جلست "نورهان" تحدق بوجه ابنها في صمت سائد بينهما بعد مغادرة "قُسم". تنحنح "غفران" محرجًا من نظراتها ثم قال: -قولي اللي عندك يا دكتورة. تبسمت "نورهان" بخباثة على ابنها وارتباكه أمامها فقالت بلطف: -معنديش، الكلام كله عندك أنت يا غفران بيه. لتكون فكرت في كلامي وناوي تتجوز؟ وقف "غفران" من مكانه متأففًا بسبب حديث والدته عن الزواج مرات عديدة، ومؤخرًا بات هذا حديثها المفضل في كل لقاء. جلس أمامها على المقعد
المقابل للمكتب ثم قال: -ارتاحي يا أمي أنا مش هتجوز على كندا. ورجاءً متفتحيش الموضوع ده تاني. نتكلم في المفيد... أنا عايز منك توكيل عشان حصتك في الشركة من بابا الله يرحمه. داخل على صفقة عربيات كورية كبيرة ومحتاج دعم أسهمك الفترة دي. وقفت "نورهان" من مكانها ببرود متجاهلة النقاش في هذا الأمر ثم قالت: -لو كنت أعرف أن ده سبب رغبتك في مقابلتي ما كنتش جيت يا غفران...
سلام. واه، فكر تاني في موضوع الجواز ولا أنت شايف أن نالا هتكون ذكية كفاية لأنها تكون ولي عهد وورثتك المستقبلية. غادرت المكتب بوجه جاد شاحبًا. التفت "عُمر" الذي كان واقفًا مع السكرتيرة بانتظار المغادرة. تنهدت الفتاة بارتياح وقالت "ليلى" السكرتيرة بعفوية: -أخيرًا، ده أنا بحط إيدي على قلبي لما السيدة نورهان بتيجي هنا. نظر "عُمر" لها مندهشًا فقال بفضول: -غريبة يا ليلي، مع إن الكل بيخاف من لقاء غفران بيه أكتر.
ضحكت "ليلي"، هذه الفتاة التي تحمل ملامح مصرية جميلة، بشرة قمحاوية وعيون بنية داكنة واسعة وأنف مستقيمة ووجنتين ممتلئتين بوجهها المستدير على عكس جسدها الممشوق. متناسبة مع طولها، فكانت طويلة، مرتدية بنطلون أحمر فضفاض وقميص نسائي أسود اللون، وتلف حجابها الصغيرة للخلف تظهر حلق أذنها الأحمر وخصلتين من الأمام بحجم عقلة الإصبع. أجابته "ليلى" بنبرة خافتة:
-بالعكس، إحنا كلنا هنا بنحترم مسيو غفران جدًا. هو حقيقي صارم شوية لكن ما دام أي شخص فينا ملتزم بالقواعد بتاعته ومخلفهاش، عمره ما بيأذي أو يجي على حد. وظلم، ويمكن ده اللي محبب الموظفين هنا فيه. رغم إنه بيترعبوا منه، لكن السيدة نورهان، يا سلام، لو تقولها صباح الخير ده رعب في حد ذاته. ست قوية بجد ووشها دائمًا غضبان وكبرياء ست عمرى ما شفته في أي حد. تنحنح "عُمر" بلطف وهو ينظر حوله ثم اقترب منها بعفوية وقال:
-طب وعُمر مالهوش حاجة في الكلام ده؟ نظرت إلى "عُمر" حبيبها الوسيم الذي تسلل إلى قلبها منذ أول لقاء لهما. وبسبب ثقة "عُمر" بها، حصلت "ليلي" على وظيفة السكرتيرة الشخصية لمكتب "غفران" بعد أن كانت قادمة لتقدم على وظيفة العلاقات العامة. تمتمت بخجل وقلبها يرفرف ودقاته تتسارع كلما نظر إليها أو حدثها بنبرة الحب الناعم الذي يذيب القلب قائلة: -أنت يا عُمر، أنت ليك الحب والقلب كله يا حبيبي.
