الفصل 20 | من 40 فصل

رواية غفران هزمه العشق الفصل العشرون 20 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
20
كلمة
4,040
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

نظرت "قُسم" إلى "غفران" بإنبهار وهو جالس على السفرة يتناول الطعام ويتحدث مع والدها. نبضات قلبها كانت متسارعة عن المعتاد، والتوتر جعل أطرافها ترتجف. ما زالت لا تستوعب أن غفران يجلس أمامها الآن، ليس لخطبتها، بل كزوج لها.

رفع غفران رأسه ببسمة خافتة في وجه والدها، ليُرى نظرة قُسم إليه. جعلتها تتنحنح بخجل وتُطأطئ رأسها للأسفل، مُتحاشية النظر إليه. تبسم وهو يعلم أنها عنيدة، لكنها تُكن الحب إليه. ومهما أنكرت الأمر، عينيها تكذب ذلك بلمعتها وبريق العشق الكامن في نظراتها. أنهوا تناول الطعام، ودلف غفران مع جميل وقاسم إلى الصالون. قال غفران: "أقعد يا عُمر، أنا إن شاء الله مش هرد لك كلمة يا عم جميل. والفرح نخليه على نص السنة."

رد جميل: "والله ما هيفرق معايا، هي كدة أو كدة بقت مراتك رسمي. لكن كلام الناس وحش. وأديك شوفت حازم، إن أجي أقول أنها اتجوزت في يوم وليلة، هيبقي بنتي فيها حاجة." قال جميل بنبرة جادة. هز غفران رأسه بالموافقة وقال بجدية: "أنا هعمل كده عشان راحتك، لكن أنا مراتي محدش يجرؤ أنه يتكلم عليها كلمة واحدة أو يرفع عينيه فيها. قُسم مراتي. وسامحني، مش غرور مني، لكن أنا مش أي حد عابر في الشارع عشان الناس ترفع راسهم."

دَلفت قُسم إلى الصالون بصينية المشروبات، لتسمع حديثه. فتبسمت بارتياح وقدمت له العصير. رفع غفران نظره إليها ويدها ممدودة بكأس العصير نحوه. شرد بوجهه. لقد تعب ومل من النظر إلى هؤلاء بوجوههم الضبابية، ويريد أن ينظر لها وحدها، ما دامت هي الوجه الوحيد الذي يراه. تنحنح جميل بلطف من نظرتهما الطويلة بشرود أمام الجميع وقال: "العصير يا قُسم." تنحنحت بحرج من والدها وانتبهت إلى نظرتهما، لتقدم العصير للجميع.

فقال جميل بلطف: "لو عايز تتكلم معاها، ادخلوا البلكونة، هي مراتك." تنحنح غفران بهدوء وترك كوب العصير، ثم خرج معها. وقفت في البهو تقول: "ثواني هجيب تليفوني من الأوضة. ممكن تدخل البلكونة وأنا هحصلك." دَلفت إلى غرفتها تبحث عن الهاتف، لتسمع صوته تجاه الباب يقول بهدوء: "أوضتك؟! التفتت إليه وأومأت بنعم. فتقدم بخطواته إلى الداخل يتفحص غرفتها بنظراته، وهي تنظر إلى وجهه. وصل أمامها ليحدق بها بشغف، متأملًا ملامحها.

ثم قال: "إنتِ جميلة قوي يا قُسم." أطأت رأسها بخجل للأسفل، حتى رأت يده تقترب من وجهها ليمسك ذقنها بأنامله ويرفع رأسها للأعلى. فتسارعت نبضاتها بجنون من قربه هكذا، وبدأت أنفاسها تعلو شيئًا فشيئًا، وتنتفض أمامه. لم يكن حال قلبه أقل منها، فقد جن جنونه حقًا بوجودها ورؤيتها. فنظر إلى عينيها شاردًا بجمالها الخلاب. لتقول قُسم بنبرة خافتة من نظراته التي تلتهمها: "غفران." قال غفران: "عايز أضمك يا قُسم."

