران شوقه واحتاجه لقربها ، عوضاً عن اخذها لجنته دون ارادتها او رغبتها …!!
يريدها ان تكون معه بارادتها ورغبتها فيه ، لا ان تكون مجبره او تحت تأثير اوضغط !!
يريدها متلهفه لوصاله ، راغبه في قربه ، مشتاقه للغرق في بحور عشقه مثله واكثر ….
تلاشت الابتسامه من علي وجهه وحل محلها العبوس والضيق وفاق من سحر اللحظه علي صوت دريه التي دلفت الي حجرته دون ان تطرق علي الباب !!!
وقفت ترمقه بنظرات مغلوله وجسدها يرتج من شده الغضب ، تحدثت بنبره متسأله بحنق بالغ: اقدر افهم ايه اللي سيادتك عملته امبارح ده بالظبط؟؟
وازاي تاخد قرار زي ده من غير ما ترجع لي وتقولي لا وكمان مخبي عليا؟؟؟
لم يكلف نفسه عناء النظر اليها بل بقيت انظاره منصبه علي المرآة لضبط رابطه عنقه ، وظلت ملامحه علي جمودها بخفي خلفها غضب جحيمي لو اطلق له العنان لاطاح بالاخضر واليابس !!!
ظل عاصي صامتاً حتي انتهي من ارتداء بدلته ، ثم وقف يطالعها بنظرات غامضه لم تستطع دريه تفسيرها مما اشعرها ان عاصي به شيء غريب لا تعرفه!!!
تحدث عاصي يسألها بجمود: كنتي بتقولي ايه ؟؟
اجابته دريه بنبره اقل حده واكثر ليناً : كنت بقول يعني يا حبييي انك مقلتش ليه انك رجعت غفران تاني لعصمتك !!!
اجابها عاصي رافعاً حاجبه متحدثاً بنبره هادئه ولكنها خطره في نفس الوقت ٤اظن دي حياتي وانا حر فيها !!!
ابتسمت دريه باصفرار هاتفه بزيف: طبعاً يا حبيبي انت حر محدش قال حاجه …
انا بس كنت بسأل يعني علشان خاطر نسرين ، دي مهما كان بنت اختي وامها سايباها امانه عندي ولازم اطمن عليها ، وانا مرضاش لها انك تظلمها…:
اظلمها !!!!
قالها عاصي بنبره غريبه جعلت احشاء دريه تتلوي من القلق!!!
تابع عاصي حديثه: انا مش بظلم حد ، وانا عند كلمتي جوازي من نسرين مالوش علاقه برجوعي لغفران …
الجوازه هتم وكل حاجه ماشيه زي ماهي الا لو نسرين غيرت رايها ومش عاوزه تتجوز ، يبقي براحتها انا مش هقدر اجبرها علي حاجه …
ارتفع حاجبي دريه وهتفت تحدثه باندهاش: انت بتتكلم جد ، انت هتتجوزهم هما الاتنين ؟؟ ازاي!!
ومين هيسمح لك بكده؟؟
اجابها عاصي بلامبالاة : اه هتجوزهم الاتين فيها ايه دي …
ثم تابع مضيفاً بغطرسه وغرور منهياً الحوار: والله ده اللي عندي اللي مش عاجبه يضرب دماغه في اتخن حيطه !!!
وانصرف من امامها دون ان يضيف كلمه اخري تاركها خلفه تتطلع في اثره بفاه مفتوح …
………………………………..
كانت غفران مستلقيه باسترخاء في حوض الاستحمام
مغمضه العين ، مبتسمه الوجه …/
ارتسمت ابتسامه خجله علي شفتيها وهي تتذكر قبلته المحمومه ليله امس !!!
لقبلته مذاق خاص يعصف بكيانها ويزلزل ثباتها …
كانت لا تريد لقبلته ان تنتهي ، تريده ان يظل يقبلها حتي تزهق انفاسها …
تعشقه وتعشق كل مافيه وخاصه قبلته !!!
قبلته تاخذها للنعيم ، تجعلها تحلق في السماء من دون جناحات …
وكيف يكون لها جناحات وشفتيه هي الجناحات التي ترفعها تحملها الي جنات النعيم !!!!
عضت علي شفتيها خجلاً من افكارها المنحرفه والتي ازدادت معها في الاونه الاخيره بسبب شوقها اليه..
نفضت راسها تنفض عنها هذه الافكار واسرعت تنتهي من استحمامها وتستعد لاول لقاء بينها وبين عاصيها بعدما وافقت علي منحه ومنح حياتهم فرصه اخري جديده …
فهي ظلت طوال الليله الماضيه تفكر في كل ما حدث بينهم ، اقتنعت تمام الاقتناع ان الخطأ كان مشترك بينهم وان الجزء الاكبر كان يقع عليها بسبب اخفاءها الامر عليه من البدايه …
وهو الذي جعلها تنظر للامر من جانب اخر ، بل وقررت علي ان تقف بجانبه وتساعده وتدعمه في خطته حتي تقتص من هؤلاء الاوغاء اللذين ارادوا تدمير حياتهم وتشتيت شملهم لولا ستر الله واكتشاف عاصي للحقيقه مبكراً ….!!!
………………
ولج عاصي الي غرفه صغيره الذي صاح مهللاً باصواته الطفوليه فرحاً لرؤيه والده …
انحني عاصي بجزعه يحمله بين ذراعيه يضمه لصدره ويقبله بحنان: عمر باشاااا…!!!
صباح الخير يا وحش ، عامل ايه انهارده ؟؟؟
ثم نظر الي مربيته يسالها باهتمام بالغ عنه: طمنيني اخباره ايه ؟؟
اجابته المربيه باشراق والنجوم تلمع داخل مقلتيها هاتفه بنبره رقيقه والهه فهي لم تستطع منع نفسها من الانجذاب الي كتله الوسامه والرجوله الماثله امامها : اطمن حضرتك ، هو لسه مخلص فطاره واخد شاور والمفروض دلوقتي هننزل نقعد شويه في الشمس في الجنينه تحت …
ثم تابعت بنبره اكثر رقه وهي تمسك خصله من شعرها تلفها حول اصبعها وهي تتخيل نفسها تجلس معه بمفردها تتحدث معه بحريه: ممكن حضرتك لو عندك وقت تقعد معانا شويه تلعب معاه ، اصل احنا مش بنشوفك كتير …!!
انتبهت علي نفسها عندما لمحت نظرته الخطره التي رمقها بها واضافت بتلعثم: اقصد عمر مش بيشوف حضرتك كتير…
اومأ لها عاصي براسه هاتفاً بنبره خطره ذات مغذي بعدما قرأ ما في عينيها بوضوح: عندك حق انا كنت مقرر انهارده اني اقضي اليوم مع عمر و …
ترك جملته معلقه وهو ينظر اليها بتدقيق راصداً رد فعلها ، وهي لم تخيب ظنه عندما لمعت مقلتيها بسعاده ولكنه قتل فرحتها بباقي جملته : ومامته …!!
ثم نظر الي عمر الذي لا يفقه شيءٍ مما يدور حوله ، ويلعب في لحيه والده الكثيفه: يالا يا باشا تعالي نروح نشوف مامي صحيت ولا لسه ….
قالها وغادر تحت انظار المربيه الوالهه: يا لهوي … ايه ده !!!! هو في حلاوه ورجوله كده ….
هيبييييح…. يا بختك يا غفران هانم ، اوعدنا يا رب!!!!
………….
القت غفران نظره رضا اخيره علي شكلها في المرآه وتناولت زجاجه عطرها الذي يعشقه عاصي ونثرته بسخاء علي جسدها وشعرها وعنقها …
كانت ترتدي فستان من قماش الشيفون الاسود الناعم مزين بورود حمراء مقفول من الصدر ذو اكمام طويله ولكنه قصير يصل الي ركبتيها ، وزينت وجههت يزينه وجه رقيقه وملمع شفاه رقيق ابرز جمال شفتيها ، واطلقت العنان لشعرها كما تحب دائما.
سارت نحو باب غرفتها تنوي الخروج ، وما ان وضعت يدها علي مقبض الباب كي تفتحه ،حتي وجدته يفتح ويظهر من خلفه عاصي بطلته الآثره يحمل ابنهم نسخه ابيه المصغره علي ذراعه …
ابتسم عاصي بجاذبيه وهو يطالع حلاوه محياها بنظراته العاشقه ….
مشط جسدها بنظراته الجريئة من رأسها حتي اخمص قدميها ، مما جعل وجنتيها تحمر خجلاً منه…
اقترب منها عاصي متحدثاً بنبره خافته :صباح الجمال !!!
ثم قدم لها ورده حمراء جوريه كانت بحوزته حتي يوفي بوعده لها ..: الوردة يا وردتي !!!
ثم تبعها بقبله رقيقه طويله علي جانب شفتيها …
ضرب قلبها داخل صدرها بعنف ، وشعرت بالحراره تغذو جسدها ، واقدامها اصبحت رخوه لا تقدر علي حملها …!!!
اطرقت برأسها خجلاً وهي تأخذ منه الورده هاتفه بتلعثم: ص ..صباح النو..ور.
هتف يسألها بنبره عابثه قاصداً ارباكها اكثر مستمتعاً بخجلها : نمتي كويس امبارح ؟؟
اجابته وهي تتهرب من نظراته المتفحصه لها: آه الحمد الله ….
هتف بنبره ماكره: يا بختك .. اومال انا معرفتش انام ليه؟؟
رفعت نظراتها اليه وسألته بنبره قلقه ملهوفه :ليه .. مالك ..تعبان .. حاسس بحاجه.
تضخم قلبه بعشقها اكثر واكثر لاستشعاره قلقها وخوفها عليه، ولكنه تابع يضيف بعبث وهو يقترب منها حد الالتصاق: بصراحه تعبااااااان اوي اوووي.
تابعت تضيف بنفس النبره البريئة وهي تضع يديها علي جبينه تتحسس حرارته: سلامتك .. بس انت كويس مش سخن ولا حاجه ..
اجابها بهمس عابث مثير: ازاي بس ده انا مولع ناااار…بس انتي مش حاسه بيا..!!
ادركت اخيراً المغذي من كلماته الوقحه ، فرمقته بنظره موبخه وهي تتصنع العبوس تخفي خلفه ابتسامتها ، هاتفه بهمس:قليل الادب …!!
ثم مدت يدها تاخذ منه طفلها والذي رفض ان يذهب اليها : كده برضه يا موري مش عاوز تيجي لمامي حبيبتك..
اتسعت ابتسامه عاصي وهتف مخاطباً صغيره: رجل يا عمر .. قول لمامتك انك رجل وابن رجل واسمك عمر مش موري والكلام المايع ده …
رمقته غفران بنظره حانقه هاتفه بنبره ساخطه: يا سلام … علي فكره ده ابني انا كمان وانا حره فيه وادلعه زي ما انا عاوزه …
اجابها نافياً بحسم : لا يا روحي الولاد انا اللي هربيهم بطريقتي علشان يطلعوا رجاله قد المسؤليه يطلعوا ولاد الجارحي علي حق ، لكن البنات هسيبك انتي تربيهم بطريقتك بس برضه تحت اشرافي .