حَك عنقه بسبابته مبتسمًا وعيناه لا تفارق نظرة عينيها. ثم أخذ يدها في راحة يده خلسًا لتضربه بيدها الأخرى بلطف وهمست بخجل: -عُمر، حد يشوفنا عيب. ترك يدها عابسًا وهو يجيب على كلماتها الغليظة: -ما الشركة كلها عارفة إنك حبيبتي. -طب شد حيلك بقى وخد لك يوم إجازة عشان تيجي لبابا يا عم عُمر عشان تبقي خطيبتك. قالتها بلطف ليؤمئ إليها بنعم متذمرًا من انشغاله مع "غفران". ثم قال:
-حاضر والله يا حبيبتي، قريب بس أظبط الأمور مع غفران بيه وأجيلك على طول. هزت رأسها بنعم. وقبل أن تتحدث، رن جرس مكتب "غفران" فدفعته بتعجل لكي تدخل المكتب. *** في مطعم للدجاج المقرمش بوسط البلد، كانت "قُسم" جالسة مع "ملك" يتناولان الغداء معًا. فقالت "ملك" بعبوس بعد أن سمعت ما حدث من "قُسم": -أنتِ دائمًا كده منفعلة يا قُسم. فيها إيه لما الراجل عرض عليكِ المساعدة لما شافك متعصبة؟
يا شيخة ده أنا اتخضيت من نبرة صوتك في التليفون معايا، ما بالك بيه هو اللي كان قاعد معاكِ. تحرجيه وتكسفيه كده وزعلانة إنه نزلِك في نص الطريق؟ ابتلعت "قُسم" لقماتها بضيق ثم قالت مجيبة عليها باقتضاب: -أنا عارفة إني كان دمي محروق والحرقة طلعت فيه. معاكِ في ده، أنا، لكن أسلوبه معايا كان مستفز وأنا رديت بناءً على أسلوبه.
أومأت "ملك" بنعم وهي تهز رأسها بدون اقتناع من السبب الذي تتحدث عنه "قُسم"، فتاتها المتمردة صعبة المنال. تناولت "ملك" الطعام أكثر و "قُسم" تنظر إلى صديقتها بعينين ثاقبتين. فقالت بلا مبالاة: -هاتي يا ملك اللي في جوفك، قولي عايزة تقولي إيه وماسكة في زورك، لأحسن تشرقي وتموتي بيه. تركت "ملك" قطعة الدجاج على الصينية بغيظ ثم قالت بغضب وعينين حادتين تلتهمان صديقتها:
-بصراحة بقى، أنتِ هزأتي الراجل مع إنه كان ذوق معاكِ. ده غير إن الشغل ده كان مهم جدًا ليكِ وخصوصًا إنكِ داخلة على جواز والدرس ده كان هيفيدك جدًا مع المدرسة عشان وقت بيتك ومش هتحتاجي تروحي الحضانة ولا تلفي على البيت للدورس. أنا شايفة إنكِ تروحي تعتذري له على قلة ذوقك. -وأستسمحه كمان يرجعني أدي بنته الدرس وبالمرة أبوس إيده ولا رجله. أنتِ اتهبلتي يا ملك ولا مش سامعة أنتِ بتقولي إيه؟
قالتها "قُسم" بغضب سافر جعل جميع من بالمكان ينظرون إليها. وضعت "ملك" يدها على فم صديقتها تُسكتها عن الحديث بصوتها العالي. تأففت "قُسم" من الحديث وذهبت إلى المرحاض. وعندما خرجت، رأت فتاة تجلس مع "ملك". اقتربت أكثر لتنتبه لملامح "رزان"، نفسها الفتاة التي رأتها في القصر مع "نورهان". جلست بهدوء تقول: -نعم! -السيدة نورهان في انتظارك في قصر اللؤلؤ.
قالتها "رزان" بهدوء شديد. وهذه الفتاة لم تدخل قلب "قُسم" بل أثارت قلقها أكثر من حدتها وغلاظتها. كانت فتاة بنهاية العشرينات تقريبًا، شعرها الأسود قصير يصل لعنقها، ناعم جدًا لدرجة أن كل خصلة وحدها، بعينين عسليتين ضيقتين، بشرة متوسطة البياض، تضع مساحيق التجميل. ترتدي بدلة نسائية رمادية اللون، تتعامل كأنها بلا مشاعر كإنسان آلي، يبلي أمور "نورهان" فقط. تنحنحت "قُسم" بحيرة من قبول هذا اللقاء أم لا. وبنهاية المطاف، ومع إلحاح "ملك"، ذهبت إلى القصر بصحبة "رزان".