قالها غفران بنبرة دافئة وعيناه تحدق بوجهها بشغف، مشتاقًا إليها، ويطلب أن يضمها إلى صدره قبل أن يفعل وتغضب منه صارخة بوجهه. فقالت بخجل: "غفران." تسارعت نبضاته أكثر من لفظ اسمه من فمها. فأخذ يدها بلطف حتى يتلاشى فجوة غضبها السريعة، ورفعها بيده إلى صدره حتى استقرت على قلبه، لكي تشعر بنبضات هذا القلب السجين داخل قفصه الصدري، لكنه صارخ بجنون إليها. انتفض جسدها بقشعريرة كهربائية باردة من شعورها بنبضات قلبه.

فسألت بتوتر وعقلها الصغير لا يُصدق أن هذا الرجل الجبلي ذو الشخصية الحادة والعقل المتمرد أحبها بهذا القدر: "أنت حبتني قوي كده؟ قال: "وألا ما كنت اتجوزت وأصرت على وجودك جنبي حتى لو بالغصب والقوة." رفعت رأسها عن قلبه إلى وجهه، تحدق بعينيه العسليتين اللاتي تلمعان بقوة ببريق العشق. وقبل قلبها بهذه اللحظة أن يسارع هذا القلب في النبضات على من يجن جنونه أكثر بنيران الحب الملتهبة بداخلهما. واحمرت وجنتها أكثر،

ثم قالت بتلعثم: "أمتى وإزاي؟ عملتها إزاي؟ لم يقبل بسماع شيء آخر منها هربًا من طلبه، ليجذبها من ذراعها بقوة إلى صدره وطوقها بإحكام. فحاولت مقاومته بعناد وهي تقول: "غفران، أنا موافقتش... يا غفران هتفعصني."

لم يجب بكلماته، بل أجاب برأسه التي انحنت تجاه رأسها، ليضعها فوقها مستكينًا بأمان وسلام في هذا العناق. توقفت عن مقاومته، ويدها التي تدفعه في خصره للبعد توقفت تمامًا عندما شعرت برأسه تدفن في رأسها وأنفاسها الدافئة تضرب عنقها. فهدأت تمامًا، رغم أنها لم تبادله العناق، لكنها قبلت بالهدوء بين ذراعيه.

ظل يخفيها بين ذراعيه لدقائق ومغمض العينين، حتى تحدث بهمس قرب أذنها دون أن يحرك ساكنًا: "سامحيني يا قُسم، أنا آسف لو فكرت أجبرك على الجواز مني، بس أنا عاشق وشوفت العشق جواكِ، لكنك عنيدة وبتحبي اللي حواليكِ أكتر من نفسك."

ظل لثوانٍ صامتًا منتظرًا جوابها أو قبولها للاعتذار، رغم أنه لأول مرة يعتذر من أحد. لكن جوابها لم يكن كلمات، بل شعر بيدها الصغيرة تتسلل خلف ظهره تبادله العناق وتتشبث بخصره بإحكام، وكأن هذه المتمردة العنيدة أعلنت عن استسلامها أمامه هذه المرة. مسح على رأسها بدلال وهمس من جديد قائلًا: "آسف."

رفعت رأسها إليه لتتقابل عيونهما في نظرة طويلة، وما زالت أياديهما متشابكة بالأخر كما هما. نظر بعينيها الخضراء ووجنتها الجميلة بهذا النمش البني الذي يزيدها جمالًا. تبسمت بلطف وقالت: "مسامحاك. عارف ليه؟ حرك رأسه لليمين بلطف مستفهمًا عن الجواب، لتتابع حديثها بعد أن خرجت من بين

