الفصل 19 | من 40 فصل

رواية غفران هزمه العشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
19
كلمة
4,276
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

ترجل "غفران" للأسفل بعد أن تركها في حيرة لاتخاذ القرار الأنسب لها، رغم أنه يعرف قرارها. وجد "عمر" يقف أمام الدرج، وعلى اليسار في الصالون يجلس "جميل" بصحبة "قاسم" طفله الأصغر. تنحنح بهدوء ووصل للأسفل، فأقترب "عمر" منه وقال بلطف: -أنا جبتهم زي ما حضرتك طلبت. أومأ إليه بنعم ثم قال بجدية: -خلي الخدم يعملوا عصير وأدخل أقعد مع المأذون عشان ما يزهقش.

تقدم "غفران" إلى "جميل" الجالس في هدوء، منتظرًا على نار بفضول ظهور "غفران" ليعرف سبب طلبه لرؤيته، مدركًا أن الشيء الوحيد الذي يجعله يفعل ذلك هو ابنته "قسم". تحدث "غفران" بنبرة هادئة جدًا: -متأسف على التأخير. صافح "قاسم" وهكذا "جميل"، ثم جلس على المقعد المقابل لهما. فبدأ "جميل" الحديث بتعجل، وقد فاض به الأمر ونفد صبره: -خير، طلبتني ليه؟ -عرفت إن حضرتك بتدور على قسم من امبارح، وفي الحقيقة هي عندي. أنا راجل صريح.

قالها "غفران" بوضوح شديد، فهز "جميل" رأسه بفهم وقال بعبوس حاد: -يعني بنتي فعلًا هربت من بيتي وجيت تستخبى عندك؟ تنحنح "غفران" بهدوء. وهذه الفتاة التي يتحدث عنها بالسوء هي محبوبته. فقال بجدية ملتمسًا له العذر كونه والدها: -أحب أوضح لحضرتك من البداية أنها مهربتش من بيتك، أنا اتصلت بيها لأنها اتأخرت في الدفع. -دفع!! قالها "قاسم" بعدم فهم، ليجيب "غفران" قائلًا:

-آه، أستاذ جميل، أنا عرضت على بنت حضرتك أتحمل تكاليف العملية كاملة في مقابل... -في مقابل تدرس لبنتك؟ قالها "جميل" بهدوء، ليتحدث "غفران" بثقة أكبر: -دا حقيقي، لكن أنا راجل دوغري. وأنا بحب بنتك وشاريها. ويشهد ربنا إني ما لمحتش بالحُب ده ولا بصت ناحيتها بصة راجل لبنت إلا لما كانت لوحدها وكانت فسخت خطوبتها من ابن خالها. قسم مضت على عقد العملية مقابل إنها تدفع مليون جنيه. -مليون جنيه؟! منين؟

قالها "جميل" بصدمة ألجمته، ليقول "غفران" بلطف: -مش عايزاهم، فداها كل مالي وأملاكي وصحتي بس تكون معايا. أنا شاريها هي بس. -وهي الأصول بتقول إنك تجيبني لحد عندك عشان تقولي إنك بتحب بنتي؟ قالها "جميل" بغطرسة وحدة صارمة، ليتابع "غفران" قائلًا: -أنا عرضت عليها أجي لحد عندك وأطلبها رسمي منك قدام العالم كله وهي رفضت.

-عشان بنتي متربية، عشان بنتي ما تسرقش راجل من مراته وتهدم بيت واحدة تاني وتبني سعادتها على كسرة قلب بنت زيها. قالها "جميل" بفخر برفض ابنته، ليتابع "غفران" الحديث بجدية:

-لا، قسم رفضت عشان خاطرك أنت، عشان بتحب أهلها وخايفة عليك. قسم بتحبني وانت عارف دا. ويمكن دا اللي خلاك تحدد ميعاد فرحها من واحد هي كارهه وحاول يعتدي عليها. بذمتك مش حرام إنها بتعمل كل حاجة عشانك وعشان بتحبك لدرجة إنها تمضي على مليون جنيه عشان تنقذك من الموت وأنت ترميها كده؟ دمعت عين "جميل" بحزن على ما يفعله بابنته التي تحملت كل شيء لأجله ولأجل مرضه. فعله كل شيء يمكنها فعله. تحدث "غفران" بلطف وترجّي قائلًا:

-أرجوك، أنا لأول مرة في حياتي أرجو حد. أنا دايمًا كلمتي أمر، بس لأجل قسم وسعادتها أنا راضي إني أرجوك. بعد إذنك جوّزها لي وأنا أوعدك أعيشها سعيدة وملكة. ولو دمعة منها نزلت تعالي اضربني بنار أو خدها مني. نظر "جميل" إلى "غفران" بصمت، لا يعلم ماذا يفعل؟ وهذا الرجل تنازل عن الكبرياء والغرور لأجل ابنته فقط. فسأله "جميل" بهدوء: -بنتي فين؟ -فوق، أنا جبتها بالقوة، غصب عنها. قالها "غفران" بهدوء، ثم تابع الكلمات بحنان:

-أنا مش هقولك جوّزهالي عشان أي حاجة، لكن قسم تستاهل إنك ترد جزء من اللي عملته ليك في مرضك. وحضرتك تعرفها أكتر مني وتعرف إنها تستاهل تعيش في حياة مبسوطة عن إنها تعيش تعيسة عمرها كله بسبب قرار منك إنك تجوزها لراجل ما بتحبهوش. -وبنتك ومراتك اللي ذنبها اللي هيبقى في رقبتي؟ قالها "جميل" بأسف وخوف، ليقاطعه صوت "نورهان" التي اقتحمت القصر دون إذن تقول: -مراته الخاينة هي اللي دمرت حياتها، مش بنتك.

وقف "غفران" من مكانه مصدومًا من دخول والدته، وهكذا "جميل" الذي صُدم من كلماتها. لهذا السبب لم يبالي "غفران" بزواجه وحياته مع زوجته لأنها قامت بخيانته. أقتربت "نورهان" منهما وقالت بجدية: -غفران مش هتلاقي أحسن منه لبنتكِ. غفران مراته خانته وصاينها عشان خاطر بنته، ما بالك لما تكون بنتك حبيبته هيكرمها إزاي. -إنتِ إيه اللي جابك؟ قالها "غفران" بنبرة خافتة وعينيه تشتعل من النار، لترمقه "نورهان" بهدوء وقالت:

-جيت عشان أباركلك على جوازك. أنا دكتورة نورهان والدة غفران. اتشرفت بحضرتك. -أهلاً وسهلاً يا هانم. قالها "جميل" بلطف وعقله شاردًا في حديث "غفران" عن "قسم"، وتذكر كلمات زوجته أمس عن إجبار فتاته على الزواج. ليقول: -قسم فين؟ -ما قولتليش رأي حضرتك. قالها "غفران" بقلق من خسارتها، وهو لآخر لحظة يسعى للزواج منها بطريقة طبيعية لطيفة حتى يُهدم شيء بينهما ويخسرها من جبروته حين يتزوجها بالإكراه. فقال "جميل":

-أنا عايز بنتي، يا ريت تبعت تجبهالي... قاطعه صوت "قسم" تقول بتلعثم: -بابا. التفت للصوت فوجد طفلته ترتدي فستان زفاف ولا تضع مساحيق تجميل من عجلتها وهي تسارع الوقت. حدقت بـ "قاسم" بدهشة وهو يقف أمامها هنا، لتدرك أن "غفران" زيف كل شيء حتى يتزوجها فقط. أقترب "جميل" من ابنته مندهشًا من رؤيتها بالأبيض، وكانت جميلة حقًا وفاتنة. سأل بقلق: -إيه اللي لابساه ده؟ أستدارت "قسم" إلى "غفران" بغضب سافر وقالت بعصبية:

-أنت هددته بأيه هو كمان؟ خطفت بابا كمان وهو تعبان؟ -غفران بيه طلبلك للجواز مني؟ قالها "جميل" بنبرة جادة، فألتفتت "قسم" له بدهشة وقالت: -وحضرتك وافقت؟ ما توافقش، أنا هتجوز اللي أنت اخترته، أنا رأيي من رأيك ومستحيل أكسرك أو أكون السبب إنك تنحني لحد أبدًا. حدقت بوجه طفلته البريء وعينيها الباكيتين، فتبسم رغم أوجاعه على فتاته الجميلة وقال بلطف: -أنا كمان مستحيل أغصبك على جوازة إنتِ مش عايزاها يا قسم. إنتِ فرحتي الأولى.