***
لم تبالي "كندا" لمشاعر "غفران" ورفضه الدائم للقاءاتها مع "عفيفي" وذهبت لرؤيته. نظرت في المرآة الأمامية على سيارة رجاله التي تتبعها، مما أثار غضبها وتذكرت حديثها الأخير عن "عفيفي". صفت سيارتها جانبًا بالمرآب الخاص بأحد المراكز التجارية ووضعت قناعًا أسود على فمها وأنفها تحمي وجهها المعروف عن المارة. ثم ترجلت من السيارة. رأت الرجل يتتبعها إلى الداخل فولجت إلى محل ملابس نسائية واشترت ثيابًا جديدًا، بدلت ملابسها وقبعة نسائية، ثم خرجت متسللة منهما وأوقفت سيارة أجرة تأخذها إلى الأستوديو الخاص بـ "عفيفي".
*** ولجت "قُسم" إلى قصر اللؤلؤ، وكان قصرًا أبيض اللون وأثاثه أبيض كالجدران، مودرن وأنيق جدًا. أرشدتها "رزان" إلى الصالون وكانت "نورهان" جالسة مع رجل في الستينات من العمر وأمامها على الطاولة الكثير من المجوهرات المصنوعة من الماس وتحمل في يدها عقدًا رقيقًا جدًا. تحدثت "نورهان" بهدوء: -اتفضلي اقعدي، خلاص يبقى أنا هاخد المجموعة اللي اخترتها يا بشير.
أومأ الرجل لها بنعم وبدأ يجمع المجوهرات في حقيبته للمغادرة. نظرت "نورهان" إلى "قُسم" الجالسة أمامها بهدوء، لم ترفع نظرها للمجوهرات. تحدثت "نورهان" بجدية صارمة وهي تضع قدمًا على الأخرى: -نالا قالت لي إنكِ مش هتيجي تاني. -آه، ده حقيقي حسب رغبة غفران بيه. قالتها "قُسم" بهدوء. فأومأت "نورهان" إليها بنعم، بينما جلبت "رزان" القهوة للاثنتين فقالت:
-اتفضلي القهوة. بصراحة يا قُسم، أنا عايزكِ تيجي لـ نالا تاني وبالمبلغ اللي تحبيه. أنا مش هفرض عليكِ سعر أو أقولكِ أنا هدفع لكِ ضعف السعر اللي عرضه غفران. اتسعت عينا "قُسم" من هؤلاء الناس وهم يشترون كل شيء بالمال الذي لا يعني لهم الكثير، في حين أنها تعافر لجمع القليل لأجل الحياة. سألت بوضوح قائلة: -كمان!! ليه؟
-لأن نالا بنت وحيدة جدًا ومعندهاش أصدقاء. وفي الحقيقة هي حبتك جدًا وكل مدرسة تيجي حصة مبتجيش تاني. وده شيء بيضيق نالا وبيخليها دائمًا محبوسة في أوضتها لأنها بتعتقد إنها السبب وإن المدرسين مش بيحبوها. وده شيء الدكتور النفسي نصحنا إننا نهتم بيه عشان ممكن يسبب لها الكثير من الأمراض النفسية، أولهم التوحد.
حدثتها "نورهان" بهدوء، واثقة أن هذه الفتاة تحب الأطفال جدًا حسب ما قرأت في الملف الخاص بها. وأن "نالا" هي الطريقة الوحيدة حتى تعود "قُسم" للقصر. ورغم قلة معرفتها بـ "قُسم"، لكنها مدركة أن "قُسم" فتاة استثنائية جعلت ابنها يطرف عينيه عن "كندا". تنهدت "قُسم" بحيرة من أمرها في قبول هذا العرض المغري أكثر من عرض "غفران". ونظرت مطولًا بقلق إلى "نورهان".
