بعد أن وقع يزن، جلست بجانبه تصرخ باسمه وتهزه كي يستجيب. لم يرد عليها وسط صدمة صديقه، وأخذت تنادي: "حد يتصل بالإسعاف". قامت من جلستها وضربت صديقه في صدره بيديها الاثنتين بكل غضب وقوة. "ليه عملت كده؟ ليه؟ عمل لك إيه؟ صرخ هو الآخر: "مش عارف… مش عارف إيه اللي حصل… مش قصدي… دي حاجة عادية، إحنا متعودين مع بعض نتخانق ونتصالح". وصلت الإسعاف، وتم نقل يزن إلى المستشفى. ذهبت سهر معه ولم تتركه خوفًا عليه.
اتصلت سهر بوالدتها تخبرها أنها لن تستطيع تركه. "أخوكي مسافر، وأختك جوزها زي قلته، عمره ما هيجي ولا بيقضي لنا مصلحة". "ما تقلقيش، أنا هبقى كويسة. حبيت أطمنك عشان لو اتأخرت". لم تجد والدتها حلًا سوى أن تتصل بزوجة عبد الله، صديق زوجها، وتروي لها ما حدث. قامت بدورها بإيقاظ زوجها، وذهب لسهر في المستشفى.
دخل عبد الله المستشفى في نفس الوقت مع والد ووالدة يزن. تفاجأ والد يزن أن عبد الله يعرف سهر، لأن له شأن وسمعة معروفة بين رجال الأعمال. فسأله: "إنت تعرف سهر منين؟ "أنا صديق والدها وفي مقام عمها، لأن أبوها عشرة من أيام الطفولة. وكان المفروض تطلبها مني، بس كنت مسافر في شغل ويزن كان مستعجل، فقلت لها يلبسوا الدبل والخطوبة. هكون أول واحد يستقبل المعازيم. كان نفسي أتعرف عليك في ظروف أحسن من كده. تعالى نعرف إيه اللي حصل".
كانت سهر منهارة، وروت لهم ما حدث وعدم فهمها لما كانا يتشاجران. طلب منها والد يزن أن تقول للشرطة عندما تأتي أنه سقط فقط ولم تكن هناك مشاجرة. عبد الله باعتراض: "إزاي؟ وحق ابنك؟ "زي ما هي قالت، إنه مجرد حادث وصاحبه ده عشرة عمره. ولو اتحبس يزن هيزعل، وأول الدكتور ما يخرج هنتطمن. مش هقبل أحرق قلب أبوه وأمه". عبد الله: "بس…"
قاطعه والد يزن: "ما بسش، إحنا دلوقتي المسؤولين. ولما يزن يقوم بالسلامة، حب ياخد إجراء ضد صاحبه، هنسانده، وتيجي تشهد وقتها ممكن تقول إنها كانت متوترة وقت الحادثة". عبد الله: "خلاص يا سهر، هما أصحاب الشأن". "بس يا عمي، صاحبه شكله كان شارب تقريباً". عبد الله بصرامة وحدة: "خلاص يا سهر، إنت هتخافي على ابنهم أكتر منهم. عموما، بعدين هنتكلم وأفهمك كل حاجة". "اللي تشوفه يا عمي، بس نطمن عليه الأول".
خرج الدكتور من غرفة العمليات، فقد احتاج جرحه إلى التعقيم والخياطة. "إحنا عملنا له أشعة واطمنا إن مفيش نزيف، بس للأسف هو دخل في غيبوبة". والدته: "هيفوق إمتى؟ "للأسف مش هنقدر نحدد، ممكن أسبوع، شهر، أو سنة. ربنا معاه، ادعوا له". انهارت والدته من الصدمة. وقالت سهر والدموع في عينيها: "لسه برضه عايزين تتنازلوا عن حقه؟ إزاي وليه؟ أمسك
عبد الله سهر واحتضنها: "آسف، هي منهارة. هروحها تستريح، وبعدين لو في تحقيق أكيد الصبح هتيجي". أفلتت سهر نفسها من حضنه: "لأ، أنا مش هسيبه غير لما أطمن عليه". والد يزن: "روحي يا بنتي استريحي شوية، وزي ما سمعتي، هو دخل غيبوبة، يعني مش هيفوق دلوقتي. ولو في جديد، أنا أول واحد هيكلمك". ذهبت بالفعل بعد تردد. وفي طريقها للمنزل، تحدث معها عبد الله: "اهدي، وهيبقى كويس". "إزاي؟ أهله كده عايزين يسيبوا حقه؟
"والد صاحبه راجل له سلطة وكلمة مسموعة في البلد، وعمر ابنه ما هيدخل السجن أو ياخد يوم واحد حبس، وده اللي والد يزن واثق منه، غير إن بينهم شغل كتير". "يعني يضحي بابنه عشان الشغل؟ ولا عشان خايف؟ "هما رجال الأعمال لهم حسابات تانية. خرجي نفسك إنت من الدائرة دي، لأنك هتخسري". "أنا مش خايفة منهم".