نظرت له باندهاش واضافت: ماشاء الله ،وهما فين الولاد والبنات دول ان شاء الله..
اجابها بمكر عابث : جايين يا روحي ، همتك معايا بس وان شاء الله اسلمك عيل كل تسع شهور .
وعلشان تتاكدي اني بتكلم جد ، انا هبدأ تنفيذ من انهارده !!!
تلون وجهها بالوان الطيف وشعرت بالسخونه والبرورده تغزو جسدها في نفس الوقت وهتفت بنبره متلعثمه: انت .. انت بتقول ايه ؟؟
احاط خصرها النحيل بذراعه القوي ضامماً جسدها الي جسده هاتفاً بنبره خافته: هو احنا يا روحي مش اتفقنا امبارح اننا ناخد فرصه تانيه مع بعض ونبدأ من جديد..
انعقد لسانها وقربه منها ورائحه عطره القويه التي تعشقها تلهب حواسها ونظره عينيه القويه التي تأثرها وتنفذ الي داخل روحها ، فلم تستطع ان تنطق وانما اومأت برأسها موافقه دون رد …
فتابع عاصي مضيفاً بنبره اكثر عبثاً : وكمان مضينا علي الاتفاق .. قالها ونظراته مثبته فوق شفتيها يذكرها بقبلته المحمومه لها امس…
فأومأت براسها مره اخري والحمره تزين وجنتيها..
فتابع بنبره اكثر حراره : يبقي انهارده هنفذ العقد ، وهناقش بنوده بند بند ،….
عضت علي شفتيها خجلاً من تلميحاته ونظراته الجريئة ، مما جعل جسده يشتعل والدماء تهدر داخل اوردته مطالباً بضمها اليه ولكنه سيطر علي نفسه بصعوبه حتي لا يفسد ما يخطط له: يالا ننزل نفطر تحت مع جدي علشان نتحرك بعدها علي طول../
استطاعت ان تنطق اخيراً وسالته بنبره خافته: هنروح فين؟؟
اجابها وهو يميل علي اذنها هامساً بخفوت: مفاجاة.
ثم طبع قبله عميقه علي وجنتها قبل ان يتحركوا معاً الي اسفل …..
……………………………
في الاسفل ……
دلفوا معاً الي غرفه الطعام متعانقي القلوب والايدي ، والابتسامه السعيده المشرقه تزين محياهم ، وصوت مناغاه الصغير تضيف لمسه من البهجه تكمل صوره اسرتهم الصغيره التي ابتدت تكتمل وتحصل علي سعادتها ..
اشرق وجه الجد بابتسامه سعيده مرتاحه بالرغم من القلق الذي يعتريه ولكنه سعيد من اجل سعادتهم …
علي عكس دريه التي اظلمت ملامحها بشده لرؤيتهم بتلك الحاله والسعاده تحيط بهم ، وشعرت بالحقد والغل يشتعل بداخلها اكثر واكثر مهما حاولت ان تخفيه…
جلسوا جميعهم حول مائده الطعام ، وتحدث عاصي موجهاً حديثه الي جده وهو يرمق والدته بنظرات جانبيه يرصد رد فعلها علي حديثه : بقولك يا حج، انا وغفران انهارده اجازه مش هنروح الشركه ..
ابتسم الجد ببشاشه هاتفاً بحبور: وماله يا حبيبي ، براحتكم . بس خير مش كده..
اجابه عاصي بغموض: خير ان شاء الله يا حج اطمن ، شويه مشاوير كده هنخلصها وهنرجع علي طول .
لم تستطع دريه السكوت اكثر من ذلك وهتفت بنبره حاده : والبيه مش ناوي يسأل علي خطيبته ويعرف هي فين ولا مش همك حاجه بعد ما عملت اللي انت عاوزه ،!!!!
نسرين مش بايته في القصر من امبارح !!!
رمقها عاصي بنظرات ساخطه وهتفت بجمود مستفز بعد صمت طويل: معلش هي اكيد اعصابها تعبانه بعد اللي حصل واكيد زمانها شويه وراجعه …
ثم وجه حديثه الي غفران : يالا يا غافي علشان نلحق وقتنا …
قالها وسحب غفران من يدها وحمل صغيره علي يذه الاخري وخرج مغادراً القصر باكمله …
………………………….
دلفت دريه الي غرفتها تدور حول نفسها بجنون ونيران الحقد والغل تشتعل داخل صدرها ، وصوره جميله لا تبارح خيالها وهي تنظر اليها بانتصار وصوتها وكلماتها تتردد داخل اذنيها: مهما عملتي يا دريه عمرك ما هترضي ولا هترتاحي !!!!
صرخت بجنون وهي تضع يديها علي اذنيها ترفض سماعها : بس… كفايه .. كفايه…
ثم تناولت هاتفها واتصلت علي نسرين اكثر من مره والتي لم ترد عليها ،: انتي فين انتي كمان ../
غبيه هتضيع كل حاجه بغباءها ….
………………….
تململت نسرين في نومها بانزعاج بسبب رنين الهاتف المتواصل ….
اعتدلت نسرين في الفراش واحكمت الغطاء حول جسدها العاري ، تناولت سيجاره من علبه التبغ الموضوعه بجانبها واشعلتها تاخذ منها نفس عميق زفرته علي مهل واستمتاع…
تناولت هاتفها ونظرت الي رقم خالتها المتصل بها اكثر من مره ثم القته بجانبها بدون اكتراث…
خرج مازن من الحمام عاري الصدر يلف خصره بمنشفه صغيره والماء يتساقط علي صدره من شعره الطويل المبلل فاعطاه مظهر عابث مثير لمعت عين نسرين بنظره اعجاب تأثراً به، ادركها مازن علي الفور ….
تحدث مازن وهو يشعل سيجاره هو الاخر قبل ان يجلس بجانبها علي الفراش: تليفونك رن كتير كنت سامعه وانا في الحمام …
اجابته نسرين بلامبالاة وهي تدخن سيجارتها باستمتاع: دي انطي دريه .. تلاقيها بتتصل تشوفني بايته فين …
سالها مازن بمكر : ورديتي عليها ؟؟
اصدرت صوت من حنجرتها نافيه: تؤ تؤ مش عاوزه وجع دماغ علي الصبح ..
تابع مازن مضيفاً: لا لازم تردي عليها علشان نعرف ايه اللي بيحصل في القصر ،..
علشان انا في فكره كده في دماغي لو ظبطت كل حاجه هتخلص من غير ما حد يحس بينا وثروه الجارحي دي هتكون في ايدينا في ثانيه….
اعتدلت نسرين ونظرت اليه باهتمام هاتفه بلهفه: فكره ايه دي؟؟
اجابها مازن بمراوغه : كلمي بس خالتك الاول وبعدين هقولك…/
ودون تفكير كانت تتصل بخالتها علي الفور والتي جاء صوتها صارخاً غاضباً: انتي فين يا نسرين من امبارح ومش بتردي علي تليفونك ليه ، كلمتك اكتر من مره!!!!!
قلبت نسرين عينيها بملل وهتفت بلامبالاة: اهدي يا انطي براحه ، في ايه حصل لكل ده…
صرخت دريه بجنون: ايه البرود اللي انتي فيه ده ،
انتي فين قوليلي علي مكانك وانا هاجي لك ، انا مش طايقه القصر وعاوزه اخرج منه مش قادره اقعد فيه .
اجابتها نسرين بتلعثم: انا فين … وتيجي ازاي..
قصدي يعني …
اشار لها مازن بمعني ان تدعوها الي هنا فهو يريد ان يقابلها …
تحدثت نسرين مرغمه بامتعاض: بقولك يا انطي ، انا عند مازن في الشقه ، تعالي علي هناك…
هتفت دريه باستنكار: انتي بايته عند مازن ، انتي اتجننتي…!!!!
تحدثت نسرين بمراوغه: وانا كنت هبات فين يعني ، تعالي بس وانا هفهمك كل حاجه لما تيجي …
اغلقت معها ونظرت الي مازن الذي يرمق جسدها العاري بنظرات جريئة وقحه: برافو عليكي يا نيسو تعالي بقي نصطبح قبل ما خالتك تيجي…
وضحكه نسرين العاليه كانت الاجابه علي دعوته الصريحه للمارسه الفجور والرذيله ،غافلين عن الكاميرات التي تلقط وتصور ما يحدث بالصوت والصورة….
رواية غفران العاصي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم لولا
بعد ساعة وصل عاصي وغفران إلى إحدى القرى السياحية الخاصة في الساحل الشمالي والتي تمتلكها مجموعة الجارحي.
توقفت سيارة عاصي الخاصة وخلفها سيارة الحرس الخاص به أمام مارينا اليخوت.
تطلعت غفران من نافذة السيارة تنظر إلى مرسى اليخوت الذي يضم عدداً كبيراً من اليخوت الفارهة.
أدارت رأسها إليه وهتفت تسأله بعدم فهم:
"إحنا جايبنا هنا ليه؟"
أجابها عاصي مراوغاً:
"اصبري على رزقك وأنتِ هتعرفي كل حاجة."
ثم همس بخفوت وهو يقترب بوجهه منها حتى اختلطت أنفاسهما:
"سيبيني نفسك على الآخر وأوعدك مش هتندمي."
همست برقة وهي تضغط خصلة شاردة خلف أذنها:
"أنا واثقة فيك."
سحب عاصي نفساً طويلاً معبقاً برائحتها الساحرة المختلطة بود البحر، شاعراً براحة كبيرة لاعترافها بثقته فيه.
رفع كف يدها يقبل باطنه هامساً بعشق:
"وأنا بموت فيكِ يا روح عاصي."
"يلا بينا."
قالها وترجلوا معاً من سيارته ومعهم الصغير ومربيته التي كانت تسير فاغرة الفاه وهي تتطلع حولها بانبهار.
ساروا معاً على الممر الحجري الذي يقع وسط المياه وتحيط به اليخوت العملاقة من الجانبين، حتى وقفوا أمام أكبر وأفخم يخت موجود في المارينا كلها.
هتفت غفران متسائلة وهي ترفع رأسها تنظر إليه وهي تضع كف يدها الصغير فوق عينها لتحجب بها أشعة الشمس عن عينها:
"إحنا وقفنا ليه؟"
أجابها عاصي وهو يناظرها بنظراته العاشقة:
"وقفنا عشان وصلنا."
تلفتت حولها ثم سألته:
"وصلنا فين؟"
أحاط خصرها النحيل بذراعه القوي بحميمية وأشار بيده الحرة إلى يخت فاره عملاق يبهج النظر والنفس مجيباً بكلمة واحدة مقتضبة أذهلتها:
"بيتك!"