وصلت سيارة "غفران" إلى القصر ففتحت البوابة الخارجية وأوقفه موظف الأمن حتى فتح "عُمر" النافذة إليه ليقول بهدوء: -آنسة قُسم موجودة في قصر اللؤلؤ بقالها نص ساعة. اتسعت عينا "غفران" بعد أن سمع وترك الجهاز اللوحي من يديه. رفع رأسه إلى الموظف بدهشة وقليلًا من القلق. من يأتي إلى قصر والدته؟ ويعتبر قصرها هو الأكثر رعبًا في القصور الثلاثة. وتساءل بقلق مكبوت بداخله: -ليه؟ أجاب الموظف بنبرة هادئة:
-في الحقيقة معرفش، لكنها وصلت من شوية مع رزان في العربية. اتجه "غفران" إلى القصر بقلق من تفكير والدته، وخصوصًا أن "قُسم" فتاة فقيرة ووالدتها المتكبرة تكره الفقراء، بل تشمئز منهم. والآن تدعي "قُسم" إلى قصرها... -ها، قلتِ إيه؟ سألتها "نورهان" بنبرة غليظة ليقاطع جوابها صوت "غفران" بنبرته الحادة يقول: -في إيه يا دكتورة؟
رأته "قُسم" يتجه نحوهما غاضبًا، بل وجهه عابس جدًا ويبدو عليه الغيظ. ارتشفت "نورهان" رشفة من فنجانها ببرود ورمقت ابنها بعينيها حتى وصل إليها لتقول: -رزان، أطردي موظف الأمن اللي سمح لحد يدخل قصري بدون إذني. نظرت "قُسم" بها بصدمة من قساوة هذه المرأة التي تقطع رزق رجل لأن ابنها دخل المنزل. فتحدث "غفران" بنبرة جادة صارمة: -وده هيمنعني مثلًا؟ أنا حذرتك متتدخليش في أي حاجة تخصني.
تركت "نورهان" الفنجان على الطاولة ببرود وعينيها ترمقان "قُسم" من الرأس لأخمص القدم. ثم قالت ببرود أثناء وقوفها: -هي المس تخصك؟!! صحيح، يا رزان، افصلي ولاد الموظف ده من المدرسة اللي إحنا مدخلينهم فيها عشان يكون عبرة لغيره. -ده ظلم. ما حصلش حاجة لكل ده، حرام تقطعي عيشه.
قالتها "قُسم" وهي تقف بحزن من جبروت هذه المرأة. أندهش الجميع من جراءتها التي جعلتها تقف أمام "نورهان". رمقتها "نورهان" بنظرة باردة جعلت "غفران" يتقدم للأمام يقف أمامها يحميها من عيني والدته التي رمقته بغيظ وقالت: -اطلع برا القصر يا غفران. وآخر مرة تتجرأ وتيجي هنا بدون إذن مني أو طلب مسبق مني، لأن دي آخر مرة هتغاضى عن عصيانك.
لم تصدق "قُسم" أن هذه السيدة الجاحدة هي والدته وتطرده من قصرها. بل الجحود الأكثر أن ليس له الحق في رؤية والدته إلا بأمر منها. دفعته عن طريقها لتظهر إلى "نورهان" بعد أن كان يخفيها وقالت بضيق تبوح عن غضبها من غلاظة هذه المرأة: -أنتِ أمه بتكلميه كده ليه؟ أنا برفض طلبك يا مدام.
اتسعت عينا "رزان" من شجاعة "قُسم" التي لم تفهم بعد شخصية "نورهان" والحدود التي لا يجب تخطيها، فحتى ابنها لم يتجرأ على تخطي هذه الحدود. نظر "غفران" إلى "قُسم" مندهشًا وخائفًا بآنٍ واحدٍ. إنها الشخص الأول في الحياة الذي تجرأ على الوقوف أمام "نورهان" ومعارضتها. وخائفًا من رد فعل "نورهان" التي اقتربت من "قُسم" وتبسمت بمكر معجبة بهذه الفتاة: -أنتِ جريئة أوي يا قُسم، لكن تعرفي إنكِ مش قد الجراءة دي.