مسح دموعها بلطف، ثم قبل جبينها وأخذها إلى خلف ظهره ثم قال: -أنا موافق يا غفران أجوزك بنتي بس بالأصول. تدخل البيت من بابه وتطلبها، وخطوبة وشبكة وفرح زي باقي البنات. أنا بنتي زينة بنات الأرض. تبسم "غفران" بلطف وقال: -موافق. دُهشت "قسم" من قرار والدها. ورغم غضبها من "غفران" وأفعاله، لكنها شعرت بفرحة تغمرها بإلغاء زواجها من "حازم". أقترب "غفران" منه بهدوء وقال: -بس أنا ليا طلب عندك. -اتفضل.

قالها "جميل" بهدوء، ليتابع "غفران" الحديث بثقة وعينيه تحدق بـ "قسم" الواقفة خلف ظهر والدها: -نكتب الكتاب دلوقتي. بصراحة بنتك عنيدة وبتغير رأيها بسرعة. تبسم "جميل" على ابنته وقال بحدة: -طالعة لأمها في العناد. ضحكت "قسم" على حديثهما وقالت بزمجرة: -بابا!!

-نكتب الكتاب دلوقتي والساعة سبعة بالليل أكون عندك أطلبها منك قصاد الناس كلها ونلبس دبلة ونحدد الفترة اللي تعجبك للخطوبة وميعاد الفرح ونعلن الجواز في الفرح. معنديش مانع. قالها "غفران" بهدوء، فظل "جميل" صامتًا قليلًا يفكر في حديث "غفران". رن هاتف "قاسم" برقم "حازم" فلم يجيب، ليرسل له رسالة تحتوي على صورة "غفران" مع "قسم" في فرنسا ورسالة محتواها: ( قول لأبوك لو ما جوزنيش بنت الليلة هفضحكم في المنطقة كلها)

تحدث "جميل" بهدوء قائلًا: -خلي كتب الكتاب بعد أسبوع حتى أكون خلصت موضوع حازم. أومأ "غفران" بنعم رغم عدم موافقته على التأجيل، فقال: -مفيش مانع زي ما حضرتك تحب. -جوّزهاله يا بابا. قالها "قاسم"، فنظر الجميع إليه، لتقول "قسم" بضيق من حديث أخيها: -أنا عارفة إنك عايز تخلص مني، بس مش لدرجتي. مش مستحمل أسبوع.

أقترب "قاسم" من والده وأعطاه الهاتف ليرى رسالة "حازم"، مما جعله يُصدم من هذا الرجل. غفر له محاولة أعتداءه على ابنته والآن يسعى لفضحها أمام الجميع، فأهتز جسده بتعب، ليمسك "غفران" بيده وجعله يجلس على الأريكة، وجلست "قسم" بجواره بقلق تقول: -بابا أنت كويس؟ -الندل الخسيس. قالها "جميل"، فلم يفهم "غفران" الأمر، فأشار إلى "عمر" حتى يُصرف والدته بالقوة، وقال بهدوء: -فهمني في إيه؟

أعطاه الهاتف ليرى الرسالة، مما جعل "غفران" عاجزًا عن فهم أي شيء، وعينيه لا تميز سوى قسم، حتى نفسه عاجزًا عن التعرف عليه. وقفت "قسم" بقلق ونظرت في الهاتف لتتحدث بغضب سافر قائلة: -هو حازم صورنا في فرنسا؟ أدرك أن هذه الصور لـ "قسم" معه. وقرأت كلماته مما جعله كالبركان الذي اشتعل من الغضب بسبب هذا الرجل، وقد وصل لنهاية الأمر معه، لُيغلق قبضته بإحكام، و"جميل" يقول: -أخرتها أتفضح على إيد كلب زيه. جلس "غفران" بجانبه وقال:

-جوّزهالي، جوّزهالي وبعدها قسم مراتي وهو ميقدرش يقف قصادي ولا هيعرف يطلب إنه يتجوزها. نظر "جميل" إليه وهو يضع يده على قلبه، ثم إلى ابنته الواقفة خلفه خائفة من القادم، وقد تحملت الكثير ويكفي ما مرت به لأجلهم، فقال بهدوء: -خلي بالك منها، أنا ما عنديش أغلى منها وكل اللي عندك ده ميساوش حاجة قصادها في نظري. -ولا كنوز الدنيا كلها تساوي حاجة في نظري قصاد قسم، ويشهد عليّ في اللي ليها ربنا.