رمشت بعينيها عدة مرات تستوعب ما قاله وهي تنظر إلى حيث أشار بذهول، ثم أعادت نظراتها إليه تنظر إليه بعدم تصديق.
ولكن ابتسامته الجذابة الأثيرة وإيماءة من رأسه كانت هي إجابته عليها.
شهقت غفران واضعة كفيها على فمها وعينيها مفتوحة على وسعها لا تصدق ما تسمعه أو تراه:
"أنت بتتكلم جد، ده بيتنا!"
أجابها نافياً:
"تؤ تؤ أنا قلت بيتك أنتِ، مش بيتنا! مش أنتِ طول عمرك نفسك يكون عندك يخت كبير بتاعك أنتِ غير بتاع العيلة. آهو يا ستي بقى عندك اليخت اللي بتحلمي بيه وملكك لوحدك."
ثم تابع بنبرة مشاكسة:
"ولو يعني ممكن تبقي تستضيفني عندك يبقى كرم أخلاق منك."
قفزت غفران عليه تعانقه بقوة وقلبها يتضحم في صدرها من السعادة.
هتفت بنبرة عاشقة ولم تستطع أن تمنع دموعها من النزول تأثراً بما يفعله من أجلها:
"أنا بحبك أوي يا عاصي. وعمري ما ندمت على عشقي ليكِ في يوم من الأيام. ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
ضمها عاصي إلى جسده معانقاً إياها بقوة رافعاً جسدها عن الأرض.
دفن رأسه في عنقها يستنشق عبيرها الآخاذ بافتتان هاتفاً بنبرة عاشقة أذابتها:
"أنا اللي بندم على كل لحظة في عمري عدت عليا من غير ما أكون جنبك وبقاوم فيها حبك. لو بأيدي أرجع سنين عمري لورا عشان أعشقك من أول يوم اتولدتي فيه على إيديا هعمل كده عشان أعشقك أكتر وأدوب فيكي أكتر وأكتر."
طبع قبلة عميقة على عنقها المرمري ارتجف جسدها على أثرها.
همست بصوت خافت خجلاً في أذنه:
"عاصي… الحرس!"
صمت لثوانٍ يستوعب كلماتها.
أخرجها من أحضانه برفق دون أن يحرر جسدها من بين ذراعيه.
ثم رمق الحرس والمربية بنظرة شرسة من عينيه جعلتهم يبلعوا ألسنتتهم ويشيحوا بنظراتهم عنهم بخوف.
ثم تحرك متجهاً لداخل اليخت وهمس بجانب أذنها بمشاكسة:
"أعمل لك إيه حضنك نساني نفسي!"
تورّدت وجنتاها خجلاً ولم ترد.
ثم قبض على كف يدها يصعد بها درجات السلم المعدني الذي يربط بين اليخت وبين رصيف المرسى.
كان اليخت عبارة عن تحفة فنية تشع بهاء ورفاهية. كان عبارة عن منزل عصري فخم عائم في المياه، مكون من ثلاثة طوابق.
الطابق الأول: يضم صالة جلوس واسعة ومطبخ كلير عصري به كل الإمكانيات إلى جانب عدد من الغرف الخاصة بالخدم.
والطابق الثاني: هو الطابق الذي يضم الصالون الرئيسي وقاعة الطعام وغرفة المعيشة.
أما الطابق الأرضي فكان مخصصاً لغرف النوم.
والسطح كان حكاية أخرى، فيه حمام سباحة كبير وجلسات دائرية كبيرة على جانبي السور، إلى جانب مخرج مزود بمركب صيد صغير وعدد من الدراجات المائية.
كانت غفران تدور حول نفسها غير مصدقة ما تراه أمامها وعاصي يقف واضعاً يديه في جيب بنطاله مبتسماً بسعادة لسعادتها.
لم تستطع غفران منع نفسها من الارتماء في حضنه مطوقة عنقه بذراعيها طابعة شفتيها على شفتيه تقبله قبلة شغوفة تدع فيها كل عشقها وشعورها بالسعادة والامتنان له، ولأول مرة تكون هي المبادرة.
فوجئ عاصي بهجومها المباغت ولكن سرعان ما فاق من دهشته وطوق خصرها بذراعيه يضم جسدها اللين إلى جسده الصلب بقوة حتى ارتفعت قدماها عن الأرض وتولى هو زمام الأمور مقتحماً شفتيها الرقيقتين بشفتيه الغليظتين ساحقاً إياها بقبلة عنيفة والدماء الساخنة تهدر بقوة داخل أوردته وجسده يتصلب بشدة مطالباً وصالها بجنون.
فصلت قبلتهم أخيراً وهما يلهثان بشدة دون أن يحررها من أحضانه.
همس بحرارة أمام شفتيها:
"أنتِ عارفة نتيجة اللي أنتِ بتعمليه ده إيه؟"
أجابته بهزة خفيفة من رأسها موافقة وهي لازالت تلهث بشدة.
تابع بنفس النبرة الهامسة متسائلاً بعبث:
"وهتقدري تستحملي نتيجة عملك دي؟"
ضحكت بغنج وهتفت بنبرة متحدة بشقاوة ألهبته:
"أنا عن نفسي هستحمل المهم أنت اللي تقدر تسد ياباشا."
ثم اتبعت قولها بغمزة عابثة شقية بعينيها الساحرتين.
أظلمت عيناه برغبة جامحة في امتلاكها الآن واشتعل جسده بنيران عشقها التي تتأجج داخل صدره بقوة.
ارتسمت ابتسامة ماكرة على زاوية شفتيه ورمقها بتلك النظرة التي تشعرها أنها أجمل أنثى في الكون.
خلع جاكيت بدلته ورابطة عنقه ثم رفع أكمام قميصه لأعلى تحت نظراتها الذاهلة.
"بتعمل إيه يا مجنون؟"
انحنى جذعه قليلاً وحملها على كتفه كجوال بطاطا مقلوب هاتفاً بعبث:
"استعنا على الشقي بالله. رايح أناقش بنود العقد."
ثم هرول مسرعاً ينزل الدرج متجهاً إلى الطابق السفلي حيث غرف نومهم وضحكات غفران تصدح في اليخت بسعادة.
دخلوا إلى غرفتهم وعاصي لا يزال يحملها على كتفه واستدار مغلقاً الباب خلفه بالمفتاح.
أنزلها من على كتفه في وسط الغرفة دون أن يفلتها من بين ذراعيه.
أزاح بعضاً من خصلاتها الحريرية المنسابة بنعومة على جانبي وجهها وهو ينظر داخل عمق عينيها بنظرات تلتهمها عشقاً وشغفاً.
زفر تنهيدة مرتاحة أخيراً من بين جنبات صدره هامساً بحرارة أمام نظراتها المحبة:
"يااااه! أخيراً يا غافية هرتاح وأرسى على شطك بعد ما قعدت أعافر وسط الموج وكنت خلاص فقدت الأمل في النجاة وإني هغرق وأموت. بس جيتي أنتِ في الآخر ومديتي إيدك ليا وشدتيني وأنقذتيني من الغرق. إيدك هي كانت صك الغفران اللي كنت بسعى أوصله في وسط الموج العالي. والحمد لله وصلت له."
ثم اقترب منها حتى تلامست شفاههم وهمس بأنفاس ساخنة ملتهبة:
"خلاص يا غافية، غفرتي وسامحتي العاصي؟"
أجابته بنفس الهمس والدموع تترقرق داخل عينيها الجميلتين وهي تحيط وجنتيه الخشنة كثيفة الشعر بيديها الصغيرتين الناعمتين:
"العاصي مش محتاج الغفران في حاجة لأنه وصله من زمااااان أوي. لأنه مينفعش يكون في عاصي من غير غفران. ولا غفران من غير عاصي. إحنا غفران العاصي!"
ضمها إلى صدره بقوة يريد أن يسجنها داخل أحضانه وبين ضلوعه بجانب قلبه.
شددت غفران من ضم نفسها إليه تنعم بدفء أحضانه مكانها وأمانها مهما طال البعد بينهم إلا أن مكانها داخل صدره وفوق قلبه.
أخرجها عاصي من أحضانه هامساً بخفوت:
"غمضي عينيكِ."
استجابت لطلبه وأغمضت عينيها.
تناول جهاز التحكم عن بعد وضغط عليه فانفتحت الستائر الإلكترونية التي كانت تغطي جانب من جوانب الغرفة تخفي خلفها حائط كامل من الزجاج يكشف عن قاع البحر من الخارج في منظر بديع يخطف الأنفاس.
تحدث بهمس حار وهو يطبع قبلة رقيقة بجانب شفتيها وأنفاسه الساخنة تلفح بشرتها:
"فتحي عينيكِ."
فتحت غفران عينيها والتي سرعان ما اتسعت على وسعها انبهاراً واندهاشاً مما تراه:
"الله! إيه الجمال والروعة دي مش ممكن دي تجنن، حلوة أوي أوووي."
ابتسم عاصي سعيداً لسعادتها وسألها:
"عجبتك؟"
أجابته بإعجاب جلي ظهر على قسماتها:
"تخبل، تجنن… أنت عملت كل ده علشاني!"
أجابها بنبرة عاشقة صادقة لا تقبل الشك:
"عمري كله قليل عليكي يا غافية."
ثم تابع بنبرة عابثة:
"وبعدين كفاية تضييع وقت أنا عايز أناقش بنود العقد معاكي، أنا رجل أعمال وبقدر الوقت جداً ومش بحب أضيع وقتي في كلام وبس."
ثم اقترب منها مقبلاً شفتيها قبلة رقيقة متقطعة هامساً من بين قبلاته:
"أنا… بموت… في العقود… ومناقشة… العقود… وبنود… العقود… بند… بند."
تخدّرت من قبلاته ولمساته الساخنة، حتى وصلت يديه إلى سحاب فستانها ففتحها برقة أذابت عظامها مسقطاً الفستان من على كتفيها بنعومة.
حملها عاصي برقة بين ذراعيه ووضعها على الفراش بحنو وأشرف عليها بجسده القوي الصلب هامساً بلهيب محترق:
"بعشقك يا غفراني!"
أحاطت عنقه بذراعيها وقربت وجهه من وجهها هامسة بنفس الحرارة:
"وأنا معرفتش معنى العشق إلا لما عشقت يا عاصي قلبي."
ثم طبعت شفتيها الناعمتين الرقيقتين على شفتيه تقبله برقة سرعان ما تحولت الرقة إلى هجوم ضارٍ عنيف على كل شبر في جسدها يقوده عاصي في رحلة عاشقة صاخبة بين الأمواج العالية التي تنافسها قوة وعنفوان الأمواج الثائرة التي تموج بين جنبات صدره.
أسند مازن ظهره إلى ظهر الفراش خلفه والعرق يتصبب من جسده بغزارة جراء المجهود العنيف الذي بذله منذ قليل.
أشعل سيجارة وأخذ يسحب منها أنفاساً عميقة تساعده على الاسترخاء.