تبسمت "قُسم" بغرور مصطنع تخفي خوفها من نظرة "نورهان" إليها. وعقدت ذراعيها أمام صدرها بتكبر هاتفة ببرود شديد: -أنا قد كل حاجة بعملها وبقولها يا دكتورة، وإلا ما كنتش عملتها. رفعت "نورهان" حاجبها بإعجاب شديد ليتحدث "غفران" بحزم يقول: -أنا بحذرك يا دكتورة. وأوعي تنسي إنّي ورثت الجحود والقسوة منك.
مسك يد "قُسم" وأخذ حقيبتها بيده الأخرى ثم سحبها معه للخارج بضيق. وفور خروجهما من القصر، تركها غاضبًا والخوف يتملكه من رد فعل والدته، فصرخ بوجهها يقول: -أنتِ اتجننتِ؟ إزاي تيجي لحد هنا برجلك وكمان تردي عليها؟ أنتِ إيه؟ غبية؟ مسمعتيش كلامها عن الحارس؟ راجل معملش حاجة عشان تقفي تنطحي فيها زي الثور؟ ركزت "قُسم" على أسنانها غيظًا من كلمته الأخيرة وقالت بغضب سافر:
-أنا همسك لساني عنك بالعافية. مش هبقى أنا والست الوالدة عليك. لكن كلمة تانية هوريك الثور بحق وحقيق. تأفف بضيق وهو يضع يديه في جيوب بنطلونه وينظر للعدم بحيرة وعقله يفكر في أي رد ستقدمه والدته الغليظة. ظلت "قُسم" ترمقه بينما يقف صامتًا، فتنحنحت بحرج وقالت بنبرة أقل عدوانية: -آسفة. استدار لينظر إليها، فقالت بضيق من تنازلها للاعتذار:
-خلاص، قلت لك آسفة. بس حقيقي دمي اتحرق أوي. هو عشان ربنا مديها يتتحكم في أرزاق الناس وعياله ذنبهم إيه؟ دي ست مفترية. احتدمت عيناه بضيق أكبر من لسانها المغلوب على أمره. فقالت بعبوس: -يووووه، آسفة كمان مرة عشان خاطر والدتك بس هبقى أشتم براحتي لما أمشي. تبسم بخفة على عفويتها وهي تخبره أنها ستسب والدته لاحقًا، حتى بعد أن قدمت الاعتذار له. تنحنحت "قُسم" بلطف وقالت بحرج:
-اتفضل وصلني عشان مش هلاقي تاكسي في الهوا اللي إحنا فيه ده. مش كنتم تسكنوا في حتة فيها حياة؟ ضحك "غفران" أكثر على تمردها ليقترب من سيارته. وكان "عُمر" يقف أمامها بينما "سمير" في مقعد السائق كما هو. فتح مقعد السائق وقال بجدية: -انزل يا سمير، اركبي. ترجل السائق من السيارة فقال "عُمر" بهدوء: -عنك يا مسيو غفران، أسوق أنا.
هز رأسه بلا وصعد بمقعد السائق بنفسه وجلست "قُسم" في المقعد المجاور له. قاد سيارته بها إلى حيث تسكن. كانت "قُسم" ترمقه بنظراتها خلسًا والفضول يقتلها لما تعامله والدته بهذه القسوة والجحود؟ هل يوجد سبب يجعل الابن لا يرى والدته متى يشاء؟ سألها بنبرة خافتة: -مالكِ؟ عايزة تقولي حاجة؟ نظرت "قُسم" للأمام بحرج من معرفته بنظراتها. احمرت وجنتها خجلًا فتبسم "غفران" بخفة وظل الصمت سائدًا بينهما حتى وصل أمام العمارة. فتحدثت "قُسم"
بهدوء: -شكرًا على التوصيلة، تعبتك. نظر "غفران" إلى وجهها بامتنان لهذا الوجه الذي أعطاه الأمل من جديد في عودة عينيه. تورّد وجنتيها وبريق عينيها الخضراء، هذه العيون الوحيدة التي يراها في حياته. لتزداد حمرتها من عينيه المسلطة عليها، ثم قالت بتوتر: -سلام. -قُسم. قالها بنبرة خافتة لتستدير له مندهشة من لفظ اسمها، وتذكرت حين لفظه في محطة القطار. تابع حديثه بهدوء: -متتأخريش على نالا عشان سألت عليكِ. -أكيد.
