انتفض جسد خديجة، انتفاضة قوية. أشد من انتفاضة الصاعقات الكهربائية التي تلقتها آنفًا، واعتدلت جالسة على الفور، مجفلة، متزلزلة. لقد زال قلبها وهي تحدق في جسد اراس الذي سقط أمامها بدوي هائل، مزعج، محطم. حطم فؤادها الذي تناثرت شظاياه بين جنبيها. ارتفعت دقات قلبها بقوة وهي ترى الدماء تنفجر من جبهته، فسرت قشعريرة باردة في بدنها، وتدفق الدمع من عينيها وهي تلهث مرتجفة. "ما الذي حدث؟ "كيف أمامها يكبر! كيف سقط جثة هامدة هكذا؟
"هذا ليس اراس حتمًا.. هذا ليس هو." "لا لن تصدق عينيها أبدًا، فالعين في بعض الأحيان تكن كاذبة لا ترى." "لا غرو! فؤادها لا يصدق رغم تحديقه في جسده دون إلتفات." استجمعت قواها لتندفع أرضًا زاحفة على ركبتيها وكفيها وهي تردد اسمه كالتائهة، وراحت تلطم على خدها بتوسل، ترجوه أن يجيبها. أن ينبس بأي حرف يطمئن قلبها!
ليفتح عيناه ويجيبها لتصرخ بحبها له. نعم، هي الآن تعترف إنها بدأت تحبه. تحب اراس الذي كان يصنع لأجلها المستحيل لترضى. تحب اراس الذي لا يهون عليه دمعة من مقلتيها. تحب اراس الذي كاد يجن حين اختطافها. تحب اراس الذي يفديها بروحه لتكن هي بخير. رفعت رأسه إلى صدرها وتساقط دمعها بحرقة على وجهه كاللهب، ثم صرخت وهي تشهق. صرخة طويلة. صرخة تقطع نياط القلب. صرخة تردد صداها في الأرجاء.
وفي حجرة قريبة من حجرتها كان آجار جالسًا بداخلها بجانبه مالك ومعاذ. وعلى الفراش جلسن البنات حول أروى. كان آجار يشاهد فيديو على جوال مالك وهو طفلًا وتنطلق ضحكته صافية عذبة، ربما لم يضحكها يومًا، بالتحديد منذُ طفولته. وفجأة! سقط منه الهاتف وانتفض قلبه مع صرخة خديجة باسم اراس. تلك الصرخة التي يقسم إنه لم يسمع أوجع منها قط. صرخة نبأته إنه سيخسر عزيز. عزيز كان له سند قبل أن يكون رفيق.
وحدق بعيناه وهو ينقل بصره بين الشباب مرددًا بخوف: "خديجة؟ اراس؟! ثم قفز راكضًا نحو غرفتها وخلفه باقي الشباب والبنات الذين اندفعت أيضًا. بينما صاحت أروى: "خديجة، خديجة بتصرخ.. دي خديجة مال خديجة." كانت تردد دون وعي لدموعها التي قفزت من عينيها على صرخة خديجة التي انغرست في فؤادها كنخجرًا محميًا بالنار.
فتح آجار الباب ولم يقو أن يخطو خطوة واحدة فأسند ظهره على حافته، وحدق في الدماء التي تنسال من جبين اراس. فسأل دمعُه يهوى كسيلٍ جارف، أو نهرين جاريين. في حين صمتت خديجة تمامًا وهي تحدق في وجه اراس لاهثة بانفعال، وغاضت عيناها. توقف الجميع حولها بلا حراك، صدمهم حزن خديجة الذي شطر قلوبهم شطرًا. خديجة التي تعد الأخت الكبرى لهم. النور الذي يضيء حياتهم.