جلست نسرين بجانبه نفس جلسته وأشعلت سيجارة مثله، بدوا لوهلة مطابقين لبعضهما البعض بشكل غريب مجسدين صورة حية للحقارة والدناءة.
ظلوا صامتين لبضع دقائق دون حوار فقط صوت أنفاسهم هي المسموعة في الغرفة وسط سحابة ضبابية كثيفة تلتف حولهم مضيفة لمحة من الظلام تماثل الظلام والسواد القابع داخل نفوسهم.
ضحكت نسرين بخفوت ثم ابتدأت أصوات ضحكاتها في التعالي أكثر وأكثر بهيستيرية حتى دمعت عيناها من شدة الضحك.
نظر لها مازن متفاجئاً منها وشيئاً فشيئاً شقت الابتسامة شفتيه هو الآخر وسرعان ما شاركها الضحك بصخب.
هتف من بين ضحكاته:
"أنتِ بتضحكي على إيه؟"
هدأت ضحكاتها وأجابته:
"بضحك على الدنيا."
سكنت ضحكاتها تماماً وارتسمت القسوة والغل على قسماتها وتابعت:
"الدنيا اللي عمالة تلطش فيا من يوم ما وعيت على الدنيا… طفلة عندها ست سنين أبوها وأمها اتطلقوا ورموها عند خالتها، خالتها اللي كانت السبب في طلاق أبوها وأمها… خالتها اللي مش بتحب تشوف أي اتنين بيحبوا بعض يكونوا مرتاحين وسعداء مع بعض، عشان هي فشلت تتجوز الإنسان الوحيد اللي حبته عشان ببساطة هو محبهاش وكان بيحب واحدة غيرها ومستنيها تخلص دراستها وتكبر عشان يتجوزها."
تابعت تضيف ببكاء:
"تقوم تخطف من أمي الرجل الوحيد اللي حبته وتفرق بينهم وتتجوزه، وأمي تتجوز رجل ما بتحبوش ولا هو بيحبها وتنتهي حياتهم بالطلاق وأدفع أنا التمن… ومش بس كده أعيش مع خالتي اللي سقتني الكره والغل بالملعقة."
صدح صوت خالتها في ذاكرتها وهي تعنفها:
"قلت لك مليون مرة متكلميش جميلة دي ولا تقربي منها، دي ست وحشة عايزة تموتك ومش بتحبك لو شفتك بتكلميها تاني هضربك وهحبسك في الضلمة."
ومرة أخرى:
"أنا مش قلت لك لعب مع غفران لا، غفران وحشة زي مامتها، بيكرهوكي وعايزين يمشوكي من القصر ابعدي عنهم."
أشعلت سيجارة أخرى وشريط حياتها يعاد أمامها:
"وكبرت وكرهي لجميلة وغفران بيكبر معايا، بس كرهي الأكتر كان لدرية عشان هي السبب في بعدي عن أمي وأبويا، على قد ما كرهتهم عشان رموني عندها وكل واحد فيهم عايز يخلص مني، على قد ما كرهتها هي أكتر."
شقت ابتسامة خفيفة شفتيها وهي تتابع:
"هو الوحيد اللي حبيته، هو الوحيد اللي كان حنين عليا وعمره ما عاملني بطريقة وحشة، عاصي الوحيد اللي حبيته."
ابتسم مازن بسخرية قاطعاً استرسالها واضعاً حقيقتها صوب عينيها:
"حب إيه يا نيسو اللي بتتكلمي عنه ده، أنتِ عمرك ما حبيتي عاصي، أنتِ بتحبي نفسك وبس."
صرخت فيه نسرين بجنون تنفي ما يقوله:
"لا بحبه وعمري ما حبيت حد غيره."
هتف مازن مستهزئاً:
"واللي بيحصل بينا ده إيه؟ ولا ده مالوش علاقة بحبك ليه؟"
اهتزت نظرات نسرين وتحدثت بتلعثم وهي تشيح بنظراتها عنه:
"أنت… أنت السبب، أنتِ اللي ضحكت عليا ووقعتني في شباكك لما كنت بمر بفترة صعبة بعد سفر عاصي."
تابع مازن يقر بحقيقتها يواجهها بها رافضاً إلقاء اللوم عليه:
"أنا مضربتكش على إيدك يا حبيبتي، كله كان بمزاجك وبموافقتك، أنتِ مش عيلة صغيرة عشان يتضحك عليكي وأطلع أنا الشرير اللي غرر بيكي وسقاكي حاجة صفرا واعتدى عليكي."
هدر متابعاً بنبرة غاضبة أرعبتها:
"فوقي من الوهم اللي أنتِ عايشة فيه ده، دور المظلومة دي مش لايق عليكي. أنتِ عمرك ما حبيتي عاصي، أنتِ حبيتي فلوسه والأمان اللي موفرهولك في بيت أهله. أنا وأنتِ زي بعض مش بتوع حب إحنا بتوع مصلحتنا وبس. لكن لو جينا للحق غفران هي اللي حبت عاصي وعشقته من كل قلبها وأخلصت له من غير حتى ما كان يعرف إنها بتحبه أو يرتبط بيها. غفران اللي أنتِ خلتيني أرمي شباكي حواليها وأطاردها في كل مكان عشان أوقعها فيا. غفران اللي حركت فيا روح العند والتحدي لما رفضتني بكل الطرق وحلفت إني لازم أوقعها وأجيب مناخيرها الأرض وبرضه معرفتش. الست اللي تصمد قدام رجل زيي زير نساء بيعرف يعامل الست بالطريقة اللي ترضي غرورها وأنوثتها وما تاخدش في إيده غلوة خصوصاً لو واحدة خام وبريئة زي غفران، ده بخلاف أخلاقها فهي واحدة بتعشق بجد ومش شايفة في الدنيا دي كلها غير الرجل اللي بتعشقه."
أشعل سيجارة أخرى غير التي احترقت دون أن يمسها متابعاً بقهر فهو يتمنى أنثى مثل غفران تعشقه وتخلص له ويكون الرجل الأوحد في حياتها:
"والدليل على كده إنه حتى بعد ما طلقها حافظت على ابنه اللي في بطنها ومنزلتوش زي ستات كتير بتجهض نفسها لما بتطلق من جوزها عشان يبقى مفيش حاجة تربطها بيه. ورجعت له بابنه ومحرمتوش منه، على الرغم من إنها مش محتاجة له وعندها ملايين تقدر تعيشها عمرها كله مرتاحة ومش محتاجة لحد. عشان كده هي تستاهل إن عاصي يعشقها هو كمان وما يفرطش فيها بسهولة لأن اللي زيها بقوا عملة نادرة أوي اليومين دول."
صرخت فيه نسرين بجنون رافضة ما يقوله:
"كذب كل ده كذب عاصي هيتجوزني أنا هو قالي كده. وبعدين لما أنت عارف إنها بتحبه أوي كده ليه مكمل في خطتنا وعايز تاخدها منه؟"
توحشت نظرات مازن هاتفاً بكره:
"عشان أحرق قلبه عليها، غفران بالنسبة لي هي المصباح السحري. هي اللي هقدر عن طريقها أنتقم من عاصي وأحرق قلبه عليها وأشفي غليلي منه وأضيع منه كل حاجة زي ما ضيع مني كل حاجة وخسرني أبويا وأمي وكل ثروتي. وغفران مش هتاخد في إيدي غلوة، تمضي لي تنازل عن كل ثروتها في مقابل إني أسيبها عايشة هي وابنها ولو إني عارف إنها مش هتعيش لحظة بعد موت عاصي."
هتفت نسرين تسأله بتوجس:
"أنت هتقتله؟"
شعر مازن أنه باح بكثير مما ينوي فعله، فأجابها مراوغاً:
"قصدي إنها مش هتستحمل من اللي هعمله فيه، الموت بالنسبة له هيبقى راحة وأنا مش عايزاه يعيش يوم مرتاح."
تنهدت نسرين هاتفاً براحة:
"أيوه يا مازن أو إوعى تقتله أنت عارف لو عاصي حصل له حاجة أنا هبقى في الشارع ده غير إن مفيش حد هيرضى يتجوزني وأنا مش بخلف. هو ابن خالتي مهما كان ومش هيرضى لي البهدلة."
ضحك مازن ضحكة ساخرة هازئة:
"غريبة! يعني أنتِ عارفة إنه مش هيفرط فيكي ولا يبهدلك ومع ذلك قاعدة بترسمي وتخططي إزاي تنتقمي منه."
أجابته نسرين بغل ونظراتها تلمع بمس مجنون:
"أنا بقرص ودنه عشان سابني وفضل عليا غفران."
بعد ساعة… في صالون شقة مازن.
صدح صوت نسرين هاتفه بغل:
"يعني إيه متعرفيش خرجوا راحوا فين وكمان معاهم الولد والمربية كمان."
أجابتها درية بعصبية شديدة:
"مش عارفة يا نسرين مش عارفة هتجنن، كده خلاص كل حاجة رجعت زي ما كانت وجميلة وبنتها هما اللي كسبوا وأنا اللي خسرت كل حاجة، خسرت كل حاجة."
هتفت نسرين بإصرار:
"متخافيش يا آنطي مفيش حاجة هتحصل غير اللي إحنا عايزينه وكل حاجة هتم زي ما خططنا لها بالظبط."
"يا رب يا نسرين يارب."
كان مازن يتابع حديثهم جالساً باسترخاء وجسده في حالة انتشاء بعد تناوله جرعة من المخدر.
تحدث مازن بهدوء موجهاً حديثه إلى درية يسألها باهتمام:
"الأ قوليلي يا درية هانم، هو إيه السبب اللي مخليكي كارهة غفران أوي كده وعايزة تخلصي منها بأي شكل."
نظرت درية إليه هاتفاً بحدة:
"وأنت مالك، يخصك في إيه، أنت تنفذ اللي أقولك عليه وبس."
ثم تابعت تضيف بغرور وتعالي:
"وأظن أنا بدفع لك كل اللي بتقول عليه يبقى تنفذ وبس."
ضرب مازن بقوة على المنضدة الرخامية التي أمامه بقوة أفزعتهم في مكانهم هادراً بوحشية:
"بقولك إيه يا ولية إنتي اتعدلي وأنتِ بتتكلمي معايا، أنا مش شغال عندك عشان تتنططي عليا. إحنا شركاء مع بعض، وكلنا في الهوا سوا."
رفع إصبعه يشير عليهم وأكمل:
"إنتوا من غيري ولا حاجة ومش هتعرفوا تعملوا حاجة، يبقى تسمعوا كل اللي أقول عليه من غير نقاش. مفهوم."
نطق كلمته الأخيرة صارخاً فيهم مما جعلهم يهزون رؤوسهم بطاعة وخنوع.
استرخي في جلسته كما كان وأشعل سيجارة جديدة وهتف يتحدث بنبرة فظة:
"ودلوقتي أنا سألت سؤال ومستني أسمع إجابته."