قالها "غفران" بنبرة دافئة، ليهز رأسه له موافقًا على الزواج. أشار "غفران" إلى "عمر" ليحضر المأذون من المكتب، ووضع يده في يد والدها، وبدأ المأذون في عقد قرانهما، وعينيه لا تفارق "قسم" التي تقف هناك قربه خائفة، وعقلها يتذكر "حازم" الذي تجرأ على فعل الكثير معها، والآن يسعى لدهس شرفها فقط من أجل الزواج. رفع المأذون المنديل مباركًا لهما ثم غادر. فوقف "غفران" أمامها وقال بنبرة هادئة ودافئة: -مبروك يا عروسة. -أنا خايفة.

قالتها "قسم" بنبرة خافتة حتى لا يسمعها والدها، ليبتسم "غفران" عليها ووضع قبلة على جبينها بلطف وقال: -إنتِ دلوقتي مراتي، مرات غفران الحديدي. كلمة خايفة دي متطلعش منك تاني أبدًا. دوسي في الدنيا وإنتِ مطمنة إني في ضهرك. وقف "جميل" من مكانه وقال بهدوء: -يلا يا قسم. -عمر معاهم يوصلهم للبيت ويرجع. قالها "غفران" بجدية، ثم ألتف إلى "جميل" وقال: -أنا سبعة بالظبط هكون عندك.

أومأ إليه بنعم وصعدت "قسم" تبدل ملابسها، ثم غادرت مع والدها و"عمر". *** وصل "أنس" إلى الشقة لتركض إليه "ملك" بسعادة تعانقه بأشتياق، وقد مر وقت طويل على رؤيتها له. ظلت متشبتة بعنقه بقوة وهو يضمها بأستماتة حتى بات يعتصر عظامها بين ذراعيه، ويتمتم بحُب: -وحشتيني، وحشتيني أوي يا ملوكة. -أنت أكتر يا حبيبي. قالتها بحُب شديد، ليتركها حتى يتأمل وجهها وعينيها الجميلتين اللتين اشتاق إليهما، وأخذ يدها في يده وهو يقول:

-الشقة عجبتك؟ -آه، أحسن من التانية جدًا وحيوية والعفش جميل أوي. المهندسة فرشتها حلوة أوي. تعال أفرجك عليها. قالتها بحماس، ليوقف قدميه دون حركة، فنظر إليه بدهشة وقالت: -إيه؟ -أنا عايز أضمك بس يا ملك، مش عايز أعمل أي حاجة تانية ولا قادر أعمل أي حاجة تانية غير إني أشم ريحتك بس. قالها بشغف مشتاقًا لزوجته التي تغيب عنها كثيرًا بسبب "تيا". جلس على الأريكة وهي بجواره يتحدثان كثيرًا، فقال: -شغلتي الرقم الجديد؟

-آه، والتاني رجعته لمحمود زي ما قالي. قالتها بلطف، ليؤمأ إليها بنعم، فقال بحزم: -وأنا كمان شغلت التليفون التاني وعلى طول في العربية. شوية بس لحد ما تيا تبطل تدور وتتعب. -ماشي يا حبيبي. قالتها "ملك" بلطف، ليخرج من جيبه علبة زرقاء مستطيلة وقال بحنان: -شوفي جبتلك إيه؟ فتحت العلبة لتجد بها قلادة من الألماس بها حجر أزرق ناعمة ورقيقة، فقالت بأنبهار وإعجاب: -الله يا أنس، جميلة أوي يا حبيبي، تعيش وتجبلي. أخذها من العلبة

ليضعها في عنقها وهو يقول: -تعيشي وتلبسي يا روحي. أستدارت إليه لكي يضع القلادة في عنقها، ورفعت شعرها جانبًا، ونبضات قلبها تتسارع بحماس وفرحة من اهتمامه بها ومحاولاته الدائمة في إسعادها، رغم لقاءاتهما القليلة، لكنه في كل لقاء يجعلها كالحورية في الجنة، لا تعرف سوى السعادة والحب فقط. شعرت بشفتيه تقبل عنقها لتنتفض بسعادة، وبدأت يديه تتسلل حول خصرها، لتغمض عينيها بأستسلام لقشعريرتها وشعورها الدافئة معه وجنبه. ***