"مش هتقدري تعملي حاجة، حتى لو قلتي الحقيقة، والده هيتنازل ومش هيوجه له أي اتهام، فبلاش من الأول تنفخي في قربة مقطوعة وتعرضي نفسك لموقف محرج. ده بقى مسؤوليتهم هما". "إنت شايف كده؟ "آه، اسمعي كلامي، بلاش تعاندي وتعملي عكس اللي طلبته". "أنا بحترمك، وإنت عارف، وما أقدرش أكسر كلمة إنت بتقولها، بس هتجنن، حد يسيب حق ابنه؟ أنا لو منه كنت أكلته بأسناني". "إنت قلتي إنها حادثة". "آه، بس كان شارب". "يزن كمان بيشرب؟
"لأ، يزن مش بيشرب، وما شربش هناك، وأنا معاه". "لأ، ده اللي عرفته عنه لما سألت عليه بعد ما رجعت من السفر. كنت خلاص لبستي دبلته، وكنت هحذرك وأخليك تحاولي تغيري أخلاقه. وقلت إنه طيش شباب، يمكن لما يستقر ويتجوز يبطل، خصوصاً إنه اختار واحدة ملتزمة ومؤدبة زيك، أكيد هتقدري تشديه وتغيريه للأحسن". "أغيره للأحسن؟ ده هو اللي كان عايز يغيرني للأسوأ. ده كان عايزني أقلع الحجاب النهاردة في الحفلة". "إزاي؟ بس واضح إنك رفضتي".
"طبعاً، إنت شايفني قلعته؟ "عموماً، لما يقوم بالسلامة، هنحطه تحت الميكروسكوب، يا يبطل طيشه، يا إما ما يلزمناش. وإنت لو بتحبيه وقبليه على وضعه؟ "لأ، طبعاً. لو بيشرب ما يلزمنيش، حتى لو بحبه، لكني معجبة بيه مش أكتر، بس مفيش مشاعر حب". "سهر، لو حبيتيه قولي، ده خطيبك، ما تتكسفيش". "أنا عمري كذبت عليك، أصلاً هو فاجأني بطلب إيدي وأصر، قلت ليه لأ، أجرب بما إني مش مرتبطة، وكان يهمني رأيك، بس كنت مسافر".
"يعني لو رفضت كنت هتسمعي كلامي؟ "إنت عارف حضرتك، كنت أكتر من أخ لبابا، وسفرنا ومصيفنا ومعظم أعيادنا كانت مع بعض، إزاي أعارضك؟ خصوصاً بعد ما حفظت العشرة بينك وبين بابا بعد ما مات ووقفت جنبنا وما كانش لينا حد".
"أبوك ده كان أخويا، إحنا الاتنين كنا سند لبعض في الدنيا، واتفقنا اللي يموت التاني ياخد باله من أسرته، وأنا عملت بس اللي كان هيعمله. وبعدين إنت آخر العنقود بتاعنا، مش عارف أختك ما سمعتش كلامي ليه زيك وراحت اتجوزت البروطة ده اللي معاها ده؟ هههههه". "الحب بهدله، إنسان كسلان عن إنه يتنفس حتى، ده بيشتغل بالعافية، نفسه تنزل هي تشتغل، وعلى طول بيبعتها البيت عندنا عشان يوفر مصاريف أكلهم هو وعياله". "شفت كده؟
"بس مامتك مدياله وش". "هتعمل إيه يعني؟ هتطرده؟ "لأ، بس تفهمها، إنه واخد على كده، وده هيكون صعب على مر الزمان". "يوووه، ماما غلبت، هتعمل إيه؟ على إيدك، أكيد استسلمت للأمر الواقع، بس لما ماما بتسافر مش بيعرف يعمل معايا حاجة، ده بيهرب لأنه بيخاف من لساني، هههههه… وصلنا، شكراً، خرجتني من اللي أنا فيه بموضوع مستفز أكتر". "إنت عرفاني، محامي مراوغ".
"شكراً مرة تانية على وقفتك معايا، أكيد ماما متضايقة إنها صحتك من نومك وقلقك". "قولي لها صينية لازانيا اعتذار كافي". "بس كده؟ قريب أول ما أخلص من المشكلة هعملها بنفسي". "لأ، ماما اللي تعملها، عايز أعرف أكل". "اخص عليك يا اونكل، طب لما تذوق بتاعتي هتعرف إن أنا بعملها أحسن من ماما". "ماشي، بس إنت عارفة، مش بجامل". "أكيد، بس واثقة إنك هتاكل صوابعك وراها. تصبح على خير، ولا أقول صباح الخير؟
"سهر، المهم إنه خير، هيبقى خير إن شاء الله، ما تقلقيش". عادت بذاكرتها من اليوم المشؤوم. وصلت للمنزل وصعدت. والدتها: "خير؟ عملتي إيه؟ "كل خير، شكلهم ممكن يقبلوني، حسيت كده". "أنا دعيت لك كتير". "عارفة يا ست الكل، إنت عامله إيه؟ "مش كويسة طول ما إنت لسه مخطوبة ليزن بعد ما عرفت عنه إنه بيشرب". "يا ماما، هو دلوقتي في غيبوبة، ادعي له يقوم منها بالسلامة، لكن مش هقدر أسيبه دلوقتي، ما ينفعش". "أمال إمتى؟
هتفضلي كده وإحنا مش عارفين هيقوم منها إمتى؟ "حبيبتي، اهدي، أنا هانقل شغل جديد، خلي تركيزي دلوقتي إزاي أثبت نفسي الأول، وربنا هيحلها من عنده. أنا داخلة الكورس، هيبدأ كمان شوية. أوعي تكون بنتك وعيالها خلصوا النت؟ "لأ، قفلته أول ما جت ومعاها البروطة جوزها، وطلب النت، قلت له إنك مخبية الراوتر، وأول ما سمع اسمك ما نطقش". "هههههه، أحسن، خليني على طول في وشه، يمكن يحس على دمه". "هو اللي زي عمره هيحس، بس أختك زعلت".