ذراعيه لتقف أمامه بخفة: "عشان الحياة مش على طول سالكة. أياك في عواقب وفي مشاكل وكلنا بنغلط. أنت قصاد غلطة واحدة عملت كتير يا غفران. لولاك كان زمان حازم زي ما بيقولوا حاطط رأسي في الطين سوا في فرنسا أو هنا. عشان اتجوزتني بجد بموافقة بابا وحاولت تعمل ده عشاني، رغم أن كان ممكن تتمسك بالورقة العرفي و أبقى مراتك بالقوة. عشان وقفت جنبي في عز ما كنت ضعيفة وحمتني. أنت ليك رصيد كبير قوي جوايا يخليني أغفر وأعدي غلطة أنت نفسك صلحتها لما اتجوزتني رسمي، وبرضو عشان تحميني من كلام الناس وغل حازم."

تبسم غفران بلطف على كلماتها وقال بدلال: "إنتِ تستاهلي أكتر من كده يا قُسم... تعالي." أخذها للخارج حيث الطاولة الصغيرة الموجودة قرب الباب التي وضع عليها الهدايا التي جلبها معه. جلب لها صندوق هدايا مربع وقال: "افتحيه." نظرت للصندوق بحيرة وفضول، ثم قالت: "ده عشاني؟ أومأ إليها بنعم. فرفعت يدها إلى أذنها تضع خصلات شعرها خلفها بحيرة والفضول يقتلها. ماذا جلب لها بداخل هذا الصندوق؟ فقالت بعفوية: "شيكولاتات."

ضحك غفران وهو ينقر رأسها بأصبعه على اهتماماتها البسيطة وقال: "كل اللي همك بطنك. افتحي ومتخمنيش." تنحنحت بحرج وأخذت الصندوق إلى الشرفة معه. وجلسوا سويًا على المقاعد والطاولة البلاستيكية الدائرية بالمنتصف. فقالت بحماس: "بسم الله." فتحت الصندوق ووجدته مُعبأ بالكثير من الكرات الصغيرة الملونة التي تخفي ما بجعبته. فقالت بعفوية وضحكة لطيفة: "إيه كل ده؟

وضعت يدها أولًا لتخرج من داخله علبة قطيفة مستطيلة بحجم كتاب زرقاء اللون. فرفعت رأسها إلى غفران وقد خمنت ما بداخل هذه العلبة. ربما شبكتها، وكان تخمينها صحيح، لكنه مبالغ جدًا عما توقعت. فوجود عقد من الألماس على شكل ثعبان وبريقه يخطف النظر لم تراه مثله من قبل. فقالت: "غفران، ده شكله غالي قوي... خد رجعه، أنا مش عايزاه." أعطته العلبة بخوف. فدهش من رد فعلها وهي ترفض هدية مثله. ليقول: "إيه ده؟ ده شبكتك؟

هزت رأسها بلا وقالت بخوف: "قصدك ده موتي، أنت متخيل أني هنا في المنطقة دي هعرف ألبس شبكة زي دي؟ ولا صحابي بكرة لما يعرفوا أني اتخطبت أو اتجوزت ويجوا ويسألوني عن الشبكة هعرف أوريها لحد. ده أنا أتخطف بسببها. لا رجعها، أنا شبكتي دبلة وخاتمين من عند بتاع الذهب. يوم ما تحب تعلي قوي تجبلي غوشتين ثلاثة، لكن ألماس لا." ضحك عليها وعلى قلبها البريء وعينيها التي لا ترى من المال شيء.

ثم قال: "شيليه وابقي البسي لما تيجي القصر. يلا طلعي الباقي." عقدت ذراعيها أمام صدرها بخوف وقالت: "لا طبعًا، لما أول حاجة طلع ده، الباقي هيكون إيه. أنت تاخد البوكس ده ترجعه وتجيبلي بوكس شيكولاتات، أنا بحب بطني."