وصلت "قسم" مع والدها إلى شقتها لتعانق والدتها بقوة، التي بدأت تربت عليها بحنان. فقال "قاسم" بقلق: -هنعمل إيه؟ نظر الجميع له، فقال "جميل" بجدية صارمة ولا يبالي بشيء: -هنعمل إيه يعني؟ أختك هتدخل مع أمك يجهزوا غداء للناس اللي جاية، وبعدها أختك تجهز. صرخت "صفية" بانفعال شديد معترضة على هذا الزواج: -برضو يا جميل، برضو هتجوزها لحازم غصب عنها. ربتت "قسم" على كتفها حتى تحد من حدتها، لتصرخ منفعلة بها: -متغمزنيش!

سيبني أقوله الحقيقة. ما أنا مش هستنى أشوفك تعيسة طول حياتك مع جحش زيه. -ماما قسم اتجوزت غفران بيه. قالها "قاسم" يقاطع والدته، فنظر الجميع إليه، ليتابع الحديث بمرح: -إيه ما هي مش صابرة إننا نمهد لها الموضوع. حطه خبط لزق أحسن. -مين اللي اتجوزت؟ اتجوزت مين؟ أنت بتقول إيه؟ سألت "صفية" بعدم استيعاب، فجلس "جميل" يشرح لها الأمر مع أولاده ورغبة "غفران" في الزواج من ابنته وتهديد "حازم". فنظرت "صفية" إلى ابنتها وقالت:

-اتجوزتي من غيري؟ تحدث "جميل" بهدوء يحسم الأمر وينهي الحديث بهذا الموضوع: -أنا اللي جوزتها. خلي جوزها يقف له عشان يبقى يعمل راجل عليها ويجي يهددني دلوقتي. وبعدين من غيرك إيه يا أم قاسم؟ ما هو جاي النهار ده يطلبها مننا وأعملي الخطوبة اللي تريحك. ضربت يديها ببعضهما بحيرة وقالت: -واحد عايش في قصر وهيأخدها تعيش معاه ومش عايز منا أي جهاز وكتب كتابه عليها. أقعدها معايا ليا وأعمل خطوبة ليه؟ أديهاله ربنا يسعدها.

-ولو أنا برضو لازم أعمل فترة خطوبة لناس تفكر حاجة. الناس كلامها وحش وهيفهموا الجوازة المستعجلة غلط. على الأقل نخلي الخطوبة ست شهور ولا إيه رأيك يا قسم؟ قالها بجدية، فنظرت إلى والدها بهدوء وقالت: -اللي تشوفه حضرتك يا بابا. أومأ إليها بنعم، ثم وقف من مكانه يقول: -يبقى على خير الله. أنا هدخل أنام شوية وأنتوا جهزوا غداء للضيوف. وأنت يا زفت أدخل ذاكر وإياك تنزل تلعب كورة. أومأ إليه بنعم ليدخل إلى غرفته. ***

لم يمرر "غفران" دخول والدته القصر دون إذن، فأقتحم قصرها بالقوة بعد أن ضرب رجل الأمن الذي حاول منعه، فوجد والدته على السفرة تتناول الغداء، ليصرخ بها منفعلًا: -أوعي تفكري إني ممكن أمرر دخولك لقصري بالطريقة دي بالساهل كده. مسحت "نورهان" فمها بالمنشفة الصغيرة ووقفت من مكانها ببرود شديد، ثم قالت: -هتعمل إيه يا غفران؟ هتضربني وتكومني على الأرض زيه؟ أشارت بيدها على الحارس، ليكز على أسنانه بغضب سافر شديد وقال:

-متحاوليش تختبري صبري كتير يا دكتورة، حضرتك مش قد الحرب معايا. وموضوعي مع كندا أو قسم ما يخصكيش، أنا حياتي كلها ما تخصكيش ولا يحق لكِ التدخل فيها. أنا بحذركِ للمرة الأخرى أبعدي عن حياتي. دمعت عين "نورهان" بخفة من كلماته، ليلتف كي يغادر القصر، فصرخت بألم غاضبة تاركة العنان لوجعها: -هتفضل لحد امتى تعاملني كده؟ أنا أمكِ يا غفران، طلعت أو نزلت، أنا أمكِ. مكانتش غلطة عملتها من 12 سنة هتفضل تعاقبني عليها لحد امتى؟

توقف عن السير وهو يعطيها ظهره بألم حين تحدثت عن الماضي الذي لم يُمحَ من ذاكرته حتى الآن، وقال بوجع يجتاحه: -مش كل الماضي بيتمحي. في ماضي بيكون حاضرنا ومستقبلنا. واللي عملتيه لسه معلم جوايا. اللي اتكسر مش قادر حتى أصلحه رغم كل ما أملكه. غادر القصر غاضبًا وهو يسير في الحديقة نحو قصره موجوعًا، فسقط على الأرض وهو يتذكر الماضي، وبدأ يلهث بقوة ويضع يده على صدره، فهرع إليه "عمر" يأخذ بيده لأقرب مقعد وقال: -حضرتك بخير؟

-أنسي!! عايزاني أنسى إزاي وأنا بسببها بقيت أعمى؟ قالها بوجع ويديه تضغط على صدره من الوجع، وعينيه تؤلم رأسه بقوة من ذكريات الماضي المسجون بداخله. تنهد "عمر" بهدوء، وقد فهم الأمر، ليجلس بجواره وقال:

-يمكن لأنها متعرفش إن الغلطة اللي بتتكلم عنها طول الوقت خلت ابنها أعمى ومش قادر حتى يشوف وش بنته ولا وشها. هي بتتطلب السماح لأنها متعرفش إن أثر الغلطة دي لسه قائم وحضرتك بتعاني منه. أعتقد كونها أم لو عرفت إنها اتسببت في مرضك هيكون الموت أهون عليها من الحياة، إنها اللي أذيت ابنها. ظل يتنفس بصعوبة ويشعر بضغط أنفاسه كأنها تمزق صدره. جلس صامتًا بتعب حتى بدأت أنفاسه تعود لطبيعتها، فقال بجدية:

-جهز العربية أنا هغير هدومي عشان نروح لقسم. أومأ إليه بنعم ودلف إلى القصر، فوجد "كندا" في انتظاره على الدرج جالسة حافية القدمين. تجاهلها، لكنها أوقفته بكلماته: -برافو عليكِ. ضحكت عليها صح؟ بدل ما كنت خاطفها وهتتجوزها بالقوة وتكسر أهلها، روحت جبت أبوها وطلبتها منه رسمي وخليه يقولك اتجوزها أنا موافق. وبقيت في نظرها بطل بتهتم بسعادتها. كون بطل معايا بقي وطلقني. حدق بها بعد أن وقفت أمامه بجراءة تطلب الانفصال عنه بشجاعة،

فقال بدهشة: -أطلقكِ!! جبتي الشجاعة دي منين عشان تطلبي الطلاق مني؟ ولا هو اللي أديكي حبوب الشجاعة؟ لم تتمالك أعصابها وهو يضغط على جرحها أكثر ويتهمها في شرفها، فرفعت يدها كي تصفعه بجنون، لكنه أمسك يدها في اللحظة الأخيرة وقال: -إنتِ واخدة حبوب الشجاعة بجد لدرجة إن عقلك المريض صورلك إنك ترفعي إيدك في وشي بدل ما أنا اللي أعمل كده.

صفعها بقوة حتى سقطت على الدرج من قوة صفعته، وخرجت منها شهقة قوية من الألم، فصرخ بغضب سافر بها قائلًا: -بتنكشي على موتكِ يا كندا، ورحمة أبويا لأدفعك الثمن غالي بس لما أفضالك. تركها على الدرج مُنهارة من البكاء وصعد يستعد للذهاب إلى محبوبته. ***