"وهو إيه اللي يزعل في كده؟ جوزها بييجي مخصوص ياكل ويخلص شغله ويحمل من النت بتاعي ويخلصه، ولا مرة فكر يجدده من جيبه، أو حتى يعزم؟ أنا مش قاعدة على بنك". "معلش، حظ أختك كده، ادخلي ريحي وشوفي شغلك". بعد يومين، اتصلت عليها شركة كريم تبلغها أنه تمت الموافقة عليها، وسوف تستلم الوظيفة بعد يومين. كان كريم الذي رشح تعيينها من بين كل المتقدمين بحجة تمكنها من لغتين بجانب باقي قدراتها، فقد شعر أنه يريد رؤيتها مرة أخرى.
ذهبت لشركة يزن كي تقدم استقالتها. والد يزن: "آسف إنك مضطرة تمشي، إنت من أكفأ الناس اللي اشتغلت هنا، أنا حزين إنك هتسبينا، مش بس لأنك خطيبة يزن". "حضرتك عارف، مش قادرة أركز، كل أما أبص على مكتبه بحس إنه هيخرج منه. بتمنى يخرج يزعق فيا زي زمان، زي ما كان بيعمل، بس يخرج، حتى لو ضربني، أنا راضية. الفترة اللي فاتت كان شغلي كله أخطاء، وبراجع عليه مرة واتنين، وأنا مش كده، بحب أكون دقيقة في الشغل".
"عارف.. إنت متأكدة إن مكانك موجود؟ "متاكدة". "سهر، كفاية كل شوية تروحي ليزن". "ليه؟ ده ما لوش علاقة باستقالتي، أنا سبت الشغل لأني بضره أكتر ما بفيده". "يعني استقالتك مش بداية إنك هتسيبي يزن؟ "خطوبتي له كانت قصيرة، بس حضرتك معذور تقول كده، ما تعرفنيش لسه غير كموظفة". "حبيت أعفيك من أي حرج إنك تنهي ارتباط بيه لو محرجة". "الأمور دي ما فيش فيها إحراج، بس ممكن أسألك، لو إنه مش من حقي، ليه اتنازلت عن حق يزن؟
"غصب عني، لو صاحبه أخد يوم واحد حبس، مش بعيد كانوا قتلوه. أنا أب ابني يبقى عايش في غيبوبة وحقه رايح، ويبقى قدام عيني بدل ما يموت وياخد حقه، ويا ريت، ممكن ياخده. الناس دي مش سهلة، ربنا ينتقم من الظالم، لأننا ما نعرفش الحكاية". "للدرجة دي؟ "إحنا في سوق الرحمة معدومة، بيزنس، بس سامحيني أرجوك، أنا ما سبتش حقه بمزاجي". "سامحيني حضرتك على سوء الظن". "ولا يهمك، وشركة كريم الألفي هتكسبك، وإحنا اللي هنخسرك".
"كل شيء نصيب، عن إذنك". ذهبت بعد يومين واستلمت العمل. بعد شهر من العمل المتواصل، أثبتت مهاراتها وجدارتها بالوظيفة. لم تكن تمل من الذهاب ليزن في المستشفى. ذات يوم، طلبها نبيل في مكتبه بملف مهم. ذهبت، لكن نظراته لها لم تكن مريحة هذه المرة. "ادخلي واقْفِلي الباب". توجس قلبها من نظراته، فقالت بتخوف: "ممكن نسيبه مفتوح". تحدث بنبرة عالية وقوة
كي يبث الرعب في نفسها: "أسرار الشغل ننشرها بقى على النت أحسن، اتفضلي يا آنسة، ادخلي واقْفِلي الباب، إنت أول مرة تشتغلي في شركة كبيرة". "آسفة يا فندم". بدأ يسألها عدة أسئلة استفسار عما بداخل الملف وهي جالسة أمامه تجيبه، حتى قال: "تعالي شوفي النقطة دي مش واضحة". وقفت بجانبه لتراها بكل براءة، لم تتوقع منه أي سوء، ولكن مد يده ليتحسسها بوقاحة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!