يضحك بقوة على تذمرها وهو لا يصدق وعقله لا يستوعب نقاء هذه الفتاة. وبدأ هذا العقل يقارن تلقائيًا بينها وبين "كندا" التي تعشق الألماس والمظاهر. نظرت لضحكته التي تراها لأول مرة بإشراق، وأدخلت يدها مرة أخرى إلى البوكس وأخرجت علبة صغيرة لتفتحها، وكان بداخلها مفتاح سيارة. لتقول: "عربية؟! قال: "أظن دي ضروري عشان تيجي القصر وتعرفي تيجي لأهلك هنا." تركته جانبًا ووضعت يدها مرة أخرى لتخرج علبة أخرى، وكان بها قلادة.

فنظرت إليه بغضب ثم قالت: "أنت فلوسك كتير مش عارف توديها فين. سلسلة وعقد، هو أنا عندي رقبتين ومثلاً هلبس فيهم؟ وقف من مكانه ويده تأخذ القلادة منها، ليجلس على ركبتيه أرضًا جوارها، مما أدهش قُسم وهو ينحني إليها، في حين أن الجميع من ينحنون له من الخوف. تبسم وهو يقترب منها ويضع القلادة في عنقها. وعينا قُسم لا تفارق وجهه من الدهشة، ونبضاتها لم تهدأ أبدًا.

ليقول وهو يغلق القفل: "السلسلة دي متتقلعش من رقبتك أبدًا يا قُسم، ده طلبي الوحيد منك." هزت رأسها بنعم. ليبعد يديه عن عنقها متأملًا قلادتها الجميلة. ثم قال: "جميلة." تبسمت بخفة إليه وبدأت تخرج بقية الهدايا. فكان هناك علبة ساعات بها ساعتين رجالي وحريمي لهما، وزجاجة عطر فرنسية، مما جعلها تبتسم بفرحة وهي تتلقى كل هذه الهدايا. غادر غفران مع أخته وعُمر. وقبل أن يصعد بالسيارة، رأى حازم يقف أمام محله. فأقترب منه وهو يعرفه

من ملابسه ليقول بهدوء: "نصيحة مني، إياك ترفع عينيك في قُسم لأنك مش قدي. أو خلي النصيحة أنك تتعب نفسك وتدخل على النت مثلاً وتسأل مين غفران الحديدي؟ دا لو مش عايز تتعب نفسك وتسأل الناس من قلب الواقع." قال حازم ببرود شديد: "ده تهديد." ثم تابع بعناد ولا مبالاة: "طب اسمع بقى، قُسم دي حبيبتي وخطيبتي من وهي في اللفة. ولا أنت ولا الكون كله تعرفه تاخدوها مني، وإلا...

مسك غفران فكه يمنعه من إكمال الحديث بغضب سافر حين تحدث عن زوجته، وعيناه تتطاير منها الشر. ثم قال بتهديد صريح بلا خوف: "وإلا... لا عاش ولا كان ولا لسه اتخلق على وجه الأرض اللي يهدد غفران الحديدي أو يتحداه. فوق لنفسك يالا، أنت مجرد حشرة أفعصها بإشارة مني. بلااش يا حلو تلعب في عداد عمرك اللي قرب يوصل للنهاية. واسم قُسم ميجيش على لسانك مرة تانية، وإلا مش هتلحق تكمله."

دفعه من وجهه باشمئزاز وسار نحو السيارة. وعينا عُمر تحدق بحازم واقفًا ممسكًا بالباب الخلفي من أجل غفران حتى صعد بالسيارة. أغلق عُمر الباب ونظر إلى حازم بتحذير وعيناه ترسل رسالة واحدة: ألا يلعب في الجحيم وإلا سيموت. ثم التف ليصعد إلى السيارة وانطلقوا. مسك حازم وجهه بألم من قبضة غفران، ثم قال: "والله مبقاش حازم لو ما ندمت أنت وهي على اللي عملته وكل كلمة قلتها... *** [[ قصر اللؤلؤ ]]

دَلفت رزان إلى غرفة نورهان لتراها جالسة على مقعدها شاردة وعيناها تبكي دون أن تشعر بتساقط دموعها من ألم الماضي وذكرياته. _عودة للماضي _خرجت نورهان من غرفتها غاضبة ونيران تحرق صدرها من خيانة زوجها. جمعت حقيبة ملابسها لكي تغادر القصر رافضة خيانته بعد أن رأته في أحضان امرأة أخرى. فوقف غفران أمامها شاب عمره 19 عامًا وقال: "أهدي يا أمي، وهو لما يجي أنا هتكلم معاه، بس أرجوكِ متِمشيش."