وقفت "قسم" أمام المرآة تضع القليل من مساحيق التجميل بعد أن ارتدت فستان وردي اللون وصففت شعرها على ظهرها ورفعته من الجانبين بدبابيس الشعر وتركت خصلتين على الجانبين من غرتها. أقتربت "ملك" منها بفضول شديد وقالت: -بتحبيه؟ نظرت "قسم" إليها وهي تضع أحمر الشفاه واحمرت وجنتيها خجلًا، لتقول "ملك" بلطف: -الحب ما بيستخباش يا قسم. جلست على الفراش بتنهيدة هادئة وتنظر إلى صديقتها بسعادة وعقلها يتذكر أيامها معه، لتتحدث بسعادة:

-مرتاحة معاه يا ملك، مطمنة. وأنا طول الوقت كنت خايفة وقلقانة من بكرة وشايلة المسئولية. لكن مع غفران أنا مطمنة ومش شايلة هم أي حاجة في الدنيا ولا عارفة يعني إيه مسئولية تتشل وتقطم ضهري. غفران محسسني إني بنت زي البنات اتخلقت عشان أتحب وأتدلع وأتبسط. محسسني إني أستاهل إني حد يعافر عشاني وحد يعمل المستحيل عشان عايزني معاه ويحبني ويدور أنا بحب إيه ويعمله. مش حد يقولي روحي لصنايعي ولا شوفي تشطيب الشقة. غفران محسسني بالأمان يا ملك. كنت في بلد غريبة معرفش حد وتايهة وعاملة أعيط، لكن كنت مطمنة لأن غفران موجود وعارفة إنه جاي وهيدور عليا. إحساس الأمان حلو أوي، أول مرة أحسه.

جلست "ملك" بجوارها بلطف وقالت: -يبقي بتحبيه يا قسم، بتكابري ليه؟ قولي بحبه، ده حقكِ. تبسمت "قسم" بلطف، فدق الباب بخفة ودلف "قاسم" يقول: -الناس جم. تعالي يا قسم لو خلصتي.

أومأت إليه بنعم وتركت أحمر الشفاه من يدها وخرجت مع أخاها، لتراه جالسًا مع "تيا" أخته و"عمر". وقف من مقعده فور رؤيتها، وكانت جميلة جدًا في اللون الوردي، وعينيها التي رسمتهما بمستحضرات التجميل باتت أكثر جمالًا وسحرًا. أقترب من "تيا" أولًا لتصافحها، فتبسمت "تيا" بعفوية وقالت: -أنا أخته. -أهلاً بيكِ.

ألتفتت "قسم" نحوه بخجل شديد، ليبتسم عليها، فأمس كانت عنيدة وتصرخ به رافضة هذا الزواج، والآن هي تقف أمامه زوجته وتخجل من رفع نظرها به. ليصافحها برحب، فأقتربت لتصافح "عمر"، لكن أخذ "غفران" يدها بغيرة تلتهم قلبه وقال بجدية: -أنا بس. أومأت إليه بنعم وجلست جوار والدها ليبدأوا بالحديث العام، حتى جاءت "صفية" تقول: -العشاء جاهز، أتفضلوا.

وقف الجميع وتقدموا نحو السفرة، لكن أوقفهما في المنتصف دقات على الباب، ليذهب "قاسم" يفتح ووجد "حازم" الذي دفعه بقوة ودلف. فوقفت "قسم" تلقائيًا خلف "غفران" بخوف من جنان هذا الرجل، فوضع "غفران" يده في جيبه بغرور ولا يبالي بشيء. رمقه "حازم" بغضب سافر وقال: -ممكن تفهمني يا جوز عمتي اللي بيحصل؟ أعتقد إنك أديتني كلمة امبارح. أقترب "جميل" منه بغضب سافر من تهديده الصباحي وقال:

-حصل لأني كنت شايفك راجل هديك بنتي، لكن تهددني وتطلع ندل وواطي يبقي مالكش عندي غير الجزمة. مسكه "حازم" بغضب سافر من ملابسه دون أن يهتم لسنه أو صلة القرابة بينهما، وقال بانفعال: -لكن أديتها للي يدفع أكتر. أنت كده بقيت راجل، دفعلك كام عشان تبيعها له؟ قاطعه يده "غفران" التي مسكت يده يبعده عن "جميل" وقال بهدوء مُرعب ونبرة خشنة حادة: -حذاري تنطق كلمة تانية عنها لأنك مش هتلحق تكملها.

أبتلع لعابه من الخوف أمام "غفران" وهو يتذكر أخر مرة رآه في الفندق كان سيقتله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...