حمحمت درية تجلي حنجرتها وتحدثت ونظراتها شاردة للبعيد:
"أبويا إسماعيل الجارحي مخلفش غيري أنا ودولت أختي وكان رجل هلاس صرف كل فلوسه على نزواته لحد ما ضيع كل ورثه وعمي منصور هو اللي كان بيساعدنا في المصاريف. أنا الصغيرة ودولت هي الكبيرة وأبويا كان عايزنا نتجوز أحمد ومصطفى ولاد عمي منصور. وفعلاً دولت كانت بتحب أحمد وهو كمان كان بيحبها وكان مستني يخلص الجيش بتاعه ويتقدم لها. وأنا كنت بحب مصطفى عشقته بجنون، بس هو مكانش شايفني ولا عمره حس بيا ولا بمشاعري."
تنهدت بحسرة والنيران تتقد داخل صدرها من جديد:
"كنت بحبه من أول ما كبرت وعرفت يعني إيه حب كان عندي 16 سنة فضلت أحبه بيني وبين نفسي وعملت كل حاجة عشان ألفت نظره ليا وبرضه وهو مش هنا، لحد ما في يوم قررت إني صارحه بحبي طالما هو مش واخد باله مني. روحت اعترفت له بحبي."
صمتت تسترجع كلامه ونظراته لها في ذلك اليوم:
"بس للأسف قالي إنه مش بيحبني وإنه معتبرني أخته وإنه بيحب واحدة تانية زميلته معاه في الجامعة هي في سنة أولى وهو في آخر سنة ومستني يتخرج ويتقدم لها ويتجوزها بعد ما يخلص الجيش بتاعه. ساعتها النار قادت فيا، مشيت من غير ما أنطق بأي حاجة وهو فسر سكوتي إني خلاص رضيت بالنصيب. روحت البيت جالي انهيار وقعدت أكتر من 3 شهور مش بخرج من البيت وهو انشغل في امتحاناته وبعدها عمي جه البيت واتفق مع أبويا على خطوبة دولت وأحمد في نفس يوم خطوبة مصطفى وجميلة. وحصل واتخطبوا حاولت بكل الطرق أفرق بينهم معرفتش، لدرجة إني روحت قلت لجميلة إنه غلط معايا وإني حامل منه برضه مصدقتهوش وساعتها هو لما عرف ضربني بالقلم وده كان أول قلم أضربه في عمري. ساعتها حلفت لأدفعه تمن القلم ده غالي أوي. وإني هدخل قصر منصور الجارحي عروسة زيي زي جميلة بالظبط وهكون أحسن منها."
استغلت أن أحمد ودولت كانوا متخانقين مع بعض وبينهم مشكلة وبدأت ألعب في دماغ أحمد وأقنعه إن دولت مش بتحبه وإنها عايزة تتجوزه عشان فلوسه وبس. وعلى رأي المثل الزن على الودان أمر من السحر. مرة على مرة ابتدى يقتنع والمشاكل تزيد بينهم وابتديت أقنعه إني بحبه."
ضحكت بسخرية وتابعت:
"أصل أحمد كان طيب أوي وعلى نياته مش زي مصطفى، وهو ابتدى ينجذب ليا وبعدها دولت شكت إن في حاجة بينا وواجهتني وأنا ما أنكرتش وقلت لها إننا بنحب بعض. زعلت مني وقاطعتني وأنا مافرقش معايا وبعد شهر كنا متجوزين أنا وأحمد. وبعد الجواز بشهر حملت في عاصي والدنيا بينا كانت كويسة لحد اليوم اللي اتجوز فيه مصطفى وغفران. حياتي كلها اتقلبت، ماكنتش بقدر أشوفهم مع بعض وهما مبسوطين وفرحانين وبيحبوا بعض وأنا عايشة مع رجل بكرهه وعمري ما حبيته. لما جميلة كان عندها مشاكل منعت إنها تخلف وقعدت تتعالج منها، ساعتها فرحت وقلت هيطلقها. لكنه مطلقهاش فضل معاها وجنبها وحبهم بيكبر كل يوم عن اللي قبله."
صمتت تلتقط أنفاسها وتتابع بقهر وحسرة:
"تسع سنين فضل يعالج فيها لحد ما حملت في غفران. تسع سنين وأنا كل يوم قلبي بيتحرق أكتر من الأول والنار جوايا بتزيد مش بتقل. وساعتها قررت إني أحمل تاني رغم إني كنت مقررة أكتفي بعاصي بس، بس عاندت وحملت وخلفت عمر."
غص حلقها واختنقت بالدموع:
"عمر كان قد غفران بالظبط الفرق بينهم شهور. وهما عندهم خمس سنين سافر مصطفى وجميلة الحج وهما راجعين غرقت بيهم المركب اللي كانوا مسافرين بيها وماتوا. على قد ما قلبي اتحرق على موت مصطفى على قد ما انقهرت إنها معاه حتى في الموت. وكرهي ليها كله حولته لغفران، كرهتها زي ما كرهت أمها وأكتر خصوصاً مع اهتمام الكل بيها."
صمتت والذكرى تلوح أكتر في مخيلتها:
"وعدت السنين وعمر بقى عنده 15 سنة وعاصي عنده 25. كنت بكلم دولت في التليفون واتخانقنا مع بعض وكنا بنتكلم على مصطفى وقعدت أزعق معاها وقلت لها إني لسه بحبه حتى بعد ما مات وعمري ما حبيت أحمد. وماكنتش واخدة بالي إن أحمد واقف وبيسمعني، وبعد ما قفلت معاها أحمد ضربني نفس القلم اللي مصطفى ضربهولي. وقالي إنه بيكرهني وبيحتقرني وإنه ندمان على جوازه مني وإنه كان أعمى وغبي لما صدقني وساب دولت علشاني، إنه لازم أدفع تمن اللي عملته فيهم. بس هو عشان خاطر الولاد مش هيفضحني ولا هيتكلم عن اللي سمعه، هيطلقني ومش هيديلي حقوقي بس لما يرجع من سفرية شغله في القاهرة."
ابتلعت غصة مسننة تسد حلقها وتابعت:
"ساعتها شيطاني عماني ووسوس لي إني لازم أتخلص من أحمد، ما هو مش بعد العمر ده كله هيطلقني ويرميني من غير ولا مليم، وعمري اللي ضاع وأنا مراته مش هيروح على الفاضي. نزلت الجراج بالليل والكل نايم وقطعت فرامل العربية وطلعت نمت من غير ما حد يحس بيا، أصل هو ساب لي الأوضة بعد اللي حصل. وعشان محدش يشك فيا أخدت منوم كنت بستخدمه لما بيجيلي أرق، عشان لما أصحى وأسمع الخبر أتفاجئ بخبر موته. وحصل واتفاجئت بخبر موته بس مكنش لوحده، عمر كان معاه، عمر مات معاه."
قالتها وانخرطت في بكاء هستيري.
نظر لها مازن جاحظ العين هاتفاً بصدمة:
"قتلتِ ابنك!"
رفعت رأسها المنكسرة تهتف فيه بجنون وشراسة:
"مش أنا اللي قتلته جميلة هي اللي قتلته، جميلة هي السبب، هي السبب في كل حاجة وحشة حصلت لي وعلشان كده لازم بنتها تدفع تمن اللي عملته أمها."
رواية غفران العاصي الفصل الثلاثون 30 - بقلم لولا
ظلت تبكي وتزرف دموعاً كثيرة، تجري أنهاراً على وجنتيها، وقلبها ينزف حزناً على موت ابنها. ولكن دموعها، حتى وإن كانت صادقة وحقيقية، إلا أنها لم تؤثر في أي منهم بمثقال ذرة.
هدرت درية بعنف وهي تمسح دموعها، مخاطبة مازن بشراسة:
"اديك عرفت كل حاجة أهو. ممكن تقولي انت ناوي على إيه؟ ولا هو سحب فلوس وخلاص؟"
نظر لها مازن بنفور وملامح ازدراء من خلف غمامة دخان سيجارته الكثيف. اعتدل في جلسته، مستنداً بمرفقيه على ساقيه، مشبكاً أصابعه معاً، ثم تحدث بملامح شيطانية مفصحاً عن خطته للانتقام من عاصي:
"فتحوا لي مخكم كده وركزوا في اللي هقوله، علشان كل واحد منا له دور معين هيقوم بيه علشان نخلص من أم الحوار ده ونفضها سيرة، وكل واحد ياخد حقه ومع السلامة."
ثم بدأ في سرد خطته وتفاصيلها عليهم، دون أن يفصح عن أهم جزء في خطته.
هتف بنبرة متفاخرة وهو يعتدل في جلسته، مشعلاً سيجارة أخرى:
"ها، إيه رأيكم؟"
تبادلت درية ونسرين النظرات معاً برعب. وهتفت درية متحدثة بنبرة متوجسة:
"انت متأكد من إنك هتقدر تنفذ اللي قلت عليه ده؟ القصر في جيش بيحرسه، إزاي هتقدر تفلت منهم وتدخل القصر انت والرجالة اللي معاك؟"
تحدث مازن بنبرة واثقة:
"لأ، من جهة هقدر، فـ هقدر. اطمئني. بس الأهم من كده إنكم تنفذوا دوركم كويس. نسرين تعطل كاميرات المراقبة بتاعة القصر من بره ومن جوه. وانتِ تتأكدي بنفسك إنك حطيتي المنوم في الأكل بتاع الحرس، والأكل بتاع غفران وعاصي ومنصور الجارحي. وساعتها أنا أدخل أضرب ضربتي وآخد غفران وأمشي. وعلى بال ما عاصي باشا يفوق هو والحرس بتاعه يفوقوا، أكون أنا وغفران في وسط البحر، طالعين على اليونان، ومن اليونان على أمريكا."
ثم همس داخل نفسه:
"بس مش همشي قبل ما أخلص عليكم كلكم واحد واحد، وأولكم عاصي الجارحي. وساعتها كل اللي يملكه عاصي هيكون ملكي أنا... ملك مازن الدالي."
***
بوجنتين مخصبتين بحمرة الخجل، وقفت غفران تتطلع إلى انعكاس صورتها في مرآة الحمام، وهي ترى آثار هجومه الكاسح على جانبي عنقها ومقدمة صدرها، المزينين ببقع حمراء داكنة. عضت على شفتيها خجلاً، والحرارة تغزو جسدها من جديد، وهي تتذكر لقاءهم الساخن الملتهب منذ قليل، وكيف واتتها الجرأة للتحرر من كل قيودها وخجلها معه، مطلقة العنان لمشاعر الأنثى بداخلها لإسعاده وتعويضه عن شهور من الحرمان. استقبلها هو منها بعاطفة أكثر جرأة وأكثر سخونة.
تأكدت من إحكام المنشفة جيداً حول جسدها العاري، ثم سحبت نفساً عميقاً وزفرته مرة واحدة، لكي تستجمع شجاعتها قبل أن تخرج من المرحاض وتواجه عينه الثاقبة الماكرة.