قالتها "قُسم" بعفوية وبسمتها أنارت وجهها الجميل بعد أن طلب عودتها للعمل كما طردها بنفسه. شرد ببسمتها حتى قاطعه شروده صوت "حازم" القوي الذي يقف قرب باب السيارة بوجه مشتعل من الغضب والغيرة يقول: -اسم النبي حرسك وصاينك. أنتِ راجعة ليا مع راجل غريب بروح أمك؟ التفتت "قُسم" تنظر إلى النافذة جوارها على صوتها بصدمة ألجمتها من طريقة حديثه لها أمام "غفران" فقالت بحرج شديد: -أنت بتكلمني كده يا حازم؟
-لا، إزاي أكلمك كده يا برنسيسة؟ انزل... انزل لي عشان أربيك. قالها بحدة ويده تفتح الباب بقوة. فقال "غفران" بضيق من طريقته: -ما تتكلم بأدب يالا. ضحك "حازم" بسخرية ويديه تضرب سقف السيارة بقوة ويقول: -كمان بتقل أدبك، ده بجاحة بقى، انزلي يا روميو زمانك وأنا أوريك الأدب. ترجلت "قُسم" من السيارة سريعًا وصوت "حازم" جمع الناس حولهم. تحدثت "قُسم" بحرج وهي تنظر حولها على تجمع الناس قائلة: -أنت اتجننت يا حازم؟
لميت الناس علينا، افهم الأول بدل ما تفضحنا في وسط الناس.... معلش يا أستاذ غفران أنا آسفة ليك. سحبها "حازم" من ذراعها والغيرة تنهش في قلبه من رؤيتها تعتذر لهذا الرجل وقال بضيق: -كمان بتعتذري له، ده أنتِ عايزة تتربي بجد. ما هو لو كان أبوكِ رباكي ما كنتيش عملتي كده، لكن هقول إيه؟ ما هو مربكيش. دفعته "قُسم" بقوة بعيدًا عنه بغيظ شديد من كلماته المهينة لها أمام الجميع وقالت بانفعال:
-اخرس، أنا متربية غصب عنك، وكلامك ده أنا مش هرد عليه بالكلام يا حازم. كانت "صفية" تجلس على السفرة تلف ورق العنب من أجل طلبات الزبائن حتى سمعت صوت ضجة كبيرة بالشارع فخرجت إلى النافذة كبقية الجيران وصُدمت عندما رأت ابنتها تقف مع "حازم" والشجار بينهم فصرخت بهلع وترجلت للأسفل. التفتت "قُسم" لكي تصعد لشقتها بعد أن تجمع الناس والجيران حولها من أفعال خطيبها ليمسكها "حازم" من ذراعها بغضب سافر وقال: -تعالي هنا.
دفعته "قُسم" بعيدًا عنها بغيظ وعينيها على وشك البكاء من غرغرة دموعها الأسيرة في جفونها وصرخت به بانفعال: -ابعد عني، فضحتنا ولميت علينا الناس. ألقت بدبلتها في وجهه ليزداد غضبه من تصرفها وقال بانفعال: -فضحتكِ؟ عايزة ترجعي لي مع واحد وأخدك بالأحضان؟ -لا، أنت مريض ومش متربي.
قالتها بغضب سافر مما أفقده صوابه ليرفع يده كي يلطم وجهها. اتسعت عينا "قُسم" على مصراعيها حين رفع "حازم" يده كي يصفعها بمنتصف الطريق. لكن ما ألجمها وجعلها تنتفض ذعرًا حين ظهر "غفران" يسحبها من أمام "حازم"؛ لتقف خلفه وبيده الأخرى يمسك يد "حازم" قبل أن يفعل هذه الجريمة. نظر "حازم" إلى هذا الرجل الذي دخل بينه وبينها وتفوح منه رائحة عطره القوية وزيه فاحش الثراء ببدلته الزرقاء وقميصه الأبيض. عيني "غفران" تكاد تلتهمه من جراءته على ضرب فتاة وممارسة قوته البدنية عليها وليست بأي فتاة بل هي "قُسم". رمقه "حازم" بنبرة ثاقبة كالصقر الجائع وعلى وشك افتراسها
ليقول بنبرة قوية مستفزة: -هو ده بقى اللي جاي يوصلك لحد باب البيت بكل بجاحة. والله وعيارك فل يا قُسم وعرقك مد لبرا يا بنت الأصول. ترك "غفران" يده ليسحبه من تيشيرته إليه وكز على أسنانه بينما يهدد "حازم" بوضوح قائلًا: -كلمة تانية وهقل من رجولتك قدامها، وده لمصلحتك.