دفعته بقوة بعيدًا عنها باشمئزاز وغضب سافر يحتلها، كارهة زوجها وحتى أولادها. كرهتهما ما داموا يحملون دماء هذا الخائن. لم يبالي غفران بشيء سوى انهيار والدته وكسرة قلبها. فأقترب مرة أخرى منها يحاول مساندتها وقال بهدوء بعد

أن مسك يدها يربت عليها: "أرجوكِ يا أمي، أنا ابنك وفي ضهرك وسندك. خليكي واللي عايزاه أنا هعمله. أنا مش صغير، بس خليكي. ولو عايزني أمحي البنت دي من على وش الأرض هعمل كده، بس عشان خاطر متبكيش. متستاهلش دموعك." صرخت بوجهه بانفعال وكسرة قلب

فتتت لأشلاء من الخيانة: "كذب، أنتِ مش ابني، أنت ابنه، دمه النجس بيجري في دمك وأنا بكرهك. أنت زيه، هتعيش زيه. مالكوش أمان واللي يثق فيكم هتغدروا بيه. بكرة أنت كمان تكسر قلب واحدة، ما أنتوا صنف خاين..... ورحمة أمي لأدفعه الثمن غالي على خيانته ليا. غور من وشي."

دفعته بقوة دون أن تبالي بشيء، ليسقط على الدرج حتى وصل للأسفل، وارتطمت مؤخرة رأسه بحافة الدرجة الرخامية بقوة، وسالت الدماء بغزارة من رأسه. مما أفزع نورهان وأخذت طفلها إلى المستشفى وأجريت جراحة بالرأس. ونتيجة إصابته ظل بالغيبوبة داخل المستشفى لمدة سنتين فاقدًا للوعي. فاقت نورهان من شرودها حين ربتت رزان على كتفها بلطف لتجفف دموعها بحرج وقالت: "في حاجة يا رزان؟ قالت: "كنت بستأذن حضرتك عشان أمشي." قالتها بلطف

ثم تابعت الحديث بجدية: "بس واضح أن حضرتك مش بخير، تحبي أفضل هنا؟ قالت نورهان بهدوء: "لا مفيش داعي، روحي إنتِ." فغادرت رزان. خرجت نورهان إلى الشرفة ووقع نظرها على سيارة غفران يترجل من سيارته. فقالت: "يكفيني أنك بخير قصادي."

لم تكن تهتم لفجوة البرود التي بينها وبين ابنها وكونه لم يسامحها على خطئها رغم مرور السنين. وتكتفي بكونه سالمًا أمامها. لكنها كانت جاهلة كل الجهل أن ابنها يعاني من دفعتها حتى الآن، وبفضلها لم يتمكن من رؤية أحد طيلة هذه السنوات وبات مريضًا بالعمى بفضل والدته. *** استيقظت تيا فجرًا بسبب ألم في بطنها من الحمل. فبدأت تنادي على زوجها تستنجد به: "أنس... أنس."

لم يكن بالجوار فلم يسمع صوتها واستغاثتها به. تحملت على نفسها وهي تأتي من الوجع وتضع يدها أسفل بطنها من شدة الألم، حتى وصلت إلى الأريكة التي بها هاتفها. وأتصلت على والدتها، لكنها لم تجب مرة وأخرى. فلم يكن أمامها خيارًا سوى الاتصال بـ غفران. ولم تتحمل أكثر وسقطت على الأرض بصرخة قوية. سمعها غفران عبر الهاتف حين استقبل الاتصال، ففزع وهو يقول: "تيا... تيا."