كانت أروى تحاول أن تنهض بكل قواها لكنها لم تستطع بسبب قدمها حتى سقطت على وجهها. وهمت أن تزحف لتذهب إلى خديجة حين اقتربن منها ممرضتان بمقعد متحرك نقالتها عليه وأخذتها إلى خديجة. كان الأمر مؤلم.. مؤلم بحق. رفعت خديجة نظرها وتطلعت في وجوههم جميعًا وهي تهمس: "نجيب إللي قتله، نجيب." كانت صدمة حقيقة عليهم كأنما ألقت قنبلة موقوتة بينهم، حتى لم يلاحظن أخذ الأطباء والممرضين لجسد اراس من أحضان خديجة. ونهضت وهي تؤمئ مغمغمة:
"نجيب بيعمل كل إللي بيأمره بيه ماهر." رشق آجار بنظرة غريبة. فاقتربت منه وهي تحدق في عينيه مباشرة متمتمة: "ماهر ونجيب هما إللي وراء كل اللي حصل لنا." اندفع آجار من أمامها وهو يتعثر في خطواته مغادرًا الغرفة وهو يتمتم: "هقتله.. هقتلهم، هقتلهم."
توقفت السيارة بالتحديد أمام المنزل الذي كان نجيب يأسر خديجة بداخله. وترجل حمزة وعاصم وسحبا نجيب من داخلها وهو يحاول جاهدًا الإفلات، ويزوم بوحشية. وعبرا به المنزل ونزلا إلى القبو الذي كان يعذب خديجة فيه. وفي داخل القبو كان مظلم جدًا. وألقى حمزة وعاصم نجيب أرضًا. وقبل أن يهم بالنهوض ضغط حمزة على صدره. وانبعث صوت أنثوي يقول في برود الثلج: "جئتم به؟ أومأ حمزة كأنها تراه، وقال: "ها هو."
تلفت نجيب في خوف واضح حوله، في محاولة اكتشاف من التي تتحدث والتي كانت تنهض في بطء تام، مغمغمة ببساطة: "إذن ينبغي علينا أن نكرم ضيفنا." وفي خطوات متأنية اتجهت نحو نجيب ومالت عليه بشراسة مخيفة، وغمغمت: "يجب أن يذوق مما أذاق به غيره." ونهضت مستطردة ببساطة: "ثم نسلمه للشرطة هدية مميزة منا." امتقع وجه نجيب على ذكر اسم الشرطة، وكاد أن ينهض محاولًا مواجهتهما حين قبض عاصم على عنقه بإصابع كالفولاذ وهو يقول:
"ما زلنا لم نرحب بك يا صاح.. أين تتجه؟ تعال معي.. هيا." دفعه عاصم بغلظة حتى أجلسه فوق المقعد التي كانت خديجة تجلس عليه آنفًا، وقيد معصميه على ذراعي الكرسي. ثم انتصب واقفًا وهو يحرك حاجبيه في مرح، وقال ببساطة وهو يضرب سبابته على وجنة نجيب: "لا تخف يا صاح.. سيكون الأمر ممتعًا." "كيف حال خديجة؟ انبعث صوت المرأة فجأة، حاملًا قدرًا هائلًا من القلق والحزن. أجابها حمزة بوجد: "لم أرآها." غمغمت المرأة باقتضاب:
"نفعل كل هذا لأجلها.. أسأل الله أن تظل بخير حتى ننتهي." آمن حمزة وعاصم على دعاءها معًا: "آمين." استطرد حمزة باهتمام وهو يتطلع إليها: "ماذا سنفعل الآن؟ سألته المرأة في جدية: "متى سيأتي؟ جاءها الرد من أعلى الدرج، لصوت غاضب قاس يقول: "ها أنا ذا." وهبط الدرجات في خطوات سريعة، ووقف أمامها قائلًا بخشونة: "لن أغفر لكِ ما فعلتيه قط! رشقته المرأة بنظرة باردة، وغمغمت: "ستشكر صنيعي يا أركان حتمًا."