رفع "حازم" حاجبه بدهشة من تهديد "غفران" إليه وتحولت الدهشة إلى صدمة عندما التفت "غفران" وأخذ "قُسم" إلى باب العمارة فقابلت والدتها على الباب ومعها "ملك". أعطاها إلى والدتها بلطف واعتذار من والدتها ثم غادر في هدوء. *** وصلت "كندا" إلى القصر ليلاً وأخبرتها "سمرة" بما حدث وقدوم "قُسم" إلى قصر اللؤلؤ. فأندهشت بقوة وقالت بتمتمة: -دخلت قصر اللؤلؤ؟
أنا بقالي 10 سنين جواز في القصر ده متجرأتش أعدي من قصاد القصر. لا، ده قُسم دي حكايتها حكاية ووراها سر كبير. تركت السيناريو على الطاولة وصعدت تبدل ثيابها. وصل "غفران" إلى القصر غاضبًا مما حدث ويتحدث في الهاتف مع "عُمر" قائلًا: -اسمه حازم، معرفش إيه. عنده محل موبيلات في الحلمية. عايز كل المعلومات عنه الصغيرة والكبيرة. تكون عندي على المكتب الصبح. وقعت عيناه على السيناريو فمسكه وأدرك أن زوجته عصت أمره من جديد وذهبت
لهذا الرجل فقال بحدة: -أقفل يا عُمر. أغلق الخط وأخذ السيناريو معه للأعلى مُقتحمًا غرفة "كندا" بقوة فرآها تخرج من المرحاض بروب الاستحمام ليرفع يده بالورق وهو يقول: -الورق ده وصل هنا إزاي؟ ابتلعت "كندا" لعابها بتوتر ثم قالت بتلعثم: -ده شغلي يا غفران. بتر حديثها بفزع حين أسرع بخطواته نحوها يمسكها من ذراعها بقوة ويتحدث بنبرة قوية وعيناه على وجهها الضبابي: -روحتي له يا كندا، برضه بتعصيني!!
أخذت تنهيدة خافتة تبتلع الخوف ورفعت ذراعها الآخر إلى صدره تداعب بأناملها وتحدثت بنبرة دافئة: -سيبك من الخناق يا غفران، أنت وحشتني، نفسي تضميني يا حبيبي. هدأ من روعته وسارت القشعريرة بجسده، مسيطرة هذه المرأة على مشاعره وأشعلت نيران قلبه بذكائها ودلالها الناعم. ابتلع لعابه لطالما تمكن من مقاومة أنوثتها وإثارتها طيلة هذه الفترة. تبسمت بعفوية وعيناها ترى خمود نيرانه فرفعت يديها الاثنتين إلى كتفه تسقط سترته
عن أكتافه بدلال وتقول: -خليك معايا الليلة يا غفران وأنا هطمنك. اقتربت أكثر منه حتى التصقت بجسده وارتجف قلبه برجفة الحب ليفقد عقله مسحورًا بجمالها. وتناثرت الأوراق على الأرض حين تركها ليضم زوجته بيديه ويشعر ببرودة جسدها وشعرها المبلل. وضعت قبلة على وجنته لينتفض فزعًا من القادم فأبعدها عنه بضيق وقال: -مينفعش يا كندا.
غادر الغرفة لتغلق قبضتها بإحكام حتى جرحت أظافرها باطن يدها من قوة الضغط وقلبها قد دهسه "غفران" من جديد. فجلست على الأريكة وسكبت في كأسها الكثير من زجاجة الخمر الموجودة أمامها وبدأت دموعها تتساقط على وجنتيها بكسرة تعتصر قلبها وتمزق ما تكنه بداخلها إلى "غفران" وعينيها تنظر إلى سترته الموجودة على الأرض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!