لم يجد جوابًا. بينما هي بدأت تلهث وتصرخ من الأرض وتتلوى بالأرض، مما أفزع غفران أكثر. وخرج ركضًا من غرفته إلى قصرها. دق الباب كثيرًا ولم يجد جوابًا من أحد. فأمر رجاله بكسر الباب. وبعدها صعد إلى غرفة أخته ووجدها على الأرض ودماء كثيرة لوثت ملابسها. فهرع نحوها يناديها: "تيا... تيا." حملها على ذراعيه وغادر بها إلى أقرب مستشفى. فوقف أمام الغرفة ينتظر الطبيب مع عُمر الذي قال مقاطعًا قلقه: "أنس جه."

رفع رأسه إلى الأعلى ليراه يأتي نحوه ركضًا وهو يقول بقلق: "حصل إيه؟ أمسكه غفران من ملابسه بقوة وضرب ظهره بالحائط باندفاع وهو يقول: "كنت فين؟ كنت فين ومراتك بتموت ها؟ تيا لو جرالها حاجة روحك مش هتكفي يا أنس، لأنها متساوي حاجة قصاد تيا واللي في بطنها." أقترب عُمر يمسك قبضته بهدوء وهمس في أذنيه: "مش وقت يا مسيو غفران، المهم نطمن على مدام تيا واللي في بطنها." احتدمت عينا غفران وأقترب خطوة نحو أنس،

أرعبه أكثر وهو يقول: "اللي في بطنها لو جراله حاجة متلومنيش يا أنس، أنا أختي استنيت الحمل ده سنين. ولو خسرته بسبب إهمالك مش هيكون خير ليك أبدًا." دفعه بقوة وأبتعد عنه من الغيظ حتى خرج الطبيب ليخبرهما بما توقعه غفران حين رأى الدماء. ليقول: "أنا آسف جدًا، بس الطفل كان ميت في بطنها لما جت، ومحتاجة عملية تنضيف ضروري."

أغمض غفران عينيه بغضب ممزوج بالحزن وأومأ إليه بنعم. ثم نظر إلى أنس نظرة مرعبة حتى يستعد للجحيم ويدفع ثمن خسارة أخته. *** نزلت قُسم صباحًا مع والدتها بعد أن علمت بما حدث إلى تيا. وقالت بهدوء: "والله مش عارفة يا ماما، هم لسه في المستشفى... الأوبر شكله مجاش ولا إيه؟ أقترب صابر منها، رجل خمسيني مرتدي بدلة رسمية وقال: "أتفضلي يا فندم." نظرت قُسم إليه بتعجب وقالت: "أنا شوفتك قبل كده."

قال بهدوء مع بسمة لطيفة: "صابر يا هانم، السواق الخصوصي لحضرتك." فنظرت قُسم إلى صفية بحيرة. فأشار بيده على السيارة. وكانت سيارة ضخمة تكفي لإغلاق الشارع كاملًا، رباعية الدفع باللون الأحمر من ماركة بي أم دبليو. لتصعد بالسيارة وهي مندهشة من فخامتها. وظلت تتفحصها من الداخل لتقول بفضول: "معلش هي العربية دي اسمها إيه؟ أجابها صابر أثناء قيادته: "bmw x7."

فتحت هاتفها وكتبت اسم السيارة على جوجل لتصرخ بذعر من سعرها المذكور. وكانت تفوق العشر ملايين. فقالت بذعر: "بقولك إيه، اقف على جنب أنا عايزة ميه أبلع اللي شوفته." أوقف السيارة جانبًا وترجل يجلب لها زجاجة مياه. ليرن هاتفها باسم غفران. فأجابت عليه قائلة: "أهلاً الفانوس السحري." عقد حاجبيه باستغراب من كلماتها. بينما هو جالسًا جوار تيا في غرفة المستشفى حتى تستيقظ. ليقول: "فانوس إيه؟