نظر آركان إلى عاصم الواقف بقرب نجيب، واشار له بكفه، قائلًا: "ماذا تتنتظر بالله عليك.. إبدأ! ولا تجعل القيامة تقم على رؤوسنا." قال عاصم في مرح وهو يضغط زرًا ما: "إليك هذا بكلُ سعة صدر." ما كاد ينهي عبارته، وإذ بجسد نجيب ينتفض في قوة رهيبة من رأسه حتى أخمص قدميه وجلجلت صرخته في المكان كإنها قنبلة تفجرت بغتة. وصدت المرأة أذنيها بكفيها، بينما همس عاصم بضيق: "ألم يكن من الأفضل أن نسلمه للشرطة وفقط؟
رفع حمزة حاجبيه في دهشة، ورد عليه باقتضاب: "أتُشفق على من مثله؟ الذين على شاكلته يستحقون ما ينالهم، فهو لم يشفق على خديجة قط." أوقف حمزة الصاعق، ورويدًا سكن جسد نجيب متهدلًا، متراخيًا متصببًا عرقًا، وقد أغمى عليه. فرفعت المرأة كفها، قائلة بصرامة: "هذا يكفى، إنها مجرد قرصة ودن ليعلم إن الرجولة لا تعلو على المرأة قط، دعه وشأنه." ونقلت بصرها بينهما، وطرقعت سبابتها وإبهامها، مستطردة:
"تعالوا إلى الخارج، يجب أن نعرف أين خالد." وأسرعت ترتقي الدرج، وحمزة يقول من وراءها: "أقسم بإن هذا الحقير يعرف أين مكانه." ردت عليه وهي تجلس على أحد المقاعد: "سنرى حتمًا." "لا زلت لا أصدق أن نجيب هو من غدر بنا، لقد كان لنا مثل الأخ وأكثر، هل هكذا يجزي أخي؟ غمغمت بتلك العبارة هنا، والدموع تنهمر من مقلتيها، فربتت لمياء على كتفها ولم تنبس، وران الصمت على المكان لم يكن يقطعه إلا شهقات البكاء، والنشيج.
كان قد ذاع خبر موت اراس في كل مكان، لكن الجنازة لم تقم قط، فقد رفض أركان رفضًا تامًا محيرًا. وتناولت الصحف والمجلات خبر وفاته، حتى نشرة الأخبار، الجميع أصبح يعلم بموته متيقنين به. قطعت الصمت خديجة، التي كانت ساهمة بغرابة، ورددت بثبات رغم الدموع التي تجري من مآقيها: "الغدر يكمن داخل المرء دائمًا وأبدًا، نحنُ من نعطي ثقتنا كالعميان لمن لا يستحق، فننصدم في الأخير وتعلمنا الحياة إننا بالفعل عميان.. عميان البصيرة."
رفعت رأسها إلى هنا، وأضافت ببسمة حزينة تنبلج فوق شفتيها: "نبي الله يوسف ذهب مع أخوته، يوسف لم يكن يعرف إنهم يضمرون في أنفسهم الشر إليه، لم يكن يعرف إنهم يكرهونه إلى حد جعلهم يخططون لقتله، يوسف كان مطمئن وذهب معهم لأنهم اخوته، فإذا بهم يغدرون به أقسى غدر قد يحياه المرء، ويلقون به في بئر دون رحمة به، أو حتى لأنه من دمهم. ويا للعجب، وكل العجب فبعض سنين طوال يتهموه بالسرقة! لماذا لم يتلاشى كرههم نحوه؟
لماذا لم تخف غيرتهم منه بعد مرور كل هذي السنون؟ أتعجب حال نبي الله يوسف كيف تحمل غدر اخوته؟ كيف شعر وهو يُلقى داخل الجب بيد من ظنهم مأمنه وعائلته؟ تُرى كيف كان حال قلبه؟ ثم أسندت رأسها على ركبتيها المضمُمتين، واستطردت: "هلا تركتموني بمفردي قليلًا رجاءً؟ هزت لمياء رأسها، وقالت: "لن أذهب إلى أي مكان! لم تجبها خديجة لدقيقة كاملة، قبل أن تقول بغتة: "سأغادر غدًا، سأرحل إلى مصر.. لقد اشتقت إلى والدتي، إنني بحاجة إليها."
صاحت منة مزعورة بأعياء: "ماذا؟! لا تهذين يا خديجة.. ألن تجرين ليّ العملية؟ كان صوتها قد تهدج في آخر عبارتها بعبرة حزينة قطعت نياط قلب خديجة، فاستدركت قائلة بتذكر: "على رِسلك يا منة، بالطبع أنا من سأجريها لكِ، لا تؤخذيني لقد نسيت إنها هفوة مما أنا فيه… أعذرينني." همهمت منة ببسمة مجهدة: "لا بأس.. فقط كوني بخير لأجلنا، جميعنا بحاجة لكِ." قالت خديجة ببسمة خافتة: "وأنا بحاجة إن أبقى بمفردي قليلًا."