كان عاصي جالساً على الفراش، مستنداً بظهره إلى ظهر الفراش خلفه، واضعاً ذراعه خلف رأسه بانتشاء أسد كسول التهم فريسته للتو، شاعراً بالامتلاء والاكتفاء، ولكنه أبداً لم ولن يكتفي منها. اتسعت ابتسامته العابثة عندما وجدها تخرج من الحمام محمرة الوجنتين، تعض على شفتيها خجلاً. من يرى خجلها الآن كطفلة صغيرة، لن يصدق أنها كانت منذ قليل بين يديه امرأة جامحة، متطلبة، معطاءة بسخاء.
مشط جسدها بنظراته الجريئة، وتوقف عند عنقها المرمري المزين بعلاماته. انتفخ صدره بفخر ذكوري، وذكري اللقاء المتوهج تشعل النار في جسده المشتعل من الأساس، فتزيد من لهيبه.
وضعت يدها تقبض على مقدمة المنشفة حتى لا تسقط أرضاً، وهرولت بخطوات مسرعة تدلف إلى غرفة الملابس، تختفي بداخلها هاربة من نظراته العابثة التي تلتهمها.
بأصابع مرتجفة، كانت تبحث بين الملابس التي أحضرها لها. همست بصوت خفيض:
"هما كلهم قمصان نوم ومايوهات، مفيش حاجة تنفع تتلبس بره أوضة النوم!"
"لأ، مفيش." همس بها عاصي بخفوت وإثارة في أذنها من الخلف، بعدما طبع قبلة حسية على عنقها، وأنفاثه الساخنة تضرب مؤخرة عنقها من الخلف، ويديه تلتف حول خصرها تتحسس جسدها ومفاتنها بجرأة لم تعهدها به من قبل.
همست بتقطع ولهيب صدره العاري يحرق ظهرها:
"ع... عا... صي!"
أجابها من وسط قبلاته الملتهبة التي يوزعها على جسدها الذي يعتصره بين ذراعيه:
"عيون... عاصي... قلب... عاصي... عمر... عاصي!"
هتفت بأنفاس مسروقة:
"ابعد!"
تابع مجيبها بنفس الهمس:
"أموت لو بعدت عنك."
وأدار جسدها في لحظة، مطبقاً شفتيه الجائعة على شفتيها الرقيقتين، ملتهمها في قبلة جائعة متطلبة سلبت أنفاسهم. حملها ولف ساقيها حول خصره دون أن يفصل قبلته. لم يصبر حتى يذهب إلى فراشهم، بل توجه نحو طاولة الزينة وأزاح ما عليها، وأجلس غفران عليها منفرجة الساقين، وحاشراً جسده بين ساقيها.
فصلت غفران قبلته، هاتفة بلهث:
"انت بتعمل إيه يا مجنون؟"
بجسد مشتعل، منتصب الأعصاب، أجابها وهو ينزع عن جسدها المنشفة التي تحجب عنه ممتلكاته، وفعل المثل مع نفسه، هامساً بجوع أمام شفتيها:
"فيه بند في العقد محتاج أراجعه قبل ما أمضي عليه."
قالها، والتهم شفتيها بقبلة عنيفة سحق فيها شفتيها. وكانت تلك القبلة هي شرارة البداية للغرق بها وفيها، في رحلة غرام وعشق ملتهب في بحر عشقه المجنون صاخب الأمواج، حتى رسى أخيراً على شاطئها، مرتاح البال، قرير العين.
***
في مساء اليوم التالي.
كان عاصي يقف أمام المرآة، يمشط شعره الكثيف، ناظراً إلى انعكاس صورة زوجته التي تلاعب صغيرهم في المرآة، والسعادة تكسو ملامحهم. اقترب منهم، وانحنى بجسده، طابعاً قبلة حنونة فوق جبين كلاهما، هاتفاً بحب:
"أنا مش هتأخر عليكم، هطلع أشوف جسار عاوز إيه، وهرجع لكم على طول."
ثم تابع مشدداً بحسم:
"ومش عاوز ألمح طرفك بره الجناح طول ما جسار موجود هنا في اليخت."
ابتسمت غفران بحلاوة وأومأت برأسها موافقة، ثم هتفت بشقاوة وهي تغمز له بطرف عينها:
"يسلم لي الشرس!"
***
توحشت نظرات عاصي واشتعلت براكين غضبه الأسود داخل صدره، وهو يرى ويسمع اعتراف أمه بقتل والده وشقيقه. قبض على الهاتف في يده بقوة حتى كاد أن يحطمه. وصوتها المقيت وصورتها الكريهة أمام عينيه، وهو يراها تزرف دموع التماسيح مدعية الحزن. لقد كرهها! حقاً ما يشعر به الآن نحوها هو الكره! حتى وإن كانت أمه التي أنجبته، إلا أنه كرهها كما لم يكره إنساناً من قبل. قتلت والده وشقيقه عن عمد، عرت زوجته وانتهكت عرضه عن قصد، اتفقت مع رجل خسيس وحقير مع العاهرة ابنة شقيقها على خطف زوجته وسرقة أمواله قاصدة متعمّدة! هل هذه هي أمه؟ هل يطلق عليها لقب أم من الأساس؟ لا! لم ولن تكون أم في يوم ما، فالأصل في الأم الحنان، الاحتواء، العطاء، التضحية.. وكلها صفات بعيدة كل البعد عنها ولا تمت لها بصلة.
فاق من تحديقه في الهاتف على يد جسار التي وضعت على كتفه أجفلته، وصوت جسار متحدثاً بنبرة مشفقة حزينة:
"أنا آسف يا باشا، بس مفيش قدامي حل غير إن حضرتك تعرف."
ابتلع عاصي غصة مسننة تسد حلقه وهز رأسه موافقاً على حديثه دون رد.
تابع جسار متسائلاً بنبرة قلقة:
"هنعرف إيه دلوقت؟"
سحب عاصي نفساً عميقاً من هواء البحر النقي داخل صدره، محاولاً ترتيب أفكاره:
"جهز نفسك وجهز رجالتك، وأنا هقولك هنتحرك إمتى."
"أوامر معاليك يا باشا." قالها جسار باحترام وتحرك مغادراً، دون إضافة كلمة أخرى، تاركاً عاصي خلفه سارحاً في سواد البحر أمامه، والذي يماثل سواد قلبه في تلك اللحظة، والجحيم مستعر داخل عينيه الشرسه الغاضبة.
مر وقت طويل وهو جالس نفس جلسته، محدقاً في الظلام المحيط، والأفكار الانتقامية البشعة تسيطر على تفكيره، تجعله يختار منها الأبشع والأفظع. حتى نخر الهواء البارد عظامه، مما جعله يقوم يتحرك بخطوات متثاقلة مهمومة، ذاهباً إليها.. إلى ملجئه ومأواه.. إلى غفرانه.
دلف إلى الجناح الغارق في الظلام، إلا من ضوء خافت من المصباح بجانب الفراش منعكساً على وجهها الملائكي البريء، منيراً عتمة الغرفة مثلما تنير هي عتمة حياته. تحرر من ملابسه واندس تحت الغطاء جانبها، مقرباً جسدها من جسده، مطبقاً ذراعيه حول خصرها، متشبت بـها بقوة.
شعرت بيديه حول خصرها، فأصدرت صوتاً مستمتعاً كمواء القطة، وهي تندس داخل أحضانه أكثر وأكثر. ولكن لسعتها سخونة جسده العاري الذي ضرب ظهرها من شدة حرارته، مما جعلها تفتح عينيها على وسعها، وهي تستدير بجسدها ناظرة إليه، هاتفة بقلق:
"عاصي، انت كويس؟ جسمك مولع كده ليه؟ انت تعبان؟"
لم يرفع عينه إلى عينيها، وكأنه يخشى أن ترى به ضعفه وانكساره. فدفن رأسه داخل صدرها، مزيداً من ضم جسدها إلى جسده، هامساً بنبرة تقطر وجعاً:
"تعبان يا غفران.. تعبان أوي."
ضمته إلى صدرها بقوة، وأخذت تربت على ظهره وتشدد من ضمه إليها، وكأنه صغيرها التي تخشى عليه وتحميه من الخطر المحدق به.
"مالك بس يا حبيبي؟ جسار قالك حاجة ضايقتك؟"
شعرت بتشنج عضلاته تحت ذراعيها، وهتف بنبرة موجعة مترجية، مقاوماً رغبة ملحة في الصراخ:
"احضنيني يا غفران.. احضنيني أوي."
لم يحتاج إلى تكرار حديثه مرة أخرى، فزادت من ضم جسده داخل أحضانها، وأخذت تعبث في خصلاته وتمشطها بحنان، حتى شعرت باسترخاء عضلاته تحت يديها.
شعرت بهزة خفيفة في اليخت، دليلاً على حركته. فسألت عاصي بنبرة مجفلة:
"هو اليخت اتحرك ولا أنا بيتهيألي؟"
أجابها عاصي بخفوت:
"أيوه اتحرك."
تابعت تسأل باستفهام:
"هنروح فين؟"
تنهد تنهيدة طويلة متعبة:
"بعيد... عاوز أبعد على قد ما أقدر."
صمتت تستوعب مغزى كلماته، وهي تدرك تمام الإدراك أنه يقصد بها شيئاً آخر غير بُعد المكان.
طال بهم الصمت، حتى ظنت أنه ذهب في ثبات عميق بسبب هدوء أنفاسه. إلا أنه تحدث فجأة بعبارة جمدت الدماء في عروقها وشلت أطرافها لبرهة:
"درية قتلت أبويا وأخويا مع سبق الإصرار والترصد."
جحظت عيناها مما سمعته، وظنت أنه يهذي بسبب سخونة جسده. ولكن باقي حديثه أدركت منه أنه يعي كل كلمة وكل حرف ينطق به.
"فكت فرامل العربية عشان تقتلني وتتخلص مني، بعد ما عرفت سرها وكشفتها."
ابتلع غصة مسننة تسد حلقه، وتابع بنبرة باكية:
"بس ربنا أراد إنه يعاقبها، وحرمها من ابنها. عمر سافر مع أبويا ومات معاه، مع إن أنا اللي المفروض كنت أسافر بداله. يعني ربنا كان عاوز يحرق قلبها على أي حد من ولادها، بس أخد منها عمر الطيب، الحنين."
ثم توحشت نظراته بشكل مخيف، يرعب من يراه، وهتف من بين أسنانه بشراسة:
"بس ساب لها اللي هيورّيها النجوم في عز الظهر، اللي هيخليها تتمنى الموت عشان تترحم من اللي هيعمله فيها، ومش هتطوله."
استطاعت غفران أخيراً التحدث، وهتفت بنبرة مرتعشة:
"ممكن تفهمني بالراحة عشان أنا مش فاهمة حاجة."
قص عليها عاصي كل ما سمعه في التسجيل من اعترافات درية وعلاقة نسرين ومازن الآثمة.
انخرطت غفران في بكاء مرير حزناً على فقدان عمها وشقيقها الروحي عمر ابن عمها.