قالت: "ما هو لما تجيب لي عربية بـ 10 مليون جنيه، تبقى فانوس سحري." تبسم بخفة رغم تعبه وهو لم ينام من الأمس. ثم قال: "تعيشي وتركبي يا قُسم." تبسمت قُسم على كلماته اللطيفة وقالت: "طب كنت تجيب عربية أي كلام عشان لما أخبطها متزعلش على الفلوس." ضحك وهو يمد جسده من التعب. ثم قال: "تعيشي وتركبي وتخبطي كمان، فداك." نظرت إلى والدتها بخجل، ثم قالت بجدية: "أنا في الطريق، أنا وماما جايين لتيا."

أومأ إليها بنعم وظل يتحدث معها طويلًا حتى وصلت إلى المستشفى. وأغلقت معه الخط. صعدت إلى الأعلى حيث غرفة تيا. فدَلفت والدتها أولًا وهي بالخلف. ليسحبها غفران من يدها إلى الغرفة المجاورة. فقلت بتذمر: "إنت بتعمل إيه؟ أغلق باب الغرفة بتسلل كاللصوص وضمها إليه بقوة. فدُهشت من فعلته وقالت بغيظ: "غفران، حد يشوفنا." قال بلطف وهو يضغط عليها بقوة وكاد أن يعصر عظامها بين ذراعيه: "إنتِ مراتي يا قُسم على سنة الله ورسوله."

لتتمتم بتذمر: "ده على الورق بس. وقدام الناس أنت خطيبي لسه. وكمان أوعي تفتكر أن جوازك مني هيخليك تقرب لي زي ما تحب. أوعي تنسى أن في زوجة أولانية في حياتك وأنا مش هكون مراتك رسمي إلا لما أتأكد أنك مش ظالمة ولا كاسراها بسببي." أبعد عنها بصدمة ألجمته وهي تمنع القرب منه وتضع "كندا" عقبة بينهما. فقال بجدية: "إنتِ واعية بتقولي إيه يا قُسم؟

قالت: "بقول إني مش هقبل أني أظلم حد ولا أكون سعيدة على حساب واحدة تانية. هي نفسها في حياتك من قبلي." قالتها بجدية صارمة. فمسكها من ذراعها بقوة غاضبًا ليجذبها نحوه حتى ارتطمت بصدره من قوته. وابتلعت لعابها خوفًا من نظراته المرعبة. ليقول: "متتحدينيش يا قُسم، أنا لو عايزك تكوني مراتي حالًا هعمل كده. وعلاقتي بكندا متخصكيش لا من قريب ولا من بعيد. وإياكِ تدخلي فيها وإلا هتخسري كل حاجة. إنتِ فاهمة؟

دفعته بقوة رغم خوفها من نبرته ونظرته، لكنها لا تبالي بشيء وقالت بعناد وتحدٍ أكثر: "أعلى ما خيلك أركبه. أنا مابتتهددش ولا أنا اللي أكسر قلب واحدة زي. أنا مراتك زي ما هي مراتك. يا تعاملنا إحنا الاتنين بالعدل وزي ما بتعاملنا بحنية تعاملها بحنية، يا أما تكون نجوم السماء أقرب لك من أني أكون مراتك ويبقي لك حق فيا." ظل صامتًا مصدومًا من كلماتها وعرضها الغليظ وهي تساوي نفسها بـ "كندا" وتطلب العدل بينهما.

تمتم بضيق شديد: "على راحتك يا قُسم، بس متزعليش واستحملي." مر من جوارها لكي يغادر الغرفة، مما أدهش قُسم. ولم تتوقع أن يغادر تاركها وحدها هنا. لطالما كان عنيدًا بها وكل ما يريده يفعله. أم الآن سلك طريق الهجر، كأنه قرر أن يضعها مع "كندا" في الجحيم بدلًا أن يخرج "كندا" إلى الجنة معها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...