أحست أروى بحاجة خديجة الماسة إلى مناجاة ربها عز وجل، فأشارت إلى البنات، وقالت: "دعونا نتركها بمفردها قليلًا لترتاح، ثم نعود إليها لاحقًا." عاونتها لمياء وملك للخارج بسبب قدمها التي لم تشفى بعد، وقبيل خروجهم أوقفتهم خديجة بقولها للمياء: "لمياء أخبري مالك أن يعطي الأدوية إلى منة كما علمته، حسنًا." اكتفت لمياء بهزة من رأسها، وخرجن جميعهن وأغلقن الباب خلفهم.
أسترخت خديجة في مجلسها، وسال دمعها بغزارة توجع القلب وتقطع نياطه، كأن على قلبها يوجد ثقلٌ جاثمًا، رويدًا رويدًا انهارت تمامًا وأصبحت دموعها نشيجًا ونحيبًا وشهقات عالية مكتومة. "لماذا أراه في كل مكان؟ كيف أحبته؟ متى أحبته؟ لكنها أحبته ما أن خسرته عرفت إن قلبها قد هواه.. لا تصدق إنه مات.. هل اراس مات؟ مات حقًا.. كان أمامها فكيف خطفه الموت هكذا؟ يا لها من دنيا! يا لها من حياة؟
كيف الموت يأخذ أقربهم للقلب، وأحبهم للروح، هكذا فجأة من أمام أعيننا دون أن يترك لنا ثانية واحدة بوداع… وداع نظل أبد الدهر على ذكرآه! بحضن نأنس به في وحدة أيامنا القادمة! يا لك من قاسي أيها الموت حين تباغتنا فجأة وتأخذ أقرب الخلق إلينا، وأكثرهم فهمًا وحبًا لنا. هل الآن حين تذكره ستقل (رحمة الله عليك) هل ستضع تلك العبارة قبل اسمه بعد الآن؟ ها هي الدنيا يا ابن آدم آتراها تسحق أن تنغمس في نعيمها الزائل؟
تراها تستحق أن تغضب ربك لأجلها؟ أتحسبها تدوم لك؟ والله لن تدوم والموت آت ربما أنت القادم والموت ليس له موعد ولا إنذار ربما وأنت الآن ممسك بهاتفك يباغتك، ربما وأنت واقف تجده أمام وجهك هكذا الموت يا صاح. فحذار يا عزيز من الدنيا وبادر إلى الله بأعمالك الصالحة فهي الباقية، وهي المنجية." مسحت خديجة دمعها وهي تتنهد بعمق، ثم نهضت وأدت صلاتها وجلست تقرأ في كتاب الله ربما تجد دواء لقلبها في كلام الله، وستجد حتمًا.
حين فرغت قامت إلى الفراش مجددًا، وتلفتت حولها وقد خُيل إليها إن أريج الحبيب قد فاح، لكن لا أثر له. أمسكت هاتفها وراحت تنقل آلامها في كلمات، ربما تهون عليها غصة فؤادها: "هل من بعد الآن سأقول رحمة الله عليك؟ ولا رحمة الله على قلبي الحزين؟ أتظنني فقدتك أيها الحبيب أم فقدت نفسي؟ كنت راحة قلبي إذا أضطرب بالأعياء والأعباء فمن ذا يريح فؤادي بعدك من أوجاعه؟
كنت نورًا ينبلج في صدري في أحلك لحظاتِ سوءًا. حزني عليك يعقد لساني فلا ينبس، ويرسل دمعي ليتكلم بمرارة، أتراءى لك حبي الذي أكنه لك؟ إما إنه توارى تحت الثرى مع روحك الطيبة؟ ستقول وداعًا! ستقول سلامًا؟
سأقول مرحبًا لعتمة أيامي القادمة دون وداع، دون نهار يجليها.. ففراقك يعني النهاية.. نهاية روحي وبداية عذابِ. يا حبيبَ القلب، ألم أخبرك ألا تقل وداعًا أبدًا بل قل إلى اللقاء، فكلمة الوداع قاسية بشدة على قلبي. فيا قلب تهيئ لأحزانك فهي لن تأتي زائرة بل مقيمة.. مقيمة إلى الأبد يا قلبي."