هتفت بنبرة باكية:
"ليه.. ليه ذنبهم إيه يموتوا بالشكل البشع ده؟ عملوا إيه عشان يحصل لهم كده؟"
ضمه عاصي إلى صدره، يربت على ظهرها بحنو يخالف الشراسة المنبثقة من مقلتيه ونبرات صوته:
"عمرهم وقدرهم يا حبيبتي. بس وحياة غلاوتهم في قلبي، لهندمهم كلهم على اللحظة اللي فكروا فيها يعملوا كده."
خرجت غفران من أحضانه، ناظرة إليه بمقلتين محمرتين من أثر البكاء:
"يعني إيه يا عاصي الكلام ده؟ انت عاوز تضيع نفسك ومستقبلك عشان تنتقم منهم؟"
هدر عاصي بنبرة شرسة محتّدة:
"أومال عاوزاني ألبس طرحة وأقعد أعيط جنبك زي النسوان؟ ده لا عشت ولا كنت يوم ما أقبل بحاجة زي كده. طار أبويا وأخويا، هاخده يعني هاخده، والموضوع ده منتهي ومش عاوز فيه أي نقاش!"
صرخت فيه غفران هادرة بغضب:
"هتاخد تار أبوك من أمك!"
أجفل عاصي من كلماتها، ولكنه أسكت أي صوت للعقل أو المنطق الآن. فهو لا يرى أمامه إلا منظر جثة والده وشقيقه في المشرحة وقت استلامه لجثثهم.
تابعت غفران تتحدث بصوت العقل والمنطق:
"عاصي يا حبيبي، أنا مقدرة شعورك وحاسة بيك، وكمان معاك حق تنتقم منهم بأبشع الطرق. بس هرجع وأقولك، قبل أي حاجة، هتضيع مستقبلك وحياتك في سبيل انتقامك منهم؟ طب بلاش مستقبلك، مفكرتش فيا أنا هعمل إيه من غيرك؟ بلاش أنا، عمر ابنك اللي لسه مفرحتش بيه ولا شبعت منه، عاوز تحرمه منك وتحرم نفسك منه؟ وجدو... جدو حمل مصايب تانية، مش كفاية لما يعرف الحقيقة كمان، عاوزه يتحمل فكرة بعدك عنه وضياع مستقبلك."
صمتت تلتقط أنفاسها، وهي تلمح صدى تأثير حديثها داخل مقلتيه. ثم تابعت تضيف:
"اللي حصل حصل، وده عمرهم وقدرهم ونصيبهم، وربنا كاتب لهم الموت في اليوم ده والساعة دي."
هدر عاصي بنبرة باكية وبقلب مجروح، وهو يدور في الغرفة حول نفسه بجنون:
"ونعم بالله، بس مش مقتولين. وعلى إيد مين؟ مراته وأم ابنه اللي مات من غير ذنب!"
هتفت غفران بقوة مماثلة، وهي تمسح دموعها:
"وأمك أنت كمان.. اللي عاوز تنتقم منها دي أمك. أمك اللي ربنا أمر إنك تطيعها في كل حاجة ما عدا الشرك بالله. أمك اللي الرسول عليه الصلاة والسلام وصانا بيها تلات مرات، وبعدين قال أبوك!"
صمت عاصي بعجز، وهو غير قادر على اتخاذ القرار السليم. فهي محقة في كل حرف تنطق به.
تابعت غفران بنبرة مترجية:
"بص، هقولك حاجة. أنت تقدم التسجيلات دي للبوليس، وهو هيقبض عليهم. ده اعتراف بالصوت والصورة، وساعتها هياخدوا العقاب اللي يستحقوه. بس من غير ما أنت توسخ إيديك بدمهم، أو ترتكب ذنب يفضل في رقبتك العمر كله وربنا يغضب عليك بسببه."
اقتربت منه ووضعت رأسها على صدره، تربت على موضع قلبه الهادر بجنون تحت يدها:
"سامح يا حبيبي واغفر، عشان تقدر تعيش مرتاح. فوض أمرك لربنا، وهو هيجيب لنا حقنا منهم في الدنيا والآخرة."
استسلم عاصي لأحضانها، وكأنها ألقت تعويذة سحرية عليه، فجعلته يهدأ ويستكين بين ذراعيها، مؤجلاً التفكير في ثأره منهم مؤقتاً، فهو يريد أن يرتاح ويبتعد عن أي ضغوط، هارباً من كل شيء بين أحضانها.
***
بعد أسبوعين.
صرخ مازن بجنون وهو يركل الطاولة الزجاجية بقدمه، مطيحاً بها أرضاً فتهشمت وتناثر زجاجها في المكان حوله، مما جعل نسرين ودرية يرتجفون بزعر من مظهره المخيف:
"أنا عاوز أعرف هما اختفوا فين بالظبط. أسبوعين مش معروف مكانهم فين، وكأن الأرض انشقت وبلعتهم!"
هتفت نسرين بغل وهي تنفث دخان سيجارتها:
"عندك حق. ده حتى المجموعة مرحتهاش، وبيبعت لهم الشغل على الميل، ومحدش عارف مكانه."
تحدثت درية بنبرة متوجسة:
"أنا مش مطمنة. عاصي اختفائه ده مش بسهولة. ده عمره ما عملها. أنا خايفة يكون عرف حاجة، ويكون بيدينا الأمان عشان يضرب ضربته على غفلة. ابني وأنا عرفاه، حوت طالع لجده منصور."
هربت الدماء من وجه نسرين وشعرت بالرعب من انكشاف أمرها. ولكن حديث مازن جعلها تنفض عنها شعورها بالرعب.
مازن بنبرة مغرورة غاضبة:
"هيعرف منين؟ أنا كل حاجة ممشيها على الشعرة، والحكومة نفسها مكشفتنيش، ابنك بقى هيكشفني! بلاش تخريف وكلام ملوش لازمة. أنا حاسب حسباتي كويس، وأنا اللي هضرب عاصي على غفلة ومن غير ما يحس."
***
مضى شهر عليهم، وكل منهم يبذل ما في وسعه لاحتواء الآخر وتعويضه عما فات. كانت له الأم والزوجة والصديقة والعاشقة، باختصار كانت له السكن. وكان هو الأب والزوج والصديق والعاشق المدلل في حبها، باختصار كان هو الأمان.
في سيارته وهما في طريق عودتهم إلى قصر الجارحي بعد شهر مر عليهم سريعاً. تحدث عاصي بنبرة هادئة وهو يضغط على كف يدها الرقيق بين يديه:
"زي ما اتفقنا يا غفران، كل حاجة هتم زي ما إحنا عاوزين، ومش عاوزك تحتكي بيهم على قد ما تقدري. وأنا من ناحيتي مش هخلي حد منهم يقرب منك، ولا هسمح لهم يضايقوكي بكلمة. اتفقنا؟"
أجابته غفران وهي تدعو الله بداخلها على أن تمر تلك الأيام على خير، فهي تشعر بالقلق والخوف من القادم. هتفت بنبرة قلقة:
"اتفقنا."
دلفوا من باب القصر محيطاً خصر غفران بذراعه بتملك وحماية، وبالذراع الآخر يحمل صغيرهم، مرسلاً إليهم رسالة واضحة أن أسرته خط أحمر. استقبلهم الجد بالترحاب الشديد وحمل الصغير يمطر بوابل من القبلات الحارة، فقد اشتاق إليه كثيراً. بينما تبادلت درية ونسرين النظرات الغاضبة فيما بينهما.
هتفت درية متحدثة بنبرة غاضبة:
"حمد الله على سلامتك يا بيه. إيه نسيت إن لك أم المفروض تكلمها وتطمنها عليك وتعرفها مكانك فين بدل ما هي هتموت من قلقها وخوفها عليك؟"
ثم تابعت بنبرة باكية وهي تمسح دموع وهمية من على وجنتيها:
"ما أنت عارف إن لي غيرك بعد موت أبوك وأخوك الله يرحمهم."
ضغطت دون قصد منها على جرحه النازف بشدة. ضغط عاصي على ضروسه يطحنها بقوة، وهو يحاول السيطرة على المارد المتوحش الذي عربد بداخله، يدفعه دفعاً إلى إزهاق روحها. هتف بنبرة غامضة:
"الله يرحمهم ويحسن إليهم، اتقتلوا غدر."
شحب وجه درية حتى ابيض وأصبح في شحوب الموتى، وكلمته تضربها في مقتل. هتفت درية بنبرة متلعثمة:
"تقصد إيه بـ 'اتقتلوا' دي؟"
رمقها عاصي بنظرة مبهمة لم تفهمها، ثم تحدث وهو يأخذ صغيره من جده:
"أنا طالع أرتاح فوق، ومش عاوز إزعاج."
وقالها وتحرك ساحباً غفران من يدها صاعداً الدرج إلى أعلى. استدار بجسده موجهاً حديثه إلى نسرين، متحدثاً بنبرة حاسمة:
"نسرين... اعملي حسابك جوازنا هيكون آخر الأسبوع. يوم الخميس بعد العشاء المأذون هييجي وهنكتب الكتاب والدخلة في نفس اليوم."
أجفلت نسرين من كلماته وهتفت تسأله بنبرة متوترة:
"الخميس! كتب كتاب ودخلة!"
تحدث عاصي متسائلاً بنبرة ساخرة:
"إيه، المعاد مش مناسب ليكي ولا في حاجة تمنعك من الجواز؟"
تلعثمت نسرين وهي تجيبه:
"لأ، مفيش حاجة تمنع، بس... أصل يعني مش هلحق في يومين أجهز نفسي. ده الخميس ده بعد يومين."
هتف عاصي بنبرة ذات مغزى:
"لأ، متقلقيش من حاجة. انتي لما تعرفي اللي أنا محضرهولك، هتبسطي أوي."
ومن دون أن ينتظر ردها، أولاها ظهره صاعداً إلى جناحه ومعه أسرته الصغيرة، ولكن ملامح وجهه تنذر بغضب أهوج سيطيح بهم ويلقيهم بجحيمه.
***
يوم الخميس. اليوم المنتظر.
كانت نسرين تدور حول نفسها في غرفتها بجنون، وهي تتصل بمازن الذي لا يجيب اتصالاتها منذ أكثر من أسبوع. فقط يراسها برسائل قصيرة ويختفي. ولكنه اتفق معها على اليوم لتنفيذ خطته بعد كتب كتابها على عاصي. فهي تشعر بالرعب كلما تتخيل أن مازن لا يتمكن من تنفيذ خطتهم اليوم. فكيف ستتصرف مع عاصي إذا أغلق عليهم باب واحد وطالبها بحقوقه الزوجية؟ فهي طوال اليومين الماضيين كان جسار يلازمها كظلها في كل خطواتها بأمر من عاصي، مما لم يمكنها من ذهابها للطبيبة النسائية لإجراء عمليتها.