أختنقت أنفاسها فجأة، وأحست بقلبها ينقبض، وذرفت آمآقُها فركضت نحو النافذة، وفتحتها، ومالت ممسكة بكفيها حافتها وأسبلت جفنيها لتفيضُ أدمُعها، عندما رفعت رأسها لاح شيئًا، جعل الدمع يتجمد في الأجفان.. بل ينزوي مختبئًا، والشفاه المرتجفة تتوقف، وحدقت وسط ظلمة الليل في اراس الواقف أمامها فخفق قلبها، وتسارعت أنفاسها، ومرتين متتاليتين راحت تغمض عينيها وتفتحهما وكالمعتوه سحبت نقابها لترتديه بعجل وهي تهرول خارج الغرفة وخارج المنزل، وحين وصلت إلى مكان وقوفه لم تجد أحد قط فبكت مجددًا بحرقة.
"لما تحس بوجوده؟ تشعر إنه قريب.. وإن عينيه الآن تراقبانها.. أهي في يقظة أم حلم؟ همت أن تسير داخل البيت حينما صد طريقها أركان، فتقهقرت خطوة وهي تتطلع إليه في غضب، مغمغمة: "ماذا تريد؟ حرك أركان كتفيه وهو يسألها في دهشة: "ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟ تخطته خديجة في خطوات سريعة وهي تهتف: "ليس هذا من شأنك." شيعها أركان بنظراته حتى اختفت من أمامه فمط شفتيه كالح الوجه وهمس بعبوس: "ليس من شأني! إذن من شأن من؟
في خفة وبعد إن تأكد آجار وإسلام من خلو المكان إلا من نجيب، حتى تسللا للداخل وأعلى الدرج التفت آجار إلى شقيقه وأردف في صوتٌ خافتٌ للغاية: "أبق أنت هنا، أنا من سأحرر نجيب الآن." هتف إسلام في استنكار: "ماذا؟! لم يكن هذا.." قاطعه آجار بنبرة حاسمة: "أخرس، الآن هذا ليس الوقت المناسب للمناقشة، سأحرر نجيب وسآخذه في سيارتي وأنت ستلحق بنا، أفهمت؟ أجابه إسلام في استهتار: "فليكن." واستطرد فجأة بعبوس:
"أسمع يا آجار كل ما تفعله لا يعد جيدًا يا أخي! شوح له آجار بلا مبالاة، وغمغم مستدركًا: "انتظرنا الآن في السيارة.. هيا انطلق." أستدار إسلام لينفذ ما قاله آجار، وواصل آجار طريقه أسفل القبو، وتوقف أمام نجيب وضحك بخفوت لهيئته قبل أن يهزه، قائلًا: "نجيب، نجيب استيقظ يا هذا، أفق بسرعة قبل أن يصل أحد… هيا يا رجل."
تململ نجيب وهو يتأوه من ألم جسده كان قد مر على مكوثه في القبو ثلث أيام بياليها ومرارتها وعذابها، حتى ظن إن شباب آل الشرقاوي لن يحرروه قط. وتمنى لو قتلوه بدل كل هذا العذاب. وعندما رفع رأسه وهو يحاول فتح عيناه المتورمة، واستطلع آجار في تمعن، وفجأة تراجع برأسه صائحًا في ذعر: "لا، لا.. كفى ضربًا.. كفى لم أعد أتحمل." كظم آجار ضحكته في أعماقه، وكبح غضبه كي لا يفترسه في مكمنه، وقال وهو يربت على كتفه:
"بما تهذي يا رجل.. هذا أنا آجار، أرسلني ماهر لأنقذاك! ولأن نجيب يعلم إن ماهر يتلاعب بآجار فقد انبسطت أساريره على الرغم منه وهتف متهللًا: "حقًا؟! هل سأنجو أخيرًا." واستطرد وهو يرمق قيده في سرعة: "هيا يا فتى، ماذا تنتظر! حل قيدي سريعًا قبل أن يرآنا أحد." مال آجار يحل قيده وهو يقول: "لقد قلقنا عليك بشدة! سأله نجيب في حذر لا يخلو من الشك: "متى أخبرك ماهر بكل شيء عنا." أجابه آجار دون أن يلتفت إليه:
"منذُ أن اختفيت قص ليّ كل شيء، ومن حينها ونحنُ نبحث عنك، لم نكن نتوقع إنهم آسروك هنا." غمغم نجيب في حقد وهو يدلك معصميه ويهب واقفًا: "لن أنتركهم.. سأدمرهم كلهم، أقسم بهذا." ربت آجار على كتفه وهو يسرع في الخروج قائلًا: "بالطبع يا رجل.. هيا ألحق بيّ." لحق به نجيب للخارج وهو يفتش جيبيه سائلًا في حيرة وقلق بالغيين: "يا إلهي.. أين هاتفي؟
ونبش فيه القلق بقوة حين لم يجده، واستقروا داخل السيارة وأنطلق آجار بأقصى سرعة، وانتظر إسلام قليلًا ثم لحق بهم. وفي إحدى السيارة القريبة، كان حمزة وعاصم جالسان في داخلها امام كمبيوتر متنقل، ينقل لهما كل ما حدث داخل القبو، واستمعوا لكل حرفٍ تبادلاه. وغمغم حمزة وهو ينزع السماعة من فوق اذنيه متبسمًا في ظفر: "لقد حصل بالضبط ما توقعته." رد عليه عاصم وهو يفتح باب السيارة: "المهم إلا نتأخر.. هيا."