ألقت الهاتف من يدها صارخة بغل. سألتها درية هاتفة بقلق:
"إيه برضه، ما بيردش؟"
أجابتها نسرين بغيظ:
"مش بيرد. هتجنن وأعرف مش بيرد عليا ليه، طالما بيبعت رسائل مش بيرد على مكالماتي ليه؟"
هتفت درية تطمئنها وتطمئن نفسها:
"متقلقيش، طالما بيرد عليكي يبقى الدنيا تمام. تلاقيه بس مش فاضي عشان ينفذ النهارده. المهم أنا قبل ما أطلع لك، رشيّت، حطيت المنوم في الأكل زي ما مازن قال."
أضافت نسرين بتوتر:
"وأنا كمان عطلت كل الكاميرات. ربنا يسترها. يالا بس تعالي اجهزي عشان المأذون زمانه على وصول."
***
بخطوات متثاقلة، دلفت نسرين إلى غرفة الصالون، تتهادى في ثوب ذهبي اللون عاري الأكتاف، ضيق ملتصق بجسدها، قصير من الأمام وله ذيل طويل من الخلف. تتبعها درية بملامح سعيدة تخفي خلفها قلقاً وتوتراً كبيراً. نظرت إلى الجالسين في الداخل بنظرات مغترة سعيدة، خاصة غفران التي رمقتها بنظرة شامته. ولكن ما إن استدارت حتى ترى عاصي، حتى شحب وجهها عندما أبصرت آخر شخص تود رؤيته في حياتها. رجل كبير مهيب له طلة وهيبة كبيرة، يهابه الكبير قبل الصغير، رجل حاد صارم لطالما سمعت عن قسوته وجبروته. إنه هو كما عهدته دائماً، عمها "سليمان الحوفي"، الرجل الصعيدي الصارم، قاسي الوجه والطبع.
فاقت من تحديقها فيه على صوت عاصي الساخر:
"إيه، مش هتسلمي على عمك ولا إيه يا نسرين؟"
ابتلعت نسرين حلقها الجاف، وتقدمت بخطوات مرتعشة، تقف أمامه مطرقة الرأس، هاتفة بنبرة خافتة:
"إزيك يا عمي."
رمقها الرجل المهيب بنظرة غاضبة، رغم جمود ملامحه:
"إزيك يا بت أخوي. إيه مالك وشك مصفر أكده ليه أول ما وعيتي لي؟ كنت عاوزة تتجوزي من غير ما أعرف يا نسرين؟ إيه عدمتي ناسك ولا إيه؟ ياكش بس عريسك رجل على حق وولد أصول اتصل بيا وشدد عليا لازم أحضر عشان أحط إيدي في إيده وأكون وكيلك."
نظرت إلى عاصي، فرمقها بنظرة غامضة لم تستطع تفسيرها، ولكنها تشعر برعب كبير من نظراته المصوبة نحوها بغموض.
هتف عاصي بنبرة مرحبة:
"وجودك وسطنا شرف لينا يا حج سليمان."
اقترب جسار من عاصي يحدثه بهمس في أذنه:
"تمام... تمام. اتفضلوا يا جماعة استريحوا، المأذون على وصول. بس قبل ما المأذون ييجي، حابب أفرّجكم على حاجة هتعجبكم أوي. حاجة لا يمكن لعقل إنه يتصورها أو يتخيلها أو تخطر على عقل بشر."
سألته درية بعدم فهم وهي تجلس بغطرسة واضعة قدماً فوق الأخرى:
"حاجة إيه دي يا عاصي؟ هو ده وقت فرجة على أفلام بردك!"
رمقها عاصي بنظرة غامضة هاتفاً بغموض:
"يا ريت كان فيلم، لكن للأسف ده واقع."
ثم تناول جهاز التحكم عن بعد، ضاغطاً على زر التشغيل، فعرض على الشاشة الكبيرة خلفه ما جعل العيون تجحظ، والقلب يُدمى، والعين تدمع حزناً وقهراً على أشخاص انتزعت من قلوبهم الرحمة، وتركوا أنفسهم لشيطانهم يسيرهم كيفما يشاء.
شحب وجه نسرين ودريه وجحظت عيونهما حتى كادت أن تسقط من وجوههم. صرخت نسرين هستيريا:
"كذب.. محصلش.. محصلش."
نهضت تجري، تحاول الخروج من غرفة الصالون، ولكنها وجدت يد من فولاذ تقبض على خصلاتها تشدها بعنف، ويد أخرى أشد وأقوى تحط على وجنتها بصفعة أصابت وجهها بالشلل. هدر الحج سليمان بغضب أسود:
"كذب يا خاطية، يا زانية، يا بنت الكلب."
وصفعة أخرى.
"محصلش، وإنتي نايمة عريانة في سرير رجل غريب ما يحلش ليكي."
وصفعة أخرى.
"بتتفقّي معاه ومع المحروقة خالتك على قتل وخراب بيوت يا واكلة ناسك."
وصفعة أخرى وأخرى وأخرى حتى اختفت معالم وجهها. سقطت أرضاً تحت أقدام عمها، وعندما حاولت التحدث أو النهوض، عاجلها بضربة قوية من قدمه في معدتها جعلتها تبثق الدماء من فمها.
"اخرسي يا خاطية."
ثم نظر إلى عاصي هادراً بغضب:
"وينه المحروق التاني؟"
وقبل أن ينهي كلماته، انفتح الباب وظهر من خلفه شبح رجل يقال إنه في يوم من الأيام كان يدعى مازن الدالي. ملامحه مطموسة، جسده ينزف بالكامل، أصابعه مقطعة، رأسه حليق، مكسور الذراعين والقدمين، إحدى عينيه مفقوعة من شدة الضرب، منتهك الرجولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. شهقت غفران مفزوعة من مظهره، تخفي عينها في صدر عاصي الذي ضمها إليه بقوة، رابطاً على ظهرها بحنان.
عاجله الحج سليمان بركلة قوية من قدمه في مقدمة صدره أسقطته أرضاً، فاقداً إحساسه بالألم منذ اليوم الذي قبض عليه رجال عاصي.
هتف الجد بنبرة عاتبة مخاطباً عاصي:
"أكده يا عاصي باشا تخلص عليه قبل ما أشفي غليلي منه؟"
أجابه عاصي وهو يرمق جثة مازن بنظرة محتقرة:
"حقي وكنت هاخده يا حج. ولولا أحداث إن ليك تار معاه، أنا كنت خلصت عليه بأيدي. ربنا يعزك يا ولدي، رجل من ضهر راجل صوح."
ثم ارتفع صوته منادياً بصوت عالٍ على رجله وزراعه اليمين:
"مناع..!"
انفتح باب الصالون وظهر من خلفه رجل ضخم الجثة عريض المنكبين، له شارب أسود كثيف معقود الحاجبين. تحدث الرجل بنبرة غليظة:
"أوامرك يا كبير."
تحدث سليمان بنبرة قوية:
"جهز يا مناع... القبر انفتح وجاهز عشان يستقبل العرسان."
أجابه مناع بطاعة:
"جاهز يا كبير."
"طب ازعق على الرجالة خاليهم يجوا يشيلوا الوساخة دي من هنا، خليهم الدنيا تنضف."
"أوامرك يا كبير." قالها مناع وهرول إلى الخارج منفذاً أوامر سيده.
نظرت غفران إلى عاصي بهلع وهتفت تسأله بجزع:
"قبر! قبر إيه اللي بيقول عليه الراجل ده يا عاصي؟"
قصف صوت سليمان من خلفهم يجيبها بنبرة شرسة غاضبة:
"ده عرفنا يا بتي... الخاطية اللي كيف الوسخة دي ملهاش دية ولازم تنقتل. وأنا مش هوسخ إيدي بدمها الزفر، أنا هدّفنها بالحياة عشان تعرف إن الجزاء من جنس العمل."
دقائق وكان يخرج من قصر الجارحي ومعه رجاله يحملون جوالين فيهما نسرين ومازن، بعد أن قاموا بتقييدهم وتكميم أفواههم، منطلقين إلى حيث مثواهم الأخير.
كان الجد جالساً منكساً رأسه بحزن، يسبح على مسبحته مستغفراً ربه، وقلبه منشطر على ولده وحفيده، وكأنه يتلقى خبر موتهم من جديد. لله الأمر من قبل ومن بعد. لله الأمر من قبل ومن بعد.
نظر عاصي إلى جده بحزن وأسف، واقترب منه هاتفاً بنبرة أسفة:
"أنا آسف يا جدي، حقك عليا."
ربت الجد على يد حفيده هاتفاً بقلب مكسور:
"الله يقويك ويعينك يا ابني على اللي أنت فيه."
طبع عاصي قبلة على رأس جده، ثم استقام بظهر مشدود، ناظراً إلى والدته بنظرات محتقرة. كانت دريه جالسة بجسدها فقط معهم، ولكن عقلها كان يعيد الأحداث أمام ناظريها من جديد. زوجها ومعرفته الحقيقة. تطليقه لها. حبها لابن عمها. كرهها لجميلة. موت ابنها. عاصي. اكتشاف عاصي لحقيقتها المخزية.
رفعت رأسها تنظر إلى عاصي بنظرات زائغة عندما سمعت صوته القوي ذو النبرة المذدرية:
"للأسف أنا صدمتي فيكي مش زي صدمة أي حد. للأسف الإنسانة اللي المفروض أركع تحت رجلها عشان أطلب منها السماح، هي الإنسانة اللي نفسي أقتلها وأشرب من دمها على اللي عملته فيا وفي مراتي، ومن قبلهم أبويا وأخويا. إنتي لا يمكن تكوني إنسان أبداً، إنتي شيطان في هيئة بشر!"
"كل اللي أقدر أقولهولك إنّي كرهتك أكتر من أي حاجة في الدنيا دي كلها. كرهتك ومش عاوز أشوف وشك لآخر يوم في عمري. إنتي هتمشي من القصر ده نهائي. القصر اللي عملتي كل ده عشان ما تطعيش منه، أنا بقى اللي هرميكي بره منه ومش هتدخليه تاني طول ما أنا عايش على وش الدنيا. ومن اللحظة دي، انسى اسمي وانسى إن ليكي ابن اسمه عاصي، لأن أنا ما بيشرفنيش إنك تكوني للأسف أمي."
امتدت يده تجذبها من ذراعها بعنف، يلقي بها خارج القصر. ولكن ما إن نهضت واقفة، حتى نزفت الدماء من أنفها وسقطت أرضاً تحت قدميه.
بعد قليل، خرج الطبيب المعالج من غرفتها في المستشفى الذي نقلت إليه، متحدثاً إلى عاصي بنبرة أسفة:
"للأسف يا عاصي باشا، الهانم ضغطها ارتفع جداً، عمل لها نزيف في المخ وجلطة أثرت على مراكز الحركة والكلام. للأسف الهانم أصيبت بشلل رباعي تام."
سأله عاصي بوجوم:
"طيب مفيش أمل في العلاج؟"
أجابه الطبيب بنبرة أسفة:
"للأسف الأمل معدوم. ربنا يعفو عنها. عن إذنك."