لم يكن آجار يعرف بالأساس عنوان تواجد ماهر، ولكنه ظل يقود دون وجهة، حتى تنبه نجيب من شروده والتفت له قائلًا: "عجبًا! أين تذهب يا فتى؟ دعني أوجهك إلى طريق مختصر إلى منزلي، انحرف يسارًا.. هيا."
كانت فرصة جاءت لآجار على طبقٌ من ذهب فراح يقود حيثُ يوجههُ نجيب، حتى توقف أمام منزل نائي تحيط به الخضرة والأشجار، وراح يعبر من بوابة سوداء انفتحت تلقائيًا لسيارته، وعلى جانبه الأيسر ثمة حمام سباحة ورأى خادمة تنظف المكان الذي كان نظيفًا ليس بحاجة، وتوقف حين اشار له نجيب، وغادرا السيارة ونادى نجيب الخادمة التي أقبلت ركضًا، فسألها: "أين السيد ماهر؟ أجابته الخادمة في تلقائية:
"مرحبًا بك يا سيدي، السيد ماهر هناك في الغرفة المنفردة." اومأ لها نجيب وأشار لها بالمغادرة، وقال لـ آجار: "هيا تعال، لا بُد إنك رأيت و تعرف المنزل الآن حق المعرفة." اومأ له آجار دون أن يعلق وهو يسير بجانبه، وعند غرفة منفتحة الباب ابصروا ماهر ينفث سيجاره وما أن وقع بصره عليهما، حتى أطل الهلع من مقلتيه، وألقى سجارته ارضًا، وهو يدير عينيه على آجار المقبل برفقة نجيب، وعلى خالد النسخة منه، وسعل فجأة بقوة وهو يردد:
"من هذا؟ من هذا؟ رمقه نجيب في حيرة وهو يقول: "هذا آجار، ما بك.. ألم ترسله لينقذني." صاح ماهر مستنكرًا: "منَ؟ أنا؟ واستطرد كمن اصابه مسٌ من الجن: "إذا هذا آجار، فمن هذا؟ أشار على خالد الذي يجلس بالداخل مكبل الذراعين من الخلف وأطل برأسه ليستطلع الأمر حتى رمق آجار فقهقه وهو يقول: "مرحــــــــبًا." تبسم له آجار وهو يكبح ضحكة كادت أن تفلت منه، وأسترد صرامته وهو يقول في حدة: "أنا آجار.. من هذا الذي بالداخل؟ "بل أنا آجار"
انبعث الصوت فجأة من خلف آجار صادرًا عن إسلام الذي مضى نحوهم، وتوقف، فأطلت دهشة عارمة من عيناي ماهر، وأومضت عينا نجيب ودارت حدقتها في محجرها. خيم الصمت بعد عبارة إسلام، أشعل خلالها ماهر سيجارة أخرى راح ينفث دخانها في توتر واضطراب وهو يدير عينيه علىٰ الثلاثة. وقال في حيرة: "أهي لعبة؟ غمغم آجار في سخرية: "ربما!! تراجع فجأة خطوة حادة حينما رفع ماهر سلاحه في وجهه وأشار له لداخل الغرفة، مغمغمًا:
"أدخل.. أدخلا أنتما الأثنين، هيا." صاح إسلام في اضطراب وهو يرفع كفيه فوق رأسه: "يا الله ما هذا الآن؟ لماذا لم تخبرني إنه يوجد أسلحة؟ رمقه آجار بنظرة متهكمة وقال ببساطة وهو يجلس بجانب خالد في استرخاء: "المرة القادمة سأخبرك يا روحي." غمغم إسلام متحسرًا وهو يجلس بجوار خالد على الجانب الآخر: "هذا إن كان في مرة أخرى يا عزيزي." غمغم خالد ضاحكًا: "أعذراني لا يمكنني الترحيب بكما، هل احضر لكما شاي؟ قهق آجار ضاحكًا وهو يقول:
"بأس أصنع." التفت خالد إلى إسلام وقال في أسف: "وأنت ماذا تشرب؟ اعلم إنك لا تحب الشاي." غمغم إسلام شبه منهارًا ونجيب يكبل كفيه: "يؤسفني أني لن أذوقه قط، فالموت يلوح ليّ أقرب ليّ من نفسي! سُحقًا ليّ! وصاح فجأة وهو يكاد يبكي: "ماذا فعلت أنا وأتبعت هذا المعتوه وجئت معه، سُحقًا ليّ! أنهى نجيب من أحكام قيودهما، ووقف بجانب ماهر الذي تأملهم مليًا، حتى قال: "من منكم آجار؟ صاح آجار ضاحكًا: "أقسم لك إنه أنا آجار."
هم ماهر بأن يقول شيئًا، فأطبق شفتيه عندما قال خالد نافيًا: "إنه يكذب.. أنا هو آجار." انفرجت شفتي ماهر ليقول شيئًا وعاد يلوذ بالصمت حينما صاح إسلام: "لا، لا.. أنا هو آجار يا عزيزي ماهر." سقط في يد ماهر وعيناه تدور بينهم في دهشة بالغة، فأخذ منه نجيب السلاح في حدة، وسحب مشطه في قوة، وصوب فوهتة على رؤوسهم، وقال في غضب: "من منكم آجار يا هذا، أنطقن وإلا فجرت رصاص هذا السلاح في رؤوسكم." آجار فمه وهو يقول باقتضاب:
"إنه انا يا رجل.. لماذا لا تصدقني؟! تقدم نجيب منه وهو يقول: "إذن أنت آجار…" قاطعه خالد وهو يقول عابسًا: "أنا هو آجار أيها الوغد.. لماذا لا تصدقني؟ صرخ نجيب في انفعال وهو يستدير إلى ماهر، مغمغمًا: "أخبرتك أيها الكهل الأبلة ان تتخلص منه، ولكن لم تستمع إليّ.. أردت أن توجع لمار، أليس كذلك؟ أنظر الآن من يوجع الآخر. بدل من أن تلعب به، هو من يلعب بك الآن! ورفع السلاح على رأس ماهر الذي انتفض مزعورًا وبرق بصره، وقال مرتعشًا:
"لن تقتل من رباك يا نجيب، أليس كذلك؟ اهدأ يا بني سنتخلص منهم هم الثلاث." فجأة انقلب المشهد رأسًا على عقب.. فلقد انقض خالد فجأة واقفًا مطوقًا عنق نجيب في قسوة، وهو يغمغم بصوت صارم: "ليس بعد يا أوغاد، قتلنا ليس بهين! "بالطبع.. لا عاش ولا كان أن يمس أحفاد لمار الشرقاوي وهي على قيد الحياة." تردد الصوت فجأة في المكان، وعلت ضحكات خالد عالية مجلجلة، وقفز آجار بعد ان فك قيده، مغمغمًا: "اشتقت لكِ يا جدتي.. كيف عرفتِ المكان؟
ومال ليفك قيد أخيه، بينما ارتجفت أوصال ماهر، وأطل رعب هائل من عينيه وهو يتراجع ملتصقًا في الحائط وعيناه تحدق في المرأة التي أمامه.. المرأة التي لم تكن إلا لمار. لمار الشرقاوي. بكل هيبتها وجرأتها وشجاعتها. رافعة الرأس يحيط بها حفيديها من كلا الجانبين عاصم وحمزة. وضحكت لمار عاليًا وقد راقها رعب ماهر، وغمغمت: "مُفاجأة.. أليس كذلك؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!